بوابة الحلم

بوابة الحلم

24 0

 

إهداء

إلى محبي الخيال وإلى محبي الهروب من الواقع و الاختباء و صنع عالمكم الخاص هذه الرواية من اجلكم.

وقفت أمام الباب الخشبي المزخرف و أصابعي ترتجف قليلا قبل أن ألمس المقبض، كنت أعلم أنني إذا عبرت هذا الباب لن اعود كما كنت سابقا.

بمجرد أن لمست المقبض شعرت بدفء غريب يسري في جسدي وكأن الباب نفسه كان ينتظر قدومي. فتحته ببطء و وجدت نفسي أمام غابة لم أر مثلها من قبل.

كانت الأشجار طويلة لدرجة أنها كادت تلامس السماء، وأغصانها مغطاة بنباتات متسلقة و زهور مضيئة على الأرض، انتشرت أزهار التوليب بألوانها الزاهية الأحمر، الأصفر، البنفسجي و كأنها سجادة ملونة ترحب بي.

الرياح همست بهدوء في أذني و كأنها تقول "مرحبا بك".

ابتسمت للمرة الأولى منذ زمن طويل، شعرت كأنني في المكان الذي كنت أحلم به دائما.

فجأة ظهر أرنب صغير أمامي، نظر إلي بعيون كبيرة ولامعة و قال" أخيرا، لقد اتبعت الريح! ".

لم أفهم كيف يمكن للأرنب أن يتحدث، لكنني لم أشعر بالخوف كنت أعلم أن هذه الغابة  تحمل الكثير من الأسرار… و ربما الإجابات التي كنت أبحث عنها.

تقدمت ببطء نحو الأرنب، و سألت بصوت خافت" أين أنا؟ ".

الأرنب ابتسم و كأنه يعرف أكثر مما يقول" هذه هي غابة التوليب المكان الذي يأتي إليه الذين لا يجدون طريقهم إلى الواقع و الذي يشعرون بالإنتماء لعالم غير الذي يعيشون فيه.

أنت هنا لأن الريح اختارك".

شعرت بالارتباك لكن شيئا ما بدا وكأنه ينادي داخلي.

نظرت حولي ورأيت مسارا ضيقا بين الأشجار، مغطى بأوراق ذهبية صغيرة تتلألأ تحت ضوء الشمس.

"هل علي أن أتبع هذا المسار؟" سألت.

أومأ الأرنب برأسه "نعم لكن تذكري… الغابة ليست مجرد مكان، إنها انعكاس لقلبك، كل خطوة تخطوها ستظهر لك جزءا جديدا من حياتك".

بدأت أسير بحذر على المسار و الأرنب يسير بجانبي، كلما تقدمت كلما شعرت بأن الغابة تتغير حولي، الأشجار أصبحت أكثر إشراقا و الزهور بدأت تتفتح أمام عيني مباشرة، وكأنها تحيي قدومي.

بعد دقيقة، وصلت إلى بحيرة صغيرة في وسط الغابة. ماؤها كان شفافا كالكريستال وعندما نظرت إليه، رأيت انعكاس وجهي… لكنه لم يكن وجهي العادي، كان وجهي مليئا بالنور و السكينة، وكأنه يعكس النسخة الحقيقية مني. 

" من أنا؟ "سألت نفسي بصوت عال.

الأرنب نظر إلي و قال:" أنت الشخص الذي سيكتشف ذلك قريبا، لكن أولا عليك أن تجدي القلعة ".

" القلعة؟ ".

" نعم القلعة المزخرفة في أعماق الغابة، هناك ستجدين من يمكنه مساعدتك على فهم كل شيء".

شعرت بحماس غريب يملأني لأول مرة منذ فترة طويلة، شعرت بأنني على الطريق الصحيح.

"حسنا… سأتبعك".

الأرنب ابتسم مرة أخرى، ثم بدأ في الجري أمامي تبعته وأنا أشعر بأن الغابة نفسها تفتح لي أبوابها، و كأنها تدعوني لإكتشاف المزيد.

واصلت السير مع الأرنب، بينما تعمقت أكثر في الغابة.

كلما تقدمنا شعرت بأن الهواء أصبح أكثر نقاء و كأنه يحمل طاقة خاصة.

فجأة، توقف الأرنب وأشار إلى  شجيرة صغيرة أمامنا

وقال:" أنظري".

نظرت إلى الشجيرة و رأيت زهرة واحدة تنمو عليها.

كانت الزهرة بيضاء اللون، لكنها كانت تتوهج بلطف و كأنه ينبعث منها ضوء داخلي.

"ما هذه الزهرة؟" سألت.

"إنها زهرة التجديد، إقتربي منها."

اقتربت ببطء وعندما لمست بتلاتها الناعمة، شعرت بطاقة غريبة تسري في جسدي، فجأة بدأت أشعر بألم خفيف في ظهري.

"ماذا يحدث؟" صرخت.

الأرنب نظر إلي بهدوء: "لا تخافي، هذا جزء من رحلتك".

عندما نظرت خلفي رأيت  شيئا لا يصدق، زوج من الأجنحة المزخرفة ينمو ببطء من ظهري كانت الأجنحة ملونة بألوان الغابة: الأخضر، البنفسجي و الأزرق، و كانت مزينة بزخارف ذهبية تشبه تلك الموجودة على الباب.

" أجنحة؟ "قلت في دهشة.

قال الأرنب:" نعم، الأجنحة هي رمز لحريتك الجديدة، الآن يمكنك الطيران إلى أي مكان تريدينه ".

شعرت بسعادة غامرة لكنها كانت مختلطة بقلق، لكن… هل أستطيع استخدامها؟".

" جربي ذلك بنفسك ".

بدأت أرفرف بجناحي ببطء و شعرت بأنني أرتفع عن الأرض، كان الأمر غريبا في البداية لكن سرعان ما اعتدت عليه، كنت أطير عاليا فوق الغابة و أرى كل شيء من منظور جديد.

بعد أن هبطت على الأرض، شعرت بأنني ولدت من جديد، الأجنحة المزخرفة كانت جزءا مني الآن، و كأنها كانت تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتظهر.

" ما التالي؟ " سألت الأرنب بحماس.

الأرنب أومأ برأسه وأشار إلى المسار أمامنا. "حان الوقت للتوجه نحو القلعة، هناك ستجدين الأمير ريان و هو الوحيد الذي يمكنه مساعدتك على فهم سبب وجودك هنا".

بدأت السير مرة أخرى، لكن هذه المرة كنت أحلق قليلا فوق الأرض بإستخدام أجنحتي. كان الشعور بالطيران مذهلا و كأنني أحمل طاقة جديدة لم أشعر بها من قبل.

بينما كنا نسير ( أو بالأحرى بينما كنت أحلق) لاحظت شيئا غريبا، كلما تقدمنا، أصبحت الغابة أكثر إشراقا وحيوية. بدأت الأزهار تتفتح بشكل أسرع، و كأنها تحتفل قدومي.

استمرينا في السير حتى وصلنا إلى منطقة جديدة في الغابة، هنا كانت الأشجار أقل كثافة و السماوات أكثر اتساعا في المسافة البعيدة،رأيت مبنى ضخما يبدو كأنه ينبثق من الأرض.

" تلك هي القلعة! " قال الأرنب بإثارة.

نظرت بدهشة القلعة كانت مذهلة بكل معنى الكلمة، كانت مبنية من حجر أبيض مشرق و مزينة بزخارف ذهبية معقدة، أبراجها العالية كانت تلامس السماء، و في كل برج كان هناك علم صغير يرفرف في الهواء. و كأنه يعلن عن مكان خاص و سحري.

نظر إلي الأرنب و قال: " الأجنحة ستكون مفتاحك، حان الوقت لاختبار قدراتك الجديدة ".

شعرت بقليل من التوتر، لكنني كنت متحمسة أيضا. بدأت أرفرف بجناحي بقوة أكبر و ارتفعت عاليا في السماء.

الغابة بأكملها كانت تبدو كلوحة فنية من هذا الإرتفاع.

عندما اقتربت من القلعة. لاحظت شيئا غريبا: البوابة الرئيسية للقلعة كانت مغلقة، لكنها كانت محاطة بـ نباتات متسلقة و متوهجة.

فجأة، سمعت صوتا عميقا وهادئا يأتي من البوابة:" على من تبحثين؟ ".

" أنا… أنا أبحث عن الأمير ريان "، أجبت بصوت متردد.

بعد لحظة صمت بدأت البوابة تفتح ببطء، وكأنها ترحب بي دخلت القلعة و أدركت أن رحلتي الحقيقية قد بدأت للتو.

داخل القلعة كان الجو مختلفا تماما عن الغابة.

الجدران البيضاء المزخرفة كانت تعكس ضوء الشمس القادم من النوافذ الكبيرة، مما يعطي المكان إحساسا بالهدوء و السكينة.

بينما كنت أمشي عبر القاعة الرئيسية، لاحظت أن القلعة كانت مليئة بالتفاصيل الدقيقة، الزخارف الذهبية على الجدران كانت تتحرك ببطء وكأنها تحكي قصة قديمة.

فجأة، ظهر شخص أمامي كان رجلا طويلا يرتدي ملابس بيضاء و ذهبية، عيناه كانتا مليئتين بالحكمة و الهدوء.

" مرحبا بك في قلعتي " قال بصوت هادئ لكنه قوي.

"هل أنت الأمير؟" سألت.

أومأ برأسه: " نعم أنا الأمير، و أنت هنا لأن الريح اختارتك"

شعرت بالارتباك: "ماذا تقصد؟".

" الريح لا تختار الجميع، إنها تأتي فقط لأولئك الذين يحملون قوة داخلية كبيرة و لكنهم لا يعرفون كيف يستخدمونها، أنت واحدة منهم.

أولا أخبريني باسمك أيتها الأميرة:" إسمي… إسمي لياندرا".

نظرت إليه بفضول: " و لكن لماذا أنا؟ ماذا علي أن أفعل؟ ".

الأمير ابتسم:" هذا ما سنكتشفه معا، لكن أولا عليك أن تفهمي أن الحرية ليست فقط في الطيران أو الهروب من الواقع، الحرية هي في  كيفية بناء عالمك الخاص بالحب والسلام ".

كلماته كانت عميقة، لكنني شعرت بأنني أحتاج إلى وقت لفهمها بالكامل.

" سأريك القلعة " قال الأمير " ثم سنتحدث أكثر عن مهمتك هنا ".

تبعته عبر القاعات الضخمة، حيث كان كل ركن من القلعة يحمل قصة أو سرا، في النهاية وصلنا إلى برج عالي حيث كانت هناك شرفة تطل على الغابة بأكملها.

" هذه هي نقطة البداية " قال الأمير " من هنا يمكنك رؤية كل شيء لكن تذكري… الرحلة الحقيقية هي داخل نفسك ".

نظرت إلى الغابة من الشرفة، و شعرت بأنني على وشك اكتشاف شيء كبير.

وقفت على الشرفة بجانب الأمير، أتأمل الغابة الممتدة أمامنا كان المشهد مذهلا: الأشجار خضراء، الزهور ملونة و أجنحة الخيول المجنحة التي كانت تحلق في السماء البعيدة.

" لماذا اختارتني الريح؟ " سألت بعد فترة صمت طويلة.

الأمير نظر إلي بتمعن و كأنه يحاول قراءة ما بداخلي. "الريح لا تختار عشوائيا، إنها تأتي لأولئك الذين فقدوا طريقهم في الحياة الواقعية، لكنهم ما زالوا يحملون شعلة الأمل في قلوبهم".

شعرت بأن كلماته تخترق داخلي، كنت دائما أشعر بالضياع في حياتي السابقة و كأنني لا أنتمي إلى أي مكان.

لكن هنا… في هذه القلعة بدأت أشعر بأنني قد أجد شيئا حقيقيا

" هل سأبقى هنا؟ " سألت بتردد.

الأمير ابتسم برفق: " هذا يعتمد عليك، يمكنك اختيار البقاء إذا شعرت بأن هذا هو المكان الذي ينتمي إليه قلبك ".

نظرت إليه و لفت انتباهي كيف كانت عيناه تعكسان حكمة عميقة و لطفا غير محدود، شعرت بأمان غريب بجانبه، وكأنه يعرف كل شيء عني دون أن أقول كلمة.

" كيف يمكنني أعرف؟ " سألت بصوت خافت.

وضع يده بلطف على كتفي: " اسمعي قلبك، عندما تجدين السلام الحقيقي، ستعرفين أنك وجدتي مكانك".

شعرت بدفء غريب يسري في جسدي عند لمسه، لم تكن مجرد لمسة عادية، بل كانت تحمل طاقة خاصة و كأنها تخبرني أنني لست وحدي في هذه الرحلة.

بينما كنا نقف هناك بدأ الليل يحل ببطء، النجوم بدأت تظهر في السماء و كأنها تراقبنا. إلتفت إلي ريان و قال: " هل تعرفين لماذا النجوم تلمع؟ ".

قال:"  لأنها تحمل أحلام أولئك الذين يؤمنون بها، أنت مثل هذه النجوم…. تحملين أحلاما تحتاج إلى أن تضيئي لها ".

شعرت بقلبي ينبض بسرعة لم أكن أعرف كيف أصف هذا الشعور، لكنني شعرت بأن شيئا ما يتغير بداخلي.

" شكرا لك… " قلت بصوت متردد.

" لا حاجة للشكر أنا هنا لأنني أؤمن بك ".

في تلك اللحظة شعرت بأن شيئا عميقا يربطنا، لم يكن حبا تقليديا، بل كان شعورا بالأمان و التفاهم و كأنه يعرف كل خوف بداخلي و كل حلم أسعى لتحقيقه.

في صباح اليوم التالي استيقظت وأنا أشعر بشيء جديد بداخلي، و كأنني بدأت أدرك أن العالم الذي كنت أبحث عنه موجود الآن بين يدي.

الأمير كان ينتظرني في القاعة الرئيسية: " هل أنت مستعدة  لرؤية المدنية الطيبة؟ " سألني.

" المدنية الطيبة؟ ".

" نعم، المدنية التي تقع خلف الغابة، هناك ستجدين الناس الذين يعيشون في سلام و حب، ربما سيساعدوك على فهم المزيد عن نفسك ".

" لنذهب" قلت بإبتسامة.

باستخدام أجنحتي حلقت فوق الغابة برفقة الأمير، مان الطيران معه تجربة مذهلة، شعرت بأنني جزء من السماء و كأنني ولدت لأحلق.

بعد دقائق قليلة، ظهرت المدينة الطيبة أمامنا. كانت مليئة بالمنازل الصغيرة الملونة، والشوارع المرصوفة بالزهور. الناس كانوا يمشون بابتسامات واسعة، وكأنهم لا يعرفون الألم أو الحزن.

"هذه هي مدينة الأحلام...." قال الأمير.

نزلنا في ساحة المدينة، حيث كان الناس يرحبون بنا بحرارة.

"مرحبا بكما!" قال أحدهم." نحن سعداء بوجود كما هنا".

شعرت بأنني في مكان يشبه الجنة. الناس كانوا طيبين ومضيافين، وكأنهم يعرفونني منذ زمن طويل.

"هل يمكننا البقاء هنا؟" سألت الأمير.

ابتسم وقال: "هذا يعتمد عليك. لكن تذكري... الحب الحقيقي ليس في البقاء في مكان، بل في كيفية بناء عالمك الخاص".

نظرت حولي، وشعرت بأنني بدأت أفهم شيئا مهما: الحرية ليست فقط في الهروب، بل في كيفية إيجاد السلام داخل نفسك.

بينما كنت أتجول في شوارع المدينة الطيبة، شعرت بأنني أعيش في حلم المنازل الصغيرة كانت مبنية من أحجار بيضاء وزجاج ملون، وكأنها تتلألأ تحت ضوء الشمس. الزهور الملونة كانت تزين كل زاوية، والناس كانوا يتبادلون الابتسامات والمحادثات الودية.

" هل يمكن أن يكون هذا حقيقيا ؟" سألت الأمير بدهشة.

ابتسم وقال: "كل شيء هنا حقيقي، لكنه أيضًا انعكاس لقلوب الناس عندما يعيشون في سلام وحب، يصبح العالم من حولهم جميلا".

بينما كنا نسير توقفنا أمام منزل صغير مميز كان مزخرفا بزخارف ذهبية، وعلى بابه كان هناك نقش لطائر العنقاء.

" من يعيش هنا؟" سألت.

هذا منزل الحكيمة، قال الأمير هي الشخص الذي يمكنه مساعدتك على فهم المزيد عن نفسك.

قبل أن أسأل المزيد، فتح الباب، وظهرت امرأة عجوز ترتدي ثوبًا أزرق طويلا عيناها كانتا مليئتين بالحكمة وكأنها تستطيع قراءة كل شيء بداخلي.

"مرحبا بك يا طفلة الريح" قالت بصوت هادئ ولكنه قوي.

"كيف تعرفينني؟" سألت بدهشة.

ابتسمت الحكيمة:" الريح نفسها أخبرتني بقدومك. أنت تحملين قوة داخلية كبيرة، لكنك ما زلت تخافين من استخدامها".

شعرت بالارتباك. "لكن... كيف يمكنني أن أثق بنفسي؟".

" الثقة ليست شيئا يأتي دفعة واحدة. إنها تأتي مع كل خطوة تخطيها نحو حلمك".

جلست مع الحكيمة لساعات، حيث بدأت تحكي لي عن تاريخ المدينة وأسرارها. أخبرتني أن المدينة لم تكن دائما مليئة بالسلام في الماضي، كانت مليئة بالصراعات والكراهية، لكن الناس قرروا التغيير عندما أدركوا أن الحب هو الحل الوحيد.

"نحن جميعا نحمل ظلالاً داخلية، قالت الحكيمة. لكن عندما نواجهها، نستطيع أن نخلق النور".

كلماتها كانت عميقة، وشعرت بأنني بدأت أفهم شيئا جديدًا عن نفسي.

" ماذا علي أن أفعل الآن؟" سألث.

الحكيمة نظرت إلي وقالت:" عليك أن تعودي إلى الغابة. هناك ستجدين الإجابة الأخيرة".

شعرت بالقلق." لماذا يجب أن أعود؟ أليست المدينة مكانًا آمنا؟ ".

" الأمان الحقيقي ليس في الهروب، بل في مواجهة مخاوفك".

نظرت إلى الأمير، الذي أوماً برأسه موافقا. " رحلتك لم تنته بعد".

رغم خوفي، شعرت بأنني مستعدة للمتابعة…

عدت إلى الغابة مع الأمير، لكن الجو كان مختلفا هذه المرة. الأشجار التي كانت مضيئة بالألوان أصبحت أكثر قتامة، وكأن الغابة نفسها كانت تعكس مخاوفي الداخلية.

"لماذا تتغير الغابة ؟ "، سألت بقلق.

" الغابة هي مرآة لقلبك قال الأمير. عندما تواجهين مخاوفك، ستبدأ الغابة في استعادة إشراقها".

بينما كنا نسير، بدأت أسمع أصواتا غريبة. كانت مثل همسات تقول: "لن تنجحي ... لن تجدي السلام".

شعرت بالخوف يتسلل إلى قلبي." ما هذا ؟".

"هذا هو صوتك الداخلي"، قال الأمير." لكن تذكري ..... الظلام لا يستطيع أن يغلب النور"

فجأة، ظهر أمامنا كائن غريب. كان يشبه الظل، بلا شكل واضح، وكان يتحرك ببطء نحونا.

"هذا هو الخوف"، قال الأمير:" عليك أن تواجهيه بنفسك".

شعرت برجفة في جسدي، لكنني تذكرت كلمات الحكيمة: "الثقة ليست شيئا يأتي دفعة واحدة".

أغمضت عيني وبدأت أتنفس بعمق. تخيلت النور يتدفق من داخلي، وفجأة شعرت بطاقة تسري في جسدي.

عندما فتحت عيني، رأيت الظل يتلاشى ببطء، وكأنه يذوب في الهواء.

" لقد فعلتها !" قال الأمير بابتسامة.

شعرت بقوة جديدة بداخلي. الغابة بدأت تعود إلى إشراقها، والألوان عادت لتزين الأشجار.

"ماذا حدث ؟ "سألت.

" واجهت مخاوفك"، قال الأمير. "وهذه هو أول خطوة نحو الحرية الحقيقية".

بعد أن تغلبت على الظلال، بدأت الغابة تعود إلى إشراقها الكامل. الأشجار كانت تتوهج مرة أخرى، والطيور بدأت تغني بأصوات جميلة.

"ماذا الآن؟ "سألت الأمير.

ابتسم وقال:" حان الوقت لتفهمي الحب الحقيقي".

"الحب الحقيقي ؟".

" نعم. الحب ليس فقط في المشاعر، بل في كيفية قبولك للآخرين كما هم، وقبولك لنفسك كما أنت".

بينما كنا نسير، وصلنا إلى منطقة جديدة في الغابة. هناك رأيت بحيرة صغيرة محاطة بالورد. في وسط البحيرة كان هناك جسر صغير يؤدي إلى جزيرة صغيرة.

"هناك"، قال الأمير.

عبرت الجسر ببطء، وعندما وصلت إلى الجزيرة، رأيت شيئا غريبا مرآة كبيرة موضوعة في وسط الجزيرة.

" أنظري إلى المرآة"، قال الأمير.

نظرت إلى المرآة، ورأيت انعكاسا مختلفًا لنفسي. لم يكن وجهي العادي، بل كان وجهي مليئا بالنور والسكينة.

"هذا أنا الحقيقي.... قلت بدهشة".

" نعم"، قال الأمير." هذا هو الشخص الذي كنت تخافين أن تكوني".

شعرت بدمعة تسيل على خدي." شكرا لك....".

الأمير ابتسم وقال :" ليس عليك أن تشكريني. لقد فعلت ذلك بنفسك".

في تلك اللحظة، شعرت بأنني أحبه بطريقة مختلفة. لم يكن حبا تقليديا، بل كان حبًا عميقًا مبنيا على التفاهم والدعم.

"هل سنبقى معا؟" سألت.

"هذا يعتمد عليك. لكن تذكري... الحب الحقيقي ليس في البقاء في مكان بل في كيفية بناء عالمك الخاص".

نظرت إلى الغابة، ثم إلى الأمير، وشعرت بأنني وجدت حريتي الحقيقية.

بينما كنت اقف على الجزيرة الصغيرة، شعرت بانني في لحظة تحول كبيرة. المرآة لم تكن مجرد انعكاس لنفسي بل كانت بوابة لفهم أعماقي.

" ماذا يعني الحب الحقيقي بالنسبة لك؟" سأل الأمير بصوت هادئ.

توقفت للحظة لأفكر." أعتقد أن الحب الحقيقي هو عندما تتقبل شخصا ما كما هو دون محاولة تغييره. وهو أيضًا عندما تتقبلين نفسك كما أنت".

ابتسم الأمير وكأنه يعرف أنني بدأت أدرك شيئا مهما.

"بالضبط. الحب ليس فقط في المشاعر، بل في القبول والتفاهم."

نظرت إليه وشعرت بارتباط عميق يربطنا. لم يكن هذا الارتباط مجرد إعجاب أو رغبة، بل كان شعورًا بالأمان والدعم المتبادل.

كلماته كانت عميقة، وجعلتني أفكر في كل ما مررت به منذ دخولي الغابة. بدأت أدرك أن الحرية ليست في الهروب من الواقع، بل في كيفية التعامل معه.

"سأبقى إذا كنت تشعرين بأن هذا هو المكان الذي ينتمي إليه قلبك" قال الأمير." لكن إذا كنت ترغبين في استكشاف المزيد، فأنا هنا لدعمك".

شعرت بقوة جديدة بداخلي. لم أعد خائفة من الاختيار، لأنني بدأت أفهم أن كل خطوة أخطوها هي جزء من رحلتي.

"في صباح اليوم التالي استيقظت وأنا أسمع أصوات طيور غريبة تغني في الغابة. كانت ألوانها زاهية ومشرقة وكأنها تحمل رسالة خاصة لي.

" من هي هذه الطيور؟ "سألت الأمير.

" هذه هي طيور الأسرار"، قال:" كل طائر يحمل قصة شخص يحتاج إلى المساعدة. إذا استمعت إليهم، قد تجدين شيئًا مهما".

اقتربت من أحد الطيور، وكان لونه أزرق لامع. بدأ يغني بصوت هادئ، وكأنه يروي قصة.

"ما الذي يقوله؟" سألت.

"يقول إن هناك شخصا في المدينة الطيبة يحتاج إلى مساعدتك."

شعرت بالفضول. "هل يجب أن نعود إلى المدينة؟".

الأمير أوماً برأسه." نعم، ربما تكون هذه هي الخطوة التالية في رحلتك".

باستخدام أجنحتي حلقت فوق الغابة برفقة الأمير. عندما وصلنا إلى المدينة الطيبة، لاحظت أن الجو كان مختلفا هذه المرة. الناس كانوا أقل ابتساما، وكأن شيئا ما يقلقهم.

"ما الذي يحدث هنا؟" سألت.

"هناك ظل بدأ يغطي المدينة،" قال الأمير: "وأنت الشخص الوحيد الذي يمكنه مواجهته".

شعرت بالخوف، لكنني تذكرت أنني واجهت مخاوفي في الغابة. سأفعل ما بوسعي.

توجهنا إلى منزل الحكيمة، حيث كانت تنتظرنا بابتسامة حزينة.

" مرحبا بك مرة أخرى، يا طفلة الريح"، قالت: "حان الوقت لمواجهة التحدي الأخير'.

" ما هو هذا التحدي؟".

"عليك أن تواجهي الظلام الذي يغطي المدينة. إنه انعكاس لظلال الناس الداخلية"

شعرت بالمسؤولية تضغط على كتفي، لكنني كنت مستعدة للمتابعة…

قادتنا الحكيمة إلى مركز المدينة، حيث كان هناك تمثال كبير لطائر العنقاء. التمثال كان مغطى بظل غامق، وكأنه يمنع النور من الوصول إلى المدينة.

"هذا هو مصدر الظلام"، قالت الحكيمة." لكن لا يمكنك مواجهته بمفردك. عليك أن تجمعين الناس لمساعدتك".

نظرت حولي، ورأيت أن الناس كانوا يقفون بعيدًا، خائفين من الاقتراب.

"كيف يمكنني أن أجمعهم؟" سألت.

الحكيمة نظرت إلي وقالت: "استخدمي قوة الحب. عندما يؤمن الناس ببعضهم البعض، يمكنهم التغلب على أي ظلام".

بدأت أتحدث مع الناس، وأخبرتهم عن رحلتي وكيف واجهت مخاوفي شيئاً فشيئاً، بدأ الناس يتجمعون حولي، وكأنهم يجدون الأمان في كلماتي.

" نحن معك ! "قال أحدهم.

شعرت بطاقة جديدة تسري في جسدي. عندما اجتمع الجميع حول التمثال، بدأت أشعر بأن النور يتدفق من داخلي.

" جميعًا، علينا أن نؤمن بالحب! "، صرخت بصوت عال.

فجأة، بدأت الأشعة الذهبية تنبعث من التمثال، وتبدد الظلام المحيط به المدينة عادت إلى إشراقها الكامل والناس بدأوا يغنون ويضحكون مرة أخرى.

شعرت بأنني حققت شيئًا كبيرًا، ليس فقط لنفسي، بل للجميع.

بعد أن تغلبت على الظلام الذي غطى المدينة الطيبة، شعرت بأنني أخيرًا بدأت أفهم معنى القوة الحقيقية.

لكنني كنت أشعر أيضًا بأن هناك شيئا ما لا يزال مفقودا.

الأمير كان بجانبي دائمًا، يدعم ويوجه، لكنه لم يكن يتحدث كثيرًا عن نفسه. بدأ فضولي ينمو حوله.

"لماذا أنت هنا ؟" سألته ذات مساء بينما كنا نجلس على إحدى تلال الغابة المطلة على المدينة ابتسم الأمير بغموض وقال: "أنا هنا لأنني أؤمن بك.

" لكن لماذا ؟".

نظر إلى السماء مليئا بالنجوم وقال:" كل شخص لديه دور في هذه الحياة دوري هو مساعدة أولئك الذين اختارتهم الريح لإحداث تغيير حقيقي".

شعرت بأنني أريد أن أعرف المزيد عنه، لكنه كان دائما يتجنب الحديث عن نفسه.

"هل لديك أي فكرة عن مدى قوتك ؟" سألني فجأة.

هززت رأسي." لا أعتقد أنني قوية كما تظن".

وضع يده بلطف على كتفي:" أنت أقوى مما تظنين. لكن عليك أن تواجهي التحدي الأخير لتكتشفي ذلك".

شعرت بالقلق. "ما هو هذا التحدي ؟".

ابتسم بحزن" عليك أن تختاري ... بين البقاء هنا معي، أو العودة إلى عالمك الحقيقي"،

شعرت وكأن الأرض انهارت تحتي. "ماذا تعني ؟".

الغابة والمدينة ليستا مجرد أماكن. إنهما جزء من رحلتك الداخلية. إذا اخترت البقاء هنا فستعيشين في هذا العالم الخيالي للأبد. وإذا اخترت العودة، فستحملين معك كل ما تعلمتيه هنا.

شعرت بالدموع تملأ عيني." لكن... كيف يمكنني أن أختار؟"

هذا هو التحدي الأكبر، قال بصوت هادئ." وعليك أن تواجهيه بمفردك "

بعد تلك الليلة، بدأت المسافة بيني وبين الأمير تتوسع.

كان يتجنبني، وكأنه يريد أن يترك لي مساحة للتفكير. لكنني شعرت بالوحدة أكثر من أي وقت مضى.

قضيت الأيام التالية أفكر في اختياره الصعب." هل أريد البقاء في هذا العالم السحري مع الأمير؟ أم أريد العودة إلى عالمي  الحقيقي، حيث كنت أشعر بالقيود والخوف؟".

في أحد الأيام، قررت أن أعود إلى الغابة لأجد إجابة. بينما كنت أسير بين الأشجار، سمعت صوتا غريبا يأتي من بعيد.

"من هناك؟" سألت بصوت مرتجف.

ظهر أمامي كائن غامض، يشبه الظل، لكنه كان أكبر وأكثر قوة من الظلال التي واجهتها سابقا.

"أنا هنا لأختبرك،" قال الكائن بصوت عميق.

شعرت بالخوف يتسلل إلى قلبي." اختباري ؟ لماذا ؟".

"لأنك قريبة من النهاية. عليك أن تثبت أنك تستحقين هذا العالم".

بدأت أتنفس بعمق، وتذكرت كل ما مررت به مواجهة مخاوفي مساعدة الناس في المدينة، واكتشاف قوتي الداخلية.

" لن أخاف منك "قلت بصوت عال.

فجأة، شعرت بطاقة تسري في جسدي. الأجنحة المزخرفة على ظهري بدأت تتوهج، وكأنها تحمل كل قوتي الداخلية.

عندما امتدت يدي نحو الكائن شعرت بنور يشع من  داخلي. الظل بدأ يتلاشى ببطء، وكأنه لا يستطيع مقاومة النور.

بعد أن تغلبت على الكائن الغامض، شعرت بأنني أصبحت مختلفة. لم أعد تلك الفتاة الخجولة التي دخلت الغابة لأول مرة. كنت الآن أقوى وأكثر ثقة.

عدت إلى المدينة الطيبة، حيث كان الأمير ينتظرني.

عندما رآني، ابتسم بفرح واضح.

"لقد فعلتها ...." قال بصوت هادئ.

"نعم، لقد واجهت مخاوفي مرة أخرى".

نظر إلي بعمق وقال:" لكن الاختيار الأصعب لا يزال أمامك".

شعرت بالدموع تملأ عيني. "كيف يمكنني أن أختار؟"

وضع يده على كتفي." اختيارك ليس فقط عن المكان الذي ستعيشين فيه. إنه عن الشخص الذي تريدين أن تكوني".

توقفت للحظة لأفكر. بدأت أدرك أن الأمير كان أكثر من مجرد مرشد كان الشخص الذي جعلني أؤمن بنفسي وأكتشف قوتي.

"لقد علمتني الكثير …" قلت بصوت خافت.

ابتسم وقال:" وأنت علمتني معنى الحب الحقيقي".

في تلك اللحظة، شعرت بأنني أدركت شيئا مهما. لم يكن الحب مجرد مشاعر، بل كان قبولا ودعمًا متبادلا.

"أعتقد أنني أعرف ما يجب أن أفعله ..." قلت..

بعد أيام من التفكير العميق، قررت أخيرًا أنني لا أستطيع العودة إلى عالمي الحقيقي. كنت قد وجدت نفسي هنا في هذا العالم الخيالي، مع الأمير الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من حياتي.

"اخترت البقاء …" قلت للأمير بصوت هادئ لكنه مليء بالثقة.

ابتسم بفرح واضح وقال:" هل أنت متأكدة؟".

"نعم. لقد وجدت حريتي هنا ... وجدت الحب الحقيقي".

في تلك اللحظة، شعرت بأن شيئًا عميقا يتغير بداخلي. لم أكن مجرد الفتاة التي دخلت الغابة خائفة ومترددة. كنت الآن شخصًا جديدًا، قويًا، ومستعدا لمواجهة أي شيء.

" إذن هناك شيء يجب أن نفعله... "قال الأمير.

" ماذا تقصد؟".

ابتسم وقال: "حان الوقت لنكون معا... إلى الأبد".

فجأة جثى على قدميه وأخرج خاتما مزخرفا كان في وسطه

ألماسة كانت باللون البنفسجي، لقد علم أنه لوني المفضل.

قال ريان:" هل تقبلين الزواج بي يا عزيزتي؟ ".

أجبت بصوت هادئ:" بكل سرور يا سمو الأمير".

من شدة الفرح و السعادة حملني الأمير وبدأ يدور بي في وسط أزهار التوليب.

عندما ذهبنا إلى القلعة قال الأمير: " أريد نكون معا في أسرع وقت لهذا سيكون زفافنا غدا. "

عندما استيقظت في اليوم التالي، وجدت فستان زفاف أبيض طويل مع كعب و تاج مزخرف بالألماس،لقد كان من صنع الأمير إنه ماهر حقا، عندما دخل إلى الغرفة  كان يرتدي طقما أبيضا جميلا.

  أقيمت مراسم الزواج في المدينة الطيبة. الجميع كانوا سعداء، وكأنهم يحتفلون ليس فقط بزواجنا بل بنجاح رحلتي الداخلية.

عندما تلاشى صدى الاحتفال، شعرت بأنني بدأت فصلا جديدًا من حياتي.

عندما دخلت إلى الغرفة طلب مني ريان أن أجلس: " لقد أحببتك في لحظة دخولك لمملكتي، لقد شعرت بالحب من أول نظرة ".

بعد مرور سنة على زفافنا، في الأحد الأيام عندما كنت مع ريان في غابة التوليب أغمي علي.

عندما استيقظت وجدت نفسي في سريري و ريان و إلينور بجانبي، قال ريان و هو يمسك بيدي: " حمدا لله على سلامتك يا عزيزتي ".

أجبت بصوت هادئ:" ماذا حدث لي؟ ".

أجاب ريان:" سيصبح لدينا فرد جديد في العائلة".

صمتت قليلا ثم بدأت الدموع تنهمر من عيوني و قلت: " لقد حلمت بهذه اللحظة منذ زمن طويل، والآن تحققت أحلامي".

بعد مرور ثلاثة أشهر على حملي، كنت أعاني من وحام صعب جدا، و لكن وجود ريان بجانبي كان يشعرني بالارتياح.

في إحدى الليالي الماطرة، جلست مع ريان على الشرفة و كنا نخطط لحياتنا مع طفلنا.

فجأة نهض وأحضر كمانا و بدأ يعزف لحنا هادئا، "لقد كنت أحب سماع هذا اللحن قبل دخولي إلى هذا العالم" قلت بصوت متردد.

أجاب ريان بابتسامة: " إذا سأعزفه كل ليلة حتى لا تشعري بالحسرة ".

هززت رأسي و أنا مبتسمة، بعدها أكمل العزف و لم يتوقف حتى دخلت خادمتي إلينور.

" مولاي، اعتذر منكم عن المقاطعة و لكن قائد الجيش ديميتريوس يريد مقابلتك، قال أن الأمر طارئ".

بعدما دخل قائد الجيش استأذنت جلالته، لكنه قال: أنت ملكة هذه المملكة، و يجب أن تكوني على علم بكل صغيرة

وكبيرة هنا، إلا في حال رفضتي ".

" كما تريد يا مولاي " بعدها أشار إلي لكي أجلس.

بدأ القائد ديميتريوس بالتحدث: " مولاي ابنتي سيفاندرا تريد تأسيس جيش خاص وسري ، لقد سمعنا بأن مملكة إلدوريا تجمع جيشها، إنها بالخارج  تنتظر أوامر جلالتكم ".



" أين تقع هذه المملكة يا مولاي ومن يقودها؟ "سألت.

" لقد توفي حاكم هذه المملكة منذ زمن طويل، لديه ابنة واحدة فقط اسمها فاساريس، لقد أتممت 18 منذ مدة وأصبحت الحاكمة لإلدوريا، منذ وفاة والدها كانت المملكة تحت حكم الوزير، سنتكلم عنها لاحقا ". قال بصوت لا يفسر.

بعدها أمر بدخول سيفاندرا، كانت فتاة تبدو في مقتبل العمر كان شعرها ذهبي طويل، عيونها زرقاء كانت ترتدي لباس الحرب، لكن بلمسة خاصة.

انحنت بلباقة ثم قالت" جلالة الملك والملكة، أنا سيفاندرا إبنة القائد ديميتريوس أتيت لأخذ إذنكم من أجل تأسيس الجيش يا مولاي، لابد أن والدي قد أخبر جلالتكم ". 

قال جلالة الملك:" سيقام اجتماع بعد أسبوع، سيحضر جميع القادة إضافة إلى ذلك قوموا بإرسال مكاتيب لجميع حلفاؤنا من الممالك حينها ساعلمكم بقراري النهائي ".

" تحت امرك يا مولاي ". بعدها أمرهم ريان بالانصراف.

بعدما انصرف الجميع طلب مني ريان أن أتركه لوحده.

انحنيت وخرجت دون أن أنطق بحرف واحد، وجدت إلينور تنتظرني عند الباب.

ذهبنا إلى شرفة غرفتي و جلست بجانبي:" هل أنت بخير يا مولاتي تبدين قلقة؟ ".

لا أدري يا إلينور، لقد بدا لي الأمير منزعجا عندما تكلمنا عن مملكة إلدوريا، حاولت التهرب بنظراتها:" هل هناك ما تخفينه عني يا إلينور؟ " سألت بغضب واضح.

" لقد كان للملك الراحل أميرتين يا مولاتي، الأميرة فاساريس والأميرة أمارا، لكن ما حدث لم يكن متوقعا البتة.

" لقد أحب الملك ثيودريك ( والد ريان) إبنة حاكم إلدوريا الأميرة أمارا و هربت معه، ومنذ تلك اللحظة نشبت حرب بين المملكتين، لأنه تم اعتبارها خائنة و حاولت عشيرتها قتلها و نجحت في ذلك مع الأسف ".

" لكن…. كيف حدث هذا؟ ". سألت و أنا أنتظر الإجابة.

" لقد كانت مملكة إلدوريا مقسمة إلى مجموعة من العشائر، و كانت عشيرة الملكة أمارا مكونة من السحرة و مصاصي الدماء، عندما هربت إلى هنا أحضر الملك ثيودريك عرافة مشهورة قامت بحفظ جلالة الملكة بتعويذة ".

" لكن عند ولادة سمو الأمير ريان إختفت التعويذة أو بالأحرى انتقلت لحماية جلالة الملك وهذا كان أمرا من الملكة بحد ذاتها ".

" كل ما قلته مفهوم إلا موت الملكة أمارا، كيف حدث هذا؟ ".

" ستفهمين الآن مولاتي، لقد أرسل الملك نيثروك جاسوسة و كانت تحت خدمة الملكة أمارا إلى هنا و كشفت مكان الملكة وتم قتلها بطعنها في قلبها بخنجر والدها و هذا لأنها انشقت عن عشيرتها". 

" و يوم غد هو ذكرى وفاتها… لهذا الملك ريان حزين، إنه يقيم حدادا كل سنة على وفاة والدته ".

" إنه أمر محزن حقا، لم اكن اعرف بمعاناة جلالته ".

طلبت منها أن تجمع معلومات عن العرافة التي قامت بحفظ الملكة أمارا بالتعويذة، لكن قبل خروجها سألتها:" من أين تعرفين كل هذه المعلومات؟ ".

فجأة شحب لونها و بدأت ترتجف و قالت بتردد:" أ.. نا… أنا إبنة عمة الملك ريان ".

صراحة لم أستغرب كثيرا، لأنني لاحظت تقربها من ريان و كانت تشبهه.

بعدما أكملت حديثها خرجت إلينور و ذهبت إلى سريري و لكن لم أستطع النوم و بدأت أحدق في سقف الغرفة، لكن من شدة التفكير و تعب الحمل نمت.

في الصباح الباكر إستيقظت على صوت يأتي من شرفتي إنه عزف ريان الحزين.

إرتديت فستانا أسودا يحتوي على الورد الابيض الصغير و تاجا أسودا ( هذه من عادات مملكة لورينفال) توجهت إلى ريان الذي إندهش عندما رأى الفستان الأسود.

"كيف كيف… كيف علمتي؟ ".

أجبت بصوت حزين:" إستخدمت قدراتي الخاصة ".

لم أشعر حتى وجدت ريان يحضنني و شعرت بدموع حارة تنزل على كتفي، كان يبكي بشهقات مكتومة.

نهضت و أغلقت باب غرفتي بالمفتاح حتى لا يدخل أحد.

" أنا هنا بجانبك، يمكنك أن تكون على راحتك ".

إنهار ريان بالبكاء و كانت دموعه تنزل من عينيه مثل الشلال:" لم… لم يسمحوا لها أن تكون بجانبي في أصعب أيامي…. لقد حرموني من والدتي في سن صغيرة ".

لم أنطق بحرف واحد، بعدها أشار إلي لكي أجلس على الأرجوحة، بعدما جلست وضع راسه فوق ركبتي  و أمسك يدي:" لقد قتلوا أمي لإعتقادهم أنها قامت بالخيانة و لكن… هي لم تخن… هي اتبعت قلبها الذي أحب وهل الحب جريمة؟ ".

لم أتكلم أبدا لكن دموعي سبقتني، لقد تذكرت أهلي بالرغم من ان علاقتنا لم تكن جيدة إلا قصة حب والداي كان يضرب بها المثل في جميع عائلتنا.

حاولت كتم شهقاتي و لكن كانت تخنقني، فجأة شعرت بأنني أختنق نهض ريان مسرعا و رأى دموعي تنهمر:" إذا كتمتها ستخنقك مدى الحياة ".

أنا أعتذر لم أستطع التحكم بها، إنها هرمونات الحمل.

" لا داعي للإعتذار… نحن هنا لمساندة بعضنا البعض ".

بعد مرور فترة قصيرة:" تجهزي سنذهب لمكان خاص" قال بصوت هادئ مليئ بالحزن و القهر

لم أسئله حاولت تركه على راحته، سيتكلم عندما يجد نفسه مستعدا.

غيرت فستان الورد الأبيض إلى فستان أسود تماما، أضفت تاجا أسود و أضفت شالا أسود يحتوي على الدانتيل الأسود و حذاء كعب قصير.( إنها عادات مملكة لورينفال في الحداد).

عندما خرجت من غرفتي، وجدت ريان نازلا على الدرج، كان يرتدي بذلة سوداء مع معطف أسود طويل كان يوجد في إصبعه خاتم مملكة لوريفال، لأول مرة منذ قدومي أراه مكتئبا هكذا.

أمسك بيدي و أكملنا النزول، كان الخدم يرتدون ملابس سوداء ، استأذنت من ريان و توجهت إلى المطبخ الملكي

قلت للطاهي الخاص" أريد منك أن تصنع العصير و اللقيمات، عندما تنتهي وزعها على جميع أنحاء المملكة وجميع المدن المجاورة لنا، إنها على روح الملكة الراحلة".

" أمرك جلالة الملكة ".

وجدت ريان واقفاً في الرواق، يمسك يدي بقوة كأنها حبل النجاة الأخير عند البوابة، كان الحصانان الأبيضان ينتظران شعرهما الرمادي الناعم يتمايل تحت وطأة الريح، والفراشة السوداء على عرونهما کختم حداد على قلبين نازفين.

" امتطي حصانك ".قال بصوت أجش كحفيف الأوراق الميتة. 

ركبت في صمت بينما كانت عصافير الشجر تندب الملكة الراحلة بلحن كأنه انكسار أوتار الكمان على رصيف مهجور.

وصلنا إلى غابة  تزينها أزهار زرقاء لامعة، حملني ريان

و أنزلني من الحصان بهدوء.

مشينا بضع خطوات حتى رأيت ضريحا أبيض يزينه مجموعة من زهور الأقحوان و البنفسج.

" أمي إنها زوجتي، إنها تشبهك  في جمالك، في حكمتك… إنها نسخة منك ". قال بصوت حزين لكن يتخلله بعض الأمل.

في ذلك المساء، بينما كانت الشمس تغرق خلف جبال إلدوريا البعيدة، جلست مع ريان على شرفة القلعة كان يحمل بين يديه كتابا قديما مغطى بجلد أزرق، تزينه نقوش ذهبية تتلألأ تحت ضوء الشموع.

"هذا كان كتاب أمي المفضل" قال بصوت خافت كصدى الذكريات.

" كانت تقرأ لي منه كل ليلة… حتى تلك الليلة ".

فتح الصفحات الهشة بيد مرتعشة، و انبعثت رائحة الزمن القديم من بين السطور، نظرت إلى الصفحة الأولى فقرأت:

" الحب ليس مجرد شعور… إنه وطن نحمله في عيون من نحب ".

" هذه كانت أول جملة علمتني إياها عن الحب " قال وهو يمرر أصابعه على الكلمات الباهتة. " اليوم أريد أن أعلمك إياها ".

أخذت الكتاب من بين يديه، وأثناء تصفحي للصفحات، سقطت ورقة صغيرة من بينها التقطها ريان بسرعة، لكنني استطعت رؤية سطور مكتوبة بخط يده

" لياندرا....لو كانت النجوم تعرف كم أفتقد أمي....لأطفأت نورها خجلاً من دموعي.

ولكنك ....أنت النور الذي يجعل الظلام يتراجع ."

"هذا..."، بدا محرجاً وهو يحاول إخفاء الورقة. "مجرد كلمات كتبتها في إحدى الليالي."

"إنها جميلة"، قلت وأنا أمسك بيده. "أريد أن أسمع المزيد."

أخذ نفساً عميقاً ثم أنشد:

يا ريحاً حملت إليها أنفاسي

قولي لها: إن الجفا لا يليق

لو كان قلبي بين يديك رهينة

لما تألمت ولا اشتقت.. ولكني أهواك!"

صمت للحظة، ثم أضاف: "هذا من شعر المتنبي.... لكنني أضفت إليه شيئاً مني."

ضحكت: "إذاً أنت شاعر أيضاً، يا جلالة الملك؟"

"فقط عندما يتعلق الأمر بكِ"، أجاب بابتسامة حزينة.

مسكت يد ريان و نظرت إلى عينيه العميقتين، ثم همست بأبيات من قلبي:

" يا ريح الليل إن مررت بريان

إحمل له نبض قلبي.. و الأشجان

و قل له:  لو يقاس البعد.. يوما

لكان نجم السماء… أقرب من مكاني! "

ثم إبتسمت بإحساس دفين و أكملت:

" أشتاق حتى للظلام إذا ابتسمت…

فالليل عندك يضيء… كالأصيل

و كلما مرت سنون… أدركت

أن الهوى ليس زمنا…بل هو الأبدي الطويل! "

أخفضت صوتي إلى همسة حنونة:

" لو كنت أمواج البحار… لكنت

حملت دربك نحوي… دون كلل

و إن كنت النار، لكنت احترقت

قبلا… فكيف الهوى يطفيه الجمل؟! "

سكت برهة ثم ضحكت بخجل:

" أتعلم؟ حتى النجوم تخجل… عندما أحدثها عنك ".

" هذه أول مرة أشعر بالسعادة حتى في أحزن أيامي " قال ريان بصوت خافت كحفيف أوراق الخريف.

أمسكت بيده، فوجدتها باردة كالثلج، نظرت إلى عينيه العميقتين تلك العينان اللتان عرفتهما صافيتين كالسماء، وجدتهما اليوم غائمتين بغيوم لم أرها من قبل.

" أخبرني… " همست و أصابعي تلمس خده بلطف " ماذا يختبئ خلف هذه الغيوم؟ ".

صمت للحظة، ثم أدار وجهه نحو القمر وكأنه يبحث عن إجابة بين النجوم، شعرت بدموعه تبلل أصابعي قبل أن تسقط.

" أخاف… " قال أخيرا بصوت يكاد ينكسر " أن تكوني مجرد حلم آخر سأفقده عندما يأتي الصباح ".

ضغطت على يده بين كفي محاولة أن أنقل له دفء قلبي" هل يلام الحلم إذا صار حقيقة ".

فجأة أحاطني بذراعيه و ضمني إلى صدره بقوة، سمعت دقات قلبه تتسارع كأجنحة طائر حبيس" إذن… إسمحي لي أن أكون خيط النور الذي يربطك بهذا العالم، حتى لا تختفي بين النجوم ".

" لا تقلق أنا دائما هنا و بجانبك". قلت بصوت مطمئن بينما كانت اصابعي تنساب برفق على كتفيه المتعب.

" الا تشعر بالجوع؟ لم تاكل شيئا منذ البارحة…لقد نحف جسمك من قلة الأكل". نظرت إليه بعينين حانيتين و هو يجلس بثقل على كرسيه الملكي، و كأنما أثقلته الهموم أكثر من أي تاج.

رفع حاجبيه ببرود، لكن عينيه اشتعلتا بتحد خفي.

" سآكل لكن بشرط ان يكون الطعام من صنعك لنرى مهاراتك… يا جلالة الملكة ".

انفجرت شفتاي عن ابتسامة ماكرة" كما تريد يا مولاي ". أجبت بصوت مبتهج، و أنا أعد خطواتي نحو المطبخ الملكي

حيث تنتظر مكونات نادرة و وصفة لا تقدم إلا في أبهى المناسبات…

طبق العشاء الملكي: "أجنحة الفينيق الذهبية"

(دجاج مشوي بالعسل المعتق وبهارات لورينفال السرية مع رمان الجنة ).

طريقة التحضير( بلمسة ملكية):

تتبيل الدجاج بخليط من

عسل السهول المعتق (ملعقتان).

زعفران التلال الأحمر رشة تُذاب في ماء الورد.

قرفة، هيل، وقرنفل أسرار طهاة القصر).

شويه في فرن من الطين على نار هادئة، مع حفنة من أعشاب "وادي لورين" العطرية.

تزيينه بحبات الرمان الأرجواني الذي يُقال إن آلهة الخصوبة باركته، وأغصان إكليل الجبل.

"هو... طبق يليق بفينيق لورينفال." قلت بفخر وأنا أضع الصحن الذهبي أمامه، وأشعات الشموع تلامس سطح الطبق فتكسبه توهجا سحريًا.

توقف عن التحديق في النافذة التي يطل منها على مملكته المتعبة، وأدار رأسه ببطء نحو المائدة. "أجنحة الفينيق... اسم غريب لطعام عادي." قالها بنبرة جافة لكن عينيه اتسعتا عندما انبعثت رائحة الزعفران والعسل الدافئة في الهواء.

"ليس عاديًا ... مثلك تمامًا." أجبت وأنا أقطع قطعة صغيرة بسكيني الذهبية. "جرب... قبل أن تطلق الأحكام، يا مولاي."

مد يده نحو الشوكة بتردد، ثم أخذ لقمة صغيرة.... وتجمد في مكانه للحظة. رأيتُ كيف ارتخت عضلات فكه المتوتر، وكيف تومض في عينيه دهشة لم يظهرها منذ أشهر.

"هذا..." حاول أن يتمالك نفسه، لكن صوتي قطع عليه:

"هذا ما كنت تحتاجه... ليس مجرد طعام، بل تذكار من زمن كانت فيه لورينفال تشرق دون حروب".

نظر إلي، وفي عينيه شيء من ذلك الأمير الذي عرفته قبل سنوات... قبل أن يحمله التاج إلى حيث لا يبقي ولا يذر. "ربما ... ربما كنت جائعًا أكثر مما أعتقد." همس ثم أخذ لقمة أخرى، وهذه المرة.... ابتسم.

" اجلسي لا تبقي واقفة… "قال برقة.

سحبت الكرسي بهدوء، لكن قبل أن اجلس سمعت صوت إنفجار مدوّ. اهتزت الأرض تحت قدمي و إنهمر الزجاج كأمطار قاتلة من النوافذ المحطمة، بينما انحنى ريان فوقي بجسده ليحميني، و ذراعاه تحيطاني بي كسور منيع.

" ماذا حدث؟! " صرخت و صوتي يختنق تحت ضجيج الإنذارات التي انطلقت فجأة في أركان القلعة.

" هجوم… " همس ريان بعينين متقدتين بالغضب و الخوف " إلدوريا… لقد أعلنت الحرب".

شعرت بدمائي تتجمد في عروقي " فاساريس " ذلك الإسم الذي ظل يتردد كشبح منذ أيام، التقط ريان سيفه من على الحائط بلمسة خبيرة ثم أعطاني خنجرا صغيرا من جيبه

" خذي هذا، لا تبتعدي عني ".

خرجنا إلى القاعة الرئيسية، حيث كان الحرس يتجمهرون في فوضة منظمة، القائد ديميتريوس كان يصيح بأعلى صوته:

" اغلقوا البوابات! احموا المدنيين في الملاجئ".

سيفاندرا ابنته كانت واقفة بجانبه بدرعها الفضي اللامع و عيناها تلمعان بالتصميم " مولاي! ". نادت بمحرد أن رأتنا

" الجواسيس أفادوا بأن قوات إلدوريا اخترقت الحدود الشرقية، إنهم يستخدمون سحرا أسود ".

صر ريان أسنانه" أمري جميع القوات: الدفاع أولا. لا نريد سفك دماء لا داعي لها ". ثم إلتفت إلي و عيناه تعكسان عاصفة من المشاعر:" لياندرا عليك الذهاب الى القبو السري مع إلينور ستكونين بأمان هناك".

هززت رأسي بقوة " لن أتركك تواجه هذا وحدك، أنا ملكة هذه المملكة أيضا".

" الحمل… " همس بقلق و هو يلمس بطني بلطف.

" سأكون حذرة، لكنني لن أختبئ بينما يحارب شعبنا ".

لم يكن هناك وقت للنقاش، دويّ آخر للانفجارات هزّ القلعة، وهذه المرة كان أقرب، قبل أن يتمكن ريان من الرد دخلت إلينور مسرعة و وجهها شاحب من الرعب

" جلالتكم! الأميرة فاساريس… إنها هنا! تقود الجيش بنفسها عند البوابة الغربية! ".

على أسوار القلعة الريح كانت تعوي كذئب جريح، حاملا رائحة الدخان. ارتفعت ألسنة اللهب كأفاغي مشتعلة تلتهم القصر الدخان الكثيف لف القلعة كغطاء مسموم.

اخرجنا جميع الخدم و الحراس من القصر، لكنني لم أخرج ذهبت إلى قاعة العرش لأحضر الذكرى الوحيدة المتبقية من الملكة أمارا ( كتابها المفضل).

" إلينور… أين الملكة لياندرا ألم تكونا معا، لماذا إفترقتي عنها؟! " قال ريان بصوت مرتفع و غاضب.

قالت إلينور: " لقد إفترقنا عند قاعة العرش يا مولاي لم أرها بعدها".

بينما كنت أبحث عن الكتاب في مكتب ريان، شعرت بوجود شخص خلفي يراقبني. عندما إلتفت ورائي كان هناك شخص يرتدي ذرعا لكن لم يكن مثل ذروع مملكتنا.

بعدما إنتبهت جيدا كان الذرع يحتوي على شعار مملكة إلدوريا، سحبت خنجري من غمده و قلت بصوت مرتجف

" لن أسمح لكم بتفريقنا و تدميرنا ".

"  الملكة فاساريس ترسل سلامها الحار لك ".

كانت يداي ترتعشان و أنا أمسك الخنجر تجاه الجندي، الذي ابتسم بفظاعة قبل أن يهوي بخنجره نحوي…

فجأة اخترق نصل فضي حلقه من الخلف!.

ارتد الجندي إلى الوراء مزمجرا، بينما ظهر خلفه رجل بملامح حادة يلبس ذرعا بسيطا من الجلد، لفت إنتباهي ندبة غريبة على شكل نجمةمكسورة على ساعده الأيمن.

سحب الرجل سلاحه من عنق الجندي بحركة خبيرة، ثم التفت نحوي" النيران تحاوط بنا علينا الخروج من هنا بسرعة ".

" هناك ممر سري خلف رفوف الكتب… "انحنى الرجل الغامض وضغط على حجر خفي، فانفتح الرف ببطء مظهراً ممراً مظلماً تنبعث منه رائحة الأرض الرطبة.

" سنجد الطريق إلى حدائق القصر الداخلية من هنا حيث لا تصل النيران بعد".

اخترق الرجل الغامض ظلام الممر بسيفه المضيء، بينما كانت أنفاس لياندرا السريعة تتردد في الأنفاق الضيقة. "اسرعي!" همس وهو يدفع جداراً خفياً بكتفه النيران" ستصل هنا خلال دقائق".

في الخارج، كان ريان يخوض في الرماد كالشبحأصابعه تنزف من شدة الحفر بين الأنقاض. رائحة شعر لياندرا ذلك العطر المميز بأزهار التوليب ما زالت عالقة في هواء الحرب، تقوده كخيط أمل.

"مولاي ظهرت سيفاندرا فجأة، دماء العدو تجف على سيفها. "انسحبوا لكن... وجدنا هذا عند "البوابة". مدت له جراباً حريرياً يقطر مادة زرقاء غريبة... نفس لون ندبة الرجل الغامض

ابيض وجه ريان" هذا ليس انسحاباً ... إنها مصيدة ."

الرجل الغامض قادني عبر المتاهة السرية، حتى وصلنا إلى حدائق القصر الداخلية هناك، وجدنا ريان وحرسه يتجهون نحو البوابة الغربية، حيث كانت قوات إلدوريا تنتظر.

"لياندرا!" صرخ ريان عندما رآني، وعيناه تعكسان خليطا من الراحة والخوف" أين كنت ؟ لقد جن جنوني!"

"و من السيد الذي برفقتك؟".

ركضت نحو ريان بينما كان الدخان الكثيف يتصاعد من القلعة "كنت أحاول إنقاذ كتاب والدتك.." همست بصوت أجش من شدة السعال، ممسكة بالكتاب القديم الذي كادت النيران تلتهمه.

قال الرجل الملثم: " أنا إسمي أحمد يا مولاي ".

لكن قبل أن يتمكن ريان من الرد، دخل الحارس وهو يلهث

"مولاي جيش الدوريا ينسحب نحو الغابة، لكنهم تركوا هذا!"

مد الحارس لفافةً من جلد الغزال الأبيض، مربوطة بخيط قرمزي فتحها ريان بحذر، ليكتشف أنها رسالة من فاساريس.

قرأها بصوت عال و كل كلمة كانت كالسكين:

"ریان اليوم منحتك فرصةً. غدًا عند شروق الشمس، أمام بوابات قلعتك، ستعلن ولاءك لي كملكة شرعية على لورينفال وإلدوريا....

أو سأحرق كل قرية في طريقنا إليك، ولن أترك طفلاً واحدًا يحمل اسمك.

لا تخطئ في تقديري. هذه ليست تهديدا... إنه وعد.

             – فاساريس الدم الحقيقي للعرش ".

ساد صمت قاتل، حتى أنفاس الحاضرين توقفت للحظة.

"إنها تريد إجبارك على الاستسلام أمام الجميع..." همست، وأنا أرى عيني ريان تتوهجان بغضب صامت.

قبضت على ذراعه، شعرت بنبضه السريع تحت أصابعي.

"لا." قال ريان وهو يقبض الرسالة بقوة حتى كاد الجلد يتمزق . "إنها تريدني أن أختار بين كرامتي... وحياة شعبي."

انفجر القائد ديميتريوس بالحديث فجأة، صوته كالرعد في القاعة الخاوية:

"مولاي، مملكة الدوريا لا تستسلم بسهولة! لقد أجبرت جميع الممالك المجاورة على مبايعتها بالسيف أو السحر. حتى ملكة الجبال الشمالية ركعت أمامها !"

أما سيفاندرا، فتقدمت بخطوة حاسمة، درعها الفضي يلمع تحت بقايا ضوء القمر المتسلل من النافذة:

"علينا أن نكون جاهزين لأي حركة مفاجئة. اسمح لي بترأس الجيش، سأجعل كل شبر من حدودنا ساحةً للموت إذا اقتربوا!"

لكن أحمد - الذي ظل صامتاً حتى الآن - ألقى بظله على الخريطة الممتدة على الطاولة

"وما الفائدة من جيش ضد سحر؟ فاساريس لم تهاجمنا اليوم لأنها كانت تختبر دفاعاتنا... وغداً، لن تأتي بمجرد جنود."

التفت ريان نحو النافذة، حيث كانت أزهار التوليب خارج القلعة تذبل واحدة تلو الأخرى، كما لو أن الغابة نفسها تحتضر.

إذن لدينا حتى الفجر..." همس.

فجأة دخلت الحكيمة الغرفة وخطواتها ثقيلة كأنها تحمل أسرار القرون عيناها الذهبيتان تتوهجان في الظلام مثل جمرات منسية، وشعرها الأبيض الطويل ينساب كضباب الصباح على ثوبها الأزرق المطرز بالنجوم.

"رأيت في المرآة ... بدأت بصوت أجش، بينما كانت أصابعها ترتعش فوق الكرة البلورية التي تحملها. "رأيتُ دماء تختلط بأزهار التوليب، وصرخة تختلط بالنار."

أحاط الجميع بصمت رهيب حتى رياح الحرب خارج القلعة توقفت عن العواء، وكأن الكون نفسه يحبس أنفاسه.

"ما الذي تقصدينه؟"، همس ريان وهو يشدّ على مقبض سيفه حتى ابيضت مفاصله.

الحكيمة رفعت عينيها إليه، وفي عينيها نظرة تعرف أكثر مما تعلن:

" فاساريس لا تريد العرش فقط ... إنها تريد لياندرا ".

ساد الصمت للحظات حتى كسره ريان بقوله " حتى لو احرقت لورينفال كلها… لن أسمح لها بلمس شعرة من رأسك". كان في نبرته غصه و كأنه هناك شيء يخنقه وهو يتكلم. 

سألت بصوت مرتجف" لماذا فاساريس تريدني أنا؟ ".

أجابت الحكيمة بقلق:" أنت بشرية… و قد دخلت إلى هنا بإرادتك لكن… لكن إذا خسرنا هذه الحرب ستعودين إلى عالمك دون أن يكون لك حق الإختيار كما فعلت سابقا ".

"انزلقت قدماي على الأرض كأنهما في حلم غريب ، كل خطوة كانت تقربني أكثر من حافة الهاوية".

"لم أنطق... لم أستطع حتى دقات قلبي بدت وكما . توقفت خوفًا من أن يسمعها أحد فيخبروني أن الأمر حقيقي"

انحنيت و توجهت إلى حديقة القصر كان هناك بحيرة صغيرة أذهب إليها عندما أشعر بالضيق.

حتى أوراق الشجر التي لامستها يداي في الطريق . بدت بلا لون، كأن العالم يذوب مع كل خطوة.

جلست على حافة البحيرة حتى زرقة الماء التي كانت تبهجني صباحاً، تحولت لمرآة معتمة تعكس وجهي الشاحب ،  بدأت بالبكاء لكن شهقاتي كانت كصوت فراشة تحترق، صغيرة جداً على أن يسمعها أحد، مؤلمة جداً كي أتحملها وحدي.

في لحظة مر أمامي شريط ذكرياتي هنا، في العالم الذي اخترته بإرادتي أنا لا أريد العودة إلى عالم أشعر و كأنني منبوذة فيه ،  شعرت و كأن ذكرياتي العزيزة تموجت على سطح الماء كأشباح ستتبخر عند الفجر.

لم أنتبه حتى شعرت بشخص يضع بطانية فوقي " ريان ". جلس بهدوء جانبي" لقد رأوك وأنت قادمة إلى هنا و إلا لم أكن لأجدك أبدا ".

" لماذا كل شيء أحلم به يهدم فوق رأسي… هنا حيث كل زهرة تعرف اسمي أما هناك حيث… كنت مجرد ظل يخجل من نفسه ".

أمسك بيدي فوجدها باردة كالجليد… فغطها بين كفيه و كأنه يحاول إشعال النار فيها.

"  لا تقلقي سننتصر في هذه الحرب و سنبقى معا للأبد ". قال بصوت مطمئن.

"  ماذا لو تغلبت علينا فاساريس… حينها سأعود إلى عالمي المكتئب ".

"  أعدك أنني سأنتصر و لن أفارقك أبدا… لكن… لكن إذا هزمنا فهذا وعد مني أنني سأبحث عنك في جميع أنحاء العالم".

أحسست بيده ترتجف عندما وعدني… كأن جزءا منه يعرف أن الوعد مستحيل.

بدأ ريان يهمس بكلمات مكسورة لأغنية قديمة:

حتى لو غابت شمسنا...

وحتى لو جف النهر...

سأكون ظلا لأحفظ اسمك

في كل مكان يذكر...

لن تنكسر الزهرة التي عرفتك بها...

ولن يُمحى الطريق الذي مشيناه...

حضر النجوم اهون من نسيانك...

وحتى لو ضاع عالمنا .. سنعيد رسمه من الذكريات.."

شعرت بألم في قلبي بدأت على إثره دموعي بالانهمار على يديه الملتفتين حول يدي.... فانعكس ضوء القمر عليها كالندى على زهرة التوليب الذابلة.

فجأة أتت إلينور مسرعة و وجهها شاحب " مولاي الأمور ليست على ما يرام  ".

" اجمعي القادة أنا قادم " قال بصوت غاضب.

دخل الملك ريان إلى قاعة العرش بخطوات ثقيلة درعه الأسود يقطر ماء المطر. كانت القاعة المهيبة مضاءة بمشاعل متذبذبة تلقي بظلال متحركة على الجدران المزينة بصور الأسلاف.

وقف أمام مجلس القادة، عيناه الخضراوان تلمعان بغضب مكبوت كانت يدا ما تزال تعصر زهرة توليب ذابلة، عصيرها الأحمر يسيل بين أصابعه كدماء.

إلينور تقدمت بتردد ترفع بين يديها زهرة توليب أخرى ذابلة، لكن هذه كانت مختلفة - مغطاة ببقع من حبر أزرق لزج.

لقد وجدنا هذه بالقرب من الجثث ... همست بصوت أجش.

فجأة، صرخ أحد القادة: "انظروا!"

على حافة النافذة العالية، وقفت ثلاثة غربان سوداء كالليل. أحدها حمل في منقاره لفافة صغيرة، ثم أسقطها قبل أن تتحول الطيور فجأة إلى سحابة من الريش والدخان الكبريتي.

التقط ريان الرسالة بيد مرتعشة. قرأ بصوت عال:

"أيها الملك الدمية،

هل تعرف لماذا يذبل التوليب ؟ لأن جذوره تسمع همساتنا تحت الأرض....

اليوم، سنجعل قلبك يسمعنا أيضاً."

عندما قلب الورقة، وجد خريطة مصغرة لقصره، مع علامة X حمراء فوق غرفة نومه مكتوب تحتها: "هنا نامت خيانتك."

مزق ريان الرسالة بعنف، لكن القطع الورقية بقيت معلقة في الهواء للحظة قبل أن تسقط.

"هذا ليس تهديداً ... إنه فخ." قال وهو يحدق في إلينور. من يعرف مكان زهور التوليب في حدائق القصر غيرك ؟"

تراجعت إلينور خطوة إلى الوراء، عيناها تعبران عن صدمة وجرح. أتتشك بي؟ بعد كل هذه السنين.

أمر ريان الحراس بأخذ إلينور إلى الزنزانة، وقفت أرتعش من شدة الغضب، دموعي الساخنة تحرق وجنتي مثل حمم من نار.

"انتظر!" صرخت بصوت أجش حتى ارتجفت جدران القاعة. "أريد أن أقول لها كلمتين قبل أن تذهب".

تقدمت نحوها، وأنا أشعر كأن سكينًا يغرز في قلبي مع كل خطوة. إلينور... أختي بالروح قبل الدم، التي نامت بجواري في الليالي الباردة، التي حفظت أسرار أحلامي وأوجاعي.

أمسكت بيدها بقوة، حتى تألمت تحت قبضتي. نظرت في عينيها الباردتين اللتين لم أعد أعرفهما.

" اعتبرتك أختي...." همست بصوت يكاد ينكسر. "كافأتني بأن بعت قلبي بثمن بخس!"

حاولت إلينور أن تسحب يدها، لكني شددت قبضتي أكثر. أردت أن أشعر بألمها كما ألمي، أن أرى ذرة ندم في عينيها. لكن كل ما رأيته كان جدارًا من جليد.

"كم وعدوك ؟" اشتعلت غضبًا. "أم أن قلبك كان خاويا منذ البداية، مثل عروشهم المزيفة ؟".

في تلك اللحظة، مالث نحو أذني، وشفتاها تلمسانها بينما همست

"لو عرفتي الحقيقة يا لياندرا... لكنت خنته مثلي."

سحبت نفسي منها فجأة كأنها لسعثني. الحراس أمسكوها بقسوةً وسحبوها بعيدًا، بينما وقفت هناك وكلماتها السامة تتسلل إلى دمي مثل سيف مسموم.

في الزنزانة، بينما كانت الأبواب الحديدية تغلق عليها بقسوة، صرخت بأعلى صوتي:

"اللعنة عليك وعلى كل كذبة اختبأت خلفها!".

لكن مع ارتداد صدى صوتي في القبو الرطب، بدأ شك غريب يتسلل إلى قلبي كالأفعى....

ما تلك "الحقيقة" التي تحدثت عنها؟ ومن تكون حقاً هذه المرأة التي ظللت أعتبرها أختي؟.

في قمة جبل الشامخ، كانت فاساريس تضع اللمسات الأخيرة لخطة الغزو. رياح الشمال حملت أصوات استعدادات الجنود وأصوات صليل السيوف.

"المدينة ستحترق بحلول "الفجر" قالت وهي تلتقط قناعاً ذهبياً على شكل ذئب. وكل هذا بفضل خادمتنا المخلصة... إلينور."

ضحك قائد الجيش وهو يلمع سيفه بقطعة قماش حمراء

لقد باعت ملكها من أجل حفنة ذهب... ما أتفه البشر!"

أما في الوادي الأسفل، فقد بدأت القوات تتخذ مواقعها. رجال الدوريات يرتدون دروعاً سوداء منقوشاً عليها شعار الافعى، بينما كان السحرة يعدون جرعاتهم السامة.

وفي خيمة القيادة، جلس ريان يحاول فك شفرة الرسالة الأخيرة من جواسيسه. دماء أحدهم لا تزال تلطخ الورق.

"إنهم يهاجمون من ثلاثة اتجاهات همس لنفسه وهو يحدق في الخريطة. لكن لماذا يشعرون بهذه الثقة ؟".

السؤال الذي ظل يلح عليه كشظية في جسده... ما الذي يعرفونه ولا يعرفه هو ؟.

رفع ريان عينيه نحو الباب فجأة عندما سمع صوت خطوات متسارعة. دخل الحارس وهو يلهث، عيناه واسعتان من الرعب.

"سيدي... لقد اختفت إلينور من الزنزانة".

ارتجف ريان وكأن الأرض تتحرك تحت قدميه. "مستحيل الزنزانة محروسة بأقوى التعويذات."

لكن الحارس أوماً بجنون. "لم تهرب... لقد اختفت كأنها تبخرت في الهواء. ولم نجد سوى... هذا."

مد يده المرتعشة، وفيها قطعة قماش سوداء مقطوعة على شكل ذئب ملوثة ببقع حمراء غريعة تشبه الدم.... ولكنها ليست دما بشريًا.

في تلك اللحظة، كأن صاعقة اخترقت رأس ريان. "ذئب... الذهبي" همس بصوت أجش. "إنها خدعة! لقد كانت عميلة لهم منذ البداية"

خارج الخيمة، بدأت أصوات الفوضى تتصاعد. صرخات الجنود صليل السيوف، ثم ذلك الصوت المرعب... صوت قرون الحرب تنفخ في الليل.

ركض ریان خارجا ليجد المشهد الأكثر رعبا في حياته. السماء كانت تمطر سهاما من نار، وفي الأفق، ظهرت أعلام جيش فاساريس تحمل شعار الذئب الذهبي.

لكن الأسوأ... كان ما حدث في وسط المعسكر. وقفت إلينور هناك، لكنها لم تكن إلينور التي يعرفها. شعرها الأسود أصبح أشقرًا كالذهب وعيناها الباردتان تتوهجان الآن بلون ذهبي غريب كانت ترتدي درعا أسود منقوشا عليه نفس شعار الذئب، وعلى جبينها ... علامة غريبة تشبه عينا ثالثة.

"لياندرا!" صرخ ريان وهو يخرج سيفه. "كل هذا كان خدعة! إنها...".

لكن قبل أن يتمكن من إكمال جملته، ظهرت فاساریس فجأة أمام  لياندرا كشبح، خنجرها الأسود يلمع تحت ضوء القمر بلمسة خاطفة، غرست الخنجر في بطن  لياندرا، ثم همست في أذنها:

"انتظرت هذه اللحظة منذ قدومك إلى هنا… يا فتاة الرياح".

ثم أطلقت ضحكة شريرة.

سقطت لياندرا بين ذراعي ريان دمها الدافئ ينساب مثل نهر قرمزي على درعه الأسود. فاساریس اختفت كالضباب، تاركة وراءها ضحكة مسمومة تتردد في الريح.

"لا ... لا يمكن أن يكون هذا ..." همس ريان يداه ترتجفان وهو يضغط على الجرح العميق، لكن الدم استمر في التدفق، حاراً، حياً، وكأنه يرفض التوقف.

قالت لياندرا بنفس متقطع: " سا… سامحني… لم… أستطع.. حما.. ية.. إب..ننا ". وبدأ الدم يخرج  من فمها.

أحس ريان بقلبه يتوقف للحظة، كأن العالم قد انكمش في تلك اللحظة إلى نقطة واحدة - لياندرا تنزف بين ذراعيه، كلماتها الأخيرة تُحفر في روحه مثل سكين. لكن ما هز كيانه أكثر كان انتفاخ بطنها تحت الدرع الأسود..... انتفاخا خفيفًا كان يحمل حياةً لم تعط فرصة لترى النور…

"لا ... لا، هذا مستحيل" صرخ بصوت مبحوح يداه الملطختان بالدماء تضغطان على جرحها اليائس.

عيناها الذهبيتان التقتا بعينيه للمرة الأخيرة ثم بدأ بريقهما يخفت مثل جمرة تموت في الريح. جسدها ارتخى والدم القرمزي تحوّل إلى بركة سوداء تحت ضوء القمر الشاحب.

حوله، بدأ جنود المعسكر يصرخون، أصوات مشوشة تتداخل مع دوي الهجوم المستمر. لكن ريان لم يعد يسمع شيئا. كل ما رآه كان دمها - دمها ودم طفلهما الذي لطالما حلم به.

فاساريس كانت قد اختفت لكن ضحكتها السامة لا تزال تجلجل في أذنيه، كالأفعى التي تهمس قبل أن تلدغ.

ضحكت مرة أخرى، لكن الريح حملت معها صدى عواء بعيد جعل جلدها يقشعر.

اللعبة لم تنته بعد... بل ربما للتو بدأت.

دخل ريان غرفة لياندرا، وهي المكان الوحيد الذي بقي منها الآن. رائحة الأعشاب الجبلية التي كانت تجمعها لا تزال عالقة في الهواء، كذكرى شبحية. وضع جسدها برفق على السرير، وكأنه يخشى أن تؤلمها حتى في موتها.

يداه المرتعشتان مدتا الغطاء الأسود فوقها، لكنه توقف عند بطنها - ذلك الانتفاخ الصغير الذي كان يحمل كل المستقبل الذي شرق منهم.

" يا ليتني استطعت حمايتهما " همس بصوت مكسور.

فجأة دخل أحد الحراس مسرعا " مولاي لقد عادت فاساريس تريد إنهاء الحرب التي بدأتها ".

نهض ريان وأخذ سيف لياندرا الملطخ بالدماء و توجه إلى ساحة المعركة.

" لقد عدت بسرعة، لكن أتيت لتلقي حتفك هذه المرة… أقسم أنني لن أرحمك ".  قال بصوت غاضب تملأه شرارة الحقد.

بينما كانت فاساريس  تقف على التل المُطلّ على ساحة المعركة، تلتف حولها رياحٌ حاملةً رائحةَ الدخان والدم. درعها الذهبي يتلألأ تحت ضوء القمر، وعيناها البارقتان تُشعان ببرودة السيف الذي تحمله. 

"أهذا كل ما تبقى منك، يا ريان؟" صرخت بصوتٍ يقطر سخريةً. "ملكٌ بلا ملكة، وأبٌ بلا طفل... أليس هذا مصير كل من يتحدى إلدوريا؟!".

لم يرد ريان بكلمات. كل ما في جسده كان يصرخ بالانتقام. رفع سيف لياندرا، الذي تلألأ بلونٍ أزرق شاحب، وكأن روحها تُنير نصلَه. 

اندفع نحوها كالبرق، واصطدم سيفاهما بشرارةٍ أضاءت الليل للحظة. القوات توقفت عن القتال، وكأن السماء نفسها حبست أنفاسها لمشاهدة هذه المبارزة. 

"لقد قتلتِها لأنكِ خائفة!" هزّر ريان بين ضرباته. "خائفةٌ من أن تكونَ لياندرا أقوى منك، حتى بدون سحر!" 

ضحكت فاساريس، لكن عينيها ارتعشتا للحظة. "أقوى مني؟ إنها مجرد بشريةٍ ضعيفة، دخلتْ هذا العالم بالصدفة!" 

لكن مع كل ضربةٍ كان ريان يقترب أكثر، حتى أجبرها على التراجع نحو حافة التل. فجأة، قامت بحركةٍ خادعة، وطعنته بخنجرٍ مسموم في جنبه. 

سقط ريان على ركبتيه، لكنه أمسك بمعصمها بقوةٍ حديدية. "إذا كنتُ سأموت... فسآخذُكِ معي إلى الجحيم!" 

وفي اللحظة التي همّت فيها فاساريس بضربةٍ أخيرة، سمع الجميع صوتَ انفجارٍ هائل. 

**انفجار النور.** 

من قلب القلعة، انبثق عمودٌ من الضوء الأزرق، يخترق السماء كأنه ينادي القوى القديمة. الأرض ارتجفت، والأشجار انحنت، حتى أزهار التوليب الذابلة عادت إلى الحياة فجأةً، تتفتح بألوانٍ أكثر حيويةً من أي وقتٍ مضى. 

فاساريس نظرت إلى الضوء بعينين واسعتين. "مستحيل... هذه التعويذة انتهت بموت أمارا!" 

لكن الضوء استمر في الانتشار، حتى وصل إلى ساحة المعركة. وعندما لامس جسد لياندرا، بدأ جرحها ينغلق ببطء، ودماؤها تتراجع كأن الزمن يعود إلى الوراء. 

لياندرا فتحت عينيها.

لم تكن نفس لياندرا التي عرفها الجميع. عيناها الذهبيتان تتوهجان كالشمس، وشعرها الأسود يتحول إلى لونٍ فضيٍّ يتلألأ كالنجوم. من ظهرها، انتشرت أجنحةٌ من نورٍ أزرق، أكبر وأبهى من أي أجنحةٍ كانت لها من قبل. 

"كيف...؟" همس ريان، بينما كان الجرح في جنبه يلتئم بمجرد اقتراب الضوء منه. 

لكن لياندرا لم ترد. اتجهت نحو فاساريس، وخطواتها لا تلمس الأرض، وكأنها تسير على الهواء. 

"لقد نسيتِ شيئًا مهمًا، يا فاساريس" قال صوت لياندرا، لكنه كان كأنه أصواتٌ كثيرة تتحدث معًا. "التعويذة لم تكن لحماية أمارا فقط... بل كانت تنتظرُ من يستحقها." 

رفعت يدها، وانطلق منها شعاعٌ من النور الأزرق، أحاط فاساريس كقفصٍ لا يُكسَر. 

"لا! هذا مستحيل!" صرخت فاساريس، وهي تحاولُ استخدام سحرها الأسود، لكن كل تعاويذها تبخرت عند ملامسة النور. 

لياندرا أغلقت عينيها، وفي لحظةٍ واحدة، اختفى جيش إلدوريا كأنه لم يكن أبدًا، وفاساريس سقطت على ركبتيها، قواها مُنزعةٌ منها. 

عندما فتحت لياندرا عينيها مرةً أخرى، عادت ملامحها البشرية، لكن النور لم يختفِ تمامًا. نظرت إلى ريان، ثم إلى بطنها، حيث كان الجرح قد اختفى، وحياةٌ جديدةٌ لا تزال تنبض بداخلها. 

"كيف...؟" سأل ريان مرةً أخرى، والدموع تملأ عينيه. 

ابتسمت لياندرا، وأمسكت بيده. "لأن الحب الحقيقي... هو أقوى سحرٍ في هذا العالم." 

بعد انتهاء المعركة، عادت مملكة لورينفال إلى سلامها. إلدوريا، بعد فقدانها لقائدتها، انسحبت إلى حدودها، و أزهار التوليب عادت إلى ازدهارها، كأنها تحكي قصة الانتصار. 

في القلعة، احتفل الجميع بلياندرا التي أصبحت تُعرف الآن بـ ملكة النور بينما ريان، الذي تعلم أن القوة الحقيقية تكمن في القلب، حكم بمزيدٍ من الحكمة. 

وبعد أشهرٍ قليلة، في ليلةٍ ماطرةٍ كالليلة التي التقيا فيها لأول مرة، رزقا بتوأمهما أمارا الصغيرة التي حملت عيني جدتها الذهبيتين، وشعرًا فضيًا كأمها و أما إليان فحمل في عينيه بريق نجوم الشمال، وإرث أبيه الهادئ، وكأن الريح علمته منذ ولادته أن الشجاعة ليست في السيف، بل في القدرة على رعاية من يحب.

أما الريح، فقد استمرت في الهمس بأغانيها لأولئك الذين يحتاجون إلى الهروب من الواقع... ربما لتأخذَهم يومًا إلى حيث توجد بوابة الحلم من جديد. 

**النهاية.** 

كلمة أخيرة من الكاتبة:

 

إلى كل من وجد في هذه الرواية ملاذًا من العالم، تذكروا أن الخيال ليس هروبًا... بل هو بوابة نعبر من خلالها إلى أفضل نسخ من أنفسنا. ربما في مكانٍ ما، تنتظركم غابة التوليب... وأجنحةٌ تحملكم إلى حيث ينتمي قلبكم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إلى حيث تأخذني الريح

المؤلف Eylul Erdem
2025/08/30 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة