--
شعور جاثم يُنهكه، ينهش صدره بلا رحمة.
آدم فتح عينيه رغم ثقلهما، الهواء البارد يلسع جروحه كالسياط.
حاول أن يتجاهل لهيب الألم، لكنه أدرك أنه لا يستطيع البقاء مستلقيًا إلى الأبد.
جرّب الوقوف، إلا أن جسده خذله، وغاص في حضن الأرض مجددًا، أنفاسه متقطعة، كأن كل نفس يسرق جزءًا من حياته.
رفع رأسه بصعوبة ونظر حوله.
الساحة خراب، الدماء تنزف من صمتها. وهو وحده الآن وسط هذا الميدان.
لوهلة ظن أنه حلم عسير، لكن خشونة الأرض تحت كفيه همست له: إنه واقع مرير.
بدأ يزحف، كل متر يشبه خوض معركة.
همس عقله المرتبك:
> "أين المخرج؟ أي طريق أسلكه؟"
لكن إدراكه كان خافتًا، فسلك طريقًا خاطئًا حتى وجد نفسه في زاوية مهجورة، تختبئ في عمق هذا السوق الأسود.
زاوية تسكنها الأشباح والجثث، حتى الهواء بدا ميتًا.
اتكأ إلى جذع شجرة قاسية... وهناك اجتاحه القنوط.
> "لمَ أزال أتنفس بعد كل هذا الألم؟ أين الموت ليحررني؟"
توقف عن المقاومة، عيناه ثقيلة كأنها سلّمت أمرها…
عندها انهار كل شيء.
ضربات قلبه صارت كطبول حرب، رأسه يثقل كأنه يغرق.
وفجأة، قوة غامضة سحبته كأن الأرض خانته.
هوى في فراغ أسود بلا قرار. لم يكن سقوطًا عاديًا؛ بدا وكأنه يُنتزع من العالم انتزاعًا.
لم يستطع حتى الصراخ، فقط شعر بموجة مظلمة تضرب جسده قبل أن يُبتلع تمامًا.
---
حين استيقظ، كان الألم قد تلاشى بشكل يثير الريبة.
وأجواء المكان كانت خانقة، كأنه في عالم آخر.
ظلام دامس يغزو الأفق...
أما الصمت فلم يكن مريحًا؛ كان طاغية يهيمن على كل حس وحركة.
همس لنفسه:
> "أين أنا؟"
عندما حاول الحركة، إحساس خانق شلّ جسده.
قيودٌ لامرئية تتغلغل في عظامه وتعرقل أنفاسه.
فجأة… لسعات الثلج تتسلق رقبته كأن يدًا خفية تتلاعب به، أرسلت رعشة كأن خيطًا من الجليد شقّ عموده الفقري.
صرّ على أسنانه وهو يحاول ألا يصرخ، أنفاسه ترتجف...
ثم اخترق الصمت صوت رخيم ناعم، لكنه مشؤوم:
> "أنتَ في قصري، شفَيتك بيديّ... فقط لأشاهدك تتعذب بينهما، ببطء.
ما رأيك بالموت البطيء؟"
توقّف الزمن داخله. عيناه اتسعتا، الهلع يفضحه.
قهقهت، كأن خوفه يسقي عقلها نشوة.
عقله اشتعل بالخطط عند سماعها، فأدرك أنه لا يجب أن يفضح نفسه بالذعر.
حاول الحفاظ على رباطة جأشه.
ثم مال رأسه نحوها بجرأة، رسم بسمة مترددة وقال بصوت متماسك قدر الإمكان:
> "اجعلي موتي أبطأ ما تريدين... سأظل أبتسم حتى آخر نفس."
تمتم بعدها مبحوحًا:
> "شكرًا لشفائي... لكن لا أثق بكِ، فقد قيّدتِني وأخفتِني."
انبعث ضوء بنفسجي فاتح من عينيها، أمسكت ربطة عنقه وتلاعبت بها بلطف غريب:
> "لا حاجة لثقتك، يا ذا الدماء النادرة... عالجتك لأن دماءك لا يجب أن تُهدر سدى.
بل يجب أن أهدرها أنا."
أخذ شهيقًا حادًا عند إمساكها ربطة عنقه، ثم قال بتهكم:
> "أن تهدر على الأرض خير من أن تُهدر بين يدي لعينة مثلك!"
ابتسمت عيناها، جنون واضح يلمع فيهما، واستمرت باللعب قائلة:
> "لا تخف، ليس بين يدي... بل بين شفتي، لأنها ملكي."
شدّ قبضته وهو يحاول عبثًا التحرر، لكن القيود السحرية أثبتته في مكانه كأسير.
نظر إليها ببرود واستخفاف:
> "ملكك؟ تحلمين يا غبية."
تبدّل وجهها إلى مزيج من الغضب والمرح، قبضت على رقبته من الخلف وشدّت بقوة.
اضطربت نبضاته، وابتسمت وهي تشعر بها تحت أصابعها.
قالت بحدة:
> "أنت جريء أيها الإنسان. لكن لأخبرك..."
مخلبها خدش رقبته بخط رفيع، قطرة دم انزلقت ببطء.
عيناها تلمعان بافتتان وهي تراقب انزلاقها:
> "أي شيء يدخل قصري، يصبح لي."
ثم انخفض صوتها إلى همس مغوٍ:
> "أنتَ... مِـلكي."
شحب وجهه، لكنه أخفى ذعره بابتسامة ساخرة:
> "حسنا يا مصاصة الدماء...
يبدو أنني محظوظ لأكون لعبتكِ، أو بالأحرى وجبتكِ التالية، مولاتي."
دارت حوله بخطوات بطيئة، كعباها يضربان الأرض بإيقاع مشؤوم.
> "ألستَ ذكيًا؟ لكن كيف بحق خالق الجحيم وصلتَ إلى هنا؟"
عندما تذكّر ما حدث، عقد حاجبيه بانزعاج، ثم قال ببرود متمرد:
> "لا شأن لكِ."
وقفت خلفه وضحكت ضحكة هستيرية طويلة جعلت الهواء يثقل أكثر.
رعشة قوية سرت في عروقه حين لفت ذراعها حول رقبته كأفعى وضغطت بقوة كادت تخنقه:
> "من يملك زمام روحك يا عزيزي؟ أنا طبعًا.
يمكنني في ثانية أن أجفف جسدك كله من الدماء."
للحظة ظن أنه سيموت، لكنه تماسك، وعاد التمرد يتقد في عينيه.
> "ذراعك باردة جدًا... أكاد أختنق."
خففت قبضتها قليلًا، مالت برأسها قرب أذنه وقالت بإغواء خفيف:
> "أوه، لن أخنقك… فقط كن فتى مطيعًا. وقل لي: ماذا أحضرك إلى هنا؟"
سعل محاولًا استعادة أنفاسه:
> "أهذه أول مرة ترين فيها بشريًا؟ لا تقولي إنكِ بهذه الدرجة من الجهل!"
تنهد وأكمل:
> "طعنني أحدهم... ضعفت... ثم ابتلعتني حفرة غريبة."
قهقهت بصوت عالٍ، وكلما حاولت كتم ضحكها انفجرت مجددًا:
> "الحفرة؟! هاها! الفاصل بين المجرتين! ليس كل من يسقط فيه يخرج حيًّا."
قال بدهشة:
> "الفاصل بين... ماذا؟"
لم تجبه. زفر بيأس وقال:
> "لا يُهم... على الأقل، فُكي قيدي أشعر أنني مسجون."
صمتت تفكر للحظة ثم، وبحركة بسيطة من إصبعها، انطلقت أنوار شاحبة كشفت المكان.
قبو عميق يملؤه الرعب… والجماجم.
لكن تلك الجماجم لم تكن بشرية؛ أنيابها غريبة وأشكالها أفظع من أن تُفسَّر.
التفت آدم إلى مصاصة الدماء، عيناه تتسعان دهشة ورهبة.
فستانها القرمزي بدا كأنه منسوج من نيران الجحيم، قلادة سوداء تتدلى من عنقها، وشعرها الأسود ينثال كسيل من السمّ.
أما عيناها... جنون صافٍ يلمع فيه الشر.
زمّت شفتيها بابتسامة خبيثة تستمتع بدهشته:
> "أهذه أول مرة ترى بها مصاصة دماء؟ لا تقل أنك بهذه الدرجة من الجهل."
نظر في عينيها بحدة، فبادلته النظرة وتضاحكت:
> "عيناك تخطط للهرب... لا تعرف أنه لن يحدث ذلك إلا بإذني؟"
ردّ بنبرة ساخرة:
> "ومن يريد البقاء مع أمثالكِ؟"
ثم همهم :
> "أيًا كان... كيف أنال إذنك؟"
قالت بحماس مشوب بالهوس، نبرة صوتها كأنها ترقص فوق الجرح:
> "غميضة!"
صمت المكان ، كأن جدران القبو تتجهز للعب.
اقتربت منه وانحنت، أمسكته من ذقنه ومخالبها تهدد بخدش جلده:
> "إما أقتلك، أو أحررك... اللعبة تحدد."
تلاشت ابتسامته وتحولت نظراته إلى جدية.
عيناها توهجتا بلون أحمر، مما جعل الأسئلة تدور في رأسه:
> "أقبل اللعب معكِ... السؤال هنا، هل تلعبين بعدل؟"
رفعت رأسه بيد، أخذت تدلك ذقنه بلطف مريب:
> "عدل؟ لا أعرفه.
لكن أعرف الفضول الذي يتراقص في أفكارك... لمَ لا أقتلكَ الآن، أليس كذلك؟"
قهقهت بنغمة قصيرة و مقطعة:
> "أرأيت طفلًا يقتل لعبته المفضلة؟ طبعًا لا...
أنتَ لعبتي، ضحيتي... ملكي."
قال بصوت متوتر يتصنع الشجاعة:
> "كلام فارغ... هيا نبدأ غميضتكِ السخيفة."
تركته، ابتعدت قليلًا وقالت ساخرة:
> "أوه، ضحيتي متحمسة للخسارة ؟"
فكّت قيده بحركة بسيطة من إصبعها، وأردفت:
> "كما تشاء، أزلتُ قيودك السحرية... اختبئ."
وكانت تلك آخر همساتها قبل أن تتلاشى تاركة خلفها هالة خبيثة تنبض بالرعب.
---
Sukumary