المرض لا يأتي وحيدا
لم يكن مرض والدي بداية الحزن... بل كان لحظة فضح .
كل ما كنت اخفيه تحت جلدي من خيبات ، و كل ما خبأته خلف ابتسامتي من وجع ، خرج فجأة ... ليس في كلمات ، بل في صمت اطول و نظرات لم تعد تهرب من نفسها.
كنت في الحادية عشر ، و كنت اكبر بكثير من عمري... لا لأنني نضجت ، بل لأنني سئمت سئمت ان اكون البطلة الصامتة في كل قصة ، و ان اجبر على تحمل ما لا يقال . و ان أجيد دور القوية ، حتى حين اكون على وشك الانهيار .
" ابي لم يمت... لكنه لم يعد ابي
ابي... لم يعد ابي الذي أعرفه ، الجسد تغير ، الصوت خفت ، و النظرات التي كانت تملؤني امنا ، اصبحت تبحث عن الأمان في
منذ متى صرا كبيرة ؟ منذ متى توقفت عم الشكوى ،
و بدأت ابتلع كل شيئ بصمت مؤلم ؟
هذا ليس فقط مرض ابي . هذا هو مرض
علاقتنا ... ذاك الشيئ الذي كسر بيننا منذ سنوات ، ولم نجد الوقت او الشجاعة لنصلحه
الآن ، في هذا الضعف ، اراه يناديني ، لكنني ، لم اعد اعرف كيف اجيبه.
(1)
كنت في الحادية عشر.... السن الذي يفترض ان اركض فيها نحو حضن ابي لأحتمي من كل شيئ لكن الحضن كان مريضا ، باردا ، متعبا
انقلبت طفولتي فجأة من طفولة بريئة الى حرب لم تعاني المشاركة فيها ... و مع ذلك ، كنت فيها المقاتلة الوحيدة .
صار صوته كالسياط ، يصفعني حتى دون ان اعلوا
تغيرت عيناه ، لم تعودا تلمعان فخرا بي ، بل
تشتعلان غضبا ، كأنني سبب كل شيئ كنت اراقبه من بعيد ، ادرس كل حركة من حركاته ، أحاول ان اتجنب كل حركة من جركاته ، أحاول ان اتجنب العاصفة قبل أن تهب ان اهيئ إخوتي لليل طويل بلا أمان
كنت اقول لهم : { ابونا مريض... يجب أن نسمع الكلام ، يجب ان نحبه لاكن داخلي يصرخ : لكن هو من نسي ان يحبنا
في كل مرة كنت أضرب ، كنت أمسك دمعتي بأطراف روحي ، لا لأنني قوية ، بل لأنني لم اعد أملك مكانا للبكاء
كل رحن في صار ممتلئا ، رحت للوجع و ركن للخوف و ركن خفي صغير للأمل ..... لا اسمك له أن يطفأ في الليالي حين ينام الجميع ، كنت اكتب دون ورق ، ارسم الكلمات في الهواء ، احكي لحائط الغرفة عن فتاة اسمها "انا" ، عن بطلة صغيرة لا يراها احد لكنها موجودة.
في تلك الليلة ، كان الصراخ اعلى من المعتاد ،
أمي تبكي في المطبخ ، إخوتي يتراكظون لحظني كأنني وطنهم الوحيد ، و ابي... كان يحطم اشياء لا ذنب لها ، سوى انها امامه كنت ارتجف ، لم اعد اعرف هل ابكي ؟ اصرخ ؟ اهرب ؟ لكنني لم افعل أيا من ذلك !
بدلا من ذلك مددت يدي الصغيرة و ضممت
إخوتي إلي
احدهم كان يرتعش والآخر يختبئ في شعري ، و انا
اتمتم: " انا هنا ... لا تخافوا... انا هنا "
كانت هذه الجملة اكبر مني ، من عمري ، من جسدي
من قدرتي ، لكنني نطقتها بثبات
و في داخلي ، ولد شيئ جديد : مسؤولية لا رجعة فيها
من تلك الليلة ، تغير كل شيئ
صرت استيقظ قبل الجميع ، اعد الفطور ، البسهم ،
امشط شعر اختي الصغيرة ، اصنع الحكايات
المبهجة ، رغم ان قلبي يحاصرني بالحكاية الحقيقية لكن في كل هذا كان هنالك صوت صغير بداخلي ،
صوت لم يسمعه احد ، كان يهمس ، لا يصرخ يكبر كل يوم : " لماذا انا ؟ " لكنه
" لماذا لا يسألني احد : كيف حالك ؟
هل يراني احد ؟ ام انني شفافة لا ترى الا وقت الحاجة ...؟
كنت اخشى هذا الصوت في البداية ، كنت أقول له : " اصمت...... لدينا ما هو اهم "
لكنه لم يصمت.
كان يكبر ، ينمو ، يتسلل الى ابتسامتي المتعبة... الى الكتابات التي كنت اخبئها تحت وسادتي ، و الى دموعي التي تنذرف كل ليلة ولا ماسح لها من غير وسادتي و اطراف ملابسي
مرت اشهر ..... لم يتغير فيها شيئ ، سوى انني بدأت الاحظ الفارق ... فارق المعاملة
ابي كان يعامل إخوتي بلين معضم الأحيان ... لكنني كنت الإستثناء ، كنت ألام على كل شيئ.
و حين نكون وحدنا ، ينظر الي بنظرة غريبة ، نظرة لا أستطيع ان افسرها ، ثم يقول بصوت مكسور مرعب : " انت السبب ، انا لم اكن هكذا ، تريدين قتلي !! "
كنت احدق فيه بصمت ، لا افهم معنى هذه الكلمات ، لكنني اشعر انها مثل الطعنات في قلبي لا أملك ردا ....
او أملك ، لكنني خائفة من الرد ؛ فقط اتشبث بالصمت ، كمن يتمسك بخشبة نجاة في البحر من الجنون
ثم تأتي لحظة التحول .... في البيت ، حين يغيب صوت الاب الحقيقي ، و تغرق أمي في المها و
انهيارها ، اجدني أرتدي دون وعي دور الأم الصغيرة البس اخوتي ، اعد الطعام ، اشرح لهم الدروس ، أغني لهم كي لا يسمعوا الصراخ و اضمهم حين تنطفئ الكهرباء و قلوبهم تخاف لكن... من يضمني انا ؟ اين انا من بين كل هذه الأدوار ؟ هل يتذكر احد انني مجرد طفلة ؟ طفلة تبحث عن حضن... عن يد تمسك شعرها و تقول :
احسنت.... انا فخورة بك .
mimiya_1