سبحان الله، الحمد لله☘️
༺ ༻
١٣ من صَفَر - الساعة الثانية عشرة صباحًا.
كان ملفه مفتوحًا فوق مكتبه الخشبيّ الرفيع، تنسل الأوراق من عليه مدفوعة بالرياح إلى الأرض. تتداخل ظلال الغرفة القاتمة مع لون الأثاث البنيّ الداكن، فتزيدهم كآبة. ضوء شاشة الحاسوب يشي بأن عملًا كان يُكتَب، والمؤشّر لا يزال ينبض عند آخر جملة كتبها: (وبناءً على الحق المكفول، فإن موكلي...)
بخار القهوة يتصاعد، دافئًا...
على مقربةٍ منه، يرنّ هاتف يومض باسم (الفاتح) لكنّ صاحبه لا يستجيب، بل يمضي عكس النداء، مستسلِمًا لهمساتٍ غامضة تُغرق سمعه، عيناه الرماديتان تستجيبان لتهويدةٍ خفيّة غمرت عقله، وأطفأت بصيرته.
يسير كما يسير المنوّم، بخطى مترنحة... لا وعي فيها، حتى بلغ عتبة الشرفة فتأرجحت الستائر بالرياح تلطم جسده وكأنما تبتغي ردعه عن المصيبة التي يدفع إليها مبتسمًا....
فتجاهل توسلاتها وارتمائها على وجهه واكمل المسير يخطو على بلاط الشرفة، حيث يتجل مشهد الليل من الطابق الخامس عشر، في برج يعلو أحد أرقى أحياء مدينة طوقزآر. الليل مبسوطٌ كوشاح سميك، وسحر أضواء الشوارع كأمواج يعجز الليل عن احتوائها.
لكنّه، وعلى عكس المرات التي كان يقف فيها متأملًا سحر الدجى، بدا ذهنه هذه المرّة منفصلًا تمامًا عن الواقع... كأن يدًا ناعمةً تقوده كطفلٍ صغير، بلطفٍ عجيب، نحو كفَّي الموت.
ففتح ذراعيه...
ورمى بنفسه... من علو خمسة عشرة طابقًا!!
ثوانٍ وإذ بالجسد الشاب، المغلّف ببدلة أنيقة سوداء، يرتطم ككتلة من حديد بسقف سيارةٍ بيضاء؛ فدوّى صوتُ الارتطام، وانبعج السقف بقسوة، وكأن السماء نفسها هوت عليه...
ولم تلبث أن انطلقت صفير إنذارٍ حاد، ترافق مع وميضٍ جنوني لأضوائها.
كأنم هو صريخٌ آلي فزع من المصيبة التي رميت عليها،
من الدماء التي سالت من رأس القتيل وخالطت بياض طِلاءها...
قتيلٌ ساكن الملامح، كأنّه لم يمت... بل غفا بعينين مفتوحتين على البدر الأحمر.
.
.
.
.
༺ ༻
fati_m25_