امواج الحنين

امواج الحنين

91 0

"ليانا تعود إلى الميناء، حيث الحنين يلتقي بالغموض واللقاءات القديمة."

----

الفصل الثالث : امواج الحنين

ومع كل خطوة اقتربتُ فيها من حافة السفينة، كان صدري يثقل شيئًا فشيئًا.

حتى اخترق أذني صوت حاد واثق، ليس ببعيد:

– "هل تعرفين كم يبلغ عمق البحر؟"

ارتجفت، وكأن الصوت أعادها إلى وعيها من غفلة غريبة.

ابتسم ابتسامة خفيفة وأضاف بسخرية:

– "أشكّ أنك إن قفزتِ ستعرفين الإجابة... لذا افعليها وعودي لتخبرينا."

التفتت إليه بدهشة، وكأنها لا تعي عمّا يتحدث.

كل الضوضاء من حولها تلاشت، وما إن نظرت إلى الجهة الأخرى حتى وجدت نفسها على وشك القفز من السفينة.

صرخت وابتعدت إلى الخلف، مندهشة، ثم تساءلت في داخلها:

ما الذي جاء بي إلى هنا؟ ما الذي يحدث؟

وبينما تحاول أن تتذكر، قطع أفكارها صوت مرتجف وقلق:

– "آه… آنستي، لقد كدتِ توقفين قلبي! ناديتك مرارًا ولم تلتفتي إليّ."

التفتت، لترى ملامح ماريا يغمرها الخوف. عندها أدركت أنها حقًا فعلت ما يثير القلق.

– "لا بأس… آسفة يا ماريا، لم أستمع إليك.

يبدو أنني لا أزال أشعر ببعض التعب."  أجابت لتهدئتها.

ابتسمت ابتسامة باهتة، ثم رفعت نظرها نحو أدريان، تحاول أن تخفي الأمر. لكنه اكتفى بنظرة ساخرة وغادر بين الركاب.

بعد لحظات، رست السفينة أخيرًا، وتعالت أصوات النوارس فوق الجموع.

بدأ الركاب بالنزول، وارتفعت أمامهم بوابة ضخمة مزيّنة بالنقوش البديعة.

امتزجت أصوات الباعة برائحة الأزهار والمعجّنات.

– "هيا آنستي، علينا النزول أيضًا." قالت ماريا، وعيناها على ليانا التي ظلّت تحدّق في النقوش.

– "نعم… هيا بنا."

وبين الزحام، لمحت ليانا شخصًا مألوفًا، ملامحه تعرفها رغم أثر السنين.

كان ماركوس، حارس العائلة القديم، وقد بان عليه أثر العمر.

تقدّم نحوها بعينين دامعتين وقال:

– "أخيرًا عدتِ! الحمد لله على سلامتك يا سيدتي."

ابتلّت عيناها بالدموع، فأجابت:

– "سعيدة لأنك أنت من جاء لاستقبالي… لقد اشتقت إليك!"

نظر إليها بتمعّن وقال:

– "لقد كبرتِ حقًا… وأصبحتِ أجمل!"

ضحكت مع غصّة في قلبها، فقد أعاد إليها ماركوس ذكريات كثيرة عن طفولتها وحياتها التي كانت… سعيدة، هكذا فكرت للحظة.

1

ابتسم وقال مازحًا:

– "هيا آنستي، ليس هذا وقت البكاء… وإلا بكيت أنا أيضًا!"

تبادلت ليانا وماريا النظرات وضحكتا معًا، ثم اتجهوا نحو العربة الفضية التي يتوسّطها شعار العائلة: زهرة اللوتس الذهبية.

صعدت ليانا ببطء، والأفكار تدور في رأسها :

تلك الأصوات، الهمسات… والأهم، صوت أدريان الذي أنقذها من السقوط. وذلك الصوت المألوف الذي سمعته بوضوح؟

– "ليانا… هل كنتِ بخير قبل قليل؟" سألت ماريا بقلق.

– "لا تقلقي… أنا بخير." ردّت ليانا بابتسامة خفيفة، ونظرتها بعيدة، وكأنها لا تريد الانتباه لسؤالها.

نظرت ماريا إليها بعينين تبحثان عن شيء خفي، لكن ليانا لم تعر الأمر اهتمامًا.

أدارت نظرها نحو النافذة، والهواء يحرك خصلات شعرها برفق. حدّقت بالمكان، تسترجع الحنين إلى المكان الذي تركته منذ سبع سنوات.

1

"المكان كما هو… لكن القلوب… هل بقيت كما كانت؟"

تنهدت ببطء، ثم همست لنفسها:

– " حسنا.. سأعرف ذلك قريبًا."

---

في الميناء، وسط صخب الباعة، سمع أدريان صوتًا يناديه:

> "أدريان! هنا!"

اقترب سليم بخطوات مسرعة حتى أمسك كتفه مبتسمًا:

> "لماذا لم تُجِب؟ تجاهلتني كالغريب."

أدريان بدهشة:

"سليم…! ما الذي تفعله هنا؟"

ضحك سليم بخفة:

> "أهذا كل ما لديك؟ ظننتك ستقول إنك اشتقت إليّ!"

رد أدريان ببرود وهو يُبعد يده:

"أبعد يدك عني… أنت ثقيل."

تظاهر سليم بالانكسار:

> "قاسٍ حتى بعد كل هذه السنين."

لكن ابتسامته لم تختفِ وهو يضيف:

> "على أي حال، الليلة نتعشى سويًا… أنا من سيدفع."

ابتسم أدريان بخفّة وهو يبتعد:

– "لا أستطيع… هناك أمر أهم. نلتقي في الحانة لاحقًا."

وقف سليم للحظة، ثم ابتسم محاولًا إخفاء خيبته:

– "حسنًا… غدًا إذن."

ظل سليم واقفًا، يراقبه بين حركة الزحام، ويتمتم لنفسه:

– "آه… إنه لا يتغيّر أبدًا."

ثم عاد إلى طريقه، بينما تختلط أصوات البحر والباعة مع صمتٍ خفي بين الاثنين.

---

وفي مكان آخر، أسفل مركز التحقيق.

غرفة باردة تفوح منها رائحة الدم والرطوبة، تتناثر على طاولتها أدوات معدنية مختلفة الأحجام.

دخل ظل طويل، شعره الفضي يلمع بخفة، وجسده المستقيم يفرض هيبته في المكان.

جلس على الكرسي الخشبي قرب الطاولة، واصطفّ الجنود من حوله، إلا أن رهبة حضوره وحدها كانت تكفي لإخضاع الجميع.

أومأ برأسه إلى الحارس، صوته منخفض وثابت:

– "ابدؤوا الاستجواب."

1

---

وهنا… يبدأ الاستجواب الحقيقي.

يتبع ✨

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عيناك وبابل

المؤلف اورلينا نوفل ✨
2025/09/22 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة