|| مَصِيّر مَجهُول ||

|| مَصِيّر مَجهُول ||

14 0

إنْ لَمْ أَكُنْ بِخَيْر، هَلْ سَتَحْتَضِنُنِي ؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سوادٌ حالك، وسماء ملبدة بغمام مسودٍ عاتم، ريحٌ تحمل برفقتها بردًا تقشعر له الأبدان، وريقات الأشجار الفانية تتطاير متنقلة بين هذا الفضاء الشاسع، متجهة الى قدرها.

غمامةٌ تسير بهدوء مُبتعدة، كاشفة عن بدرٍ أطلق بشعاعه ينير غرفتها مُظهرًا تلك المجزرة الشنيعة.

فتترنح داخل الظلام وكأنها شبح هارب، يفتش عن موطن، نسماتُ هواءٍ تسللت من حيث النافذة تلامس وجهها، تعيدها إلى حيث الواقع.

فيدها الباردة تُمسك سيفًا ليس بعادي، سيفٌ لُطِخ بدماء غزيرةٍ تقاطرت من حدّ شفرته، تملأ الأرض بلزوجتها تبعًا، تلك الدماء اللزجة، ما كنت سوى دماء موحلة لم تستحق لونها القاني حتى!

تُطلق أنفاسًا سريعةً متلبكة، تُحرق حقلها وتعذبها.

رائحة ذلك السائل الحديدي تُخنقها، تحول بينها وبين أنفاسها، مذكّرة إياها بما أرادت نسيانه دومًا، فذلك القذر شقيقها نجح بـ تدنيسها وملئها بجراحٍ ما كانت ظاهرة، جراح عميقة تَهز روحها وتُفنيها ببطء.

تقدّمت بخطواتها الرزينة الهادئة، ترفع بيدها اليسرى فستانها الأبيض الملطخ برشات من القرمزي، والأخرى تمسك بنصلها، مُتجهة نحو شرفتها الشاسعة الفسيحة، وكأنها ما كانت تصارع الموت قبل برهة!

بحركة سلسة أبعدت الستار ثم دفعت الباب بخفة، فتعزم الريح مُحتلة الغرفة من جديد، عابثةً بكل شيء، وأيضًا خصلاتها الناصعة.

تقدّمت اكثر تسند يديها فوق حافتها، ترفع رأسها نحو السماء وتغمض عينيها الواسعة، مستعدةً لاستقبال رذاذ المطر بسكون.

أنفاسها رزينة، ودقاتها تنبض وجلةً وحيدة، فلا يُسمع وسط هذا الخمود الشاذ همس سواها.

وكما اعتدنا دومًا، السكون لا يدوم طويلًا،

باب جناحها يُدفع، مصدرًا ازيزًا خافت، معلنًا عن دخول ضيفٍ منتظر.

فتاةٌ شابة، أرستقراطية المحيا، ناعمة الملامح، مريحةٌ لمن يراها اول مرة.

"أيّتها الأميرة، يمكنكِ الذهاب الآن، رئيسُ الخدم أخلَى لكِ طريقًا للعبور، وحاجياتكِ... جاهزةٌ أيضًا برفقة حارسكِ، وحتى ليبيكا. كل شيءٍ جاهزٌ من أجلكِ، وينتظر أوامركِ."

بصوتها الرقيق نبّأتها من بعيد، لكنها سمعتها قطعًا،

فها هي ذي تلف ظهرها، وتشرع في الخطى، مستعدةً لتغيير حياتها وقلب الموازين رأسًا على عقب.

شقيقها قرر العبث معها، مستغلًا موت والدهما، وهي لن تجلس مرتاحة البال حتمًا.

بل ستنتزعُ أملاكها كما تنصّ الوصية، ثم تحرقُ الجميع دفعة واحدة.

ليست بالضعيفة ليُغتصب حقها كذلك.

اهربي من هنا، كليو، عندما ينتهي كل هذا، اتفقنا؟!

طلبت منها ذات العزم تحثها على الهرب، قلقة لمصير وصيفتها الوفية، لكنها لن تستطيع اصطحابها معها، لذلك فهروبها من براثن شقيقها الأغر هو خيارها الأمثل.

"لا تقلقي يا أميرة، لن أهرب لكن لن أسمح بإيذائي ايضًا، بالمقابل من فضلكِ انجي بحياتكِ ثم عودينا سالمة.. سننتظركِ دومًا."

أنهت جملها، تدفع الباب أكثر، تشير نحو الخارج محاولة منها لتذكيرها بالخطة، وما انتظرت طويلًا، فها هي ذي شارلوت تتقدم خارجَة من غرفتها الضخمة،

المليئة بأمارات البذخ من لوحات تاريخية عتيقة، ستائر حريرية، وأسرة مذهبّة.

نظرتها حملت حنانًا واشتياقًا مسبقًا، لكنها مضت مديرة ظهرها لكل هذا، فهي ما كانت ولن تكون دمية يومًا مهما كانت الظروف او الأسباب.

صوتُ طرقات حذائها المختلطة بوقع قطرات الغيث ارضًا أخذ يشتد أكثر فأكثر،

فـ الشتاء على الأبواب.

تمضي عازمة بين أروقة قصرها العتيقة،

تماثيل ولوحات كثيرة اصطفت بشكل مدروس، أما الإضاءة، فكانت عبر ثريات ضخمة توزعت بشكل منتظم بسقف هذا الممر، عاكسة بضوءها فوق سجاد عجمي أخضر عتيق، يميل للسواد، فيعطي المكان طابعًا وجوًّا مظلمًا لاذع.

خلفها شرعت بالسير، وصيفتها تتبعها حذرة، تراقب كل ثغرة مستعدة لأي طارئ، فـ مهمتها ألا يعلم أنسي برحيل الأميرة.

بعد مسير دقائق، وصلتا حيث نهاية مسدودة، وقفت شارلوت لبرهة، ثم تبادلت النظرات مع كليو، نظرات حملت إشارة بالبدء.

انخفضت ذات الشعر المموج والاحداق الجوزية، مقاربة من الأرض، ترفع السجادة بحذر، فيظهر باب، باب كبير نوعا ما مخفي تحت بلاطة باذخة ضخمة، تفوح منه رائحة أتربة امتزجت بماء المطر، وهذا يدل على أنه الصحيح.

ترفعه بصعوبة، ثم تثبته بقضيب من الحديد.

"ها نحن ذا وصلنا يا أميرتي، فكما تعلمين، سيري بداخله نحو الأمام مباشرة، وستصلين إلى الخارج دون أن يعلم أحد عنكِ، ثم.. كوني بخير مع السيد لورانس.. وعودي من فضلكِ.. عودينا سالمة.."

اعيناها اغرورقت بدموع امتزجت بين القلق وألم الفراق، هذه لحظة لن تتكرر، فلا يعلم المستقبل أنسي،

ستعود شارلوت أو لا..

ستنجو من كل هذا أم أنها هالكة؟

لن يعلم أحد بذلك.

تقدمت منها، تبادلها النظرات بأعينها المزرقة والتي أخذت تلمع بسبب طبقة رقيقة من الدّموع تشكّلت حولها تفسّر الموقف، ثم اقتربت أكثر، تحتضنها، تعانقها بكل ما أوتيت من قوة، تودعها بطريقة صامتة قبل أن تطلق أحرفها حرة طليقة لترافق مسامع وصيفتها.. وصديقتها العزيزة.

"أشكركِ كليو، أشكركِ جدًا، اعتني بنفسكِ جيدًا، وتذكري دومًا أنكِ ما عدت مجبرة على البقاء هنا، يمكنك الرحيل عند أي خطر محتمل، لا تفكري فقط، اهربي."

تزامنًا مع انتهاء كلامها، صدح صوت صراخ قوي، صوت عالٍ لتصادم أقدام بالارضية تقترب، فـ تنقطع الأضواء وتتسارع الأنفاس، وقبل أن تنبس شارلوت ببنت شفة، دفعتها وصيفتها مانحتًا إياها ابتسامة حنونة هادئة لم ترها بسبب الإضاءة.

ثم بحركة سريعة متهورة، أغلقت كليو الباب الأرضي، وأعادت السجادة تحاول فرشها بمثالية لتمنع الشكوك من حولها.

أما عنها، تلك الهاربة فارتبكت، قلقت واضطراب قلبها، لا تعلم ما الذي سيحدث الآن.

أصوات صخب، تتردد إلى مسامعها، تقلقها أكثر، لا تفهم شيئًا مما يُقال، لكنها تسمع صرخات لا تعلم ما هيتها.

وقبل أن تلتفّ مغادرة، اقتحم أذنها صوت طلق ناري، عقبه هدوء لا يبشر بخير، توسعت حدقتيها، ونبض قلبها عنيفًا ثم.. سكنت.

سارت بخطى متزنّة، متجهة نحو الخلاص، وفي داخلها اشتدت العواصف وكتبت الوعود، وعود كثيرة، ستفرغها بجللها حتمًا.

♪ ──────────────── ♪

توقفت الأمطار.

إمارات التعب تسكنها، خطواتها أصبحت أبطأ من السابق، وجهها شاحب، لكنها لم ولن تسقط، بل تابعت مسيرها، تابعت تقدمها عازمتًا قوية كعادتها.

النفق طويل وقديم نوعًا ما، لكنه كان نظيفًا ومجهزًا من أجلها، نور اللهب، شعلات تتراصف على امتداد جدران بنية قاتمة، باردة غامضة، تنير لها دربها الطويل.

تدرجيًا بدأت الشعلات تتقلص معلنة النهاية، وها هو شعاع البدر المتسلل ينير ما تبقى من الدرب.

طرقات رزينة متوالية، ثم ها هي ذي تقف خارجًا، مغمضة الاعين سامحة لنسمات باردة بدأت تشتد تدرجيًا بمداعبتها، فتمنحها شعورًا غريبًا، يُندس قلبها فيقبضه.

صوت صهيل أحصنة يقتحم مسامعها، فتفرج جفناها وتتأمل ما أمامها، لورانس ينتظرها هنا حقًا، مرتديًا عباءة سوداء هو والخيل ايضًا، احتماءًا من المطر والبرد وتخفيًا في آن واحد.

تمتد يده اليها بواحدة مشابه لها، فتفرج عن تنهيدة طويلة تريحها، وترجو أن تسير الخطة كما تشاء.

كانت تشك لوهلة أن لورانس سيخذلها ويشي بها وبخطتها، لكنه خالف الظنون، يقف أمامها متحديًا كل ذا شأن، يثبت لها أنه كان ولايزال حارسها المخلص حتى آخر رمق!

"هيا بنا أميرتي، قبل أن يكتشف أحدهم اختفاؤكِ."

طلب منها باحترام يحثها على المسير، وفي عينه شرارة أمل ووعيد لا توصف،

إخلاصه مضمون، حارس أمين سيحتويها.

"لورانس هيبرت فيبوس."

نطقت اسمه بحزم، فما كان منه إلا أن يقف مجيبًا، مستعدًا لاستقبال أوامرها وتنفيذها بالحرف.

"اشكرك من أعماقي."

نطقت جملتها، تراقب ردت فعله، ذاك الذي راحت عيناه تطلق بريقها، تلمع منتصرة، لم يستطع أن يمنحها إجابة، أو يخبرها أن لا داعي لشكره،

لأنها وبكل عزم اتجهت نحو فرسها مرتدية عباءتها تتفقد حاجياتها كما أخبرتها كليو...

بنظرة ثاقبة موجهة نحو الفرس الآخر، تأكدت شارلوت أنها هناك، وكل شيء يسير حسب مخططاتها.

كل شيء في مكانه، الجميع مستعد للانطلاق، لورانس يتصدر الواجهة، ثم صوت حذوات الأحصنة الخافتة فوق الطين يتردد في الجو معلنًا ان رحلة النجاة قد بدأت.

بين الماضي والحاضر ترعرعت، لكنها لن تعيش سوى هنا، في المستقبل القريب ذلك، وستمسك السلطة بيديها وتحكم قبضتها على رُقاب كل خائن وتحرق الجميع،

انتقامها لا مثيل له.

♪ ──────────────── ♪

صوت طرقات حذائه يوحي بمشيته الواثقة الرزينة هدوء ما وسط العاصفة!.

يدخل بأناة متجاهلًا اكداس الجثث يتوجه الشرفة، حيث وقفت شارلوت قبل برهة يتأمل أثرها حوله، رائحة الدم الحديدية تسكن انفه فتزعجه،

الهواء يداعب بعضًا من خصلات شعره الهابطة فوق جبينه،

فـ يبسطها ببنانه.

الغرفة الضخمة فارغة سوى من رجل اخر، دخل بعده سريعًا يلهث محاولًا التقاط انفاسه وتهدئتها، فبعد ان وصله خبر هروب الاميرة جاء مسرعًا يتحرى صدق الاقوال بنفسه.

جميع الوزراء وذوي الشأن، انشغلو بـ تهدئة الفوضى ليبقى الأمر سريًا قدر المستطاع وبعيدًا عن أي شائعة ستسبب أزمة، فمن هربت ليست أميرة عادية بل وريثة إمبراطورية ضخمة عظيمة!

اما هما، فوحدهما من سكنا جناحها لبعض الوقت، وبالطبع من أجل غاية.

يسترسل بخطواته امام الشرفة، ليحظى بمنظر اقرب من الامبراطور.

"اعذرني جلالتك، الأميرة هربت سريعًا خادعة الجميع، هل نلاحقها جلالتك؟"

بهدوء طرح هيبرت سؤاله،ونظرة شاحبة استوطنت مقلتيه، نظرة مضطربة دفنت تحت عنوان الجمود.

بهدوء مماثل أجابه من وقف أمام النافذة يناظر الخيال من بعيد، عله يدرك شيئًا لا يدركه الآخرون.

"لا يا هيبرت دعها الآن تفعل ما تريد، لكن اجعل بعض الرجال بتابعونها من بعيد فقط!."

بطاعة ودون أي بادية للاعتراض أمتثل هيبرت بالموافقة، ودواخله مليئة بأسألة مبتورة الجواب، فذلك دفعه للهمس بأحدها مترددًا.

"ماذا عن الختم الملكي جلالتك ؟!"

لثوان كادت تبلغ الدقائق صمت المعني، فملأ سواد الغرفة بهفوت قمر، وهدوء الانفاس..

"كما هو متوقع لن نجده يا هيبرت."

في نهاية كلماته التفت يقابل الجنرال بوجهه بصمت لا يدوم.

"رافقها، أليس كذلك؟!"

رمى كلماته يُناظر احداقه بتفحص ودقة، ينتظر كذبة او ربما حقيقة.

ناظره صاحب العشبيتان المتوجسة ثم ودون كذب منحه جوابًا، مضحيًا ومتخليًا عن تردده

"أجل فعل جلالتك."

همهمات بسيط هو كل ما اصدره، كرد..

ثم عاود السير، خارجًا من غرفة، مليئة بجثث، مغتسلة بالدماء، غرفة جُعل منها ساحة للمعركة قبل وقت لا يتجاوز بضع ساعات.

هاجرًا ذاك القلق.. جنراله.. يتركه لأفكار كثيرة تهدد بأكله.

♪ ──────────────── ♪

في العراء، وتحت السماء المتظة بالغمام، حيث عادو الغيث هطوله مفلتًا مدامعه مصدرًا صجيجًا خافتًا يوازن ما بين الراحة والتوتر في آن،

اختبئ ظلان توارى عن الاعين وسط الظلمة، كان هذا قبل ان تضرب السماء ببرقها فتفضحهما.

امتزج دوي الرعد ونور البرق ليفصحا عنهما،

وجهين متخفيان جُعل منهما هدفان سهلان...

هجس ضعيف لارتطام حوافر الخيول بماء الارض وطينها هذا كان دليل ثلاثة اجواز من العيون الى حيث يتجهان شارلوت وحارسها.

لـ يُكشف واخيرًا عن التماع نصل حاد بالتزامن مع ومضة برقية صامتة، فـ يبدأ النزاع.

♪ ──────────────── ♪

رصدت اذني ذلك القلق صوت خطوات قريبة منهم، بينما مقلتيه الفيروزيتين ارتعدت بخفة مبصرةً ظلال متحركة، الوضع لا يحتاج تفكير..

هذا بالنسبة للورانس،

اما هي فرفعت رأسها الى السماء تستقبل رزاز المطر تتمنى لو ان ما يحدث مجرد مزحة،

ففي داخلها احساس متوجس منزعج مما سيحدث.

صوت صراخ حارسها العالي بها قطع سلسلة افكارها، فبدى لها وكأنما يطالبها بالهدوء والتركيز، يحميها حتى من افكارها!!.

"اجرِ بسرعة شارلوت"

طالبها بالهرب، بالنجاة، وهي سريعًا قادت فرسها تنفذ ما امرها به، متوغلة معه سريعًا الى عمق غابة مجهولة، اعلان صاخب لبداية المطاردة!.

يتوغل الاثنان اكثر وسط غابةٍ اختارت ثوبًا اسودًا لتكتسيه وتتزين به الليلة!

وبرفقة الفَرَسَان اندفعا كشبحين يبتلعهما الغيهبان.

والريح تداعب الاشجار مصدرتًا صوت اشبه بأنين واهن.

بدأت الأنفاس تتسارع متضحةً في صمت الغابة الخانق، ومع كل خطوة جيدة تشتدّت وعورة الطريق اكثر، وتصبح الظلمة حليفةً للمجهول تبتلع أي أثر أو معلم، فلا تترك للبهاء شيئًا!

أغصان أشجار منخفضة قررت بأنها ستتخذ دور الوحوش المفترسة، فها هي ذي تعترض طريق الخيل وتجعل من فقدان المسار أمرًا حتميا،

الآن لم يعد البصر دليلًا ليرشد، بل الأذن... من يسمع أولًا ينجوا.

يرترجالان عن ظهور الخيل بخفة يفترشان الارض، مختفيان بين الشجيرات اللزجة بفعل الرطوبة صامتان يستمعان إلى دوي الرعد تارة وهمس ماء السماء تارة اخرى؛

ما كان تحديد عدد المتربصين صعبًا على لورانس، فها هو ذا حفيف تكرس اوراق الخريف الهابطة، وضجيج الاحذية الجلدية المرتطمة بوحل الأرض يخبرهما بالعدد، ثلاثة من المجهولين هم.

دقات القلوب تعلوا مترددة كهمس خافت،

وصرير حذوات الخيول المتكررة تزيد من التوتر، ففي أي لحظة وعند أي حركة قد يُكشف جحرهما وتُسلب الحياة في لمح البصر ولا يبقى سوى الأثر...

نظر لورانس إلى اميرته نظرة ثابتة ضامرًا خلفها قلقًا عميقًا خالصًا من اجلها ثم همس لها بحزم

"سأتولى أمر الاثنين، اهتمي أنتِ بالثالث."

أومأت له موافقةً اياه، وردّت له نظرته ذاتها، بتصميم لا يقل عنه، ثم انقضا معًا..

كصاعقة ستضرب لتدمر فقط!

استدراجت هي بضجيجها المتعمد احد الملثمين تتوغل به عميقًا داخل الغابة، تنفرد به، وهو ببساطة تبعها يترك صاحبيه خلفه وكأنه مدرك حقًا لما سيحدث وبالطريقة التي ستحدث.

اما عن حارسها فراح الاخر يشرع ببدأ هذه اللعبة الموترة متيقنًا بانها حتمًا ستنتهي لصالحه واميرته.

♪ ──────────────── ♪

اندفع مرة واحدة على الاثنين اللذين ترجالا سريعًا عن دابتهما استعدادًا لمواجهته.

يفترس أعداءه بخضراوتيه، يدرس الموقف ممسكًا سيفه بـ يميناه وسلاحه الناري في يسراه، ليوازن الأحداث، ويُصبح العرض كاملًا!

أنبثق البارود من مسدسه بسيط الصنع متجهًا نحو هدفه، الاحصنة امامه!

سقطت جميعها بالتتابع.. الكفة الآن لصالحه.

شل حركة خصومه بفعلته فخطته تمثلت في ان يحول دون أي مناورة مفاجئة، ثم بدأت المعركة اثنان ضد واحد صراع وحوش في قلب الغابة..

حركات اشقر الشعر كانت رشيقة وسريعة لكن الآخرين كانا ضخمين وقويين كوحشين انتصبا بحزم وسط العتمة.

انبثقت رصاصة متمردة من مسدس لورانس فـ أصابت ساق أحدهما ليسقط أرضًا دونما مقاومة يتلوى من الألم، بينما اندفع الآخر نحوه عازما على قتله بحدة نصله..

وفي اللحظة الأخيرة استطاع حارسها تفادي نصل سيفه، فالآن لم يعد لورانس هو الصياد، بل الفريسة يهرب ويتراجع مصرًا على النجاة، فراح يقاتل بشراسة يائسًا ومُصرًا في آن...

هجم عليه بنظرة حادة من خصراوتيه قبل قوته، وتداخلت السيوف تدمي بعضها بمهارة ودون ندم،

فلم يعد يُسمع في هذه الغابة سوى صوت حفيف الأوراق، صخب الأنفاس المتسارعة المتعبة، وجلبة ارتطام السيوف.

وفي لحظة خاطفة غرس لورانس سيفه عميقًا في قلب خصمه معلنًا عن نهاية فصل من النزاع دام لأكثر من نصف ساعة، لم يفز بعد فما زال الآخر يتنفس يحاول الهرب والنجاة.

ذلك الجبان الذي حولته رصاصة في ساقه إلى جرو مبلل مرمي على الأرض يائسًا متمنيًا منقذًا ينتشله من بحر العواصف الى بر الامان.

تقدم منه لورانس بهدوئه المصطنع، نظرات الشفقة التي يطلقها نحو ذلك الزاحف المقرف تصف قسوته..

ابتسامة الساخرة تجعل من الرعب امرًا مسلمًا

"سؤال واحد أجب عليه وأعد بمنحك موتًا رحيمًا، من أرسلك؟!"

الجبان لم ينطق بعد، بل استمر في الزحف كأفعى مصابة مرعوبة.

وكرد فعل لعصيان الجبان، انحنى يُمسك بخصلات شعره الخلفية رافعًا رأسه لاعلى جاعلًا من اعينه محطة لنظره يتحرى صدقه ببساطة.

اتبع فعلته تلك وضعه لنصل سيفه فوق عنقه بخفة ثم همس بحدة

"أخبرني قبل أن أقطعها ببطء، بطء لن يمنحك موتًا بل عذابًا!"

ونطق الجبان أخيرًا، مرتعدًا متلعثمًا، كلماته متقاطعة وانفاسه متسارعة

"الجنرال هيـ ـبرت هو من فـ ـعل.. بأمر من الإمبراطور المؤقتـ... آدون فاندربـ ـيلت."

اهتزت مقلتاه الزمردية بضعف اخفاه بسرعة محتفظًا برجاحته عقله واتزانه.

لم يصدمه كون آدون اللعنة من ارسل خلفهما قتلة، بل كان متأكداً أنّه وراء كل شيء، فقط احتاج دليلًا، وليته لم يسأل!

شعر بضعف، شعر بخذلان، انقبض صدره، ثم هدأ.. ليفرغ غضبه بطريقة أكثر حضارية..

بحركة سريعة فصل رأس الرجل عن جسده ليسقط الرأس متدحرجًا فوق الارض الصلبة الموحلة، وتنتفض الدماء كنافورة تغطي ما حولها بصبغتها القرمزية،

ملطخة ببعض قطراتها وجه لورانس ويديه الممتلئة بـ جروح سطحية، لكنه لم يأبه بذلك مطلقًا.

الآن هو انتهى وسيذهب ليطمئن ان الامور بخير.

متأكد من انها انهت الامور لصالحها وهي تدندن بانتظاره فحسب.

"يا لها من فتاة!."

همس مخاطبًا نفسه مبتسمًا يسر ببطء متوجهًا بخطاه الى الاعماق يفتش عنها حيث واثقًا بأنها هنا قريبة منه في انتظاره فحسب.

♪ ──────────────── ♪

"عند شارلوت"

تقف أمام نهر متدفق مسود بسبب الظلمة، فما ادركته في البداية سوى من ضجيج جريان ماؤه واصطدام قطرات المطر به،

تستنشق الهواء بصعوبة محاولة الحفاظ على ثبات انفاسها، قطرات العرق المنصبة من جبينها تختلط بقطرات ماء السماء الباردة فوق وجهها تهدء من روعها.

الأمر ليس مجرد لعبة مطاردة بل حرب بقاء والقاتل الذي يلاحقها ليس مجرد رجل بل كتلة من العضلات والكراهية، يتنفس الموت ويشتهي دمها.

اندفع نحوها سريعًا كما البرق، في محاولة منه لامساكها، بل انهائها، محاولة فاشلة فهي أسرع!

سيفها امتد بعنف مُعترضًا طريقه وتداخلت المعادن في صرير عنيف، يتضح القتال مع كل ضربة برقية تفصح عنها السماء، فالليل بالكاد انتصف، والغمام اخفت بنور البدر لهذه المرة.

تحركت السيوف كألسنة اللهب تتشابك في رقصة الموت كل ضربة تحمل معها اليأس والخلاص، تفادت الضربات ببراعة جسدها يلتوي ويتأرجح كالريشة في مهب الريح، قد تسقط او لربما لا.

خصمها يُهاجم بضراوة قوته الغاشمة تهدد بتحطيمها في اي لحظة، نصلها الخفيف كان الأسرع فراح يدور كزوبعة يقطع الهواء بصفير حاد ثم يرتطم مجددًا بسيف الآخر لمرات عديدة.

استمر العرض لوقت أطول من المتوقع كل ضربة ترهق جسدها وتزيد من ثقل سيفها اضعافًا. قطرات العرق المتصببة من جبينها تشرح صعوبة الموقف وتغسل آثار الدماء عن وجهها.

تترقب اللحظة المناسبة للهجوم، تلتمس نقطة ضعف في درعه الحديدي. بينما هو يتفادى جميع ضرباتها بمهارة كأنه يقرأ أفكارها، هي راحت تفكر بخطة تجعلها تدرك النصر، فالقوة لن تنفعها كما سيفعل فكرها في هذا الموقف.

تراجعت منهكة الى الوراء سامحة لذلك اللعين بالتقدم نحوها سريعًا، نظراته شعلة من الكراهية وابتسامته تنم عن جنون سيقتلها!

وفي لحظة امتلأت يأسًا اتخذت قرارها الجريئ وألقت بسيفها تفلته من بين ايديها، ليسقط مرتطمًا فوق الأرض مشتتةً انتباهه للحظات بارتنانه الناتج عن الارتطام.

وبرشاقة سحبت خنجرها المخبئ حول عنقها متعلقًا بسلسال جَعل منه مُتدليًل مخفيًا اسفل ثيابها، بحيث لا يؤذيها بل يحميها

ما كان سلاحًا عاديًا بالنسبة لها، بل أملها الأخير وقوتها الخفية، وكحركة اخيرة اندفعت نحوه وبكل ما أوتيت من قوة...

طعنته في صدره، حيث يتمركز قلبه فينتهي كل شيء ببسمة اميرة فارهة ربما مدللة.

يتراجع إلى الخلف مقلتيه مليئة بما يُسمى الدهشة، فالموازين انقلبت فجأة بلمح البصر.

سقط ارضًا ساكنًا دون حراك ميتًا دون ريب.

ألقت بنظرة ساكنة من باهتتيها نحو الخنجر الملطخ بالقرمز ثم رفعت رأسها وعينيها مشتعلتان ببريق حاد بلا مسار واضح، فها هي ذي قد فعلتها ونجت مرة أخرى!.

♪ ──────────────── ♪

هدأت السماء ونتيجة لذلك توقفت الامطار، فجلست مبتلةً بالكامل فوق جزع شجرة مرمي جانبًا، غير آبه بابتلالها او حتى اتساخ ملابسها، فقط تحدق بالجثة امامها شاردة الذهن لتمنح الهدوء العابر همس لحنٍ جلست تصدره دونما اكتراث.

لحنها يتردد صداه مُتنقلًا في الهواء، يبعث على القشعريرة، قشعريرة غريبة هامدة بطريقة لا تُفهم.

الغمام تنقشع، فتكشف البدر الذي راح ينير بشعاعه الخافت الافق، موضحًا الصور كخيالات شبه مرئية.

توقفت دندنتها تدريجيًا عندما سمعت وقع خطوات وصهيل احصنة، ناتجة عمن يبحث عنها، بعيدة كل البعد عن الخداع او التخفي.

فوقفت بسلاسة تناظر الأفق لتلمحه يتقدم نحوها يجر الاحصنة، بشرته البيضاء ملطخة ببقع من الدماء وشعره الأشقر المليئ باللون القرمزي يتضح نتيجتًا لنور البدر، حالها ليس افضل منه تقريبًا.

وجهه متعب ومقلتاه تحملان الكثير من معانٍ لا تُفهم. تقدمت نحوه ببطء وقفت على مقربة منه تدرس عينيه بـ لين، تسأله بصوتها الرقيق

"هل انتهيت؟"

بابتسامة خفيفة اومأ لها، ابتسامة حملت الكثير من التعب والرضى، فراح يروي لها ما حدث، يُعلِمهَا بـ أنهم مجرد قتلة مأجورين من طرف شقيقها المزعوم.

فـ اتخذت الصمت حائرة، لا تدري ما الذي قد يحدث اكثر من ذلك ؟!

حولت نظرها إلى الأرض للحظة، ثم رفعت رأسها تقابل حارسها تهمس

"لم أُرد أن يدرك شقيقي غيابنا بهذه السرعة.."

ثصمت لبرهة ثم تتابع "يجب أن نكون أكثر حذرًا ربما يوجد غيرهم من يدري"

وقف الاثنان جنبًا إلى جنب يتأملان منظر هادئًا لانعكاس بدر كامل فوق سطح نهر جاري، صخب تدفق الماء يبعث على الراحة،

والريح اخذت تهب تبعث على القشعريرة، الجو بارد وكلاهما مبتلان بفعل المطر لذلك اقترح لورانس مخاطبًا اياها

"ما رأيك يا اميرتي بأن تبدلي ملابسكِ الآن؟!

سأجد لكِ مكان مناسب لذلك فلا نريدكِ ان تمرضي."

بالطف ودونما اعتراض واقفته شارلوت القول تعتزم التوغل أعمق والعودة الى الغابة سريعًا تبدل لباسها بما حضرته لها كليو...

لكن القدر همس بأمر آخر، وفجأة ومن بين اشباح الاغصان انطلق سهم أسود أشبه بـ صفعة قاسية تلقتها سكينة اللحظات، سهم يحمل الموت والخيانة موجهًا نحو شارلوت مستعدًا لقتلها.. لكنه لم يصل!.

اغلقت مقلتيها مستعدة لتلقي الالم فلا تمتلك المقدرة على تجنبه، لم تشعر بالام، لم يصبها اي وخز،

اتوقف الزمن يا ترى ؟!

تسألت غير عالمة بما فعله حارسها من اجلها، فلم تشعر سوى بجسدها يحتضنها يهمس بوهن

"اجمعي انفاسكِ يا اميرتي سنقفز الان!"

ودونما انتظار قفز سريعًا يرمى بهما الى الماء، داخل النهر!!.

🎶 𝒜𝓉𝒽𝑒𝓃𝒶 🎶

♪ ──────────────── ♪

الفصل الاول من الوريثة تم بحمد الله.

جعلته اقصر من المتوقع لاضمن انه خفيف سهل الفهم.

بالنسبة لموعد الفصل الثاني فأنا حقا لا اعلم ولا اريد ان اعدكم بموعد فاخلف..

لكن ساعدكم بامر واحد وهو انه في المستقبل القريب سأضع مواعيد ثابتة للنشر فقط امنحوني بضع الوقت ولن اخيبكم بإذن الله.

ومن أجل القراء القدامى فانا اقدم خالص اعتذاراتي لكل من خذلته بحذفي لاعمالي مرارًا وتكرارًا واعدكم وانه لهذه المرة لن اسمح لاي شيء ان يدفعني للتخلي عما احبه، ثقو بي واغدقوني بحبكم 🤍🎶

من أثينا إلى نغماتها، استودعكن الله حيثما كنتن واحبكن كما شتائي.

القاكن حيث يهمس الثلج بلونه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الوريثة

المؤلف Athena
2025/06/15 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة