صَانِعُ الزُّجَاجِ

صَانِعُ الزُّجَاجِ

18 0

"عيناكِ لا تُطمئناني… بل تُلقيان بي في هاويةٍ لا عودة منها."

_______________________________________

"ابتعد عني…"

انتبه زاد فجأة إلى قربه الشديد منها؛ كان قريبًا بما يكفي لأن تلامس أنفاسه عنقها بخفة، كأنها موجات دافئة تتساقط على جلدها.. رفع جذعه قليلًا، ونظر إليها من تحت رموشه نظرة باردة، تحمل بين طياتها تحذيرًا مكتومًا:

"مرة أخرى… لا تحاولي الاقتراب من محيطي."

تبا… بعد هذه الليلة، هي متأكدة أنها لن تفعل.. قلبها كان يخفق بجنون، يكاد يسقط في معدتها من شدة الاضطراب.. كان أمرًا مربكًا ومرعبًا أن يقترب منها هذا الوجه الصارم دائمًا، ذو الملامح الحادة التي لا تهتز.

ثم باغت أنفها عبير رائحته… رائحة عميقة، غامضة وجاذبية.

انتبهت فجأة لشرودها، وكأنها أمسكت نفسها متلبسة بفكرة لم يكن ينبغي أن تمر.. تذكرت ما حدث للتو، فابتعدت بخطوات سريعة، وخرجت من المكان دون أن تلتفت للخلف… لم ترد أن تراه مرة أخرى في تلك اللحظة.

دخلت غرفتها، وألقت بنفسها على السرير بعد أن بدّلت ملابسها على عجل.. استقرت على ظهرها تحدّق في السقف، بينما أفكار الأيام الماضية تنقضّ عليها دفعة واحدة.

ثم برزت فكرة حادة وسط الزحام: تلك الرسالة… على حاسوبها.

من أين أتت؟ من أرسلها؟ ولماذا الآن؟ وكيف حال سيليا؟ كيف تَكَفّلوا بأمر غيابها؟

تثقلت جفونها تدريجيًا، وكأن النعاس جاء ليُنقذها من عاصفة الأسئلة التي تدور في رأسها بلا توقف… ثم غلبها النوم قبل أن تجد إجابة واحدة.

لم يغمض عينيه منذ أن قرأ تلك الرسالة.

الصداع يضغط على جمجمته ككماشة باردة، وعيناه تلمعان بلمعان غريب… ليس دموعًا، فهو لا يستطيع البكاء، ولا يفهم لماذا.

كان يريد أن يصرخ، أن يمزّق الصمت الذي يحيط به، لكن شيئًا صلبًا، كحجر ثقيل، كان عالقًا في حلقه يمنعه من إخراج أي صوت.

لماذا قد تعود… بعد كل تلك السنوات؟

رمته وهو في الثامنة… طفلًا ضائعًا في الشوارع، تعود الآن وهو في الرابعة والثلاثين؟

هل هي حيّة؟ نعم، حيّة… لا مجال للشك. هذا خطها، يتذكره جيدًا، منحني الحروف ونبرة القلم، لكن… بدا وكأنه خُطّ حديثًا.

هل من الممكن أن يكون هذا حقيقيًا؟ أم أن عقله يلعب معه؟

شعر بجنونه يقترب خطوة أخرى.

ليته أفرغ المسدس في رأس الفتى الذي حمل الرسالة قبل أن يسلّمها إليه… لكان وفر على نفسه هذا النزيف البطيء.

من المستحيل أن أسامحها… من يترك طفله للشارع بلا سبب، ثم يعود كأن شيئًا لم يكن؟

تنهد، ثم رفع جسده من الفراش ببطء، وجلس على حافته، عيناه معلقتان في الفراغ أمامه، يبحثان عن شكل لخطة لم تتكون بعد.

هل يخبر الدون؟

أم يذهب إلى الندرانغيتا؟

"أظن… أنني سأذهب للندرانغيتا."

قالها بصوت مبحوح، كأنه يحاول إقناع نفسه.

نهض، مسح بيده على شعره بحركة عصبية، واتجه نحو الحمام. كان بحاجة إلى الماء ليس فقط لغسل جسده، بل ليحاول غسل شيء أثقل… ذلك الغضب الذي ينهش رأسه منذ لحظة قراءة الرسالة.

كان صباحها الأوّل رسميًا تحت سقف الـ"ندرانغيتا".

صحيح أنّها بدأت تعتاد قليلاً على ممرّات القصر، تحفظ أقلّها أهميّة.. الطابق الذي يضمّ الغرف، قاعة الطعام، غرفة الاجتماعات، والطريق المؤدي إلى الحديقة.. لكن شيئًا ثقيلًا كان يلتفّ حول قلبها.. إحساسٌ خفيّ يقول إن هذا المكان ليس لها، وإن الجدران نفسها تحفظ الأسرار أكثر ممّا تحفظ الأرواح.

وقفت أمام الخزانة التي جُهّزت لها مسبقًا، سحبت من داخلها سروالًا كلاسيكيًا أسود وقميصًا أبيض ناصعًا.. رفعت أكمام القميص قليلًا، كما لو أنّها تُحرّر ذراعيها من ثقل الخوف، وتركت شعرها الطويل ينسدل على كتفيها بلا تعقيد، في محاولة للبساطة التي لا يعرف هذا المكان معناها.

خرجت بخطوات سريعة، تحمل مزيجًا غريبًا من الترقّب والتوتّر.. كان في ذهنها شيء واحد وهو  الشيفرة التي تركتها أختها.. خوفها من الفشل كان يضغط على صدرها، لكنها تعرف يقينًا أن لا  أحدًا غيرها سيتمكّن من حلّها.

في القاعة الواسعة، جلست إلى الطاولة تتناول فطورها بهدوء، تراقب حركة الخدم وهم يضعون الصحون كما لو كانوا بيادق… رائحة القهوة السوداء اختلطت برائحة الخبز الطازج…

دوّى صوت كعبٍ عالٍ في الممرّ، إيقاعه واثق، حاد، حتى اضطرّت ليفيرا لرفع نظرها… هناك، دخلت إنجي، بشعرها الأسود اللامع وعينيها البنيتين المسحوبتين، كأنهما خطّان من الكحل الطبيعي.. كانت ترتّب فستانها الأسود الضيّق، الذي ينتهي عند منتصف فخذيها، وتغطي أكمامه نصف ذراعها. على صدره زخارف من زهور بيضاء صغيرة بدت وكأنها تناثرت عليه بعناية متعمدة..

توقّفت إنجي لحظة، رمقت ليفيرا بنظرة متفحّصة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة عفوية، وتقدّمت بخطوات محسوبة حتى جلست أمامها.

في عينَي ليفيرا، بدت وكأنها خارجة من حفلة، أو في طريقها إليها.

قالت ليفيرا بنبرة جانبية لا تخلو من السخرية:

"أوه… تبدين وكأنك ذاهبة لحفلة جاز."

ضحكت إنجي بخفة، وردّت:

"في الواقع لا…  تم اعلامنا ان هناك ضيف قادم… لا أعرف من هو، لكن أفضل أن أكون بهذا الشكل… أيًّا كان الزائر."

سكتت للحظة، نظراتها تمسح القاعة كأنها تبحث عن شيء أو تتأكد من خلو المكان، ثم أعادت بصرها إلى ليفيرا وقالت بنبرة تحمل ما يشبه الأمر المموّه:

"تعالي معي."

نهضت ليفيرا من على الطاولة، تلحق بخطوات إنجي التي كانت تتحرّك بثقة وكأنها تعرف وجهتها بدقّة.. المسار بدا مألوفًا… قاعة اجتماعات الروكا.

القلق الحقيقي لم يكن من القاعة، بل من نظرات زاد… ذلك الهدوء المتعجرف الذي يجعلك تشعر وكأنك قطعة شطرنج تحت مجهره..

عند الباب، دفعت إنجي المصراع الخشبي الثقيل ودخلت أولاً، تلتها ليفيرا.. رائحة المكان كانت مزيجًا من القهوة الداكنة ودخان السجائر القديم، وضوء الشمس يتسلل من النوافذ العالية..

الجميع كان حاضرًا… باستثناء المهرج..

عين ليفيرا انجذبت تلقائيًا نحو الطرف الذي تعتبره الجانب "الفتان" من القاعة و هناك كان زاد، يجلس بظهر مستقيم، ووجه جامد كلوحة رخامية، عيناه تتابعان دخولها بهدوء مريب، كما لو كان يدرس كل خطوة من خطواتها.

إنجي لم تُعِر الأمر اهتمامًا، تقدمت وجلست قرب مقعد فارغ على يمين الطاولة حيث كان جهاز كمبيوتر محمول مفتوح. أصابعها بدأت بالضغط على لوحة المفاتيح، وكأنها تُكمل شيئًا انقطع...جلبت ليفيرا معها فقط لانها تريدها ان تعتاد عليها وعلى وجودها هنا…

سألت ليفيرا بصوت خافت:

"أين ماركو؟"

رفعت إنجي عينيها للحظة عن الشاشة وأجابت بلا مبالاة:

"ذهب ليجلب الشيفرة.."

بلعت ليفيرا ريقها، شعور بالثقل استقر في صدرها.. هي الوحيدة القادرة على حلّها… أو هكذا تعتقد.. وربما، لو نجحت، قد يقلب ذلك موازين كثيرة.

نظرت إلى الحاضرين وقالت، ببطء وكأنها  تختبر ردود أفعالهم:

"في الواقع… قبل أن أكون هنا… وصلتني رسالة على جهازي مضمونها كان: قريبًا ستكونين معنا… وبعد التفكير  أظن ربما.. أنتم… وراء ذلك.

انطلقت ضحكة قصيرة من لوكا، وهو يقول بسرعة:

"أنا… كنت أنا من أرسل الرسالة.. بأمرٍ من ماركو.. "

ارتخت عضلاتها للحظة، وقالت…"ماركو؟.."

على الأقل لن تدخل في مشكلة أكبر من التي هي فيها الآن.

قال وهو يعيد انظاره الى شاشته…. أجل أظنه أراد ازعاجك.. "

لوكا كان أصغر أفراد الفرقة سنًا، هادئ الطباع، ونادر الكلام، يقضي معظم وقته منغمسًا في شاشته.. لم يكن يحتاج إلى بطاقة تعريف؛ يكفي أن تراه أمام الكمبيوتر لتدرك أن كلمة  "هاكر" مكتوبة  في دمه..

كان أوريليو  يراقبها من بعيد عينيه تتفحّص كل حركة، كل تفصيلة، كما لو كان يضع قائمة أسباب لكرهها.

هي تشبه أختها… كثيرًا.. وأختها، بالنسبة له، كانت استفزازًا بشريًا.

كان يريد قتلها… نعم، لكن التردد كان يعض على قراره مثل كلب لا يترك فريسته..

قبل أن تتشابك أفكاره أكثر، فُتح الباب فجأة.

دخل شخصٌ جعل الحاضرين يتبادلون الابتسامات المكبوتة.

"أيها السادة الكرام.."

قالها بصوت مسرحي وابتسامة عريضة تكاد تشق وجهه، كما لو كان يعرض عليهم تحفة نادرة جلبها من مزاد سري..

لوكا التفت، القلم عالق بين شفتيه، حاجبه مرفوع، يكاد ينفجر ضاحكًا وهو يحدّق في الداخل.

ليفيرا وإنجي تبادلتا نظرات مشوبة بالدهشة، والابتسامة على وشك أن تهرب منهما، لكنهما حاولتا التماسك… مراعاةً لمشاعر المهرّج..

ماركو، بوقار مزيف، أشار إلى رأسه قائلاً:

"ما رأيكم في قبعتي… أحم… الجديدة؟"

ماركو الآن يشبه مهرّجًا من نوعٍ خاص.. قبعته الطويلة قليلًا تميل إلى جانب رأسه، لونها لا يتناسق مع أي شيء يرتديه، بل وتزيده طغرابة على غرابة.. كان يلبس بلوزة زرقاء قاتمة وسروالًا رياضيًا أسود، وكعادته يختار قبعة أغرب من تلك التي سبقتها، وكأنها هواية يومية.

دخل الغرفة بخطوات واثقة لا تليق بمظهره المزري، يتفحّص وجوه الحاضرين وكأنه ينتظر التصفيق.. ليفيرا كانت جالسة عند الطاولة بجانب إنجي، بينما لوكا وأليساندرو يراقبانه بنظرات مستفزة تكتم خلفها رغبة قوية في الانفجار ضاحكين.

الأطرف من ذلك؟ أن ماركو يظن أن قبعته تحفة فنية بحق.

قال بصوت ممتعض، وهو ينظر إليهم جميعًا:

"أيها المتعجرفون، لننزل و لنرى من هذا الزائر… وأيضًا، تبا لكم… قبعتي رائعة، أما ملامح وجوهكم، فأزيحوها عني."

لم يتحمل زاد الموقف، فقهقه ضحكة عالية ارتدت أصداؤها في أرجاء الغرفة، واقترب من ماركو حتى وضع يده على كتفه قائلاً:

"ماركو، توقف عن إحراج نفسك بهذه القبعات."

اتسعت عينا ماركو بصدمة، وصرخ في وجهه:

"اسمع، أنا أكبر منك يا هذا… وقبعتي هذه، هي الفن بحد ذاته!"

زاد، بابتسامة ساخرة، رد عليه وهو يشيح بنظره:

"لا بأس… فارق سنة واحدة ربما.. لكن لو توقفت عن ارتداء هذه القبعات الغريبة، ربما حينها سأعاملك كشخص أكبر مني."

انهى كلامه ثم خرج من الغرفة دون أن ينتظر الرد.

أسرع كلٌ منهم يهم بمغادرة الغرفة الى حيث يتم استقبال الزوار تذكرت ليفيرا منظر زاد وهو يضحك.. هو يضحك فعلًا… لكن بمجرد أن يلتقي نظره بنظرها، يتعكر مزاجه وكأن شيئًا يضغط عليه فجأة.

عذر كرهه لها لم يقنعها قط.

ربما هناك سبب آخر… شيء يخفيه عنها.

تحركت من مكانها، واقتربت من ماركو الذي كان يسير أمامها بخطوات سريعة.. رفعت عينيها نحوه، نظرت إليه مطولًا ثم قالت:

"ماركو."

التفت قليلًا، وجهه ما زال متجهمًا من تعليقاتهم، وقال:

"نعم، ليفيرا؟"

سألته بصوت ثابت:

"أين هي الشيفرة؟"

تنهد، ثم رد:

"في الواقع ذهبت لإحضارها… لكن خبر وصول الزائر جعلني أؤجل الأمر لوقت لاحق، بعد أن نعرف من هو… إنها شيفرة غريبة جدًا."

أعاد بصره إلى الأمام، فتابعت ليفيرا بنبرة تساؤل:

"هل يجب عليكم دائمًا أن تذهبوا لمعرفة من الزائر؟"

قهقه ماركو بخفة..

"قولي علينا… ألم تستوعبي بعد أنكِ معنا في الفرقة؟"

زاد، الذي كان أمامهم بخطوات قليلة، التفت بنصف كتفه وهو يعطيهم ظهره رد على ماركو..

"بالطبع لن تستوعب أبدًا… تظن أننا مجموعة من جليسي الأطفال."

رمقت ليفيرا ظهره بملامح منزعجة، وردت بحدة:

"كنت أتحدث معه… لماذا تحشر أنفك في كل شيء؟"

"ليفيرا"… صوت زاد اخترق الهواء ببرودة معدنية:

"إما أن تصمتي… أو أقتلكِ بأبشع طريقة تعلمتها منذ بداية مسيرتي.. "

البرود في نبرته،وإعطائه لها بظهره كانا دليلًا واضحًا أنه جاد تمامًا.. أجل… هذا المختل يمكنه فعلها.

تجمدت الكلمات على لسانها، وصمتت فورًا… التقت بعيني ماركو الذي اكتفى بالنظر إليها بهدوء، ثم أمال رأسه قليلًا وكأنه يعتذر عن غلظة زاد.. أعادت نظرها للطريق أمامها، لكن عقلها كان يغلي.

هذا المكان… هؤلاء الناس… أن يصبحوا عائلتي الثانية كما قال زعيمهم؟ مستحيل.

كل دقيقة تمضي هنا، تدفعها أكثر إلى التمسك بصورتها القديمة قاعة المتحف، ثرثرة سيليا، رائحة الإسبريسو في المقهى الصغير عند زاوية الحي.

هذا ليس مكاني… أنا لا أنتمي لهم… لا أنتمي لهم.

توقفوا في قاعة بمدفأة قديمة، فوقها شموع مطفأة، وأرائك حمراء قاتمة تتعرق بخطوط ذهبية.. لوحة كبيرة تتدلى على الجدار، غريبة، لكنها تملك جاذبية لا تُفسر.. من النوافذ الواسعة، تسللت اشعة  شمس  ترسم خطوطًا دافئة على السجاد، والحديقة في الخارج تلمع بقطرات الندى..

لم يدم التأملها للمكان طويلاً..

فقد دخل رجلٌ تعرفه جيدًا… كارثة بشرية تمشي على قدمين.. تلك النظرات المليئة بالتهكم، تلك الوشوم التي تزحف على عنقه وذراعيه، كلها محفورة في ذاكرتها.. توقف لحظة وهو يراهم، ثم قال بابتسامة مستفزة..

"هل اشتقتُم لي؟… في الواقع، لا داعي للإجابة.. الحب والشوق واضحان من أعينكم."

ثم أضاف وهو يخطو نحو المدفأة

"فيما بعد… سأطلعكم على آخر التفاصيل.. ستعجبكم.. "

ماركو، الذي لم يترك لحظة دون أن يختبر صبر الآخرين، حرّك عينيه بملل وقال:

"اسمع يا هذا… ما رأيك في قبعتي؟"

لكن كلماته ذابت في الهواء حين فُتح الباب مجددًا…

دخل رجل طويل القامة، شعره الأشقر يلمع بضوء الشمس المتسلل، عيناه الخضراوان ناعستان لكنهما تحملان شيئًا حادًا خلف كسلهما الظاهر.. كان يرتدي سروالًا بدلةٍ رسمية أسود مرتبًا، وقميصًا أبيض بأكمام طويلة، وربطة عنق سوداء مرسومة بدقة.

خطا إلى الداخل بثبات، وفي أعقابه ظهر الزعيم ألفونسو كارديلي…

جلس ألفونسو على إحدى الأرائك، وعيناه تجوب المكان، ثم توقفت على الرجل الأشقر..

الأعضاء تجمدوا في مقاعدهم… لم يعرفه أحد منهم، باستثناء مارسيل، وزاد، وماركو، وإيفانو الذي تصلبت ملامحه..

أما ليفيرا… فقد صارت كتمثال..

لون وجهها تلاشى حتى صار أصفر.. أنفاسها تتباطأ.

ذلك الرجل… في السباق…

كلماته ارتدت في رأسها بقسوة: "سوف نلتقي مجددًا."

وأجل… لقد فعلها..

جلس بهدوء أمام الزعيم، وعيناه لا تفارقانها،  ابتسم ماثيو  ابتسامة باهتة مرهقة، وقال:

"مرحبًا… رفاق... مر وقتٌ طويل."

سحب إيفانو مسدسه بسرعة، صرير الحديد كان كصفعةٍ في أذن المكان.. وجهه نحوه بثبات…

رفع ماثيو يديه قليلًا، كإشارة صامتة لجملة قادم فقط لنتحدث

رفع الزعيم يده بخفة، لمحة بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية ليعيد إيفانو السلاح إلى حزامه على مضض.

خفت التوتر في الهواء قليلًا… لكن العيون ما زالت مشدودة.

ماثيو أدار نظره لبرهة نحو ماركو وزاد، ثم ثبّته على ليفيرا. ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، ابتسامة لا أحد يعلم هل تحمل دفئًا أم سخرية.

قال بصوت عادي، كمن يحيّي قديمًا يعرفه:

"مرحبًا… نيراليس. لقد التقينا مجددًا."

ماركو اكتفى بالنظر إليها ببرود، كأنه يزن شيئًا لا يريد البوح به. زاد كذلك، لم يعلّق سوى بلمعة صارمة في عينيه.

أما إنجي، فقد التفتت نحو ليفيرا، فمها مفتوح قليلًا من الدهشة، كأنها تنتظر التفسير يتساقط من شفتيها. . والقاعة بأكملها كانت تحاول قراءة ملامحها… لكن وجهها بقي متصلبًا، يخفي خلفه ارتباكًا يتصاعد كالنار في صدرها.

كسر زاد الصمت بصوت ثقيل:

"من أين لكَ أن تعرفها؟"

ردّ ماثيو بلهجة هادئة، وهو يرفع حاجبه كمن يعرض ورقة رابحة:

"التقينا في ذلك السباق… لم أكن أعلم أن الزعيم يترك ذئابه تجوب السباقات غير الشرعية ليلًا."

انزلقت كلماتُه في الهواء، فأعطت المكان طعمًا لاذعًا.

تدخل الزعيم، نبرته متماسكة، تكفي وحدها لأن تجذب كل التركيز نحوه:

"ماثيو فيراتي… قل ما عندك."

الأنظار كلها ثبتت عليه، وكأن كل نفس في القاعة قد حُبس. وحدها ليفيرا كانت يداها متشابكتين بإحكام، أصابعها تضغط على بعضها حتى صار الألم وسيلتها الوحيدة لمواجهة الاضطراب.

ابتسم ماثيو ابتسامة جانبية وقال:

"كنت قادمًا من أجل التعرف على مفككة الشيفرات الجديدة…"

رمقه زاد بنصف ابتسامة ساخرة:

"قل إن لك مصلحة… نتفهمك."

قهقه ماثيو بخفة وردّ:

"لا، في الواقع، كنت قادمًا حقًا من أجل التعرف عليها. لكن… حدث لي أمر جعلني آتي الآن من أجل شيء آخر."

ساد صمت مشوب بالتساؤل..

"هل يمكن لبعضكم الخروج… لطفًا؟"

كانت الجملة كحجرٍ في بركة راكدة.. ارتفعت الحواجب، وتبادل الرجال النظارات..

أما إنجي، ففكرت في سرّها وهي تحدق في ملامحه الحادة:

وسيم… نعم، لكن متعجرف.. لو لم يكن هذا الوجه المثالي، لقطعت لسانك منذ اللحظة الأولى.

نهضت ليفيرا بهدوء، كانت تستعد للخروج مع الآخرين، حين لحق بها لوكا شاردًا بعينيه في شاشة هاتفه، كأنه لم يفهم شيئًا مما دار أصلًا.

سرعان ماتبعتهم ليفيرا لكن صوت ماركو أوقفها:

"ليفيرا… يمكنكِ البقاء."

التفتت نحوه مرتبكة، ثم عادت وجلست..

المكان الآن أصبح شبه فارغ، لم يتبقَّ فيه سوى الزعيم ألفونسو، ماثيو فيراتي، زاد، ماركو… وليفيرا.

ترددت قليلًا قبل أن تقول بصوت منخفض:

"هل تعرفون بعضكم البعض؟"

ابتسم ماثيو ابتسامة هادئة وهو يثبت نظره عليها:

"أجل… كنا نقطنُ معًا في شقةٍ واحدة."

قاطعه ماركو بجفاف وهو يرفع حاجبه ويلمس طرف قبعته:

"يقصد زنزانة واحدة."

ضحكت ليفيرا بخفة من التوضيح، لكن قاطعهم صوت الزعيم الثقيل:

"ماذا لديك يا ماثيو؟"

اعتدل ماثيو في جلسته، أسند ظهره للخلف وشبك أصابعه كأنه يستعد لرواية شيء ثقيل:

"في ليلة أمس… بعد عودتي إلى المنزل… تلقيت رسالة.. كانت من شاب في التاسعة عشرة أو العشرين.. ما جذبني هو أن العنوان كُتب بخط والدتي."

صمت لحظة، ملامحه تغيرت للحزن ثم أكمل:

"والدتي… التي تركتني منذ ثماني سنوات."

فجأة تغيرت ملامح الجميع.. الصمت الذي تلا كلماته كان مشحونًا بالاهتمام ليفيرا لاحظت كيف شدّ زاد حاجبيه، وكيف اعتدل ماركو في مكانه.

ماثيو أكمل، وصوته أكثر ثباتًا:

"لهذا أتيت إلى هنا.. قد يكون مفكك الشفرات قادرًا على مساعدتي في حل لغز والدتي."

زاد تكلم وصوته بارد يقطع الهواء:

"مفكك الشفرات الذي تتحدث عنه… هذا يومه الأول معنا.. لا نعلم حتى إن كان قادرًا على كتابة شيفرة واحدة."

نظرت إليه ليفيرا بامتعاض شديد، حاجباها مقطبان.. وجوده أصبح يثير أعصابها إلى حد لا يُطاق.

لكن ماركو تدخل وهو يلوّح بيده بخفة:

"ليكون في علمك يا ماثيو… نحن لم نجلب ليفيرا هنا لأنها مفككة شيفرات فقط… بل لأنها بكنية نيراليس."

تفاجأ ماثيو، حدّق فيها لثوانٍ، ثم انفجر ضاحكًا، ضحكة عالية..

"يبدو أنكِ عانيتِ كثيرًا معهم، نيراليس."

قال الزعيم ألفونسو وهو يرفع فنجان قهوته ببطء وعينيه تجوب تفاصيل وجه ماثيو :

"ألم يكن بإمكانك أن تذهب إلى الدون وتطلب مساعدته في الأمر؟"

ابتسم ماثيو بخبث وأجاب:

"في الواقع… أنا أخطط للانفصال عن الكوزا نوسترا… والانضمام إليكم."

في تلك اللحظة، ارتفعت حدة التوتر فجأة..

ماركو حدّق فيه وكأن نوبة جنون على وشك أن تلتهمه.. في الواقع… ماثيو زائد أوريليو زائد ماركو يساوي كارثة بشرية…

لو لم يكن الزعيم جالسًا أمامهم، لكان الدم سال على السجادة من دقائق.

أعاد الزعيم  فنجانه على الطاولة بهدوء:

"لكنك من أهم الأعضاء لديهم، ماثيو.. لن يتخلوا عنك بسهولة."

أجاب ماثيو بثقة:

"الدون يتفهم رغبتي… لذا، لا بأس."

رفع ماركو صوته ساخرًا، لكنه كان أشبه بالتهديد:

"مستحيل أن تنضم إلينا."

التفت إليه ماثيو ببرود، كأن رده جاهز منذ البداية:

"سيد ماركو… هذا الأمر يعود للزعيم وليس.. لك.. "

لم يعره ماركو  أي إهتمام بل اخذ يتفحص قبعته من جديد وهو يلعنه تحت انفاسه..

ليفيرا، التي تابعت المشهد، لم تستطع أن تمنع الابتسامتها الصغيرة على طرف شفاهها كان الاثنان… مزيجًا ناريًا بحق، وكأن مجرد وجودهما في نفس المكان كافٍ لإشعال حرب…

قال الزعيم أخيرًا، بصوت هادئ كعادته، لكن في كلماته كان هناك شيء يشبه الصفقة:

" يمكنكَ الانضمام… لنفكر في الجانب الإيجابي… يمكنك المساهمة حقًا، يا صانع الزجاج."

كلمة صانع الزجاج ضربت صدر ماثيو كطعنة خفية.. شعر بوخزة غريبة في قلبه، كأن شيئًا عالقًا من ماضيه عاد ليخنقه، لكنّه سرعان ما أخفى ارتباكه بابتسامةٍ قصيرة.. لم يسمح لأحد أن يقرأ ما بداخله.

حرك نظره نحو زاد، الذي كان جالسًا على الأريكة، يمرر أصابعه على فكه بحركة بطيئة وكأنه يفكك ملامح كل شخص أمامه.. عيناه تراقبان الجميع بدقة قاتلة.

صوت ليفيرا قاطع ذلك الصمت الثقيل:

"أيها الزعيم…"

التفت إليها ألفونسو، يترك لها المجال.

"ما نوع الشيفراتِ التي سأقوم بكتابتها؟"

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفاه ماركو، عينيه تلمعان بشيء من الدهشة؛ لقد بدت متحمسة فعلًا وكأنها وجدت مكانها بين هذا الجنون.

قال الزعيم وهو ينهض من مقعده، خطواته بطيئة لكنها تحمل ثقلًا يعرفه الجميع:

"في الواقع يا ليفيرا… كتابة رسائل مشفرة..يتم وضعها في بعض اللوحات او رسائل مهمة كتابة رسالة مشفرة..يستطيع الجميع القيام بذلك لكن شيفرة تحمل مجموعة معلومات لا يقدر أي شخص على كتابتها… بالإضافة لحل شيفرة آنا… هذا عملك..

ارتسمت على وجهها ابتسامة صامتة.. شيء بداخلها ارتجف، لكنها لم تُظهره.

الزعيم أكمل وهو يتجه نحو الباب:

"ماثيو… أنهِ أمورك مع الكوزا.. أولاً"

وقف ماثيو بهدوء، ثم التفت نحو ماركو وقال بابتسامة خبيثة:

"خذني في جولة."

رفع ماركو حاجبه، ينظر له وكأنه لا يصدق جرأته وقال:

"أولًا أجبني… ما رأيك في قبعتي؟"

ضحك ماثيو بخفة وهو يخطو للخارج:

"بصدق؟"

"أجل، بتأكيد."

"تبدو كآخر صيحات الكارثة."

خرج وهو يقولها ببرود، تاركًا وراءه صدى كلماته يحوم في القاعة.

ماركو اتسعت عيناه، وكاد ينفجر.. هرع خلفه محاولًا إسقاطه بعد تلك الطعنة التي أصابت قلبه المرهف..

لاأحد يصدق أن سارق لوحات محترف وعضو مافيا له قلبٌ مرهف أجل ياللسخرية

في تلك اللحظة، بقيت ليفيرا وحدها في القاعة… يدها مرفوعة قليلًا وكأنها ستضعها على فمها من الضحك، تفكر بالعبث الذي تعيشه.. ابتسامة صغيرة ظهرت على شفتيها… لكنها تذكرت فجأة، ذلك المتعجرف ما زال معها هنا..

نهضت بخطوات سريعة، تنوي الخروج للبهو..

لكن مع وقوفها… وقف هو الآخر..

اقترب منها بخطوات ثابتة، لا يتعجل ولا يتباطأ، حتى صار بجانبها.. مشيا معًا بصمت، كتفاهما يكادان يتلامسان، ثم فجأة تقدّم بخطوة أمامها، كأنه يقودها من دون أن يلتفت.

اتجه نحو الدرج المؤدي للطابق الثاني، يمشي أمامها بخطوات محسوبة، نظراته باردة، وظهره يزداد استفزازًا عند كل درجة يصعدها.

هو لا يقول شيئًا… لكنه يفرض حضوره بكل ما تحمله كلمة مستفِز من معنى.

رفع ماركو يده وهو يشير للغرف على طول الممر المضاء بخفوت:

"هذه غرفتي… وتلك غرفة زاد ومكتبته بجانبها.. غرفة إنجي في الطرف مع غرفة ليفيرا… مارسيل هناك… ولوكا آخر شيء… وأليساندرو بجانبه.. أما أنت؟ عندما تأتي إلينا ستنام في البهو."

ارتفع حاجب ماثيو بخفة، وقال بسخرية مكتومة:

"يا لك من فظ."

التفت إليه ماركو بابتسامة ساخرة:

"لا دخل لك… من يخطئ في حق قبعاتي أكون فظًا معه… بلا شك."

قبل أن يكمل، جاءه صوت هادئ من خلفه:

"ماركو."

استدار ماركو ليجد ماثيو قد اقترب أكثر، نبرته منخفضة لكن حادة:

"زاد… يبدو مختلفًا كثيرًا عن آخر مرة رأيته.. كما أن لديكم أعضاء جدد."

فهم ماركو ما يقصده، نظر له نظرة جانبية وقال:

"تقصد إنجي… ولوكا.. والبعض أيضاً "

ثم أضاف بخفة فيها لمحة استهزاء:

"أما زاد؟ ليس مختلفًا… فقط منزعج من وجود ليفيرا معنا."

قطب ماثيو حاجبيه:

"وما دخل هذا بذاك؟"

رفع ماركو كتفيه بلا مبالاة، ثم رد:

"لا أدري… ربما يكرهها فعلاً.. أو… ربما لا يريد أن يحدث لها ما حدث لأختها.. دائمًا ما يكون المشفّرون في خطرالزعيم  ولا أنا… لم نخبرها بذلك."

صمت للحظة، قبل أن يتابع بصوت أخفض وكأنه يتحدث مع نفسه:

"سلمها الشيفرة بسرعة…"

التفت إليه ماركو مستغربًا:

"لماذا؟"

نظر ماثيو إلى الممر بعينيه الخضراوين، ثم رد ببرود:

"كأنها لا تتحمل هذا المكان."

أومأ ماركو ببطء، ثم قال وكأنه يعترف بشيء ثقيل:

"أعرف ذلك… الزعيم يفكر في عودتها لعملها.. هي متعلقة بذلك المتحف اللعين وصديقتها  وطبعًا سيرافقها حراس أشك أنهم أنا وزاد..."

جلس ماركو على طرف الدرج الخشبي، يزيح قبعته جانبًا بملل.. وقف ماثيو أمامه، يديه في جيوب سرواله، ينظر له من الأعلى.

"تقصد… المتسابقة؟"

"أجل." قالها ماركو وهو يدير القبعة في يده.

سكت لحظة ثم رفع عينيه وقال بهدوء:

"صحيح… لماذا كنت في ذلك السباق؟ وكيف عرفت نيراليس؟"

لم يرد ماثيو عليه.. نزل من على الدرج بخطوات هادئة، متعمّدًا الصمت تبعه ماركو بنظراته، ثم نهض فجأة وسار خلفه، صوته يعلو بحِدّة:

"أجبني!"

التفت ماثيو ببطء، عينيه تلمعان بابتسامة خفيفة:

"لقد أردت التعرف عليها فقط… هذا ما في الأمر… وهناك موضوع آخر لوجودي في ذلك السباق"

توقف ماركو أمامه، يضع القبعة على رأسه من جديد ويقول ببرود ممزوج بالريبة:

"أمرك مشكوك فيه يا ماثيو."

ضحك ماثيو بخفة، رد بصوت هادئ يميل للسخرية:

"مشكووك فيَّ؟… أنت آخر من يحق له توزيع بطاقات الثقة هنا."

وفجأة، قُطع الجو بصوت خطوات منتظمة على الخشب..

ظهر زاد  يسير ببطء، ظلاله تمتد على الجدار عيناه ثاقبتان تتحركان بين الاثنين وكأنهما يفرغان ما في داخلهما.

توقف لحظة، ثم قال بجملة مقتضبة، صوته كأنه صفعة باردة:

"لا أحب الضوضاء قرب مكتبتي."

لم ينتظر ردًا أكمل طريقه بخطوات ثابتة، يمر بينهما وكأنهما مجرد هواء..

أعاد ماثيو نظره لماركو، وابتسامة جانبية ارتسمت على وجهه، إشارة صامتة أنه ذاهب... أومأ الاثنان لبعضهما.

ثم تحرك ماركو، يسير بخطوات سريعة نحو غرفة الروكا، وقبعته تهتز مع كل خطوة، بينما زاد يتقدمه في نفس الاتجاه… صامت.. بينما نزل ماثيو الدرج يهم بالذهاب والعودة لصقلية..

______________________________________

كان المرآب يعجّ برائحة المعدن الساخن والزيت المحترق، الأضواء المعلقة تتأرجح قليلاً مع تيار الهواء، تعكس لمعان السيارات المصقولة.

كان إنزو عاري الصدر تحت سيارته، ذراعه متسخة بالشحم، يمسك مفتاحاً ثقيلاً ويشدّ براغي الهيكل بتركيز.. على الجهة الأخرى، انحنت سيليا فوق محرك سيارتها، سروالها الرياضي الرمادي يشدّ حركتها، وقميصها الضيق يبرز تفاصيل جسدها شعرها الأشقر المموج يتساقط حول وجهها بينما تركز عينيها في الأسلاك والأنابيب.

لكن رغم انهما غارقان في العمل، كان كل منهما محاصرًا بأفكاره:

سيليا تعقد العزم على أنها، بعد هذا السباق، ستتصل بـ الآنسة نيراليس مهما كان الثمن… أما إنزو، فكان عقله يدور حول خطة يائسة، طريقة للفوز على مجموعة الجُزر.. وحده يعلم: لن يكفيه الاعتماد على مهارتهما فقط… بل يحتاج شيئًا إضافيًا.

وفجأة، اخترق صوته صمت المرآب وهو يصرخ من تحت السيارة:

"سيليا!"

رفعت بصرها نحوه بتململ، شعرها القصير يتأرجح قليلاً مع حركتها، ثم قالت بحدة:

"هل تظنني صماء؟"

خرج نصف جسده من تحت السيارة، عينيه تلمعان بفكرة لم يستطع كبحها:

"لدي خطة تضمن فوزنا."

ضاقت عينيها وهي تمسح العرق عن جبينها:

"وما هي؟"

جلس إنزو على الأرض وسحب نفسه تمامًا، وجهه ملطخ بالبقع السوداء والزيت، صدره يعلو ويهبط وهو يبتسم ابتسامة متحدية:

"نضم إلينا… ريكاردو."

شهقت سيليا، ثم ضحكت بمرارة، صوتها يرنّ في جدران المرآب:

"أنت جننت رسميًا… تستحق ميدالية على هذه الفكرة العبقرية."

اقترب منها، يخطو بثقة، يترك آثار قدميه المتسختين على الأرضية المعدنية، ثم قال بجدية وهو يشير إلى سيارتها:

"افهمي، أنا وأنتِ لا نكفي للفوز على مجموعة الجزر.

إذا ضممنا ريكاردو قبل أن ينفذ الوقت… فالفوز مضمون."

أغلقت سيليا غطاء المحرك بقوة، عيناها تقدحان شرراً:

"إنه شخص متهور.. لا أحب أن يكون في فريقي.. قد يتسبب بمشكلة… أو حتى حادث."

زفر إنزو بعمق، يحاول ضبط صوته لكنه لم يخفِ إصراره:

"صحيح… هو متهور.. بل أكثر متسابق متهور عرفته في حياتي.

لكن لا تنكري… أنه ماهر.. وقد فاز مرة على قائد فريق الجزر نفسه."

اقترب منها أكثر، حتى صار صوته منخفضًا لكنه نافذ:

"فكري في هذا… سيليا."

لم تجبه فتراجع خطوة للوراء، ومسح يديه المتسختين بخرقة قديمة، ثم قال ببرود وهو يشيح بوجهه:

"سأخبره… ولن أنتظر موافقتك."

تجمدت سيليا للحظة، قبضتها مشدودة حول مفتاحها، الشرارة في عينيها أوضحت أنها على وشك الانفجار… لكنها لم تقل شيئًا.

______________________________________

الغرفة بدت فارغة تماماً إلا من إنجي، مسترخية على الأريكة، أرجلها متشابكة، تضع طبقة جديدة من الطلاء الأحمر على أظافرها، تتأمل انعكاسها بشيء من الدلال. الجميع كان مشغولًا بأعماله… حتى ليفيرا خرجت لتراقب تدريبات الأعضاء في البهو.

فُتح الباب فجأة، ودخل ماركو.

وكالعادة، كلما رأت ملامحه الغريبة… اتسعت ابتسامتها بلا إرادة، وضحكت قليلًا وهي تستعيد صورة منظره المضحك منذ الصباح.

رفع قبعته قليلًا وقال بنبرة جادة أكثر من المعتاد:

" ريجينا… لدينا عمل."

ابتسمت وهي ترفع حاجبها بدهشة:

" أنتَ مخيف حين تحترم الناس وتناديهم بالألقاب."

أخذ نفسًا ثم انحنى قليلًا، يهمس وكأنه لا يريد أن يسمعه أحد:

"حسنًا… سنيورا، توقفي عن الكلام ودعيني أخبركِ بالخطة."

ضحكت بخبث وهي تغمز:

" رائع… أصبحت تروق لي يا ماركو."

نظر لها من الأسفل للأعلى بنظرة فاحصة، ثم أردف بجدية:

" الليلة… سيتوجب على ماثيو أن يكمل بعض الأعمال الخاصة بقدومه هنا.. "

توقفت عن طلاء أظافرها، رفعت رأسها وقالت ببرود:

" من ماثيو؟"

"الزائر… "

"آه أجل أجل… صاحب الوجه المثالي.. "

اقترب منها خطوة، عينيه تلمعان بخبث:

" استمعي جيدًا يا جميلة… يجب أن نذهب أنا وأنتِ الليلة."

تركت الفرشاة، وضاقت عينيها وكأنها تزن كلماته:

" ماركو، تحدث بوضوح… من معاملتك اللطيفة هذه لي أشمّ رائحة مشكلة."

" لا لا… أبدًا. علينا فقط الذهاب لسباق غير قانوني بدلًا من صاحب الوجه المثالي، كما وصفتِه."

شهقت إنجي بسرعة، ونظرت حولها وكأن الجدران قد تسمع:

" هل تمزح؟! سباق غير قانوني؟!"

ضحك ماركو بخفة، يحاول أن يخفي ابتسامته، ثم قال ببرود:

" منذ متى أمزح؟… أنا دائمًا جاد."

" أريد مقابلاً إذن."

"هل أنتِ جادة أيتها الجشعة؟! سباق غير قانوني يعني موسيقى صاخبة، دخان، حماس، سيارات تتقاتل… ألا يكفيكِ هذا؟"

ضحكت بصوت عالٍ ولوّحت بيدها بخفة:

" كنت أمزح.. لا بأس… أوافق."

تبدلت ملامحها فجأة، وصوتها أخذ نبرة حادة وهي تهمس:

"لكن…  هل صديقة ليفيرا ستكون هناك.. ستشارك كمتسابقة الليلة..؟"

"أجل.. "

تجمدت للحظة، بينما ماركو لا يظهر أي انفعال على وجهه، فقط عيناه تراقبانها بهدوء

"صحيح… لكننا سنركز على شخص آخر.. هناك متسابق كان ماثيو يتتبعه منذ أيام.. مهمتنا مراقبته."

لم يُكمل، حتى قاطعته إنجي وهي تعيد خصلات شعرها إلى الخلف بابتسامة جانبية:

" أنا موافقة منذ البداية… خصوصًا وأن صاحب الوجه المثالي هو من طلب ذلك."

رفع حاجبه عاليًا وهو يرمقها من الأعلى للأسفل بنظرة خيانة واضحة:

" خنتِ ثقتي يا ريجينا…"

ضحكت، لكنها لم تجرؤ على الرد هذه المرة…

في تلك الأثناء، في البهو، كانت ليفيرا جالسه تراقب.. عيناها مثبتتان على رجلين يتقاتلان وسط دائرة صغيرة من المتفرجين.. أحدهما يحاول الدفاع بيديه، والآخر يوجه ضربات دقيقة، ينهال بمسدس فارغ على عنقه كأنه يختبر ردود أفعاله.

لم تفهم ليفيرا لمَ جذبتها تلك المواجهة… لكنها أرادت أن تحفظ كل حركة، كل طريقة دفاع، كل خطأ.

"نيراليس…"

الصوت أتى من خلفها، مبحوح، هادئ، ومع ذلك جعل قلبها يخفق بقوة غريبة.

تجمدت للحظة، ثم تمتمت في سرها: "ماذا يريد الآن؟"

التفتت برأسها ببطء…

كان زاد واقفًا عند الباب، ظهره مستند للحائط، ذراعاه متشابكتان فوق صدره القميص الأسود الضيق يرسم تفاصيل عضلاته، والندوب المتفرقة على ذراعيه تمتد حتى كتفيه، تحكي قصصًا لا تعرفها.

عيناه السوداويتان ثابتتان عليها، نظرة بلا انعكاس… كأنها تحدق في ظلام صافٍ.

ترددت، لكنها قالت ببرود:

"ماذا هناك؟"

تحرك خطوتين نحوها، صوته منخفض لكن جاد:

" أدعوكِ إلى جولة."

" جولة؟"

أومأ برأسه وهو يحول نظره سريعًا إلى الرجلين الذين بدأت وتيرة قتالهم تخفت:

"جولة في الشطرنج."

شهقت بخفةٍ  ثم ردت بلا مبالاة:

" لا أجيد لعب الشطرنج."

تبدلت ملامحه للحظة لم يكن يتوقع هذا الرد نزل بنظره نحو الأرض، ثم عاد يراقبها بحدة:

" كيف لا تجيدينها؟"

"أجل، لا أجيدها ما الغريب؟"

ظل صامتًا، لكن خطواته تقدمت أكثر نحوها..

ثم  تراجع  فجأة بخطوات هادئة، وصوته انخفض أكثر:

" هل يمكنكِ القدوم معي؟"

كان وكأنه يطلب… ويأمر في الوقت ذاته…

ترددت، لكن فضولها غلبها.. نهضت، وأبقت مسافة صغيرة بينها وبينه وهي تتبعه خارج البهو.

كل خطوة معه تشعرها بانقباض في صدرها:" زاد… يكره وجودها.. يدعوها الآن لجولة شطرنج!.. لماذا؟؟ "

قادهما الطريق إلى مكتبته.. نفس الغرفة الصغيرة التي اقترب منها فيها.. وحفظت ملامح وجهه الحادة جيداً..

ترددت عند عتبة الستار الأحمر، قلبها يصرخ بالرفض، لكن عقلها… فضوله… دفعها لتزيح الستار وتدخل.

كان ينتظرها واقفًا عند الطاولة، قطع الشطرنج مصطفة بانتظام..

التفت إليها وسأل بنبرة ثابتة:

"هل تعرفين قواعد الشطرنج؟!

أو اقوم بتعليمك؟ "

_________________________________________

انتهى….

ملاحظات؟:

𝜗𝜚 ࣪˖ ִ𐙚

𝜗𝜚 ࣪˖ ִ𐙚

𝜗𝜚 ࣪˖ ִ𐙚

𝜗𝜚 ࣪˖ ִ𐙚

سيتم الاعلان عن موعد نزول الفصل القادم في الانستا:

Instagram:1ll7r_

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فايريكا الرقعة

المؤلف _Alowra_
2025/09/10 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة