الحلم

الحلم

13 0

رنّ صوت المنبّه، كأنه سهم مزّق سكون الغرفة المظلمة.

فتح شيث عينيه بتثاقل، ورمش عدة مرات قبل أن تتضح أمامه عقارب الساعة: السادسة صباحًا بالتمام.

تنفّس بعمق، ثم جلس ببطء على حافة السرير.

قطرات العرق كانت تتساقط من جبينه كأنه كان يركض في سباق طويل لم ينتهِ بعد.

غطى وجهه بيديه، وحاول أن يستجمع أنفاسه.

"لماذا يبدو هذا الحلم واقعيًا إلى هذا الحد؟" تمتم بخفوت، وكأن صوته يخشى أن يوقظ شيئًا ما في الظلام.

وقف على قدميه بتثاقل، وبدأ ينزل السلالم المؤدية إلى الطابق السفلي.

كل خطوة كانت تحدث صدى غريبًا، أبطأ وأثقل من المعتاد، كأن المنزل نفسه يراقبه.

في المطبخ، مدّ يده ليُشعل المصباح، فانسكب ضوء أصفر باهت ملأ المكان.

جلس إلى الطاولة الخشبية، وأعدّ لنفسه فطورًا بسيطًا: خبز محمّص، بيضة مسلوقة، وفنجان قهوة.

لكن حين رفع اللقمة إلى فمه، شعر أنها بلا طعم، كأن حواسه ترفض التصديق أن صباحه طبيعي.

الملاعق، الصحون، رائحة القهوة... كلها مألوفة، لكنها بدت غريبة عليه، باردة، خالية من الحياة.

أطال النظر إلى النافذة الصغيرة المطلة على الشارع.

السماء صافية، الطيور تحلّق بعيدًا، والهدوء يلف الحيّ.

كل شيء بدا عاديًا أكثر مما ينبغي، حتى العادية نفسها تحولت إلى شيء يثير القلق.

تنفّس بعمق، ثم نهض مترددًا واتجه نحو الباب الأمامي.

وقف أمامه للحظة، يراقب المقبض المعدني البارد وكأنه أمام قرار مصيري.

مدّ يده، ارتجفت أصابعه قليلًا، ثم دفع الباب للأمام.

وبمجرد أن انفتح الباب-

اهتزّ كل شيء.

الأرض تحت قدميه تلاشت.

الجدران تشققت وذابت.

السقف انهار بصمت كأنه لم يكن يومًا موجودًا.

كل ما عرفه، كل ما كان يملكه، ذاب أمام عينيه كغبار حملته ريح لا ترحم.

لم يبقَ بيت.

لم يبقَ شارع.

لم يبقَ شيء.

وجد شيث نفسه عائمًا في فضاء لا نهاية له.

ظلام كثيف يمتد بلا حدود، والنجوم البعيدة تلتمع ببرود كأنها جروح صغيرة في السماء السوداء.

كان واقفًا... أو ربما معلقًا، لا يعرف إن كان يطفو أم يسقط.

الهواء من حوله كان ثقيلاً، والفراغ يضغط على صدره حتى كاد يخنقه.

ارتجفت يداه، وارتفع خفقان قلبه بجنون حتى شعر أن جسده كله يهتز مع كل نبضة.

"ما هذا؟ أين أنا؟" خرج صوته ضعيفًا، يتلاشى بسرعة وسط الصمت الأبدي.

لم يكن مجرد فراغ بعد الآن.

من بين السواد، بدأت ملامح تتشكل.

خطوط ضبابية أولًا، ثم جسد غريب يتقلب بين الضوء والظل.

كأنه كائن لم يكتمل بعد، ملامحه تتغير كل ثانية، لكنه يظل ثابتًا في شيء واحد:

عينان حمراوان، متوهجتان كجمر مشتعل في العدم.

تحدّقان فيه بلا رحمة، تفضحان خوفه، وتُشعره وكأن الفراغ كله صار له روح... وروح ذلك الكيان لا ترى فيه سوى فريسة.

شيث لم يتحرك.

تجمّد مكانه، والبرودة تسللت إلى عظامه.

كل ما استطاع فعله هو التحديق... في تلك العينين اللتين بدتا وكأنهما قادرتان على محو وجوده بلحظة واحدة.

و صوته تردد داخل عقله مباشرة، لا في أذنه:

"أنت... تشبه ذاك الشخص يا شيث."

ارتعش شيث من الخوف.

قبل أن يتمكن من الرد، هجم المخلوق عليه بعنف.

شعر جسده يتمزّق تحت قوة الضغط، ألم حارق اجتاز كل خلية فيه، وصرخة مكتومة انطلقت من حلقه، وتمزق جسده بلا رحمة.

ثم، فجأة، وجد نفسه ممددًا على أرض صلبة.

رفع رأسه ببطء، الأرضية كانت حجرية ومتصدعة، الهواء مشبع برائحة الحديد والدم، وقلبه يلهث من الرعب.

نظره ارتكز على وحش المجازر الذي يقترب نحوه.

لم يستطع شيث التحرك. كل جزء من جسده متجمد بالخوف، أنفاسه متقطعة، والدماء تتدفق من جسده.

اقترب وحش المجازر أكثر، وكل شيء حوله بدأ ينهار من صدى خطواته، حتى الهواء أصبح ثقيلًا ومكهربًا بالخوف.

وفجأة، انشقّ السماء بضوءٍ ذهبي متلألئ، وهبط منه كائن ذهبي مهيب.

طوله هائل، جسده ملفوف بهالة متوهجة، نصف وجهه يغطيه ظلّ والنصف الآخر يتوهج كالشمس.

في يده رمح من ضوء صافي، يلمع كأنه قطعة من نجم مسلوب من السماء.

رفع الكائن رمحه العالي، وانقضّ على الوحش بضربة خاطفة.

اخترق الرمح الضوئي جسد المخلوق، فانشطر الوحش إلى نصفين فورًا.

وهج الرمح امتدّ في الهواء، يقطع الظلام كشعاع شمس مذابة، وانعكست أشعته على الجدران المتشققة، لتتلألأ الحجارة المتطايرة حوله كنجوم في ليلة مظلمة.

الأرض ارتجت تحت الأقدام، نصف الطابق انهار؛ الجدران تشقّقت، الأعمدة تهدلت، والأنقاض تدحرجت بصمت ثقيل، كأن المكان كله يخرّ ساجدًا أمام قوة لا تُقاوم، أمام النهاية المحتومة لعالم صغير انهار تحت ضربة واحدة.

قام شيث على ركبتيه، عينيه تتسعان من الرهبة. لم يكن مجرد كائن ينقذ، بل حضوره ذاته يبثّ الرعب.

بعد لحظة، اقترب الكائن الذهبي، نظر إلى فراغ يتشكل على هيئة نظام، وابتسم بسخرية:

"كيف يعقل أن يسمح نظام مثلك لأتباع عشتار بالتسلل إلى اختبار كهذا؟... هل أنت معيب إلى هذا الحد؟"

ارتجف شيث، كل شيء حوله يبدو وكأنه يضغط عليه من كل جانب.

"تمتم في ذهنه أتباع عشتار... ماذا يعني هذا؟" .

اقترب الكائن الذهبي، مدّ يده نحو شيث، وأخرج قارورة صغيرة.

سائلها فضّي، يتلألأ بوهج حاد، كأنه يحتوي على طاقة حية.

قال الكائن بصوت ثابت:

"خذ هذه... جرعة من المستوى S. إن أردت البقاء على قيد الحياة، خذها."

مدّ شيث يده المرتجفة، والتقط القارورة.

قبل أن يسأل شيئًا، بدأ الكائن يختفي في وهج ذهبي، تاركًا وراءه دمار نصف الطابق وهدير الرياح بين الأنقاض المتساقطة.

شيث حمل القارورة بين يديه المرتجفتين، ونظره يتأرجح بين الدمار والفراغ.

كان يعلم أن ما يحدث لم يكن حلمًا.

جلس على الأرض، يلهث، أصابعه ما زالت تمسك بالقارورة التي تتوهج في يده.

شرب الجرعة، والسائل الفضّي تدفّق في عروقه كبرق بارد، معالجًا كل جروح جسده، وملأه بطاقة لم يعرفها من قبل.

> [مستواك رتبة D - مبتدئ]

[مستوى جمع المهارات ارتفع إلى D]

[أنت في مسار؟ لا يمكنك تحديده لان]

[تنبيه: جرعة المستوى S مفعّلة]

[تأثير الجرعة: تعزيز القدرات الموجودة لديك]

[تحذير: استخدام غير مناسب قد يؤدي إلى انهيار جسدي ونفسي]

وقف شيث على قدميه، جسده خفيف، والأنقاض تحت قدميه لم تعد تثقله، لكن قلبه لا يزال يلهث من الخوف.

نصف الطابق المدمّر حوله، الدمار والخطر واضحان في كل زاوية، والأصوات الخافتة للحركة في الظل بدأت تتضخّم في إدراكه.

ثم ظهر النظام من جديد برسائله الغامضة:

> [ملاحظة: تم تفعيل قدرة "توافق للنقوش مع المستخدم"]

[التأثير: تعزيز الإدراك]

> [تنبيه: مستوى الإدراك الذهني مرتفع]

> [ تحضير للمواجهة القادمة]

[الهدف: بقاء شيث على قيد الحياة]

رفع رأسه نحو السماء، حيث اختفى الكائن الذهبي، وتذكر كلماته التحذيرية:

"احذر، شيث... أتباع عشتار لن يرحموا من يظهر أمامهم."

ابتسم ابتسامة خافتة، لكنها مليئة بالعزيمة:

"لن أسمح لهم بذلك... لن أكون ضحية... ليس بعد الآن."

وأخذ نفسًا عميقًا.

كان يعلم أن ما بعد هذه اللحظة، لا عودة إلى ما كان عليه سابقًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بابل الخالدة

المؤلف 49kim51
2025/09/25 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة