أنت النور وسط عتمتي

أنت النور وسط عتمتي

29 1

"أنـــتِ الـنــور وســط عــتــمــتــي" تأليف وكتابة: شيماء عبد الله الفصل الأول ظلام حالك، ونسمات ريح باردة معطرة برائحة تنافس أرقى العطور. كان أغلب الناس غارقين في النوم إلا القليل، ومنهم هي وعائلتها الذين استيقظوا وصلوا قيام الليل. "الله أكبر.. الله أكبر... أشهد أن لا إله إلا الله... أشهد أن لا إله إلا الله... أشهد أن محمدا رسول... أشهد أن محمدا رسول الله... حي على الصلاة.. حي على الصلاة... حي على الفلاح... حي على الفلاح... الله أكبر... الله أكبر... لا إله إلا الله". كانت تردد تلك الكلمات مع المؤذن، وحينما انتهى الأذان قالت :اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقام محمودًا الذي وعدته، انك لا تخلف الميعاد، رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا. سمعت صوت طرقات على الباب، ففتحته ووجدت أخاها ذو ملامح بشوشة، وعلى جبينه ترتسم علامة الصلاة كما ترتسم على جبينها وقال: صباح الخير، كنت أريد أن أتأكد إن استيقظت أم لا. _صباح الخير، استيقظت منذ زمن وكنت أصلي. _تقبل الله منك، أنا سأذهب الان للمسجد، والدي ينتظر. _أمين.. حسنا. تحرك أخاها متجها ناحية الباب لكنها تذكرت شيئا وقالت: يونس. التفت يونس ناحيتها ينظر لها باستفسار وقال: نعم أختي. _انتظر قليلا. دخلت لغرفتها لدقائق قبل أن تعود مع كيس في يدها قدمته له قائلة : توجد امرأة جانب المسجد في هذا الوقت دائما تبيع الحساء للمصلين، وفي يوم رأيت إبنتها المسكينة لا تجد حتى ما تلبسه، أريدك أن تقدم لها هذه الثياب إن رأيتها. يونس :حسنا.. جعلها الله في ميزان حسناتك إن شاء الله. _أمين. خرج يونس عند والده الذي كان ينتظره أمام الباب، ومن ملامحه ستعلم من أين أتى يونس بتلك الملامح والبشاشة التي تنير أوجههم، وقال الأب :إبني يونس أين تأخرت. يونس: ألقيت نظرة على كوثر، و أعطتني هذا الكيس. الأب:هل تلك صدقة، أليس كذلك. يونس :بالضبط. _هيا بنا نذهب إذن قبل أن تبدأ الصلاة. ذهبوا في إتجاه المسجد، وبالفعل وجد يونس تلك المرأة، فذهب عندها وغض بصره ووضع لها ذلك الكيس قائلا :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. _وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هل ترغب في الحساء. يونس :بعد الصلاة يا أمي.. أتمنى أن تقبلي هذه الأغراض، لقد أرسلتها لك أختي. رأى الرفض في عينيها، ومدت له الكيس قائلة :لا يا إبني، أنا لن أقبل على نفسي شيئا لم أشتغل وأحصل عليه بعرق جبيني. يونس :للأسف لن أستطيع أخذها منك، ولكن إن أردت تعطيني الحساء بعد الصلاة مقابلهم. _ولكن.. قاطعها يونس قائلا: لا أريد أي اعتراض يا خالتي، هذا رزقك ورزق ابنتك، قولي بسم الله وخذيه. لمعت عيون المرأة بالدموع وهي تقول: حفظك الله يا بني أنت وأختك، وأخبرها أنني سأظل أدعي معها دائما. يونس: أمين يا أمي، وعلى هذه الدعوة الجميلة جهزي لي الخبز أيضا. _بكل سرور. ذهب يونس ليصلي الفجر، وحينما انتهى خرج ووجد تلك المرأة قد جهزت له ما يريد، بينما والده عاد إلى المنزل، فقال متنيا على الأكل : حفظ الله تلك الأيدي التي أعدت هذا الطعام الشهي. _أمين يا بني رغم أنني لم أعد شيئا، وإنما ابنتي هي من تكلفت بالطبخ أنا فقط أقوم ببيعه. يونس: أدعو الله أن يرزقك من حيث لا تحتسبين. _أمين.. لم تخبرني يا بني ما هو إسمك. يونس: يونس.. ما رأيك فيها، جميلة أم لا. _ونعم الأسماء، أنا اسمي خالتك خديجة يا بني. يونس: لا، لست خالتي، ألم تقولي لي للتو بني، إذن أنت أمي. ارتسمت ابتسامة رضا على وجه خديجة قائلة :جبر الله بخاطرك كما جبرت بخاطري اليوم، ورزقك من وسع رزقه. رسم يونس هو الآخر بسمة خفيفة على شفاهه قائلا : وبسبب دعواتك الجميلة هاته ستجعليني مقيما معك هنا، وأتناول كل يوم إفطاري عندك. خديجة :مرحبا بك يا ابني في أي وقت. أنهى يونس أكله ثم عاد للمنزل وهو راض على ما فعله. أما السيدة خديجة فتحت ذلك الكيس ووجدت به بعض الفساتين وحجاب، إضافة إلى بنطال وجوارب، لتبتسم وهي تنتظر على أحر من الجمر متى تنهي عملها، لتسعد ابنتها بهم. دخل يونس للمنزل ورأى غرفة والديه محلولة، وصوت والده يرتل بعض الآيات من القرآن الكريم، فاتجه ناحية المطبخ حينما سمع صوت والدته وأخته، فوجدهم تعدان الإفطار، فطبعا قبلة على رأس والدته قائلا: أمي كيف حالك. رقية :الحمد لله والشكر له، أنا في أحسن حال.. اجلس لقد أوشكنا على إنهاء الإفطار. يونس: أنا أكلت في الخارج. كوثر: أخي هل أوصلت الأمانة. يونس :أجل يا سيدتي، والمرأة تدعي معك. ابتسمت كوثر وقالت: الحمد لله. تدخلت رقية متسائلة :عن أي أمانة تتحدثان؟ كوثر: الملابس التي قمت بعزلها بالأمس، تصدقت بها لابنة المرأة التي تبيع الحساء بجانب المسجد. رقية :جيد ما فعلتيه، الثياب كانت موضوعة في الخزانة دون أن تستفيدي منهم، الأفضل أن يستغلهم شخص في حاجة لعن. يونس: كوثر هل غسلت لي القميص الذي طلبت منك غسله بالأمس. كوثر: أجل ستجده معلقا بجانب الخزانة. طبع يونس قبلة على رأسها، لتضربه مغتاظة من أفعاله، خاصة بعد أن قال: ما بك يا فتاة كنا نرغب في شكرك لا أكثر. كوثر: وهل أنا جدتك لتقبل رأسي. ضحك عليها يونس وقال :لا أنت أخت الزوج اللئيمة. كوثر :أمي تحدثي مع إبنك لقد تمادى كثيرا. هزت رقية رأسها عليهم وهتفت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا أعلم متى ستعقلوا. يونس: حينما تتزوج ابنتك سأعقل. كوثر :إذن ستبقى بلا عقل. استمروا في الحديث والضحك؛ وسط جو جميل يخلقونه بينهم كل صباح ببسمة صافية على أوجههم البشوشة. أما في مكان أخر، كم ان نائما لا يعي بشيء، ليوقظه من غفلته صوت طرقات على الباب،ليتنهد بقوة يقلب عينيه وقال: نعم. الخادمة :سيدي، السيدة ماريا تنتظرك في الأسفل. أمجد :أنا آت. قام ليظهر صدره العاري، وتلك الوشوم في يده وبطنه، ليغسل وجهه ويرتدي قميصا، ثم نزل للأسفل ليجد سيدة في الخمسينات، ومن ملامحها تعلم أنها ذو أصول أجنبية، فقبل يدها هاتفا: صباح الخير ماري. ماريا: صباح الخير حبيبي، هل ارتحت قليلا. أمجد :أجل. ماريا :كنت أنتظرك في الأمس على العشاء لكنك لم تأتي. ارتشف القليل من قهوته وقال :ذهبت لزيارة صديق لي في المستشفى. ماريا :انتظرتك سوسو كثيرا قبل أن تغادر في الأخير. لم يبالي بحديثها وقال: لم أخبرها أن تأتي من الأساس. ماريا: يا لك من عنيد، لما لا تحاول الدخول معها في علاقة قد تنجحون. أمجد :كل إهتماماتها التسوق والمظهر الخارجي، وفي الحقيقة لن أستطيع تقبل جنونها. تغيرت ملامح ماريا للحزن وقالت :هل هذا يعني أنني أيضا مجنونة؟ أمجد :متى قلت هذا! ماريا: هل نسيت أنني أيضا أعشق التسوق. أتى رجل من خلفها، وطبع قبلة على خدها هاتفا: أنت لست مجنونة، إضافة لذلك أمجد ليس هو أنا.. أنا أحبك في جميع حالاتك، بينما هو لا يطيق تلك السوسو خاصتك، ولأكون صريحا أنا الاخر لا تعجبني. ماريا باعتراض :ديفيد. ديفيد: سأصمت، لا تسمحين لأحد بالتعبير عن رأيه. كان أمجد يشاهدهم وهم يتحدثان، ويفكر لو كان مكان ديفيد لم يكن ليتقبل تلك التصرفات بشكل نهائي، لكنه يعلم أيضا أنه يحب ماريا لذا يتقبلها بكل عيوبها، ولوهلة وجد نفسه يفكر إن كان سيةد فتاة ليحبها كما يحب ديفيد ماريا، ثم نفض تلك الأفكار عن رأسه، وابتسم ساخرا من تلك التخيلات الغريبة. أمجد :سأخرج الان وقد أتأخر، لذا إن أتت سوسو لا داعي لتنتظرني. ماريا :ستخرج مجددا، وديفيد سيخرج هو الأخر، وأبقى بمفردي في المنزل. غمز لها أمجد قائلا: لقد أرسلت لك مبلغا في حسابك، وأنت أدرى كيف تصرفينهم. ضحكت ماريا قائلة :رأيت يا ديفيد مدى اهتمام ابني بي ليس مثلك، لقد أصبحت بخيلا. رفع ديفيد حاجبه هاتفا :لم تتركي درهما في جيوبي وتتهميني بالبخل، أنا أستسلم أمامك حقا. وضع أمجد يده على كتف ديفيد وقال: أنصحك أن تتحلى بمزيد من الصبر. صعد لغرفته ليستحم ثم ارتدى بدلته كما اعتاد، وعدل خصلات شعره ولحيته، لينزل بعدها ويستقل سيارته متجها خارج المدينة، إلى أن وصل لمكان تسيطر عليه الأراضي، ويحيط بها سور، فأوقف سيارته أمام الحارس الذي ما إن رأه حتى وقف. _مرحبا بك سيدي، طالت غيبتك. أمجد :هل كل شيء جيد. _لا تقلق العمال يقومون بجهدهم وأكثر، وتعليماتك تطبق بالحرف. أمجد :أحضر لي حذائي لأتأكد بنفسي. _فورا سيدي. ذهب ليحضر له حذاءه الخاص، والذي يرتديه الفلاحين كي لا يتلطخوا بالتراب أو تبتل أرجلهم من المياه، والذي يوضع دائما هناك ليرتديه خلال زيارته الدورية لتلك الأراضي، لينزع سترته ويرتديه بعد أن أحضره الحارس، فقام بثني أذرع قميصه ثم دخل لتلك الأراضي المقسمة، كل جزء فيها نوع مختلف من المزروعات، إلا قطعة واحدة هي الفارغة. بدأ يتأكد من النباتات بيده وإذا وجد نباتا قد يضر بالاخريات ينزعه، ليستمر على ذلك الحال لساعات دون أن يشعر، وحينما انتهى غسل يديه وأعطى تعليمات جديدة للعمال، ثم خرج وتوجه لدار الطالبة الخاصة به. عند كوثر، كانت في المطبخ تحضر الغداء بعد أن غادر أخاها للعمل، ووالدها خرج ليلتقي بأصدقائه، بينما والدته كانت توضب غرفتها، وكي تلهي نفسها كانت تستغفر الله، وتصلي على رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام. رقية :هل انتهيت يا كوثر أم لا؟ كوثر :لقد أوشكت على الإنتهاء، فلتلقي نظرة على ذلك العجين. رقية :سأقوم بطبخه، وحينما تنتهي قومي بتمرير قطعة ثوب مبللة على أرضية المنزل. كوثر: حسنا. وقد كان ذلك، ما إن أنهت ما بين يديها، قامت بكنس الأرضية ثم مررت عليها ثوب مبلل، وحينما انتهت توجهت لغرفتها تقرأ وردها اليومي حتى يصل موعد الغداء، وقد غرقت وسط كلمات المصحف التي تدخل الراحة لقلبها، ولم تنتبه أن الوقت مضى سوى من صوت أخاها الذي عاد، فأغلقت المصحف. يونس : أيوجد أحد. خرجت كوثر عنده وقالت :الحمد لله على سلامتك يا أخي. يونس: شكرا لك.. يا له من يوم طويل، لم أكن أعتقد أن التدريس مهنة صعبة إلى أن جربته، أتمنى أن يسامحنا أساتذتنا الذي درسونا على ما فعلناه لهم. كوثر: أنت الأن تدفع ضريبة شغبك في الصغر. يونس :لم أكن مشاغبا لهذه الدرجة. كوثر :لكن كنت مشاغبا. يونس :لو رأيت شغب أطفال هذا الجيل لا يقارن بشغبي. كوثر :ماذا فعلوا لك؟ يونس :السؤال الصحيح ما الذي لم يفعلوه بعد، بالأمس وضع أحدهم علكة في مقعدي وعلقت في البنطال، واليوم وجدت رسالة فوق مكتبي الله وحده يعلم صاحبتها، حتى أنني أصبحت أستغرب أين أباء هؤلاء الأطفال، لقد أصبحوا يتمادون في تصرفاتهم كثيرا، ووضعهم ليس جيدا نهائيا. كوثر: لا تملك شيئا لفعله سوى الدعاء لله عله يهدي الأباء الذين أصبحوا يتركون أطفالهم في الشوارع دون رقيب، والمشكل الأكبر البعض يعتقدون أنهم يربون أطفالهم لكنهم في الحقيقة يتعاملون معهم بعنف، وهذا يولد عقدا في شخصية الأطفال، وهذه العقد هي التي تجعلهم يتصرفون بهذا الشكل، وإذا وجدت أنت طفلا في حاجة لمساعدة ساعده وقم بتوعيته وتنال أجرهم. يونس: وهذا ما أحاول فعله، أتمنى أن يعينني الله وأستطيع إصلاح أخلاق طفل واحد على الأقل. كوثر :إن شاء الله.. إذهب غير ثيابك وارتح قليلا ريثما يعود أبي. طبع قبلة على رأسها قائلا: حسنا يا جدتي. ضربته كوثر قائلة: إذا عجزت أنت فهذا لا يعني أن الجميع أصبح عجوزا. يونس :ثلاثة وعشرين سنة ولم تصبحي عجوزا بعد، كيف هذا. كوثر: أنظروا من يتحدث، يبدو أنك نسيت أنك أكبر نتي بخمس سنوات، هذا يعني أنك العجوز. يونس :الرجال لا يعيبهم العمر يا أختي العزيزة، ليس مثلك ما إن يزداد في عمرك شهر تظهر التجاعيد في وجهك. كوثر: التجاعيد هي التي سأرسم في وجهك الأن. بدأت تطارده ليهرب منها، وهو يعلم جيدا إن أمسكت به ستعضه، وما إن وجد الفرصة المناسبة تسلل لغرفته، وأغلق الباب خلفه قائلا :أصبحت بطيئة يا جدتي. أغلق الباب بالمفتاح بعد أن هتف بجملته، وتركها تطرق الباب قائلة :انتظر وسأحاسبك قريبا. يونس: أريني ما لديك. توعدت له كوثر في نفسها، وبدأت تفكر كيف ترد له فعلته، لتصل لتلك الفكرة، فتوجهت للمطبخ وأحضر السلطة لتقسمها على أطباق صغيرة، ووضعتهم في الثلاجة، لكن قبل ذلك أضافت الفلفل الأسود والملح والزيت لأحد الأطباق. عاد السيد محمد ليجتمعوا حول الطاولة، وكان يونس يبتسم في وجه كوثر مستفزا لها، إلا أنها بادلته البسمة بأخرى باردة، مما جعله يصغر عينيه وعلم أنها تخطط لشيء، لكن لم يعلم ما هو بالضبط. محمد :بسم الله. سموا الله وبدأوا يتناولون غداءهم، وما إن تذوق السلطة حتى تغيرت ملامحه، وبدأ يسعل فأعطته رقية كأس ماء هاتفة :على مهلك يا بني، أين شردت هكذا. يونس :أنا بخير الآن. نظر يونس لكوثر التي رفعت حاجبها وهي على يقين تام أنه سيتناول ذلك الطبق بأكمله، وهذا ما حدث بالفعل، فقد بدأ يونس يتناوله ببطء، وحينما أنهى محمد ورقية أكلهم، قاموا وتركوهم يأكلون، فأخذ يونس كأس ماء يشربه فورا. يونس: هل فقدت عقلك؟ ماذا لو أخذ أبي هذا الطبق وانتبه له ماذا كنت ستفعلين. ابتسمت له كوثر قائلة: لكن أخي العزيز لن يسمح لأبي بالصراخ علي أو الانزعاج مني. يونس :يا لك من أفعى، كنت تعلمين أنني لن أستطيع الحديث أمام أبي. كوثر :بالضبط يا عزيزي. قــراءة مــمــتــعــة دمتم في رعاية الله وحفظه

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنت النور وسط عتمتي

المؤلف شيماء عبد الله
2024/06/16 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة