سبحان الله، الحمد لله🌱
༺ ༻
٢ || إِكْلِيلُ الشَّوْكِ.
١٤ من ربيع الأول— الساعة الثالثة فجرًا.
مدرسة النجار.
كان عائدًا من معمل الحاسوب بعد أن استرجع وصلة جهازه التي نسيها في الحصة الأخيرة بالأمس. وبينما كان يختصر الطريق إلى مبنى المبيت، سالكًا رواقًا حجريًّا، كانت الفوانيس المعلَّقة على أعمدة الرواق تكافح الظلام كي لا يستبدّ بالمكان.
لمح ظلًا يترنّح ويهوِي على الجدار. دقّق النظر، فإذا به جليس المسجد، ذلك الفتى غريب الأطوار. دنا منه بخطوات حذرة، يتمعن في حالته المتدهورة مرتابًا مقطبًا لحاجبيه الأحمرين، ولما أيقن أنه سينهار على ركبتيه وكأنّه استسلم لمصيره، أسرع إليه مرتبكًا يسأله:
"أأنت بخير؟ يـمـان."
ولم يُصدر اجابة، بل رجفة مذعورة تشي بكمية الهلع التي تسكن قلبه، وبتكلّف شديد أزاح وجهه عنه نحو الجدار، وكأنّه يحاول مواراة ملامحه. بيد أن الآخر لمح طرفًا من دمعة تنساب عبر جفنه الأيمن، غير أنّ تلك الخصال الحالكة المترامية حتى حدود وجنتيه ساعدته في إخفاء ضعفه وانكساره.
مدّ له يده قائلًا:
"دعني أُساعدك!"
وقبل أن تمسّ يده ذراعَ المرتجف، رفضها واستند إلى الجدار، ثم أجبر جسده المتهالك على النهوض، ساجنًا أنينه وأنفاسه داخل جدران صدره. جرّ قدميه متّكئًا بكل ثقله على الحائط، وما إن خطا خطوتين حتى أوشك أن ينهار على وجهه.
مدّ الآخر يده وأمسك بذراعه اليمنى رغم مقاومته، لفها حول عنقه وأرسل ذراعه اليسرى خلف ظهر هذا المترنح ليعينه على الثبات... لكنه ما إن فعل، حتى شعر بأن يده تكاد تغوص في ثيابه.
"ما هذا؟! لماذا هو هزيل إلى هذا الحد؟! بالكاد أجد جسدًا داخل هذه الملابس!"
تجاهل أفكاره، وأسند جسده ولم يقدر على انكار رائحة غريبة صادرة منه، مزيج ما بين رائحة المطهرات وشيء لم يقدر أن يتعرف على ماهيته. قال:
"استند علي يمان، بهذه الطريقة، سيؤذّن عليك الفجر وأنت تزحف إلى حجرتك... هيا، استند عليّ لأوصلك."
استجاب مُرغمًا، لكن يسراه ظلّت تتكئ على الجدار... تلك اليد التي كان بعض أصابعها ملطّخة بشيء من الدم.
كان يحاول أن يجبر قدمه اليمنى على الحركة، بيد أنها كانت ككتلة من الأسمنت المتحجّر، مخدّرة بالكامل. فلم يكن منه إلّا أن يجرّها جَرًّا.
ولما بلغ به حجرته، ساعده حتى أرقده في سريره، ثم وقف يرقب كيف يَضُمّ جسده كالجنين، وجرّ الغطاء ليتدثّر به حتى رأسه، وكأنه أراد أن يحجب نفسه عن العالم.
تنهيدة مشفقة تسربت من الأصهب، سأله بلطف:
"هل تحتاج إلى شيء؟"
ولم يأتِه رد.
وقبل أن يهمّ بالانصراف، لمح حذائيه الأسودين بارزين من تحت الغطاء.
فقال له: "اخلع حذاءك على الأقل."
أجابه بنبرة كئيبة منهكة: "لا طاقة لي!"
تقدم وبسمة ظريفة تزين ثغره: "أخلعه لك إذن."
فحرّك الفتى قدميه تلقائيًا ليدسّهما تحت الغطاء، وانطلقت منه كلمات مرتبكة متهدجة: "لا داعي... سأخلعه بنفسي!!"
وفعل، إذ حرّك يديه تحت الغطاء، ونزع الحذاءين الأسودين، ورماهما إلى أسفل السرير، ثم تأكّد من تغطية قدميه جيدًا.
لم يفهم صاحب العينين الكسْتَنَائيتَين سبب هذا التحفّظ، كما لم يفهم كثيرًا من التصرّفات الغريبة التي تصدر عنه. لكنه كان متأكدًا من أمرٍ واحد إنه في حاجةٍ ماسّة إلى العون. كلُّ يومٍ يمضي، يرى جزءًا منه يتهالك في مطحنة الكآبة.
تنهد، وهمّ بالاستدارة، ثم سأله بتلقائية:
"أتحتاج شيئًا قبل أن أذهب؟"
لا جواب.
هزّ رأسه متفهّمًا، لكن قبل أن يبلغ عتبة الباب، انبعث صوته خجولًا بنبرة رخية:
"أ... أيمكن أن تُكمِل..."
التفت إليه، وطرف بجفنيه المُزدانين برموش حمراء كثيفة. سأله:
"أُكمل ماذا؟"
– قراءة!
مال برأسه المكسو بشَعرٍ أصهب كثيف وناعم، وقال مستفهمًا:
"قراءة؟ أتقصد أن أُكمل قراءة السورة التي توقّفنا عندها بالأمس؟"
هزّ رأسه، ولم يكن ظاهرًا منه سوى شعره الحالك، أما وجهه فبقي مندسًّا تحت الغطاء.
تبسّم الأصهب بلطف، ولبّى طلبه. أخرج هاتفه من جيب سترته الزرقاء الداكنة، ثم قعد متربّعًا، مستندًا بظهره إلى السرير.
دقيقة...
دقيقتان...
ثلاث...
بل تجاوزت الثلاثين...
كان السكون مخدّرًا سريعَ المفعول، وقد سرَّع من أثره صوته النَدِيّ أثناء التلاوة، إذ انسكب عليه كبلسمٍ يداوي جراحَ روحه.
لكن...
لا يدري، أحقًا خُدّر وعيه حتى فقد القدرة على التحكم بجسده؟
بيديه؟
اللتين لا يعلم كيف انفلتتا من إرادته حتى بلغتا عنق من مدّ له يد العون، سانده، وأرقده على وسادته كأخٍ مساند عطوف...
هو لا يدري لماذا يخنقه، لكنه يخنقه بكل ما أوتي من قوّة، حتى انتفخت عروق وجهه المتورّد، وجحظت عيناه الكستنائيتان، واستحال وجهه كحمرة شعره، وتجمع في فمه دم نازف من شقّ في الشفة...
كان يخنقه، ودموعه تنساب على وجنتيه...
لم يعتد الأمر، لكنه مُجبر على غرس الشوك في راحتيه بصمت...
فحتى إن أراد نزعه، سيتعمّق أكثر، وينبت المزيد من الشوك...
لهذا... لم يُرِد مساعدته، ولم يُرِد شفقته. توسلَ إليه مرارًا أن يبتعد عن مستنقعه البائس، عن حزنه المتعفّن كجذوع نبتةٍ ميتة، تلتفّ حول جسده، بل كإكليلٍ من شوكٍ يخنق عنقه ويمنعه حتى من الأنين.
.
.
fati_m25_