يمنع منعا باتا سرقة الرواية أو أي جزء منها وإلا ستتعرض لمسائلة قانونية، فالرواية ستتحول قريبا إلى رواية ورقية.
_____________
كوخ خشبي صغير هادىء،
امرأة مستلقية فوق سرير في الزاوية، بينما أطفالها يلعبون و يضحكون حولها،
يقطع السكون صوت ارتطام الباب بالجدار بعنف،
ليتحول لون الأرض البني إلى أحمر قان،
صرخات، صوت سيوف تشق الهواء،
ثم ...
صوت ألسنة لهب تشتعل ببطء،
لتحول ماتبقى إلى رماد يتناثر مع الريح.
\_\_\_\_
يستيقظ ليون مذعورا بعد كابوس ثقيل،
جلس على سريره يرتجف بشدة،
عرقه يملأ جسده،
نفس الكابوس، عن مقتل عائلته،
"ليون..."
صوت ناعم ناداه،
أدار رأسه ببطء نحو مصدره،
إنها بيانكا، زميلته في الميتم، تحدق فيه بعينيها الملونتين بالأزرق و الأخضر،
خصلات من شعرها الأحمر تتساقط على جبهتها، لكنها لا تخفي قلقها.
"نفس الكوابيس مجددا؟"
صمت ليون للحظات طويلة، ثم أومأ بصمت.
لم تقل بيانكا شيئا، فقط صعدت إلى السرير بجانبه،
مدت يدها ووضعتها فوق يده بلطف دون أن تضغط،
مجرد وجودها هنا يهدئه عادة.
حدق كلاهما في باب غرفة النوم المشتركة الذي فُتح، ليدخل صبي قريب من عمرهما، يحمل بين يديه كأس حليب دافىء.
تقدم نحو ليون و ناوله الكوب بابتسامة لطيفة و مرحة:
"حضرتُه قبل أن ننام، و كأنني شعرتُ أنك ستستيقظ مجددا بسبب كابوس، كعادتك"
أخذ ليون الكوب بصمت، شرب منه رشفة،
"اشكرك يوساجي"
"و أنتِ يا بيانكا"
"أشكركما على البقاء"
همس بها ليون، لتبتسم بيانكا بلطف و هي تضغط برفق أكبر على يد ليون بين كفيها
"دائما ليون، دائما هنا"
\_\_\_\_\_\_
كوخ خشبي صغير في أطراف قرية ادلير في الجنوب، ليلا.
الطحالب تملأ سقف الكوخ، وحده صوت نقيق ضفادع من البحيرة البعيدة يقطع التوتر بين أولئك الثلاثة الواقفين أمام باب الكوخ.
بقي ايثان ذو الخامسة عشر ربيعا، ينقل ناظريه بين الرجلين أمامه،
يراهما يتحدثان عن شيء لم يفهمه تماما، لكنه شعر من نظراتهما أن شيئا سيحدث،
لا يعلم إذا ما كان جيدا أم سيئا صراحة،
كل ما يعلمه انه قد تمسك بقوة أكبر بدميته في ذراعه،
و تمسك بيده الأخرى بمعطف زين، الرجل ذو العباءة السوداء و الهالة القاتمة بجانبه.
أزال زين قبضة إيثان و أبعدها عنه، و برفق صارم، وضع يده خلف ظهر الصبي و دفعه للأمام نحو كونال الذي كان يرمقه بابتسامة دافئة.
"هذا سيكون بيتك من الآن فصاعدا، أحسن التصرف،"
قالها زين بصوته العميق موجها كلامه لإيثان، قبل أن يرفع ناظريه مجددا نحو كونال و يقول بنبرة سخرية باردة:
"أرجو أن تعتني به، إنه ليس كغيره من الأطفال"
"لا عليك، هو بأمان"
قالها كونال، قبل أن يقطع ايثان الحديث ناظرا إلى زين بهمس فيه رجاء:
"هل ستعود؟"
انحنى زين ببطء نحو ايثان، ربت على رأسه بحنان لم يُر منه قط من قبل.
"نعم ... سأعود"
قالها ببطء، كأنما يحاول إقناع نفسه قبل إقناع هذا الطفل الذي أغمض عينيه مرتاحا باللحظة،
"و سأشتري لك الحلوى عند عودتي، أعدك"
لمعت عينا الصبي لوهلة، قبل أن يقترب بهدوء،
مد ذراعيه، و لفهما حول زين،
عانقه بهدوء أولا، ثم شدد من قبضته حوله،
كأنه لا يريد تركه يغادر.
"لا بأس ..."
همس بصوت مبحوح،
"أحبك حتى لو لم تشتري لي حلوى"
ارتجفت عينا الرجل الصارم لوهلة،
أبعد إيثان عنه بلطف، ثم اعتدل في وقفته،
استدار...
و غادر، دون أن يتوقف...
أو ينظر خلفه مجددا...
أما إيثان فقد بقي يحتضن دميته،
يراقبه يبتعد بصمت منهك....
قبل أن تدمع عينه اليمنى فقط.
\_\_\_\_\_\_\_\_\_
بعد أربع سنوات
كوخ صغير في أطراف قرية ادلير في الجنوب.
صباح باكر.
صوت احتراق الحطب في المدفأة يلقي ألحانا خافتة، داخل غرفة تعبق فيها رائحة الكتب و الخشب المحترق.
استلقى كونال على الأريكة الخشبية القديمة، وضع ذراعه على وجهه، تنهيدة طويلة انفلتت من بين شفاهه،
السكون كان سائدا لدرجة أنه قد ظن أن بإمكانه أخيرا الحصول على خمس عشرة دقيقة من السلام.
لكنه نسي، أن السلام لم يُكتب لأمثاله.
إذ ما لبث أن اقتحم عليه إيفارك الغرفة، و هو فتى في التاسعة عشرة، بشعر فوضوي، و عيون تفيض حماسة بينما يقترب من كونال بخطوات سريعة، يحمل في يده ورقة محروقة أطرافها، كأنها خاضت حربا نجت منها بصعوبة.
وقف أمام كونال الذي كان لا يزال يغطي وجهه بذراعه، وصرخ بحماسة:
"كونال، كونال، ان تصدق لدي فكرة أسطورية"
"لا، أرفض، و أنت ممنوع من التنفيذ"
قال كونال دون أن ينظر إليه حتى.
لكن إيفارك أكمل متجاهلا إياه تماما بينما يلوح بالورقة:
"انظر لهذا الإعلان، يقولون أن سوقا سوداء ستُفتح الليلة بعد أن ينتصف الليل، ما رأيك بالذهاب؟"
كونال و قد أبعد ذراعه عن عينيه اللتان حملتا نظرة حائرة مصدومة:
"السوق السوداء؟ أنت متأكد؟ لقد ان إغلاقها منذ الإنفجار الأخير و فشل طقوس التوازن منذ آخر 15 سنة."
"لقد أعادوا فتحها، يُقال أنها تحتوي على أغراض غريبة من أحلك مناطق الأرض، بالإضافة إلى أدوات ظلامية، فالنذهب كونال، ربما نجد شيئا يساعد إيثان على السيطرة على قواه."
تنهد كونال و هو يعلم أن لا مفر له من هذا:
"حسنا لا بأس، سنذهب بعد منتصف الليل، لكن لا أريد سماع نفس واحد، أمفهوم كلامي؟"
"مفهوم مفهوم لا تقلق، سنكون مؤدبين"
"انتظر، اين إيثان؟"
"إنه في الخارج يطارد عنزة، لا تسأل"
آريانا آشبورن