بابل الخالدة
الفصل الأول: الكابوس
كانت مجرد نقطة مجهولة في فضاء بلا اسم.
ثم وجد شيث نفسه في مكان غريب، أشبه ببرج يمتد بلا نهاية، تتصاعد جدرانه إلى العدم.
وجد شيث نفسه في ردهة حجرية واسعة،
كانت الجدران شاهقة، محفورة عليها نقوش غريبة بلغة لا يعرفها، تتوهج بخفوت كأنها تراقبه بصمت.
الهواء كان بارداً بشكل غير طبيعي، ممتلئاً برائحة غبارٍ قديم، وكأن المكان لم تطأه أقدام منذ آلاف السنين.
الأرض تحت قدمه لم تكن أرضاً عادية، بل ألواح حجرية داكنة تكسرت أطرافها من القدم، تتخللها شقوق دقيقة ينبعث منها ضوء باهت، كأن البرج يخفي شيئاً يتنفس في أعماقه.
البرج كان بدون سقف، بل ظلام ممتد بلا نهاية،
استفاق شيث وهو يترنّح بدوار خانق، وغثيان يعصف بأحشائه. فجأةً، أضاءت النقوش المرسومة على الجدران بوهجٍ ذهبيّ، أخذت تدور من حوله كدوامة شرسة، ثم عادت إلى أماكنها وكأن شيئًا لم يحدث.
سقط شيث أرضًا، بلا حراك... لكن البرج لم يُمهله.
انبعث غاز أبيض متلألئ، يملأ الأجواء بهالة خانقة، فانتفض شيث صارخًا:
"ماذا يحدث؟! أين أنا الآن؟"
في تلك اللحظة، انبثقت أمامه شاشة شفافة تتوهّج بكلمات غامضة:
> [هل تريد إنقاذ العالم؟]
[خيار:برج بابل]
[خيار: دمج -؟؟؟؟؟؟؟؟]
تسمرت أنفاسه، واتسعت عيناه في ذهول.
"إنه حلم... لا بد أنه حلم!"
رنّ صوت بارد خالٍ من أي مشاعر:
> [النظام: أنت الآن في برج بابل الخالدة]
ارتعش جسده كمن أصابته صاعقة، همس بشفتين مرتجفتين:
"برج بابل الخالدة... هذا الاسم... الكتاب... لا! هذا مستحيل!"
بدأ يضرب رأسه بالأرض بجنون، يصرخ:
"كابوس! هذا كابوس!"
لكن النظام ردّ ببرود مميت:
> [أنا حقيقي... وبرج بابل الخالدة كذلك]
تجمّد صوته، شاحب الوجه، وهو يتمتم:
"بحث أبي... تبا... لا أريد أن أتذكر ذلك اليوم... اليوم الذي دمّر كل شيء..."
ثم ارتفع صوت النظام يقول:
> [العدّ التنازلي يبدأ عليك اختيار و اذا لم تختار
سوف اقتلك
: 10... 9... 8...]
صرخ شيث بجنون:
"انتظر! لا أعرف أين أنا ولا كيف وصلت! أوقف هذا الآن!"
لكن الأرقام واصلت انحدارها:
> [6... 5... 4...]
ضغط شيث على أحد الخيارات بعشوائية، متشبثًا ببقايا أمل.
فتوقف العدّ فجأة، وجاء الصوت البارد يسأله:
> [هل أنت واثق أنك ستنجح؟]
"ماذا؟! لقد ضغطت بلا قصد!"
> [سيتم نقلك إلى برج بابل]
في اللحظة التالية، غمره ضوء أبيض ساطع التهم كل شيء من حوله.
شعر وكأن جسده يتمزق ثم يُعاد تشكيله من جديد، حتى سقط فجأة على أرض صلبة.
في قاعة حجرية هائلة، ممتدة بلا نهاية واضحة.
الأرضية كانت من حجارة صلبة ومتكسرة قليلاً، بعضها مائل أو مرتفع قليلاً، تشكل عقبات طبيعية.
الجدران كانت صلبة وباردة، ممتدة نحو الأعلى بلا سقف مرئي، تعكس صدى كل حركة وكل صرخة، مضاعفة إحساس التوتر.
في منتصف الطابق، كان هناك عمود ضخم دائري يبدو وكأنه يحمل وزن الطابق الأعلى، محاط بممر واسع يسمح بالتحرك حوله.
على أطراف القاعة، فتحت ممرات مظلمة ومتعرجة تؤدي إلى زوايا مختلفة من البرج، بعضها ضيق وبعضها أوسع،
الأرضية نفسها كانت تتخللها شقوق ضيقة مليئة بالضوء الأبيض الباهت، يمكن أن تعيق الحركة أو تسبب سقطات إذا لم يُنتبه لها.
الجو كله كان باردًا وثقيلاً، الهواء يضغط على صدر شيث مع كل نفس، يضاعف صعوبة الحركة ويجعل أي مواجهة تبدو أكثر خطورة.
حتى الصمت في الطابق كان مخيفًا ومشدودًا، لكنه يخفي أصواتًا طفيفة من تحركات لم يرها بعد، وكأن البرج نفسه يراقب من داخله، جاهزًا لاختبار شيث في أي لحظة
فتح عينيه مذعورًا، يتصبب عرقًا:
"إنه حلم... لا بد أن يكون كابوس!"
لكن النظام ظهر من جديد، كظلّ يراقبه:
> [مرحبًا بك في برج بابل. ابتداءً من الآن... ستخضع لاختبار الصعود]
تجمد شيث، يلهث وهو يسمع:
> [تم منحك 10000 نقطة. يمكنك شراء مهارات أو أسلحة من المتجر]
ارتعش وهو يصرخ:
"هذا ليس حلمًا...
[النظام تم]
[فتح المتجر !"]
وظهرت أمامه قائمة متلألئة.
توقف شيث عند نافذة المتجر، وعيناه تحدّقان بدهشة.
تمتم بصوت خافت:
"كل هذا... موجود في كتاب ابي."
قلبه يخفق، ويده تلمس الشاشة كبحث عن دليل، بين عالم الكلمات القديمة والعالم الحي أمامه.
قرأ أول خيار:
> [مهارة: بلا قيود - 500 نقطة]
ضغط بسرعة دون تردد، فامتلكها.
لكن النظام علّق بجفاء:
> [المهارات سوف ستتبدّل فور اجتيازك اختبارات البرج]
شهق شيث:
"اختبارات؟ أي اختبارات؟"
النظام
> [اليوم الأول: وحش الخوف يقترب]
"وحش؟ هذا... هذا مذكور في كتاب أبي... لكنه مجرد أسطورة!"
> [أسرع! اشترِ مهارات وسلاحًا]
أصابه الذعر، فتصفح القائمة بجنون واشترى:
سيف "قاطع الأبعاد" - 2000 نقطة
مهارة "المراوغة" - 1000 نقطة
مهارة "التسارع" - 500 نقطة
تعزيز "قوة الضربة" - 1000 نقطة
وبينما كان يبحث، لفت نظره خيار آخر:
> [مهارة: قارئ النقوش - 5000 نقطة]
ارتفع حاجبه بدهشة:
"خمسة آلاف؟ لماذا هذه أغلى من كل شيء؟ لا... الآن ليس وقتها!"
لكن الأرض ارتجّت فجأة، وظهر من الظلام وحش هائل.
كان عقربًا مشوّهًا، بجسد ضخم،
صُدم شيث وهو يتراجع للخلف:
"اللعنة! وحش الآن؟! دعني أشتري-"
لكن النظام قاطعه ببرود:
> [ظهور وحش الخوف]
اتسعت عيناه رعبًا:
"ماذا قلت؟!"
اندفع الوحش نحوه بجسدٍ يزلزل الأرض.
رفع شيث سيفه، قلبه يخفق بجنون... وفي اللحظة نفسها اختفت قائمة النقاط من أمامه!
"لا... مستحيل! كان لدي خمسة آلاف نقطة! أين ذهبت؟!"
صرخة وحشية دوّت من الظلام، معلنة بداية الاختبار.
وحش الخوف
ارتجّت الأرض تحت قدميّ، وكأن البرج نفسه يئن من شيء يقترب.
ثم خرج من الظلام وحش الخوف...
كان عملاقًا يزحف على ستة أرجل متشابهة لأرجل العقارب، لكن جسده مغطّى بجلد رماديّ متشقق، ينبعث منه دخان أسود كأنه يلتهم الهواء من حوله. من جانبيه خرجت أذرع بشرية ملتوية، بأصابع طويلة ومخالب حادّة، تتحرّك في فوضى وكأنها تبحث عن شيء لتسحقه.
أما رأسه، فكان قناعًا عظميًّا بلا ملامح، سوى شقٍّ أفقي يتفتّح ليكشف عن مئات الأسنان الدقيقة التي تصطك كصوت منشار.
وعينان حمراوان متوهجتان انغرستا في روحي مباشرة.
شعرت أن الهواء نفسه صار أثقل، وركبتي ترتجفان بلا إرادة.
مهارة الخوف بدأت تعمل...!
> [تنويه: وحش الخوف يُطلق "هالة الرعب". إذا لم تقاوم... ستنهار]
شهقت، أعضّ على شفتي حتى نزفت دمًا، وأنا أتمتم:
"لا... لن أسقط هنا!"
اندفع الوحش كعاصفة، مخالبه ترتطم بالأرض، تحفر الشقوق في الحجارة الصلبة.
رفعت سيف "قاطع الأبعاد" بكل قوتي، وضربت.
كااااااااانغ!
اصطدمت مخالبه بسيفي، كاد جسدي يتحطم تحت ضغطه.
ارتطمتُ بالجدار الخلفي، أنفاسي تتقطع، والدماء تسيل من فمي.
> [مهارة التسارع - مفعّلة]
[مهارة المراوغة - مفعّلة]
تحرّكت قدماي أسرع من ذي قبل، جسدي صار أخفّ، لكن الوحش لم يكن بطيئًا.
ذيله الشائك ارتفع عاليًا ثم اندفع نحوي مثل رمح هائل.
قفزت جانبًا بصعوبة.
انغرس الذيل في الأرض، محطّمًا الحجارة كأنها زجاج!
"لو لم أتحرك... لكنت ميتًا الآن."
ركضت نحوه بسرعة البرق، وضربت سيفي في جانبه، لكن جلده الصخري ارتدّ الضربة.
"مستحيل... لا أستطيع اختراقه؟!"
ضحك الوحش بصرير أسنانه الحادة، ثم أطلق صرخة اخترقت أذنيّ.
وووووووووووووووووونغ!
> [أثر الحالة: "شلل الرعب" - جسدك يتجمّد لثانية]
"تبا-!"
في تلك اللحظة، أحد مخالبه اخترق كتفي، شعرت بالنصل البشري الملتوي يخترق لحمي، صرخة ألم انطلقت من حلقي.
سقطت على الأرض، الدم يتدفق بغزارة، يدي ترتجف على مقبض السيف.
لكن... وسط كل هذا، ظهرت أمامي نافذة جديدة:
> [المهارة المقترحة: "قارئ النقوش" - السعر: 5000 نقطة]
[تنويه: المهارة تكشف نقطة الضعف في الوحش]
اتسعت عيناي.
"5000... لقد اختفت نقاطي... أين ذهبت؟!"
لكن النظام أجاب ببرود:
> [النقاط لم تختفِ... لقد تم قفلها بانتظار قرارك]
رفعت رأسي والوحش يقترب، ظله يبتلعني.
"قرار...؟ اللعنة... إن لم أشترِ الآن... فسأموت."
يدي المرتجفة ضغطت على خيار الشراء.
> [تم تفعيل المهارة: قارئ النقوش]
وفجأة، ظهرت علامات متوهجة على جسد الوحش، خطوط ذهبية تغطي أعضائه المشوهة.
وفي صدره... نقطة حمراء صغيرة تتوهج بشراسة.
همست بأسناني الملطخة بالدم:
"وجدتك..."
قبضت على سيفي بكل ما تبقى في جسدي، واندفعت نحو قلب الوحش.
تراجعت خطواتي إلى الوراء، والدماء تتقطر من كتفي الممزّق.
كنت ألهث، صدري يكاد ينفجر، وسيفي يرتجف بين أصابعي.
العلامة الحمراء على صدر الوحش لا تزال تتوهّج أمامي... لكن فجأة، توقفت.
> [تحذير النظام: وحش الخوف يخضع لتحوّل استثنائي]
[التحوّل: الوحش المجازر]
اتسعت عيناي رعبًا.
"تحوّل...؟!"
جسد الوحش بدأ يتشقق من الداخل، قشرته السوداء تتساقط كرماد، حتى برزت تحته طبقة بيضاء باهرة.
تكسّرت أذرعه الملتوية، لتُستبدل بأذرع بشرية بيضاء كالمرمر،
وجهه القناع العظمي انفتح ببطء، لينكشف عن ملامح... بشرية.
ملامح مشوّهة، تشبه وجوه الناس، لكن عيونها فارغة،
جسد كامل أبيض، بلا لون، بلا دماء، بلا قشور.
جلد أملس ، ملامحه مجرد قناع فارغ، عيناه بيضاوان بالكامل بلا بؤبؤ، وفمه خط رفيع لا يتحرك.
كأنه تمثال من الرخام تحرّك فجأة... لكن خطواته كانت حقيقية، ثقيلة، تبث رجفة في الهواء.
ارتعشت قدماي، وابتلعت ريقي بصعوبة.
"هذا... هذا ليس وحشًا فقط... إنه كابوس على هيئة إنسان!"
كل خطوة يخطوها نحوي كانت تُسمع كأنها صدى في الفراغ:
طَخ... طَخ... طَخ...
كنت أنزف، جاثيًا على ركبتي، أنفاسي متقطعة.
رفعت عينيّ لأراه يقترب... مهيبًا وصامتًا.
صرخ فجأة، صرخة اخترقت روحي قبل أذني:
أووووووووووووووووووووووووووووووووووووه!
ارتجّ البرج، والجدران تزلزلت كأنها ستنهار.
ثم... فجأة ظهر في يده سيف أبيض، كأنه منحوت من الضوء نفسه.
شعرت برعب لم أعرفه من قبل... هذا لم يعد مجرد وحش، بل قاتل يرتدي قناعًا بشريًا.
> [تحذير: الوحش المجازر يتقن السلاح. خطورة المرحلة = قاتل من رتبة حاكم]
خطا خطوة أخرى. ثم أخرى.
حتى صار أمامي مباشرة، السيف الأبيض يتلألأ في يده، موجهًا نحو وجهي.
ارتجف جسدي كله، أنفاسي متقطعة، الدماء تسيل.
لم أعد أملك القوة للهرب.
همست بشفاه متشققة:
"إن... اقتربت أكثر... سأموت حقًا."