"لم تكن الوحوش كريهة المنظر بسبب أفعالها فقط وإنما هو الجوهر يا نوفارا، عندما أتى إبليس لسيدنا آدم و أمنا حواء لم يكن يرتدي قرون حمراء ولباس أسود طويل إنما سلك الطريق الأكثر إغواءاً لهما. الأشرار يا نوفارا تكتسب هالتها المخيفة والكريهة من سوء باطنها، وليس جيناتها أو سلوكها اليومي!"
استمعت الصغيرة نوفارا ذات الثمانية أعوام إلى والدتها التي تمسد خصلات شعر صغيرتها الملساء وتروي لها القصص والعِبر في الحياة بينما الصغيرة تلاعب أصابع قدمها الصغيرة المنتفخة وتوسع عيناها على كلام والدتها فتدرك من حديثها أن الوحش الذي يقطن أسفل سريرها شرير بسبب نيته السيئة، وتدرك أيضاً أن قطتها التي أيضاً تنزل لأسفل سريرها ليست بمنزلة الوحش بسبب صفاء نيتها، إذاً ليس النزول لأسفل السرير هو البشع والمخيف وإنما الغاية منه!
"إذاً أمي جارتنا العجوز هي وحش! هي دائماً تعبس بوجهنا وترمي علينا أقبح الكلام والمعاملات السيئة!"
ضحكت والدتها بخفة على إدراك صغيرتها وربطها الطفولي للأمور فسرعان ما نبثت عندما توقفت عن القهقهة توجه تفكير صغيرتها بقولها
"أحيانا حتى البشر يتصرفون كوحوش، لكن لن تَري أو تعرفي نيتهم السيئة لكِ من أشكالهك يا صغيرتي، فتذكري الشيطان يأتيكِ بأبهي شكل حتى يستدرجكِ ويتمكن من تحطيمك، لكن لا ليست جارتنا العجوز، هي فقط امرأة كبرت بالعمر وتعبت من ضجيج الحياة يا صغيرة!"
أنهت جملتها الوالدة بضحكة خفيفة تزم خدود صغيرتها التي راحت تضحك بقوة وتحاول التملص من أيدي أمها.
***
"نوماً هنيئاً صغيرتي"
"ولكِ أمي!"
غطت الوالدة ابنتها تتمنى لها ليلة سعيدة ثم ودعتها تغلق الباب على الصغيرة تاركة إياها رفقة قطتها كي تنعمان بنوم هنيئ.
لكن سرعان ما رفعت الصغيرة نوفارا يدها تطبطب على ظهر قطتها البيضاء الصغيرة بلطف بينما تحادثها عمّا أخبرتها إياه والدتها .
"..لكن لا تخافي لم أظن يوماً أنكِ شريرة، كل الأمر أنني تساءلتُ الفرق بينكما،والآن قد علمت! "
لم تجد جواباً من قطتها بل تجاهلتها كالعادة واستمرت بالغرغرة ،فعلمت نوفارا أنها أكثرت الكلام لتقرر ترك قطتها تكمل نومها وتنام هي الأخرى.
***
*حين ينطفئ نور عالمكِ...
ابحثي عني بين نجومكِ...
صبراً ذُقته حتى وجدتكِ...
من بين آلاف العوالم كنت أسمعكِ...
إذا سمعتِ النداء لا تخافي..
فأنتِ من يفتح الأبواب وأنا حارسها..
أنتِ الحلم الذي تجرأ على عبور العوالم..
وأنا الحارس الذي انتظرتكِ منذ الأزل*
تركت التهويدة صداها ينتشر ويتبعثر في مسامع نوفارا، نوفارا التي لم تكن بمستوعبة لما حولها، فكل ما قد تبصره عيناها هو الظلام، الظلام وبصيص نور بعيد يكاد يكون نقطة، بل نجمة!
نجمة كلما أخذت نوفارا خطوة باتجاهها، كلما كبرت وتوسعت حتى ظهر من خلالها رجل لا يُبصَر من ملامحه مقدار الإنش الواحد، كل ما كانت تراه منه هو الظلال السوداء وبعض خيوط اللهب الرفيعة التي تتراقص على أطرافه بخفة.
خيوط لهب بحركاتها الخفيفة رسمت لها حدود جسده، جسده الذي يمثل سبع أضعاف جسد نوفارا الصغيرة.
لا عجب إذا أن هيئته تشبه بضخامتها أبطال العصور الأثيرية الذين كانت تقرأ عنهم بقصصها القصيرة.
مدت نوفارا يدها عندما لاحظت أن الآخر يطلب إمساك يدها، حاولت الوصول إليه لكن فشلت.
كلما كانت تتقدم إليه أكثر، كان يختفي داخل بقعة النور تلك إلى أن اختفى كلياً وعاد النور بصغره لحجم النجمة البعيدة.
"نوفارا..."
"نوفارا استيقظي لقد عاد والدكِ!"
بهذه العبارة التي نبثتها والدة نوفارا فتحت الصغيرة عيناها وملامحها يكتسيها الاندهاش والصدمة.
اختلطت الأحداث داخل رأسها فمن جهة تهزها والدتها على خبر عودة والدها من السفر، ومن الجهة الأخرى يعيد عقلها التهويدة التي سمعتها بحلمها وتعلق صورة الرجل المحارب وخيوط النار الصغيرة التي استعمرت جسده، حلم غريب لم تكن تعلم بماهيته، وقطعا لم تكن تعلم أنه بوابة صغيرة افتتحت لها.
"هيا تعالي هو في الأسفل!"
جرّتها والدتها من فراشها تأخذها لحيثما يجلس والدها والقطة الصغيرة تلحق صاحبتها بفضول هي الأخرى.
"أجل واكتشفتُ أيضاً أن تينا ليست بشريرة!هي فقط تحب اللعب أسفل السرير بكومات الصوف الملون الذي تحضره دائماً، لكن من الجهة الأخرى تلك العجوز هي الشريرة فهي لا تتصرف ببراءة ولا حُسن هي فقط تصرخ وتشتم مراراً وتكراراً"
تجلس نوفارا في حضن أبيها تثرثر له عن أحدث الأخبار لديها واكتشافاتها، أخبرته عن أحاديث والدتها لها كل ليلة،وعن حركات قطتها تينا البهلوانية المضحكة وعن روتين أيامها بشكل عام.
لكن ما غفلت عن قوله أو أنها فقط لم ترد البوح به هو حلمها الغريب، وذاك الرجل المحارب الذي جذب انتباهها خاصة بمقدار الفرق بين أجسادهما.
أكملت العائلة أيامها رفقة بعضهم وقضوا أيامهم بانشغالاتهم الخاصة ،من لديه عمل كوالدا نوفارا ومن لديه المدرسة واللهو كنوفارا، ومن ليس لديه شيء كتينا الصغيرة.
أحلام نوفارا لم تعد كسابقها،أحلام الأطفال وأصدقاء المدرسة والحي، أصبحت أكثر غرابة وأكثر عمقاً.
باتت تحلم بذاك الرجل مراراً وتكراراً، لا يبعد بين الحلم وأخيه سوى أياماً بسيطة ويعود ذات الحلم وذات الرجل وتعود نوفارا لنفس محاولاتها للإمساك بيده، ويعود ذات الفشل.
أياماً وأسابيع تمضي ونوفارا تحاول الإمساك بيد الرجل، انطلت الأسابيع وصارت أشهر، خفَّ فيها ظهور الرجل بمنامها لكنه لم ينعدم.
ومرّت الأشهر و تسارعت فكبرت صغيرتنا نوفارا وتقدمت السنوات ببذرة طفولتها حتى أزهرت وصارت الشابة نوفارا ذات العمر التاسعة عشر.
الشابة التي تعتني بتفاصيل حياتها بمنتهى الدقة، بدءاً من والديها وقطتها التي لم تعد صغيرة بعد الآن، وأطفال الروضة التي بدأت العمل بها منذ بداية الصيف.
تخصصت نوفارا في جامعتها بالفرع الأحب لقلبها ألا وهو
علم الحياة، حيث فيه تدرس كل ما يعشقه قلبها ويروي فضولها عما يدور حولها.
لكن دعونا لا نمازح بعضنا، مهما اشتدّ بنا الفضول ومهما درسنا وبحثنا، سنظل نكتشف مع الوقت بأننا على غير علم بما يدور من حولنا.
إنه جوهر علم الكون، والعلم عند الله.
وفي زمن كزمن نوفارا_بداية التسعينات_ كانت لا تزال الحياة ببداية تفتحها.
زمن حيث توجد السيارات القديمة ذات الدخان الكثيف،والهواتف الأرضية الأولية،التلفزيونات الكبيرة الهيكل والحياة الهادئة الآمنة التي تخلو من ضجيج الحداثة والتطور.
كانت نوفارا تعود دوماً من جامعتها مشياً على أقدامها الرقيقة، تدخل المنزل ورائحة طبخ والدتها اللذيذ يحتل فتحات أنفها ويحفز معدتها على إصدار الضجيج.
لكن هذا اليوم كان على غير المعتاد، فقد دخلت المنزل والرائحة التي تنبعث منه لا تنتمي لطبخ والدتها البتى،
وإنما كان والدها الذي يتحرك بكثرة بالمطبخ الصغير ويحاول إنجاز طعام معين لم تتمكن من معرفته.
"مرحبا أبي"
قالت وأعطته قبلة على خده الذي ترهل قليلا من مضي الزمان عليه.
"ما الذي تعده؟! لما ليست أمي من تطبخ؟"
"والدتك متعبة نوفي، يبدو أن السكري يعود ليعبث بها مجدداً، هي في غرفتها اذهبي واطمئني عليها"
زمّت نوفارا شفتيها و خرجت من المطبخ تخلع حقيبتها أثناء ذهابها لغرفة والدتها.
طرقت باب الغرفة والأفكار السلبية تعبث بها وتثير خوفها.
إلا الأم، هي كل الحياة، وأمها كانت شريان قلبها بدونها الحياة لا تنبض.
هدَّأت أفكارها بعدما سمعت صوت والدتها تأذن لها بالدخول فدخلت ورأتها مستلقية والابتسامة الباهتة تتراقص بخفة على شفتيها،تارة ترتفع لإبعاد قلق ابنتها وتارة تنخفض من الوهن والتعب.
"أمي! بالله عليكِ ماذا حدث؟!"
"انخفاض بالسكر صغيرتي لا شيء يستدعي القلق"
هزت نوفارا رأسها، تعلم جيداً مقدار تعب والدتها الآن وأن لا شيء سيخفف عنها تعبها سوى الدواء، وهذا ما ستهرع لفعله.
"انتظري قليلاً أمي، لن أطيل الوقت سأحضر لك الدواء وأعود سريعا"
وهرعت ركضاً قبل أن تسمح لوالدتها بالرفض والتذمر حتى.
"لا أعلم يا جيسي، أمي تعاني منه منذ فترة طويلة والدواء ذو مفعول ضعيف، نحن قلقون عليها بشدة"
قالت نوفارا تحدث صاحبة الصيدلية التي تبحث بين الرفوف على دواء يناسب والدتها.
للتو تذمرت نوفارا من الدواء بسبب ضعف فعاليته،ولكن الأخرى ما بيدها حيلة ليس وكأنها هي من تصنعه.
"هذا سيساهم بتخفيف الأعراض لكن تعلمين ليس الحل الجذري لها يوماً ما ستكبرين أكثر يا نوفارا كنجمة جميلة وتصنعين العلاج لوالدتك بيديكِ تلك"
قهقهت نوفارا بخفة على كلام الصيدلانية، هي امرأة كبيرة قليلا، هي في عقدها الرابع، لكنها ليست جاهلة لألا تعلم أن تخصص نوفارا لا يصنّع أدوية أو عقاقير حتى.
"حسنا شكرا لكِ، أعتقد أنكِ---"
"هل تعلمين معنى اسمك يا نوفارا؟!"
استغربت نوفارا وأخذت لحظة من الصمت تتمعن بسؤال جيسي، لم تفكر يوماً بمعنى اسمها أو حتى بحثت عنه.
"لا أعتقد، ربما هو اسم عشوائي لا أكثر!"
"لا شيء عشوائي في الحياة، يوماً سعيداً وأتمنى الشفاء لوالدتك أوصلي سلامي لها"
لم تكلّف نوفارا نفسها عناء إخفاء ملامح الاستغراب من غرابة تلك المرأة، لكنها لا تملك الوقت الآن لذا هي ذاهبة بطريقها نحو والدتها التي بانتظارها.
***
عجباً من هذا الوقت، الناس في الشوارع تكاد تكون معدومة، والطقس يتحايل و يُصيب نوفارا بالشك بين أنها قد تمطر أو أنها ستعود وتشرق، يبدو أن الخريف قد اقترب.
لذا أسرعت نوفارا بخطواتها وكعب صندلها الصغير يطرق بأنوثة على معبر الرصيف.
ولم تتوقف أو حتى ترفع عيناها إلى أن لمحت شيء،لربما هي تتوهم وذاكرتها تُعيد إليها صور قديمة، أو أنها حقاً قد لمحت ذاك الرجل المحارب الخارج من بوابة نور.
قشعريرة ضربت بدنها جعلته يرتجف قليلاً ثم تصنّم.
لم تميّز نوفارا رؤياها و تماشت مع عقلها على أنه مجرد وهم من ذاكرتها.
ذاكرتها التي تأبى محي صورة الرجل المحارب من مخليتها، تظل ترتسم وترتسم إلى أن تشغل نفسها بأعمالها الكثيرة وتلتهي بها عن أحلام اليقظة.
"كومة الوبر! اهدئي أنتِ تسببين لي توتر من حركاتك!"
"أبي تينا تشعر بالحماس فقط، دع ابنتي تلهو في منزلها!"
توسعت عينا الوالد وضحكت والدتها بقوة على شجاراتهما الدائمة بخصوص تينا الصغيرة، صحيح لم تعد صغيرة.
بعد أن تقدمت تينا بالعمر هرمت، ليس كصاحبتها أصبحت شابة.
لذلك نوفارا تسترق لحظات لهوها وتجلس تراقبها بحب وعيون لماعة، هي ألطف مشاهد يومها.
لذلك تمضي سهرتها كاليوم رفقة تينا و والديها، تجلس تراقب حركات تينا وانزعاج والدها منها وهي تضحك عليهما رفقة والدتها، والتي بذكرها قد خفّ ألمها بعد دواء جيسي.
"حسنا إنه منتصف الليل الآن سآخذ تينا وننام بسلام بعيداً عن تذمراتك سيد ريتشي"
وطبعا ضحكت والدتها وتعجب والدها من دفاع ابنته عن قطتها ضده، وهو مزاح الابنة رفقة أبيها.
***
*حين ينطفئ نور عالمكِ...
ابحثي عني بين نجومكِ...
صبراً ذُقته حتى وجدتكِ...
من بين آلاف العوالم كنت أسمعكِ...
إذا سمعتِ النداء لا تخافي..
فأنتِ من يفتح الأبواب وأنا حارسها..
أنتِ الحلم الذي تجرأ على عبور العوالم..
وأنا الحارس الذي انتظرتكِ منذ الأزل*
خطوة.. الثانية والتي تليها، أوشكتُ على الإمساك بك!
ابقى رجاءاً مكانك، دعني أمسك يدك للحظة.
*أنت الحلم الذي تجرأ على عبور العوالم وأنا الحارس الذي ينتظرك منذ الأزل*
أمسكتكَ!
___________________________________________
يتبع ...
AYDA✨🦋