عالم من ظلام

عالم من ظلام

16 0

وقف جايس في منتصف دائرة منقوشة على الأرض باتقان،

حوله، يحيط به حراس، ينتظرون بدأ الطقوس،

إلى جوارهم مخلوقات مظلمة، هائجة، بأعين حمراء

تتعطش لهفة لتنفيذ الأوامر،

" اجلس قربان عائلة آشبورن، و لتبدأ البلورة بسحب ظلامك، و لتحوله لنور يضيء هذا العالم المنهك "

قال من يبدو عليه أنه قائدهم، بصوت هادىء عميق،

لكن لم يبدو على جايس أنه سمع، أو ربما سمعه و تجاهله.

ظل يحدق في تلك البلورة الضخمة أمامه،

رغم هدوءه الظاهر، إلا أن داخله كان يغلي، كقدر وُضع فوق نارٍ عاتية، يكاد الغطاء ينفك من شدة الضغط، ليكشف عن غضب وأسى تراكم سنونا طوال،

لطالما حاول الهرب من هذا المصير،

حاول العيش،

لكن للأسف،

مصيره مكتوب بقلم من ظلام،

و لن يستطيع تغييره أو منعه،

أشاح بنظره عن البلورة، يحدق في مكان ما بجانبها،

همهمات تلتقطها أذناه،

لا،

ليست صرخات الحراس الذين تخلصوا من هدوئهم الزائف،

بل همسة اعتذار من ذلك الرجل الواقف هناك،

و الذي أدرك الآن أنه كان طيفا،

يحدق فيه بنظرات حزينة،

أو ربما مشفقة،

لم يعرف تماما،

شعر في تلك اللحظة بشيء غريب يستيقظ داخله،

كأن كيانا حيا في داخله يشتهي الخروج، و لو لآخر مرة،

"لو لم تكن أمامي فرصة للنجاة، فاليكن خياري إذا شعلة تضيء درب من سيأتي من بعدي"

همسها بصوت لم يسمعه إلا الريح، و ذلك الطيف أمامه و الذي أومأ برأسه بابتسامة باهتة كأنه يوافقه

صوت خطوات ثقيلة قتل سكون المكان المقدس،

اقترب أحد الحراس من جايس،

لكنه لم يعره إهتماما،

توهجت عيناه بوهج بنفسجي قاتم،

رفع يده ببطء،

وجهها نحو البلورة،

هالة مظلمة أحاطت أنامله كدخان أسود خفيف،

سرعان ما تكاثف،

قبل أن يستدرك الجنود، أو حتى تلك الوحوش نيته،

أطلق موجة طاقة تجاه البلورة،

و التي ارتجف سطحها للحظة، كأنها قد استشعرت خطئا لم يكن يجب أن يُرتكب.

\--------

بعيدا، على بعد عدة أميال من ذلك المكان المقدس،

في نفس اللحظة تقريبا،

احتفال كبير أُقيم في ساحات تلك المدينة الضخمة،

بل حول ذلك العالم.

نساء تتمايلن و تتبخترن، عاليهن فساتين مرصعة من ألماس و مجوهرات تلمع نورا أبيض،

رجال يضربون الطبول، و آخرون يعزفون ألحانا عذبة على الناي، بتناغم خلق موسيقى غريبة، لكنها عذبة،

تحمل في طياتها أسرار سنين منسية،

الشباب يختارون فتياتهم بدقة و عناية تبرز ذوق كل منهم،

بينما يجلس الشاب الخجول بعيدا على حافة الطريق هناك،

أطفال يلعبون، يركضون، صوت ضحكاتهم اختلطت بألحان العازفين مما زاد الموسيقى جمالا و زاد الأجواء حياة.

الجميع يهنؤون بعضهم، على موت القربان و عودة التوازن،

طقوس تحدث كل 20 سنة أو أكثر،

لكن ...

شيء ما مختلف هذه المرة،

سُمع صوت إنفجار على بعد أميال من هنا،

ارتاب الحراس و ذعروا،

تجمد الجميع،

لم يملكوا الوقت ليفهموا،

الظلام ملأ المكان فجأة،

طاقة اللعنة التي كانت داخل القربان إيدريان، خرجت أخيرا حرة، تبحث عن وريثها القادم،

طفل في الثالثة، كان بجانب والدته الحامل،

هاجمه الظلام و دخل جسده،

"إيثااان!!"

صرخة والدته طغت على باقي الأصوات،

حاولت إبعاد صغيرها بواسطة قوى النور خاصتها،

لكنها لم تفلح....

جزء بسيط من الظلام خرج بعشوائية، و دخل رحمها،

اختلط بالمضغة داخلها...

سحب و غيوم مظلمة ثقيلة ملأت السماء حاجبة نور الشمس عنهم،

سقط الناس أرضا مغشيا عليهم،

بينما وقف بعضهم الآخر و قد أصبح غير خلقه السابق،

أطراف تتمدد،

أنياب و مخالب تبرز،

همهمات و صرخات غير بشرية تعلو،

ودماء تنتشر أرضا لتحول زينة ذلك الإحتفال الجميل إلى لوحة دامية من دم و ظلام،

و تحول أصوات الضحك إلى صراخ و بكاء،

و الموسيقى العذبة إلى أصوات دمار،

\---

— بعد إحدى عشر عاما —

في عالم مظلم، حيث لا تفرق بين الصباح و الليل إلا بقناديل منيرة متوهجة أعلى المباني،

تزحف على الأرض فتاة مراهقة،

عيناها دامعتان،

قدماها ترتجفان بشدة،

وحده صوت أنفاسها المرتجفة من يقطع سكون المكان.

توقفت حين شعرت بظل يقف فوقها يحجب نور القنديل البنفسجي،

رفعت نظرها ببطء،

رأت أمامها رجلا، يرتدي مئزرا أبيض كالثلج،

نظارة طبية يضعها فوق عينيه، تحجب نظرته الباردة الحادة.

"س\_ساعدوني ... المتحولون .... لا أريد أن أموت"

قالتها بصوت مرتجف بالكاد خرج من بين شفتيها الملتصقتين، تمد يدها نحو الرجل أمامها،

و الذي استمر يحدق فيها بجمود، قبل أن يدير ظهره و يشير لأحد رجاله بحملها.

\---------

مختبر قديم تحت الأرض،

الدماء تلف المكان، و رائحة العفن و الحديد تخنق ما تبقى من هواء،

نُقلت الفتاة إلى غرفة بيضاء تماما،

جلست على سرير قديم بلحاف أبيض تتخلله بقع داكنة جافة،

ربما هي دماء ... أو شيء آخر.

رغم بشاعة المكان و الرائحة، إلا أنها قد كانت سعيدة للغاية،

البقاء في مكان كهذا خير و أحسن من البقاء خارجا في العراء، حيث تتواجد وحوش آكلة للحوم البشر، تدعى بالمتحولين، و الذين يملكون أشكالا و آفاقا عدة،

بدأت هذه المأساة بعد فشل طقوس سحب القوى من آخر قربان،

لا أحد يعرف حقيقة ماحدث تماما، لكنه حتما كان مريعا.

رغم بشاعة المكان و الرائحة، إلا أنها قد كانت سعيدة للغاية،

البقاء في مكان كهذا خير و أحسن من البقاء خارجا في العراء، حيث تتواجد وحوش آكلة للحوم البشر، تدعى بالمتحولين، و الذين يملكون أشكالا و آفاقا عدة،

بدأت هذه المأساة بعد فشل طقوس سحب القوى من آخر قربان،

لا أحد يعلم تفاصيل الحادث، سوى أن خطئا فادحا قد ارتُكِب،

و دفع هذا العالم ثمنه غاليا.

أخذت الفتاة تغرق منقذها \_و هو عالم يدعى ديفيد\_ في بحر لا يكاد ينتهي من كلمات الشكر و الثناء، بينما كان هو يملأ إبرة بسائل أسود قاتم، قبل أن يلتفت إليها، و يسير نحوها بخطى بطيئة ثابتة، لا تحمل ترددا، بل برودا مخيفا.

وقف أمامها، لينحني قليلا، أمسك بذراعها برفق صارم، ثم حقنها بذلك السائل.

ثوان مرت ثقيلة،

حدقت الفتاة فيه باستغراب،

توهجت عينها للحظة بوهج بنفسجي قاتم،

شعرت بأحشائها تحترق، لا تدري مالسبب،

حين فتحت فمها قليلا لتسأل،

تشنجت ...

دمعت عيناها سوادا مخيفا وجد طريقه من خلال فمها و أنفها و حتى أذنيها،

عروق سوداء انتشرت حول جسدها،

و انفجرت...

تناثرت أشلائها في أرجاء الغرفة، ممتزجة بذلك السائل الأسود الذي لطخ نظارة ديفيد،

و الذي اعتدل في وقفته، أخرج دفترا صغيرا من جيبه و قلما من جيبه العلوي، و أخذ يدون ملاحظات حول ماحدث دون أن يرف له جفن، و كأنه معتاد على هذه الحوادث.

فُتح باب الغرفة، لتدخل كاثرين، امرأة شابة، بمئزر أبيض فضفاض، ترفع شعرها لأعلى، بين ذراعيها لوحة إلكترونية.

قطع سكون المكان صوت كعبها العالي و الذي توقف حين وقفت بجانب ديفيد،

حدقت في الجثة -أو ماتبقى منها- ببرود لا يقل عن جمود ديفيد.

"فشلت مجددا"

قالت مخاطبة ديفيد دون أن تحيد ناظريها عن بقايا الفتاة.

"ليس خطئي أنهم لا يتحملون هذه القوى"

قال ديفيد و قد أعاد الدفتر إلى جيبه السفلي، و علق القلم على جيبه العلوي،

استلم بعدها المنديل الذي مدته له كاثرين،

خلع نظاراته، و أخذ ينظفها بالمنديل

"اطلبي من عمال النظافة تنظيف هذه الغرفة"

قالها و قد أعاد ارتداء نظاراته،

"سيستقيلون لو علموا، و لا ألومهم صراحة إنها المرة الخامسة هذا الشهر التي ينظفون فيها هذه الغرفة"

قالتها كاثرين بنبرة لا تخفي سخريتها،

"للأسف هذا ما علينا فعله، علينا ايجاد علاج لهذا الوباء القاتل و إلا فلن يبقى على سطح هذا العالم بشري واحد، فقط تلك الوحوش المتحولة"

استدار مغادرا الغرفة، تتبعه كاثرين، يتركان خلفهما أصوات أنين خافت، ربما من تلك الجثة، أو من شيء آخر أكثر ظلاما.

"من تبقى من بين التجارب؟"

سأل ديفيد كاثرين، بينما يعبر أنظمة الحماية لوجهة معلومة،

تتبعه كاثرين التي أنزلت ناظريها إلى اللوحة بين يديها، تسير بينما تمسك اللوحة بيد، و تمرر إصبعها عليها باليد الأخرى، تقرأ بيانات التجارب، من لم يتحمل، و من تبقى،

اسم واحد فقط بقي على اللوحة،

"التجربة 106 في الغرفة 5؟"

"غريب أمره، رغم كل التجارب و الحقن إلا أنه لم يتأثر، بل تزداد قوته الجسدية و مرونته يوما بعد يوم، و تزداد شهيته للطعام، يأكل حصص أربع أطفال، كأن جسده يمتص تلك القوى المظلمة، أو .... "

"يعرفها."

دخلا أخيرا الغرفة في آخر الرواق،

كغيرها من الغرف،

بدا الاختلاف فقط في ذلك الفتى الجالس هناك، ملامحه تكتسب بعضا من الرجولة، لكنها لا تزال تحمل لمحة طفولة،

"مرحبا إيثان، استيقظت باكرا اليوم!"

ابتسمت كاثرين وهي تقترب من الصبي، الذي اكتفى بإيماءة بالكاد بدت.

"أنا سأغادر، أكملي عملكِ وأبلغيني إذا كان هناك تقدم"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الضحية المختارة

المؤلف آريانا آشبورن
2025/08/26 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة