ثَمانِيَةٌ وَثَمانون

ثَمانِيَةٌ وَثَمانون

14 0

                  "كُلَّما ضِعتُ، كُنتِ جِهَتي..."

_______________________________________

رفع أنظاره نحوهما، وعيناه تسيران على ملامحهما من الأسفل إلى الأعلى ببطء مدروس، وكأنهما تكشفان ما خفي أكثر مما أُظهر..

ارتفع حاجب ماركو بسخرية، فقد كانت نظرات زاد مستفزة بحق، نظرات هادئة لكنها مشبعة بجرأةٍ غامضة، كمن يرى ما لا يُقال..

"كيف يجرؤ على التحديق بي هكذا؟" همس لنفسه بامتعاض لم يلبث أن كبته..

تجاهله أوريليو تماماً، كما لو أن السؤال لم يُطرح، وقال بنبرة هادئة لكنها قاطعة:

"أليساندرو طلب منا الاجتماع... ومعنا  نيراليس.. "

في اللحظة ذاتها، ارتبكت نظراتها وتبدلت.. لم يكن هذا ما استعدت له، ليس الآن... والأسوأ؟ أن يكونوا جميعاً هناك..

نهض زاد، يلتقط أنفاسه ببطء، وسحب قميصه الأبيض برفق وكأنه يهيّئ نفسه لعرضٍ خفيّ، كاشفًا عن كتفيه العريضتين بثقة باردة.. وضع يديه في جيبيه وتقدّم أمامهما بخطوات واثقة، لكنها محمّلة بما لا يُقال..

توقف ماركو واالتفت نحو ليفيرا وعيناه تتفحص وجهها بدقة، ثم مدّ يده وربت على رأسها بحنان خفيّ، يتسلّل من بين حذره:

"هل... قرّرتِ؟"

تأملت ملامحه، وشيئًا ما في تعابيره أيقظ شيئًا غامضًا بداخلها... أطلقت ابتسامة ضبابية، لا يعرف إن كانت سخرية أم استسلامًا:

"أجل... أظنني حسمت أمري بالفعل."

خرج ماركو بهدوء... خطواته واثقة لكن متوترة، كأن شيئًا في صدره يتقلّص كلما ابتعد عنها..

تلك الفتاة... مذ دخلت عالمهم، وهو يشعر برغبةٍ عميقة، بدائية، في حمايتها..

لا يعرف إن كانت شفقة، أو شيء آخر… لكنه يعرف يقينًا، أن حمايتها الآن ليست خيارًا، بل دَينٌ في رقبته… دَين لأختها….. آنا..

_______________________________________

            

Flashback

ضواحي  تورينو منتصف الليل

.

كان الهواء باردًا كأنفاس حجر، يتسرّب من النوافذ المحطّمة، حاملاً معه رائحة صدأ قديم وأرض مبتلّة.

في الداخل، انعكست أضواء الشاشات الخضراء على وجوههم الثلاثة.

آنا كانت ترتدي سترة جلدية ضيقة سوداء و سروالاً ميدانيًا رماديًا… حذاءً خفيف الحركة، وقفازين قصيرين أظهرا أصابعها وهي تعمل بخفة.. على خاصرتها سلاحٌ مدمج ومجموعة أدوات الكترونية مربوطة بحزامها.. شعرها مربوط بإحكام للخلف،….لا أثر للفوضى ابداً.

ماركو جلس على طرف طاولة مكسورة، يرتدي قميصًا أسود بأكمام مطوية، صدريّة تكتيكية خفيفة فوقه، وبنطالًا عسكريًا بلون الفحم.. في يده مسدس نظّفه بقطعة قماش رمادية، وعلى معصمه سوار معدني قديم يراقب كل شيء بهدوء فقط....

ام زاد كان الأقرب للباب.. طويل القامة، هادئ الحركة يرتدي سترة ثقيلة بلون الليل، وسروالًا مظلّلًا بجيوب جانبية، حذاؤه ثقيل، خطواته بالكاد تُسمع لا يحمل سوى سلاح واحد، لكنه يحمل طريقة مشي لا تعبّر إلا عن الثقة.

أضاءت شاشة الحاسوب المحمول أمام آنا بخريطة حرارية للمكان.

وضعت سماعة الأذن، ثم قالت دون أن تلتفت:

"كاميرتين عند المدخل، واحدة على الزاوية الجنوبية.. الباقي تم التشويش عليه"

صفّر ماركو  بخفة وهو يعيد تركيب المسدس.

"رائع… نسرق لوحة عمرها 400 سنة ونمشي كأننا في نزهة "."

زاد كان يحمّل سلاحه بهدوء، عيناه على النافذة المغطاة بالألمنيوم المهترئ...

"لن تكون نزهة.. الحارس الليلي مسلح.. يتحرّك كل ثمان دقائق."

آنا سحبت من صندوق خشبي قديم قرصًا معدنيًا صغيرًا بحجم الكف.

"إذا رأيتموه، لا تقتلوه.. أشغّل هذا الجهاز، يسقط فورًا."

هزّ  ماركو رأسه، ضاحكًا وقال  .

"أنتِ مخيفة، تعرفين؟"

اقترب زاد  منها، وأخذ الجهاز.. عاينه دون كلمة وتمتم .

"كم مدته؟"

ردت عليه بسرعة:

"ثلاثون ثانية."

أعاده إليها دون أن يغيّر تعابيره و لم يضيف أي كلمة أخرى  .

لحظة صمت عبرت بينهم كالسهم

.

آنا ارتدت قناعها الأسود بإحكام وقالت .

"متى نتحرك؟"

نظر زاد  إلى ساعته لوهلة وأردف :

"الآن."

فتح الباب الخلفي…كان زاد  هو أول من خرج و.

ماركو تبعه،و على وجهه ابتسامة ساخرة.

"إن لم نُقتل الليلة، أريد بيتزا على حسابك يا زاد."

"إن قُتلت، خذ بطاقتي البنكية."

قالها زاد بنفس النبرة الخالية من المزاح...  أما آنا فتبعتهم بصمت… وحذر

لكن قبل أن تغلق الباب خلفها، نظرت نحو الداخل للحظة.

لم تكن نظرة وداع... بل تأكيد...

لا مجال للخطأ الليلة.

الجدران متهالكة، ورائحة العفن أقدم من العتمة نفسها   .

كان زاد يسير أولًا، سلاحه منخفض، نظراته تمسح كل زاوية من المكان كانت .

آنا خلفه بخطوة، تمسك بجهاز التشويش المحمول، أضواؤه تنبض بلون أخضر باهت اما .

ماركو يغطي الخلف، يلتفت كل بضع ثوان

في نهاية الممر كانت هناك  كاميرا دوّارة تعبر ببطء

.

همست آنا بسرعة::

"ثلاث ثواني… الآن."

مدّت يدها، ضغطت زرًا في ذلك الجهاز و انطفأ الضوء الأحمر على الكاميرا فجأة.

فقد مرو بسلامٍ هذه المرة...

   ظهرت قاعة التخزين خلف باب مزدوج.

كان مغلقًا بنظام بصمة.

تنهد ماركو و أخرج من جيبه أداة اختراق رفيعة وقال .

"أحتاج دقيقتين."

زاد وقف بجانبه، عينيه على الزاوية المقابلة وأردف .

"معك ستين ثانية."

"أوه، شكرًا على الكرم."

قالها ماركو وهو يركّز على ما أمامه .

  أما  آن فانحنت أمام لوحة ثانوية، أخرجت منها كيبلًا دقيقًا، وصلت به جهازها المحمول.

شاشة اللوحة تومض.

مرت خمس دقائق وفجأة  ....

صدر صوت خافت خلفهم.

نقرة، ثم اهتزاز هواء.

زاد استدار فورًا، رفع سلاحه وماركو توقف للحظات .

  .

همست آنا لهما :

"الصوت من الطابق السفلي… ليس في الخريطة."

: قال زاد بصوت منخفض  :

"ماركو.. افتح الباب.. آنا، غطّيه."

آنا بدّلت موقعها فورًا.. ركعت، ثبتت مرفقها على الأرض، وعيناها على الممر تماماً  .

.

قال ماركو بابتسامته المعتادة:

"فتحته."

زاد دفع الباب بيده، ودخل وتبعه البقية .

وفي الداخل كان المكان مظلم … لكن اللوحة  كانت هناك :

لوحة زيتية على الجدار الحديدي... مغطاة بزجاج مقاوم.

دخلت آنا وأطلقت شهقت بخفة 

"مادونا والظل…. أصلية! ياللروعة  "

همس ماركو :

"خمسة ملايين على الأقل."

نقل زاد انظاره لهما وقال :

"سريعًا.. آنا، افتحي الحقل الزجاجي.. ماركو، جهّز الحقيبة."

بعد أن انتهى من كلامه  اخرجت آنا  أداة دقيقة.

لمسة.. ثم ثانية… ثم تراجع بسيط...

الزجاج انسحب آليًا للخلف، بلا صوت.

ماركو حمل اللوحة بثبات وقال .

"جاهز."

زاد نظر إلى آنا وأردف .

"الجهاز؟"

هي نظرت إليه، ثم للجهاز… ثم توقّفت...

فالشاشة لم تعد خضراء

وأضواء النظام عادت للعمل بالفعل   .

:

"نُشّط الإنذار… خلال ثلاثين ثانية سيكونون هنا."

قالت آنا وهي تمسح جبينها من فرط التوتر

صرخ ماركو وقال :

"مستحيل… عطّلت الكود الرئيسي."

" لقد كُشفنا ."

قالها  زاد ثم رفع سلاحه:.

"ماركو، اخرج فورًا… آنا، خذي معي الممر الخلفي.. التقِ بنا في الشاحنة خلال دقيقتين... لا تتأخرا."

آنا:

"...لن أترك"

زاد قاطعها:

"هذه ليست مناقشة."

ماركو خرج يحمل اللوحة مسرعا متجاهلاً الاثنين اما .

آنا فنظرت إلى زاد،

ولم تقل شيئًا..كانت غاضبة منه  بحق….

___End of flashback ___

كانت تسير بين زاد وماركو بخطى ثابتة من الخارج، متقلقلة

من الداخل، تتجه معهم نحو القاعة نفسها التي سُمِع فيها صوت الزعيم أول مرة وهو يُلقِي بجملة صفعتها أكثر من ألف مرة.. كل محاولة لتمثيل الصلابة كانت تُنتزع من داخلها على الفور، كل قناع قوة تلبسه يتشقق أمام سؤالها الوحيد:

هل تنضم إليهم... أم ترفض؟

الجواب لم يعد سهلاً.. ماركو همس في أذنها من قبل: "أنتِ تعلمين الكثير، قد يُكلّفك هذا حياتك."

وها هو مهووس فان كوخ أيضًا، بملامحه الهوسية الباردة، يريد قتلها... لماذا؟…. لا تعرف.

رفعت عينيها، تتأمل ملامح زاد، الجامدة،المُربكة.. لم تكن تعلم ما الذي يدور خلف هدوئه الغامض، خصوصًا وأنه، كما أخبرها المهرج، يتمتع بعلاقة جيدة مع أختها.

ازدادت نبضات قلبها حين التفت كلا الرجلين إليها فجأة.. ماركو وزاد انتبها لصمتها، لعينيها القلقتين، لموجة الأفكار التي تتصاعد خلف ملامحها المرتبكة اعاد زاد نظره الى الامام حين تبعه ماركو بذلك بعد وهلة

...

هما أيضًا كانا يترقبان الجواب.. هل ستقبل؟ هل سترفض؟ ما الذي يدور في رأسها الآن؟

كان القلق يزحف ببطء، ينهش عقولهم كدخان يتسلل من تحت باب مغلق...

حين وصلوا إلى ذلك الباب العريض، لم يكن وحده هذه المرة.. إلى جانبيه وقفا رجلان ببذلات رسمية سوداء، بأجساد عضلية تشي بماضٍ غير بريء.. لم يكن الأمر تخمينًا، فملامحهما ووقفتاهما تنتمي لعالمٍ أكثر ظُلمةً من الحانات التي عملا بها سابقًا كحراسٍ للزجاج المكسور و اللكمات السريعة.

كلاهما نظرا لها.. ولم تكن هناك حاجة لشرح طويل…... من هي؟

نيراليس.. لقد عرفوها من أول نظرة..

فتح أحدهما الباب، فاندفع الضوء من الغرفة الداخلية ليعانق شعر الحارس الأشقر، وساد صمتٌ قصير.. ...

دخل زاد بلا تردد، يسبق خطواتهم كما لو كان يعرف المكان شبراً شبراً...

اما ماركو  وقف بجانب ليفيرا.. وانحنى نحو أذنها وقال بخفةٍ لا تخلو من حنوٍ مشوب بالخطر:

"حظًا موفقًا."

ثم تبعه دون التفات

.. ولم  تكلف نفسها الرد عليه .

كانت قدماها ثقيلتين كما لو كانتا مقيّدتين بسلاسل غير مرئية.. تمنّت لو تفقد وعيها الآن، أن يتوقف كل شيء فجأة، لكن لا أحد يُنقذك من مشهد كهذا.

.

الغرفة كانت فسيحة ذات سقفٍ مرتفع، والجدران مُزدانة  بتحف فنيّة غريبة لم تنتبه لها في زيارتها السابقة، كأن العيون المذعورة تعجز عن ملاحظة الفن..

رفوف الكتب مرصوصة كجنود في آخر المعركة، والطاولة المستطيلة تهيمن على المركز، يتصدّرها الزعيم، يجلس بثبات كعرّاب لا يحتاج إلى كثير من الكلمات.

على جانبي الطاولة، جلس الأعضاء.. ليسوا فقط من "الروكا"، بل من فروع أخرى من عائلة الـ"ندرانغيتا".

كل وجهٍ يحكي حكاية جريمة... أو أكثر.

بعضهم رمقها بنظرات حادة، مُحمّلة بالغضب، دون أن تعرف سببها، آخرون جلسوا هادئين بينما تتسلل الوشوم من أعناقهم حتى شرايين أذرعهم.

وفي طرف الطاولة، أحدهم لم يرفع عينيه عنها، بل رفع عينيه نحو المسدس الصامت أمامه، وكأن وجوده تذكيرٌ بما يمكن أن يحدث لو نطقت بـ"لا""  بالتاكيد لن تخاف من قول لا او كما تضن.. ".

تقدّمت ببطء نحو الكرسي المقابل للزعيم، وكل شيء داخلها يرتجف...

رفعت عينيها ببطء ونظرت إليه ، إلى تلك الابتسامة الباهتة التي تُخفي ما لا يُقال، ثم أعادت عينيها إلى الطاولة…

لم تجرؤ على النظر إلى أي عضو آخر.

كان هذا الاجتماع كالكارثة.

كأنها تجلس في منتصف عاصفة هادئة…

كل شيء فيها يهمس بالخطر….

.

قال الزعيم بعد لحظة، وقد تشابكت يداه بهدوء فوق المنضدة، وصوته ينزلق بثقلٍ مهيب في الهواء:

"أهلاً بكِ مجددًا، نيراليس...

ماذا قرّرتِ؟"

كان العجوز جالسًا على الأريكة العتيقة، يحتسي قهوته بصمت، عيناه تراقبان ماثيو الجالس مقابله.. الهواء البارد كان يتسلل عبر النافذة نصف المفتوحة، حاملاً معه رجفة خفيفة لم تقلق أحدًا سوى الخادمة الواقفَة عند الباب..

أشار لها العجوز بنظرة عابرة، فتقدّمت بخفة وأغلقت النافذة، ثم عادت إلى مكانها بخطوات مضطربة.. وجود ماثيو في المكان يربكها، كما يربك كثيرًا من الخادمات… ذلك الهدوء المهيب، وتلك الوسامة الحادة التي لا تطلب الانتباه بل تفرضه.

أكتافه العريضة و فكه المرسوم، عيناه بلون المحيط في منتصف الشتاء، وشعره البني القاتم المنسدل كأنه لا يعرف الفوضى.. أما صوته، فكان أقرب إلى نغمة رخوة تحمل تهديدًا مموّهًا بالأناقة.. ملابسه لا تصرخ بالثراء، بل تهمس.. به بثقة من لا يحتاج إلى استعراض.

ساد الصمت.

ثم حمحم العجوز، ورفع أنظاره نحوه قائلاً بنبرة متماسكة:

وأنت… ما شأنك بالأمر؟

أجاب ماثيو ببرود، دون أن يزيح نظره عن فنجانه:

أريد أن أعلم ما خططته.

قطّب العجوز حاجبيه، نفث تنهيدة قصيرة، ثم قال:

  وهل تظن أن ذهابك إليه هكذا سيجعله يُطلعك على خطته؟

لقد أصبحت غبيًا في الآونة الأخيرة…

قهقه الاثنان ضحكة قصيرة، أقرب للسخرية منها للمرح.

ثم اعتدل ماثيو قليلًا، وصوته يهبط درجة:

أعلم أنه لن يخبرني… لكن ما لا أفهمه هو ظهور احد أفراد أسرة   " مفككة الشيفرات" تلك بعد كل هذه السنوات و لمَا يسمح لها بالتجول، بل وبالذهاب إلى سباق غير قانوني… دون حراسة؟

أسند العجوز ظهره بهدوء، وكأن السؤال لم يفاجئه، لكن عينيه… كانتا تحاولان إخفاء ما لا يُقال.

تمتم العجوز، وعيناه معلقتان على الفراغ بينما تشابكت يداه فوق ركبتيه:

من المستحيل أن يُترك عضو من ’الندرانغيتا‘ دون حراسة.

كان صوته واثقًا، كمن يتحدث عن قانون طبيعي لا يُكسر... أما ماثيو، فبدا هادئًا كعادته، لكن الهدوء لا يعني الذكاء دائمًا.

في الحقيقة، ماثيو لم يكن غبيًا… كان فقط متهورًا بما يكفي ليبدو كذلك..

رجلٌ يعيش حياتين: صباحه ممرضٌ أنيق، وليله عضو مافيا يسير فوق حد السكين.. مشكلته ليست في قدراته… بل في قراراته..

يعرف كيف يختار بدلته، وسلاحه، وساعته، لكنه لا يعرف أبدًا كيف يختار خطوته القادمة..

ولولا هذا العجوز الجالس أمامه… لكان الآن نزيلًا في. زنزانة باردة بلا شك .

قال العجوز بهدوء يحمل لسعة سخرية:

إذًا، افعل ما يناسبك… وأتمنى لك موتًا هنيئًا.

وكانت ابتسامته تنمو ببطء، كمن يستمتع برؤية قطار يخرج عن مساره… مجددًا.

ماثيو، بابتسامة استفزازية مألوفة:

هذه المرة… سأتدبّر أمري.

ضحك العجوز ورأسه يرتفع مع كل قهقهة كما لو كان يسخر من فكرة أن ماثيو قد يتعلّم.

هذا ما تقوله دائمًا… قبل أن تُغرق نفسك في وحلٍ جديد.

ثم هدأت ملامحه، وانسدل الصمت قليلًا، قبل أن يزفر العجوز بتعب عتيق وقال بنبرة ثقيلة:

لا تتورّط مع قطعة البيدق… والمهرج.

لم يرد ماثيو مباشرة، فقط ارتسمت على شفتيه ابتسامة لعوبة، تشبه تلك التي يبتسمها لاعب شطرنج قبل أن يخطئ عمدًا ليجذب خصمه….

لا أنوي التورط… لكن إن كان ما أبحث عنه يتطلب الغوص معهما، فلا بأس

اكمل كلامه بكل جدية وثقة...

في الواقع ماثيو لديه ماضيٍ حافل مع أوريليو رينو وماركو الكساندرو من المستحيل أن أحدهم نسي ذلك الماضي...

رمقه العجوز بنظرة يعرفها جيدًا وأجابه بابتسامة، أشبه باعتراف مبطن:

أتمنى الصبر لـ ألفونسو… إن اجتمعتم أنتم الثلاثة، فالعالم” بحاجة إلى معجزة”…

وقف ماثيو ببطء، وكأن كلام العجوز ختم الاتفاق غير المعلن، ثم قال بصوت هادئ:

شكرًا على الموافقة… دون برناردو.

التفت إليه العجوز بطرف عينه، كمن يلاحظ شيئًا تأخر كثيرًا في الحدوث:

الآن تذكّرت أن تحترمني؟

ضحك ماثيو، بخفة تمزج بين المزاح والاعتراف:

أجل… نوعًا ما.

سأله الدون بنبرة خافتة، كأنها اختبار أخير:

هل تحتاج إلى من يرافقك؟

رد ماثيو بثقة :

لا حاجة… يمكنني تدبّر أمري.

غادر بخطوات هادئة، والعجوز بقي في مكانه، يراقب ظله وهو يختفي خلف الباب… ثم تمتم دون أن يسمعه أحد: وهذا أيضًا… ما تقوله دائمًا...

دارت بها الأرض، أو هكذا خُيّل إليها.

ليس لأن المكان يدور حقًا، بل لأن داخِلها لم يعد ثابتًا منذ أن سمعَت صوته.

صوت الزعيم.

ليس بالصراخ ولا بالتهديد… لا حاجة له بذلك.

كان صوته مثل باب يُغلق ببطء… تعرف أنه لن يُفتح بسهولة بعدها.

ظلت تنظر إليه.

لا بسبب ما قاله، بل لأنها لم تفهم كيف قالت له الحياة أن يُلقي بكل هذا بثقلٍ كهذا… دون تمهيد.

كان يجب أن يهيّئها.

. أن يضع شيئًا على الطاولة قبل أن يرمي القرار على كتفها.

عيناها تشي بالارتباك، لكنها لا تبكي.

إنه ذلك النوع من الارتباك الذي يُكثّف الهواء... يجعل التنفّس مؤلمًا… من الداخل فقط.

لم تكن قد تحدثت مع ماركو كما يجب.

كل ما فعلته هو الصمت الطويل، ثم النظرات الضائعة، ثم شيءٌ بين القلق والإنكار.

تبحث عن أختها؟ نعم.

تحاول حلّ الشيفرة؟ ربّما.

لكنها… ليست مثلها.

ليست تلك التي كانت تفكّ الحروف من أول جملة.

في داخلها، كانت تعرف:

هي ليست مؤهّلة لما يُطلب منها.

لكن مَن يهتم بذلك هنا؟ من يمنحك وقتًا لتكون جاهزًا في هذا العالم؟

في غفلة منها، أدركت أنها لم تُجب على السؤال.

السؤال الذي وجّهه لها مباشرة، أمام الجميع.

والآن…

الصمت لم يعد حياديًا.

صار محرجًا.. ثقيلاً.. جارحًا في حد ذاته.

على الطرف المقابل من الطاولة، كان زاد يُراقبها.

يده تحت ذقنه، ونظراته نصف مغمضة، كمن يحدّق من داخل حلم ثقيل..

"تحدّثي… فقط تحدّثي"

هذا ما قالته عيناه، بصبرٍ متوتّر.

ليس لأن القرار يعنيه… بل لأن الانتظار سلاحٌ أقسى من الإجابة.

ماركو، لوكا، إنجي، مارسيل…

جميعهم هناك.

كأنهم تماثيل نُحتت من أعصاب متوترة.

حتى الرجل ذو النظارات، الجالس بجانب الزعيم، كان يحرّك أصابعه على إطارها كمن يعدّ الثواني حتى تنفجر.

وشومه تمتد من أطراف يديه إلى عنقه، كأن تاريخه لا يُنسى.

شعره بلون القمح المحترق، وكلما عدّل نظارته، بدا وكأنه يكمم غضبًا خفيًّا.

لا أحد يتكلم.

والهواء… يشبه لُقمة لم تُبلَع.

أما هي…

فقط تنظر.

وتفكر، ولا أحد يسمع هذا الضجيج بداخلها.

 

.. حدّقت ليفيرا في عيني الزعيم، كأنها تقيس المسافة بين ما تخشاه وما تريده، بين صوت أختها الغائب وصوت الغرف المظلمة التي ابتلعتها منذ أيام.. لم يكن في صوتها ارتعاش، لكن نظراتها كانت تهمس بما لم يُقَل.

همست، بشيء من التماسك المصنوع بعناية:

"مرحباً بك أيضًا، أيها الزعيم... قراري بشأن ما قلته لي... هو نعم.. أريد بشدة أن أفهم ما كانت تحاول أختي قوله... تلك الشيفرة... أريد أن أعرف حقيقتها."

ساد صمت قصير، كأن الغرفة نفسها توقفت لتتأكد من صدق ما قيل..

في زاوية المكان، ارتسمت على وجه ماركو ابتسامة لم تكن تعرف إلى أي جهة تنتمي.. لا سعادة حقيقية فيها، ولا رفض واضح.. فقط، شيء أشبه بحيرة رجل يرى المطر في صحراء ويشك إن كان سراباً..

هو أرادها أن تبقى، نعم، لكنه في مكان ما داخله... كان.. يخاف من بقائها أيضاً.

هو لا يعلم تمامًا ما يريد، وهذا ما كان يربكه أكثر من أي شيء آخر..

.. علت على وجه الزعيم ابتسامة ضبابيّة، خافتة لا تُفهم بسهولة، كأنها لم تُصنع للترحيب بقدر ما خُيطت لطمأنة قلبٍ على وشك أن يتنازل..

قال بصوته العميق الرزين، وكأن الكلمات خرجت من كهفٍ رطب قديم:

"مرحبًا بكِ معنا، ليفيرا نيراليس... هذا المكان سيغدو منزلك الثاني… وشكرًا لكِ."

تبدّل الهواء في الغرفة.. لم يكن أحد يتوقّع تلك النبرة.. حتى أكثرهم صمتًا بدأ يتبادل النظرات.. الرجل الموشوم، ذو النظارات  والعينين اللامعتين، حدّق في زعيمه كما لو أن شبحًا حلّ محلّه.. منذ أن فتح عينيه على هذا العالم، لم يسمع هذه الدرجة من اللين في صوته.

لكن ليفيرا لم تكن تلاحق تلك التفاصيل.. كانت أفكارها تلتف حول عنقها، تخنق أنفاسها شيئًا فشيئًا.

ردّت بسرعة، وكأنها تخشى أن يفوتها القطار الأخير نحو حياتها السابقة:

"أيها الزعيم، أنا… أقدّر ذلك.. حقًا… لكن، عملي؟ حياتي؟ ما..."

لم تُكمل حين .

قطع حديثها صوت خشن كالسكاكين الصدئة،

قال زاد وهو يرفع حاجبه بسخرية قاسية:

"تنضمّين للمافيا... وتظنّين أنكِ ستعودين إلى عملك كأن شيئًا لم يكن؟"

نظر إليها كأنها خذلته في اختبارٍ بسيط.

وتبعته نبرة أخرى، أكثر تهكمًا، هذه المرة من صاحب الوشم الذي بدا وجهه كلوحة مخنوقة بالرموز.

قال ببطء وكأنه يُفرغ ما في صدره من دهشة:

"قلت ما كان يدور في ذهني حقًا..."

رفعت ليفيرا عينيها نحوه، وقد بدا ككائن خرج من كابوس: من يملأ جلده بتلك الوشوم التي تتسلق من اليدين حتى الرقبة؟ ومن ينظر بذلك الثبات وكأن في داخله صحراء لا تهتز؟

أما ماركو، فقد كتم ضحكته كمن يخشى أن تنفجر ضلوعه.

كان الموقف عبثيًا بحق، لكنه خطير أيضًا.

تنحنح، كمن يحاول تنظيف نكتة عالقة في حلقه، ونظر حوله بحذر.. كل العيون كانت عليه، تنتظر دعابة واحدة... لتُطيح برأسه وتفصله عن جسده...

قال بصعوبة، محاولًا أن يبدو جادًا بينما الشفاه تكاد تخونه:

"في الواقع، أيها الزعيم... أرى أنها... على حق."

كان يحاول كبح تلك الضحكة المستعصية،...

الزعيم لم يبدُ منزعجًا أبدا… بل التفت نحو ليفيرا بابتسامة هادئة، وقال بصوت خافت أشبه بالوعد الغامض:

"لا تقلقي، ليفيرا... سأفكّر في الأمر بالتأكيد."

ثم أضاف، وهو يمرّ بعينيه على الوجوه المتجمّدة أمامه:

"على كلّ حال، موقع المافيا الأصلي ليس في ميلانو كما أخبرتكِ من قبل… لذلك، قد أسمح لكِ بالعودة لحياتك… لكن برفقة أشخاص موثوقين.. يمكنهم حمايتك."

تبادل الجميع نظرات قصيرة لكنها مليئة بالتشويش.

ماركو، الذي لم يتعافَ بعد من موجة الضحك، لم يستطع تمالك نفسه حين نظر إلى "إنجي" وقد كان فمها نصف مفتوح كأنها نسيت كيف تُغلقه.

ورجل الوشوم الذي  بقي يحدق بالزعيم كمن يهمس بعينيه:

"من أنت؟ وماذا فعلت بزعيمنا؟"

.

قال الزعيم مرةً أخرى، بصوتٍ خفيض لكنه نافذ، جعَل العيون تُثبَّت عليه كما تُثبَّت المسامير في نعش قديم:

"ستقومين بنفس العمل الذي كانت تقوم به شقيقتك... لكن بطريقتك.

كانت هي من تسرق اللوحات بدلًا من ماركو...

وكانت تفكّك الشيفرات، تحلّها، ثم تزرع أخرى  كما تُزرع القنابل في الصمت.

أنتِ لن تسرقي، هذا ليس دورك.

دورك أن تفكّكي كل شيفرة تُعطى لك، وتصنعي شيفرة جديدة حين يُطلب منكِ ذلك."

ساد الصمت للحظة، وكأن الغرفة التقطت أنفاسها.

ثم أضاف الزعيم بنبرة مختومة الحواف:

"بالمختصر... ستكونين مفككة الشفرات.. لكن من خلف. الستار."

رفعت ليفيرا عينيها إليه، ببطء يشبه انفتاح كتابٍ نُسي تحت المطر..

"هذا الدور يناسبني، حضرة الزعيم... لكنني لست ماهرة في فكّ الشفرات مثل أختي.. "

ابتسم الزعيم بخفةٍ بالكاد مرئية، وقال بنبرة لا تعرف التعجل:

"أختك لم تولد بذلك... لكنها تعلّمت.. وطوّرت موهبتها.. كما ستفعلين أنتِ."

ثم أدار نظره على الحاضرين، وأردف:

"هل انتهى اجتماعنا؟ من لديه رأي، فليقله الآن."

قال إيفانو وهو يعدّل نظارته بنظرة ثابتة نحو ليفيرا:

"زعيم، أنا أعارض تمامًا وجود هذه الفتاة هنا.. إنها تشبه أختها كثيرًا..."

نقلت ليفيرا نظرها نحوه ببطء.. لم يسبق لها أن رأته من قبل، لا في القصر ولا حتى في الاجتماعات.. وجهٌ حاد، ونبرة مشبعة بالرفض، وكأن حضوره وحده إعلان حرب.

تلك النظرات الغريبة المتبادلة بينهما لم تمرّ على ماركو مرور الكرام، فقد بدأ يختنق بكتم ضحكته، يحاول السيطرة على نفسه لكن دون جدوى.. انفجر ضاحكًا في النهاية، كأنه كسر واجهة الجمود التي كانت تخنق الجو..

نظر إليه إيفانو باشمئزاز، ورفع مسدسه ببطء نحوه.

أما الأخير، فاستمرّ بحركات عبثية بيديه، محاولًا تهدئة نفسه… أو استفزازه أكثر.

قال الزعيم بهدوء قاطع، وهو ينهض:

"انتهى الاجتماع.. كلٌّ إلى عمله."

ثم نظر نحو ليفيرا وأضاف:

"يمكنك البقاء مع المهرّج... إلى أن تكسبي بعض الصداقات هنا."

وغادر الغرفة بخطوات ثابتة، دون أن يلتفت

.

استشعرت ليفيرا نظرات مارسيل، فرفعت عينيها نحوه، لتلمح ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه.

اقترب منها بهدوء وقال:

"مرحبًا بكِ معنا... أنا مارسيل.. اليد اليمنى للزعيم ."

مدّ يده، فصافحته وشكرته بنبرة خافتة، قبل أن يخرج من القاعة.

وراءه، بدأ صوت ماركو يعلو مجددًا، هذه المرة ممزوجًا بنبرة تهكّم من إيفانو، الذي رفع مسدسه كما لو أنه يهدد بوضعه في فمه لإسكاته أو هكذا بدا المشهد على الأقل.

لم تُدرك ليفيرا إن كان ذلك تهديدًا حقيقيًا أم مزاحًا مغطّى بالحدة.

وقفت تستعد للخروج، لكنّ خطوة خفيفة استوقفتها.

كانت إنجي واقفة بجانبها، وعلى وجهها ابتسامة لم ترها من قبل.

قالت بهدوء:

"يمكنكِ اعتباري أول صديقة لكِ هنا."

لم تُصدّق ليفيرا ما سمعت، وشيئًا فشيئًا بدأت ابتسامتها تتسع.

لم تكن تظن أن إنجي قادرة على الضحك أصلًا.

بصدق... كانت تظنّها تمثالًا.

كانت الغرفة غريبة.

كأنها رُتبت بعناية لتبدو مألوفة، لكنها فشلت في ذلك.

فتحت ليفيرا الباب بهدوء، ودخلت.

لا أحد في الداخل.. لا أحد في الممر.. فقط جدران صامتة تفوح منها رائحة العزلة.

مشَت بخطًى خفيفة، تطوف بنظرها في الأركان: المنضدة المصقولة، الكتب المصطفة بدقّة مبالغ بها، النافذة المغلقة، والمرآة الصغيرة التي لا تعكس شيئًا سوى وجهها المرتبك.

لم تكن الغرفة مخصّصة لها، لكنها أصبحت لها الآن.

على الأقل كما أرادوا أن يُقنعوها.

جلست على الكرسي دون أن تدري لماذا.. مرّرت يدها فوق سطح المنضدة، ثم فتحت كتابًا بلا عنوان… لم تقرأ.

كانت تتظاهر بأنها تقرأ.

لكن الحقيقة؟

أن كل شيء في الداخل كان أعلى من الكلمات.

وفي لحظة، توقف كل شيء…

صمتت.

وسمحت لأفكارها أن تُهاجمها.

فكّرت.. ثم سمحت لعقلها أن يصرخ:---

لا أعلم متى بدأتُ أفقد القدرة على التفريق بين ما أشعر به حقًا، وما أُجبر على الشعور به.. كأنّ أحدهم قد وضع قلبي في غرفة باردة، ثم نسي أن يخرجني منها.

ذلك الاجتماع؟

لا... لم يكن مجرد اجتماع.

كان مرآةً مشقوقةً وُضعت أمامي فجأة، عكست كل الشقوق التي حاولتُ إخفاءها بلصاقات مؤقتة من التصالح المزيف. رأيتُني في أعينهم غريبة، وكأنهم يعرفون عني ما لم أعرفه أنا عن نفسي. أو كأنهم يحاولون إقناعي بأنّي كنت دومًا واحدةً منهم، لكنّي فقط نسيت.

أنا لست متأكدة بعد إن كنت أقف على عتبة اكتشاف… أم على حافة تلاشي.

الأشياء تتكرر داخلي بطريقة مخيفة. نفس السؤال، نفس الارتجاف في أصابعي، ونفس البرودة في منتصف صدري…

هل أُعيد تشكيل نفسي كل يوم لأبدو مناسبةً لمشهد لا أؤمن به؟

أم أني فقط أواصل الكذب لأن الحقيقة أكثر وحشة من أن تُقال بصوتٍ عالٍ؟

هناك لحظة قصيرة، لا تدوم أكثر من رمشة، أشعر فيها وكأنّ قلبي يهمس لي: “أنتِ لستِ بخير”.

وأتجاهله.

لأني لو اعترفت له، سأنهار.

أنا أكتب الآن لأن الورق لا يطلب تفسيرًا.

لأن القلم لا يُقاطعني ولا يطلب "أن أكون قوية".

أنا أكتب لأن لا شيء في هذا العالم قادر على لمس ذلك الجزء المكسور فيّ دون أن يلطّخه أكثر.

الحقيقة؟

لم أعد أؤمن أني "أصلحُ" للعودة.

ولا أظن أني أملك الشجاعة للمغادرة.

كل ما في الأمر أنني خُلقت بين مفترقين… طريق يمضي بي إلى منتهى الزيف، وطريق آخر يسحبني نحو حقيقة لا أستطيع احتمالها.

أيّ ليفيرا أنا؟

هل أنا تلك التي تنظر إليهم بعين باردة، وتحسب خطواتها كما يحسب القتلة أنفاس فرائسهم؟

أم أني ما زلت تلك التي كانت تبكي أمام لوحةٍ في المتحف فقط لأنّ لونًا واحدًا لمس شيئًا لا اسم له في قلبها؟

أنا لا أبحث عن إجابة.

ولا أريد مَن يُنقذني.

أنا فقط أحتاج أن أعترف، لنفسي، ولو مرة، أنني تعبت.

وتعب الإنسان لا يُقاس بجسده.

بل بثقل الأشياء التي لم يقُلها، والمواقف التي ابتلعها، والمشاعر التي سمح لها أن تخذله في صمت.

لابد لي من خطةٍ مُحكمة... لا يمكنني الاستمرار هكذا، أتصرّف دون تفكير ثم أندم كعادتي...

أنا حقًا بحاجة إلى خطة، دقيقة، واضحة، لا مجال فيها للتهوّر أو الغباء.

قالها ماثيو وهو يتقدّم بخطوات واثقة نحو السيارة التي وقف الحارس بجانبها، ما إن اقترب حتى فتح له الباب الخلفي بصمت.

ربما تسبّب هذه الزيارة الكثير من المشاكل لألفونسو كارديلي... لكنها مرّت فترة طويلة على آخر مرة جلب فيها ماثيو المتاعب لهم.

صمت، كأن أفكاره تتداخل مع صوت الهواء خلف النافذة، وكأن عقله عاد إلى ذلك الهدوء المصطنع الذي يسبق الفوضى دائمًا.

أفاق على صوت المكابح حين توقّفت السيارة أمام فيلا قديمة الطراز، تنبعث منها أضواء خافتة.

فتح الحارس الباب من جديد، وماثيو خرج بهدوء، صعد الدرجات، وتوجّه إلى شقته الخاصة في الطابق العلوي.

أشعل أضواء غرفة المعيشة الواسعة، ومن دون أن ينطق بكلمة، اتّجه إلى غرفته، خلع سترته، ثم قميصه ببطء، ومسح على شعره كأنه يطرد شيئًا عالقًا بين خصلاته.

أخذ المنشفة ودخل الحمّام.

ظلّ وقتًا في المياه الساخنة، لا يتحرّك، فقط يترك البخار يلف جسده وأفكاره...

كأن الصمت في داخله أثقل من أي صوت.

خرج أخيرًا، وقطعة قماش داكنة تلف نصف جسده السفلي.. كانت عضلاته مشدودة، مرسومة بتفاصيل قاتمة، وعلى صدره وُشِم رقم 88...

ندوب صغيرة هنا وهناك، بعضها طفيف، بعضها أعمق... علامات من زمنٍ لم يختفِ تمامًا.

كان يرغب فقط في النوم...

في طرد صورة ليفيرا من رأسه، أو على الأقل، فهم ما يشعر به تجاهها.

أهو الفضول؟ أم شيء لا يجرؤ على تسميته؟

ما السبب الحقيقي لجلبها إلى مافيا الندرانغيتا؟

تكشّف على ظهره فوق السرير، رأسه مائل نحو السقف، يزفر ببطء، كأنما يحاول إقناع جسده أن يستسلم.

لكن لم يمر وقت طويل حتى...

رن جرس الباب.

فتح عينيه ببطء، واعتدل متنهّدًا، ثم تمتم وهو ينهض: "من هذا الآن؟"

خرج من غرفته، متجهًا نحو الباب، قطع غرفة المعيشة والممر دون أن يُلقي نظرة واحدة من فتحة الباب.

فتح الباب و

كان أمامه شاب، لا يبدو أكبر من عشرين عامًا، يرتدي

ملابس بسيطة، ملامحه هادئة بشكلٍ مريب.

قال بصوتٍ منخفض:

"هل أنت السيد ماثيو فيراتي؟"

رفع ماثيو حاجبه، نظر له قليلًا بملل ثم قال:

"أجل، أنا هو… ماذا هناك؟ خلّصني."

مدّ الشاب ظرفًا بنيًا باتجاهه، لم ينطق بكلمة أخرى، ثم استدار واختفى كما جاء.

أغلق ماثيو الباب بهدوء، نظر إلى الظرف في يده، قلبه، ثم نظر نحو حيث اختفى الفتى.

شيء ما في هذا الهدوء لم يُعجبه.

عاد إلى غرفته، جلس على طرف السرير، وما إن وقعت عيناه على الخط المكتوب على الظرف...

حتى توقّف الزمن لوهلة.

ذلك الخط...

كان يعرفه جيدًا.

خط والدته.

المرأة التي تركته وهو في الثامنة من عمره.

بدأت ليفيرا  تصعد السلالم المؤدية إلى الطابق العلوي..و الصمت يلفّ المكان، لا يُسمع سوى خفق قلبها… ممر طويل تزيّنه الأبواب الخشبية المغلقة، كل واحدة منها تحمل أسرارًا لرجال الروكا… توقفت حين لمحت بابًا تعرفه جيدًا، باب غرفة ماركو، كما أخبرها ذات مرة.

خطر في بالها شكله حين كان يلتهم طعامه كأنه لا يأبه بشيء، رجلٌ يبدو عاديًا... حتى تظن أنه ليس جزءًا من كل هذا العالم المعتم.

تقدّمت بخطى مترددة، تتفحّص تفاصيل الجدران كأنها تحاول قراءة ما لا يُكتب، لتنتبه فجأة إلى ستارة حمراء داكنة على الجهة اليمنى، تخفي خلفها شيئًا ما… كان لونها غير مألوف، كأنها تخفي خلفها دمًا مجففًا أو ذكرى مغلقة.

مدّت يدها بحذر و أبعدت الستار قليلاً لتُفاجأ بمكانٍ صغير، أقرب للمكتبة..  رائحة الورق القديم تعبق في الهواء، كتب مصطفّة بترتيب أنيق و لوحاتٌ تزين الحائط كان اغلبها للرسام فان كوخ ومنضدة شطرنج يتوسطها رقعة نصف مكتملة، بدا كأن أحدهم كان هنا… وخرج على عَجَل.

عرفت فورًا أنها ضلّت طريقها... كالعادة.. استدارت بجزع، وعقلها يتوسل لجسدها بالخروج بسرعة قبل أن...

لكن فجأة، وبدون أي تحذير، ارتطم وجهها بشيء... صلب ودافئ.. شهقت، ووضعت يدها على أنفها بألم خفيف، ثم رفعت رأسها...

وتجمّدت..

كان  زاد واقفًا أمامها، يحمل كوب قهوة بالكاد لم ينسكب.. نظراته صاعقة، حاجبه مرفوع كأنها لغز يعجز عن حله، وخصلة من شعره تنزلق فوق جبينه بعفوية قاتلة.. يداه أمسكتا بها سريعًا، قريبة منه حد الارتباك، لتمنعها من الاصطدام، وربما… من السقوط.

أدركت ليفيرا فجأة أن يديها تستقران على صدره، وأن المسافة بينهما لم تعد موجودة تقريبًا، فقط ذاك الفراغ المشحون بالنبضات الغامضة، بالشعور الذي لا اسم له.

تنفّس زاد ببطء، ثم قال بصوت خافت فيه غضب مكتوم:

ماذا تفعلين هنا يا آنسة نيراليس؟ ألم أحذرك سابقًا أن فضولك قد يقتلك؟

رمقها بنظرة طويلة، ثم أضاف بصوت أقسى، كمن يضغط على وريد في المعصم:

ــ كلما راجعت فكرة قتلك… أجدك حول أشيائي.. كأنك فعلاً ترغبين بالموت؟

اتسعت عيناها، لم تكن تعرف ماذا تقول..:

… لم أكن أعلم أنها مكتبتك.

أشار زاد بسرعة إلى رقعة الشطرنج على المنضدة وقال بتهكم بارد: كلما رأيتِ رقعة شطرنج… غادري… .

وضع كوب القهوة بهدوء على الطاولة، لكن خطواته لم تكن هادئة، كان يتقدم نحوها بثقل العالم كله، وهي تتراجع، خطوة بعد أخرى، قلبها يدق بعنف يكاد يُسمع في الصمت.

اصطدم ظهرها بالجدار خلفها لم يعد هناك طريق للهروب.

اقترب زاد حتى لم تعد ترى سواه، رفع يده وأسندها إلى الحائط قرب وجهها، ثم رفع ذقنها بنعومة متوترة، جعل عينيهما تلتقيان.. نظراته لم تكن تهديدًا فحسب، بل اختبارًا… صراعًا داخليًا بين رغبة بالاقتراب ورغبة بالسيطرة.

قال بنبرة باردة، تكاد تكون همسًا:

توقفي عن العبث بأشيائي… صحيح أنني مهووس بفان كوخ، لكن هوسي لا يعطيكِ الحق بلمس ما لا يُلمس، لا لكونك مرمّمة… ولا لكونك محبة للفن.

أمال رأسه قليلاً نحوها، وصوته صار أبطأ، كأن الكلمات تخرج من صدره لا فمه:

افهمي هذا… بعض الفوضى التي تظنينها جميلة… هي الشيء الوحيد الذي قد يجعل نهايتكِ محتومة..

صمت، لكنه لم يبتعد.. شيء ما في عينيه بدأ يتغيّر… تلك القسوة تتحول إلى تساؤل، وتلك المسافة المحسوبة بدأت تتلاشى رويدًا.

وليفيرا… لم تعد قادرة على معرفة ما إذا كانت خائفة منه… أم من نفسها...

_______________________________________

.

.

.

.

lansarimeriem/ _alowra_

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فايريكا الرقعة

المؤلف _Alowra_
2025/09/10 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة