\"نظرة من قلب العاصفة\"

\"نظرة من قلب العاصفة\"

117 0

الفصل الأول

كان المطر يهطل كالسياط فوق سطح السفينة، يتكسر على الخشب المبتلّ ويختلط بهدير الرياح التي تعصف كأنها تُختبر صبر كل من يقف فوق الرحلة البحرية.

وقفت ليانا عند حافة السور، ثوبها يلتصق بجسدها الخائف، ويديها تتشبثان بالخشب البارد بينما تبحث عيناها بين الأمواج المتلاطمة عن شيء لا اسم له… شيء كانت تشعر بأنه يراقبها منذ وطأت السفينة.

مرّ همسٌ خافت قرب أذنها، أقرب إلى نداء بعيد. لم تفهم معناه، لكنه ترك ارتجافة في صدرها.

تمتمت، وصوتها يكاد يضيع مع الريح:

"من هناك؟ ما الذي يحدث؟"

لم يجبها سوى صفير الرياح وصرير الحبال. ومع ذلك، أحسّت بأن الظلام يخفي أكثر مما يُظهر.

اقتربت ماريا، خادمتها المخلصة، معطفها يقطر مطرًا:

"آنستي! قلتُ لك إن الهواء هنا خطر… لماذا تقفين تحت العاصفة؟"

ابتسمت ليانا بخفة متعبة، شعرها البني يتطاير حول وجهها:

"أردت فقط أن أتنفّس. أشعر أن البحر… يوقظ شيئًا في داخلي."

رفعت عينيها نحو الأفق. سبع سنوات مضت منذ آخر مرة رأت فيها مدينة بابل، المدينة التي حملت أسرارها وذكرياتها المفقودة.

همست:

"هل ما زالت كما تركتها؟ أم تغيّرت… مثلي؟"

خفضت ماريا صوتها بخوف واضح:

"سيدتي… يقولون إن الناس هناك يختفون ليلًا… وإن العواصف لم تعد ترحم أحدًا."

لم تجب ليانا، لكن عينيها ضاقتا بتفكير عميق.

"ربما… لهذا عدت."

---

اهتزّت السفينة فجأة بعنف، مائلة جانبًا حتى صرخت ماريا:

"ليانا! إلى الداخل فورًا!"

لكن ليانا لم تتحرك. كان في داخلها شيء يدفعها لأن تبقى.

على بعد خطوات، كان بحّار شاب يتشبث بالسور وقد كاد الموج يبتلعه.

صرخ أحد رفاقه:

"أحكموا الحبل! لا تتركوه!"

اندفعت ليانا دون تفكير. أمسكت بالحبل بكل قوتها، الماء يرتطم بقدميها والسفينة تميل تحتها.

صرخت ماريا خلفها:

"توقفي! ستسقطين!"

لكنها تجاهلت صوت الخوف.

وفجأة، ظهر رجل يشق طريقه عبر الأمطار—خطواته ثابتة وملامحه صارمة رغم الريح التي تضرب وجهه.

3

شعره الأسود التصق بجبهته، وعيناه الزرقاوان لمعَتا بحدة غير متأثرة بالعاصفة.

أمسكَ الحبل من يدها وسحب البحّار بخفّة لا تشبه البشر العاديين.

ورفعت ليانا رأسها… وفي تلك اللحظة تلاقت نظراتهما.

عيناه الزرقاوان لمعَتا بقسوة العاصفة،

وعيناها العسليّتان—المرتجفتين—توقفتا عنده لحظة خاطفة.

لم تكن النظرة طويلة، لكنها مرّت بوضوحٍ غريب،

كأن الفوضى تراجعت لثانية واحدة فقط.

ثم ابتعد، وعاد هدير البحر يبتلع كل شيء،

وبقي أثر تلك اللمحة يطرق قلبها دون أن تفهم السبب.

---

عاد البحر يصرخ حولهم، والرياح تمزّق أصوات البحّارة، لكن ليانا شعرت بقوّة خفيّة تشدّها وكأن بابل نفسها تناديها… أو تحاول إبعادها.

4

ثم جاء الصوت.

همسٌ متقطّع، لكنه هذه المرّة أكثر وضوحًا، أقرب إلى تحذير:

"لا… تعودي…"

اخترق النداء قلبها قبل أن يختفي داخل عصف الريح، كأنه موجّه لها وحدها.

التفتت تبحث عن مصدره—عن أي عين تراقبها، عن أي شخص تلفظ بهذه الكلمات—

لكن لا أحد كان قريبًا بما يكفي،

ولا أحد كان ينظر إليها أصلًا.

مع كل نبضة قلب، شعرت بأن العودة لم تكن خيارًا… بل ضرورة.

العودة لاستعادة ذكرياتها الضائعة، لكشف السبب الذي سرق منها جزءًا من روحها، ولمواجهة الحقيقة التي تنتظرها في بابل.

وبينما كانت السفينة تشق طريقها نحو المدينة المجهولة، شعرت ليانا أن التحذير لن يكون الأخير…

وأن ما ينتظرها هناك سيغيّر كل شيء، ولن تكون مجرد رحلة لاسترجاع الماضي، بل مواجهة مصيرها بأكمله.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عيناك وبابل

المؤلف اورلينا نوفل ✨
2025/09/22 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة