تسارعت حوافر الخيل المثقلة بالحديد تعدو برتم رهيب كأنها تعزف دوي الرعد على أوتار الأرض تضربها بقوة تكاد تشقها
وكلما زادت سرعتها كانت حدوة الحافر تصك شرارات تتراقص من حولهم، وسحابة الغبار تتطاير في الأجواء تلتف كعاصفة هوجاء.
ومع كل ضربة من تلك الحوافر يرتد صداها يدق ناقوس اقتراب النهاية
دخان كثيف أحاط بهم وبات يختلط مع أنفاسهم المتسارعة يشوش أنظارهم وشعور الحرقة يكاد يعميهم
لم تستطع التراجع أو الاستسلام للخوف المتغلغل في أعماقها، أنفاسها تنفذ، تغلق عينيها وتتابع الركض مع فرسها نحو المجهول بكل ما أوتيت من قوة، كهاربة من شبح مواجهة مصير أُرغمت عليه، وكل شيء حولها يتلاشى في غياهب الدخان والغبار
استمر الأمر على حاله فترة طويلة، متى عرفوا بأمر فرارها قبل بزوغ فجر التتويج حتى كادت شمس الظهيرة تنتصف سماء المملكة.
لكن الآن وفي لحظة مباغتة كأن الزمن توقف عندها، تراءت لها الجيوش تحاصرها من كل الجهات، كأنهم سحب داكنة أحلكت الظلام فوق سماءها.
توقفت الفتاة فجأة، اتسعت عيناها في ذعر، أعلن قلبها حرباً همجية الضربات ضد قفصها الصدري فراح يعلو ويهبط عدداً لامحدود من المرات، برودة سرت في عظامها وكأن العالم من حولها قد تجمد، ولو ثنت مفاصلها لتهشمت من فورها إلى بلورات مشذبة
كانت لحظة مرعبة جداً .. صراعها مع الخوف .. تحديها لنفسها بألا تكون ضحية هذه المعركة .. نظرات الجميع لها أنّى تقيدها بسلاسل مؤلمة ..
أخذت نفساً عميقاً، تشعر بعضلات فرسها تنقبض بقوة تحت جسدها الصغير. لكن الآن بدت تلك القوة وكأنها لم تعد كافية لتلوذ بها بعيداً أين لا يصلون لها
تراجعت خطوة إلى الوراء، تمسك اللجام بإحكام وكأنها تمسك بحبل أملها الوحيد الباقي تلتف بفرسها حول نفسها تضع يدها على عنقه لتسري رعشة جسده المرتجف قليلاً إلى أصابعها التي راحت تربت له بها، لعلها بذلك تخفف من كاهل القلق الذي زعزعهما معاً.
خيارتها كانت ضئيلة بل معدومة مع هذه الحشود الغفيرة ..
هل انتهى كل شي الآن ؟
هل هذه هي النهاية ..
ليس بعد لا؛ لا ينبغي لها الاستسلام ..
لا يجب أن يبتلعها الظلام مرة أخرى ..
عليها أن تصمد أكثر .. أن تزأر بوجههم كلبوة شرسة .. وألا تظهر خوفها أو ضعفها أبداً ..
كانت هذه أفكارها أنّى عصفت عقلها على الفور ..
استدارت نحو الجيوش المتقدمة نظرت بعيونها الشهلاء العسلية الحادة إلى من كان يترأسها
إنه هو .. ملك الحكم الثالث ..
ماروف دي رانير سالفوري
أتاها بجلالة قدره ليأخذها معه .. يعيدها ملكه .. ملكة له ..
هي كانت ملكة بالفعل، ثوبها المرصع الذي راح يتدلى من على جانبيها، شعرها الكستنائي المعقود بمشبك ذهبي تمردت عليه خصلاتها المموجة كحالتها الآن وهي تتمرد على انتمائها له، ثم تلك الغمزة الفريدة التي تتوسط ذقنها أضافت لبريقها سحراً خاصاً
رفعت رأسها عالياً تنتصب بجسدها من فوق السرج كإشارة له .. كانت إشارة منها له .. وهو قد التقط إشارتها تلك ..
ثوانٍ هي .. وتحرك الملك من مكانه ..
كان لايزال فوق حصانه يدنو منها بعزوته ومع كل خطوة تقربهما من بعضهما البعض كان يتملكها شعور غريب لم تعرف ماهيته لم تقدر على ترجمته أو تعريبه، باتت أمّية المشاعر بحضرته.
توقف أمامها بمظهره المهيب على بعد خطوات قليلة يبادلها نظرات مميتة مظلمة تشع من عينيه الزيتونية
كان بهيئة شقراء داكنة وحلّة ملكية فاخرة طغت على المكان برمته، ووقار تربع على عرش كيانه بلا منازع.
أما الجنود فقد اصطفت حولهم بدوائر محكمة تحجب الأنظار عما هو كامن خلفها، تراقبهم بصمت كيف .. إنه وإياها كانا في مركز الرقعة تماماً يقابلان بعضهما ويحدقان بثبات لا يتزحزح ..
كتحدٍ من سيصمد أمام نظرات الآخر أكثر ..
من سيقطع خيط الحرير البصري بينهما أولاً ..
من سيبادر ويكسر عتبة الصمت الأبكم ..
كان هو من بدأ يرفع حاجبه مواصلاً تحديقه بها ونبرته العميقة أرجفت كيانها أطاحت بثباتها.
" لقد أبلى ديرك بلاء حسناً بتدريبك،
لم أتوقع منك أداء عالي الجودة هكذا .. "
" ولا أعتقدك تتوقع مني الآن الثناء على مديحك هذا "
إجابتها تكللت برائحة الاستهزاء تنفره منها لا أكثر.
" هيا إيرماك .. لا فرصة لك بالهرب "
كلمتان .. أربعة .. ستة ..
واضحة .. صريحة .. وحقيقة ..
حقيقة مثبتة .. أن لا فرصة لها بالهرب، كيف ذلك وهي تواجهه لوحدها بينما يترأس جيش كامل العتاد يفوقها عدداً ومهارة
اقترب منها أكثر حتى أصبح حصانه يوازي حصانها بطريقة معاكسة، والتف برأسه نحوها ...
ثمّ بهمس ناعم نطقت كلماتها التي لم يسمعها أحد غيره
" لما أنا ؟ بينما يمكنك الزواج من أي واحدة آخرى "
فرق شفتيه وقبل أن ينطق ببنت كلمة تابعت هي
" لا تقل لي حصر النسل وماشابه لأنني لن أصدق هكذا تفاهة.. "
رمقها بنظرة لعوب تشي بمكر ماقد يقوله
" بالطبع لا تعتقدين أنني هائم بك حد الشغاف المتردي .. أليس كذلك ملكتي "
ارتفع صوتها قليلاً ترتجف حبالها الصوتية إثر استفزازه لها بكلماته
" ماروف أقسم بمن أحل القسم .. أنني لن أتزوج أبداً، فقط اتركني لنفسي وأعطي أخي حريته، وتزوج أنت بأخرى تنجب لك الوريث .. "
ثم ضيقت عينيها الحادة حتى باتت كسهم توغل حدقيتيه وتجلت نبرة الوعيد في ختام قولها
" لأنني وإن تزوجتك، إياك أن تحلم بالوريث معي "
ابتسم ..
لما بحق الرب يبتسم ..
ما الذي قالته يدفعه ليبتسم ..
ابتسم وقد بان لها نابه الأيسر
" أي أوامر آخرى سيدتي
ثمّ هل أبدو لك من هنا أسد شرس حتى تخافين هذا الحد مني .. كله زواج و .."
قاطعته تصرخ بوجهه ..
" خائفة !! منك !! ..
أنا لبوة البونو .. دعني أذكرك إن نسيت ذاكرة السمكة هذا "
أرادت أن تتباهي بنفسها عسى أن تسترد أوج قوتها، لكن أمام من ؟
أمام ماروف ملك غابته .. تباً
ارتدى صدى صوتها على مسامعها مدركة بذلك مدى شدة وتيرتها العالية، وكان قد ضيق عينيه هو الآخر صوبها كتحذير أخير لها .. وهي بالطبع فهمت ذلك ..
فنظرة واحدة من عينيه كفيلة بأن تسرد لها ما يريد
نظرة معناها .. إن كنت لبوة البونو فأنا أسد دوتشيا
تابعت بهدوء مصطنع تجرعتّه مترددة
" أنا اتخذت قرار .. وأنت بفعلك هذا تتعدى على مساحتي الخاصة وتنتهك قراري "
تنهد بخفوت واقترب بحصانه يمسك لجام فرسها
كان قريباً جداً منها، قريباً حد تنفسها لأنفاسه اللاذعة، حد اعتلاء دغدغة لطيفة احمرارَ وجنتها، حد الرجفة من فخامة نبرته العميقة.
" لست أسف .. "
" ماذا .. ! "
قطبت حاجبيها تحاول فهم ماوراء كلمته
" اليوم التتويج .. ومكانك إلى جانبي ملكة لي ومعي على عرش النيفوس حتى آخر أنفاسك "
وما كان بعدها لمسة أطاحت بها في حضنه غائبة عن الوعي.
ثم سحبها رويداً حتى أضحت بكامل جسدها الصغير أمامه بين ذراعيه فوق الحصان معه.
وتمتم بكلماته قرب أذنها
" نقطة ضعفك .. تمركز الوحمة ظهرك "
أشار بنظره لِرينارد من خلفها بأن يتولى أمر فرسها ..
وبإشارة أخرى بدأت الجيوش تأخذ صفوفها عائدة إلى البلاط الملكي حيث التتويج بانتظار
الملك .. والملكة ..
...✧...
على الجانب الآخر لأرض المملكة حيث القصر يتربع على التلال الشمالية كقلعة حلق شموخها ليطيح بسمو الغمام، احاطتها أسوار ناطحات سحاب جبلت من الحجر الجيري بسماكة كبيرة ما منحها متانة تضاعفت بقوى طاقية حتى تكون منيعة ضد أي هجوم خارجي عائد لوحوش عوالم أخرى، أما أبراجها فقد غلب على هيكلها نقوش سوداء ليس وكأنها لوّنت بصباغ أسود بل لأنها نتاج امتزاج زرقة الماء الباردة مع حمرة الدماء الدافئة. كما أُلحقت حصونها العتيقة بثلاث بوابات رئيسية يتفرع لكل منها ثلاث مداخل فرعية
البوابة الأولى
بوابة هيماتيدروس تؤدي إلى بقعة جغرافية جنوبية غربية من أرض المملكة { أرض الهيمين }
البوابة الثانية
بوابة إيماسبيرجي تؤدي إلى البقعة الجغرافية الجنوبية الشرقية { أرض الإيمين }
اما البوابة الثالثة
فهي البوابة المركزية والتي تطل من خلالها على بحيرة الروزمير حيث فاصلة العبور مع العوالم الأخرى.
وكتوضيح أكثر لتوزع أراضي المملكلة يمكن تخيلها كالتالي:
هرم في زاويته العليا قصر النيفوس الملكي وفي الزواية السفلى لليمين أرض الهيمين أما لليسار أرض الإيمين، وفي مركز الهرم بحيرة الروزمير، وعلى امتداد أضلع الهرم مسرى نهر الأوڤين.
كان الحرس ينغل كنمل طوق جميع المداخل يجوب نواحيها من عمق مياهها الجوفية الممزوجة بدماء الموتى إلى قمم شرعت أعلامها السوداء لمثل هكذا يوم مبجّل، وعلى رأسهم الجيرفاسيو جارد ذلك المخلوق السحري الطاقي الغريب قائد الجيرفاسيو والحرس الملكي.
وفي محيط القصر أين تحتضن طيات الحديقة الأمامية فتاة تفترش العشب بثوبها المزركش التفت حولها دوائر متعددة لرزم ورد الفريزيا
فتاة شقراء باهية الطلة يلفتك رونق أنوثتها وتسحرك ابتسامتها الوردية، أما عيونها اللازوردية فتلك حكاية آخرى ما إن تناظرها تزورك الطمأنينة بحلتها الرفيفة معلنة عن إقامة جبرية للراحة الأبدية، رغم أنها عشرينية الهوى لكن ملامحها كانت طفولة صغرى تتلاعب بهالتها التي ما لبثت عن بهجة أضافتها لكل من حي محياها.
إلا أنها أضحت الآن من بعده..
محرمة على الكل باستثنائه..
ممنوعة عن جلهم بدونه..
هو مليكها.. وهي ملكيته..
هو وحيدها.. وهي وحيدته..
هو جنين قلبها.. وهي طفلة روحه..
كانا معاً كناية الحب..
" واحد اثنان ثلاثة
واحد اثنان ثلاثة
واحد اثنان ثلاثة "
قاطعتها أختها تشتت انتباها
" ألم تنتهي من رزم الورد بعد "
تابعت العد دون أي أجابة تذكر أو حتى إيماءة واحدة
" واحد اثنان ثلاثة "
زمت شفتيها التي ما كانت لتظهر لأحد من خلف لثامها، ثم وبنبرة هزيلة
" فينا أكلمك "
تعلثمت هذه المرة في العد فأطلقت تنهيدة خافتة ثم خاطبتها دون الالتفات لها أو التوقف عما هي في صدده مع الورود أمامها
" إنها الأخيرة
واحد اثنان ثلاثة "
التفتت تحدق بها معاتبة إياها مع ابتسامة خافتة
" هل لجلالتك أن تدرك مدى صعوبة ما كُلّف لي وتتوقف عن الاستخفاف به "
حاولت فيرلي كتم ضحكتها ويُعتبر أنها تمكنت من قمها للحظة الأخيرة لولا أن أدركتها فينا فور اهتزاز لثامها فبادلتها بضحكتها العفوية المعتادة وهمّت بالنهوض من مكانها تلف أنظارها المكان برمته
" أكاد لا أصدق أنني من نظمته "
بدلت أنظارها بينه وبين أختها وبنبرة استفهام يشوبها رشتين من القلق والتردد
" سينال إعجاب أخي؛ أليس كذلك "
غمزتها فيرلي تعقب لها
" و رينارد أيضاً "
" بالطبع، رينارد سيبهر بجمالها، لا أطيق الانتظار حتى أهديه إياها "
تنظر لتلك الرزمة الأخيرة بين كلتا يديها تلتمسها أناملها بتريث مفرط كأنها تخاف عليها من لفحها بنسمة باردة، ثم تتابع قولها
" لكن أخي مرهق بالتفاصيل .. أخشى ألا أكون عند حسن ظنه "
" متأكدة أنه سيمنحك ترقية بعد رؤيته للحديقة "
أقبلت فينا مندفعة تجاه أختها تحتضنها بقوة كادت تسقط لثام وجهها
" فينا .. على رسلك "
" أووه .. أسفة "
ابتسمت لها تبتعد رويداً لتستشعر على الفور أنامل أختها وقد زحفت إلى سنابل شعرها الذهبية تمسدها لها، تتأملها، تتأمل صباها وعنفوانها، حلاوة روحها وغنجها الدافئ، تميل برأسها قليلاً وقد رقت عيناها لهذي الروح النقية ... لكن سرعان ما تشتت مذ أن وقعت على ذلك الواقف بجوار قائد الجيرفاسيو.
وسيم للغاية؛ لكنه .. غامض
قزح قوس رماية؛ لكنه .. بالأسود وامض
ثم فولاذ درع صلابة؛ لكنه .. على باقي الأثر ماض
" هل أنت بخير ؟ هل تتألمين؟ هل استدعي جيرفاسيو نوف؟ "
لفظت كل كلامها دفعة واحدة ترتعد من فكرة اشتداد مرض أختها تلك التي لم تنتبه لنفسها كيف استندت بكلتا يديها على كتفي أختها وركنت ثقلها كي لا تسقط بأرضها
" لا داعي .. أنا بخير "
" متأكدة "
أومأت لها تطمئنها، ومثلت عليها استعادة رباطة جأشها لتبتعد عنها تاركة إياها تتفنن بلمساتها الأخيرة
ثم عبرت نحو الحديقة الخلفية أين كان يقف هو.. وراقبته عن بعد تستكين لشعور وجوده أمام عينيها فحسب.
وما إن غادره الجيرفاسيو جارد غصت بمرارة ألمها المدرع يلتبس بقعها المنتزعة جزراً مبعثرة من جسدها المتعشعش بفحاوة المرض الملقى على عاتقها حتى الممات.
ثم تابعت خطواتها تقترب منه إلى أن أضحت المسافة الفاصلة شعلة مضاءة بعشرات السنتمترات بعد أن كانت بضعة أمتار رديئة صدئة
كانا على استقامة واحدة بمواضع الجسد هو يتقدمها وهي تتوارى خلفه، إلا أن الحقيقة هي أنهما ..
كانا أشبه بحافتين متوازيتين مهما تمادى حرفها بالاتساع لا تتلاقى
شعر بها من أول وطأة لقدميها .. شعر كيف أنها تثقب ظهره بسيوف عينيها .. شعر بنسمة هادئة مرت تغازل لثامها ..
ذاك اللثام الذي حرمهّا عليه .. وحرمّه عليها
يتألم؛ كان يتألم لمجرد ذكر اسمها .. لكنها الآن هنا ..
لما عليها أن تكون هنا .. هل تتحداه بعتبة الألم ..
أمر وارد ..
والوارد أيضاً رؤيتها هنا ..
كان عليه توقع ذلك باعتباره يصادف التتويج
صدفة لعينة؛ لا ؛ بل غنيمة لحظية .. لحظية فحسب
مقيدة هي .. مكبل هو .. بينما الجميع يتطلع للبدايات الجديدة، البدايات الغير مشرعة لهما
لذا ظلا في ظل البداية أين لا يقشعها الضوء أبداً يحتضنان وسادة الزمن مع لحاف المكان أنّى الذكرى تجمعهما
ليحط غرابها الاسود على كتفها الأيمن وعلى كتفها الآخر يحط غرابه الاحمر
يدور بينهما حديث مرمز ووحدها هي من كانت تفهم لغة الرموز هذه لأنها وببساطة هي من ابتكرتها وعلمتها لهما مع ديرك
الغراب الأسود: " ليس بضحيتك "
الغراب الأحمر: " ولا أنتِ بضحيته "
يلتفتان لها في الوقت نفسه
" كلاكما ضحية "
تهمس لهما بغصة
" نعم ضحية الحب الملام "
وإذ به يلتف لها يرمقها من أعلى كتفه ينظر لها تلك النظرة الباردة
هل نظر لها حقاً..
آه ..
كم مضى على أخر نظرة بينهما وكم أتى من بعدها مشاهد بكماء حطت على ضفاف قلبيهما حتى أضحت عمياء، ولعلّها الآن كادت أن تنقشع غباشة الضباب المستديم بينهما، لكن المصير معاً هو ثامن مستحيلات الحياة
هل تُراه سمع حديث الغربان معها ..
لقد ناداهما ..
نادى غرابه .. وغرابها ..
نادى الغرابان معاً ..
دون أن يسمعه أحد آخر
فطارا له ليحط الأسود منهما على ذراعه اليسرى والأحمر راح يخفق بجناحيه حوله إلى أن فتح كفه الأيمن وتبدت وحمته المكممة هناك في باطن راحته والتي تجردت من طاقتها في يوم كان قارعة مفترق طريقيهما فحط على أصابعه وفي لحظتها عادت وحمتها تتوهج بخفوت إلا أنه أشد مما اعتادته، ترفع كفها الأيمن لتمسدها تمسد وحمتها القابعة على عرين قلبها تأن بها
أما هو فقد اكتفى بالصمت يتركها خلفه في مكانها تراقب أعقاب خطواته كأعواد ثقاب محرقة لا احتمال لإحيائها
عادت أدراجها إلى غرفتها المظلمة مع الغرابين مع ملاكئتها الحارسة مروراً بالطابق الأرضي أولاً أين تتم التحضيرات ليوم التتويج .. والجميع مشغول، كخلية نحل هائجة يعملون منذ أسابيع لهذا اليوم الموعود، عاملات يطهون الطعام قدراً تلو أخر، وأخريات يخبزون حلوى النيفون كطقس مقدس، وغيرهن مكلفات بأمور التنظيف حيث كل نثرة غبار توكل لعاملة، ثم مواضيع أخرى من تجهيز ساحات القصر وقاعاته المئة وتنسيقها لاستقبال شعبها من كلا الأرضين.
" هل صحيح أنها هربت مجدداً "
جملة همست بها إحدى الخادمات لزميلتها
" يتوجونها الملكة فتهرب كالأسيرة .. غريب أمرها "
كانت كلماتها محتقرة كسم دسه فحيح أفعى لئيمة ليأتيها رد بارد على الفور من سيدة الخدم
" أنتما كفاكما ثرثرة فارغة وتابعا عملكما "
التزمت إحداهما الأمر تتمتم لنفسها
" إلا وغضب السيدة مانويل "
لكن الأخرى حاشاها والامتثال للأوامر البتة عادت تدس جرعة سم زائدة غير مكترثة بمن يستمع لها ترمق سيدة الخدم بنظرة شامتة
" يبدو أن الأميرة الهاربة نجحت خطتها "
" لقد أتوا .. "
صرخة واحدة دوت وكانت كفيلة لسد فاه الجميع سواء تكلم أم لا ..
وما حدث بعدها هرولة الخدم من سيدهم إلى الصغير فيهم، يتوجهون إلى أقرب منافذ لهم من مناور العليات إلى نوافذ غرف القصر بأكملها إلى الدرج المعلق بين الطوابق إلى البوابات الفرعية يطلون منها ليروا جلالة ملوك عرش النيفوس ملوك الحكم الثالث
وحالما وصلت فيرلي غرفتها أزقت نحو النافذة تتقصى السبب وراء جلبة بلغت مسامعها وقد بيد لها على الفور وصولهم .
...✧...
" هل هي ميتة "
يدور حول جسدها الهامد، يحملق بها، يراقب نفسها المنعدم، يقترب منها أكثر، يمسك بيدها يرفعها قليلاً ثم يتركها فتسقط بثقل الجاذبية فوق سطح البحيرة لتتناثر بضع قطرات ماء مدماة إلى وجهه
ردت عليه روزمير بتململ كعادتها
" ما الهراء الذي تتفوه به بيدر "
انتفخ رأسه الهرمي حتى كاد مفلطحاً وانفعل في وجه كلماتها يصرخ بها
" هراء !! عندما أتكلم أنا يكون هراء، أما سيادتك مياه راكدة على الأغلب هرمتي حتى أحضرتي فتاة قربان ميتة، لأنه لا تفسير لذلك غير هذا "
التقط أنفاسه يحاول إخماد ثورة غضبه
تأفتت منه، تقترح بطريقتها الاستفزازية فكرة ما بل صدمة له
" اعطها جرعة أخرى، يبدو أنه لم يكن فعال "
صُدم منها بالفعل .. يفرق شفاهه المستقيمة فيتدلى فكه الأبيض الشاحب والأحلس وكأنها صدمة حياته الأولى
وهناك أين علا نافوخ رأسه كقبة محززة بتلافيف الدماغ جاء صوت داخلي يكلمه
هذا كان صوته الطاقي ..
حيث كل جيرفاسيو له شق تؤام من هذا الصوت يمثل قارعة الأمور مذ تدار لداره
" لا تتهور .. لا تبالغ .. أعرف أنك مصدوم .. طبيعي فقد نعتتك ونعتت مستوى طاقتك بأنه غير فعال .. لذا أجزم لك أن روزمير هرمت .. وما يترتب علينا عقد اجتماع طارئ للجيرفاسيو كي يستبعدوها بالأكثرية.. "
مازال مصدوم ، هو مصدوم
شهقة سريعة فرت من فاهه ما إن رشقته بماءها
" ما بك تمثال بيدر؛ بعد قليل سيأتون لأخذها "
ثم ألقت أمرها بحدة
" تصرف "
اعتدل بوقفته، كتف يديه منتصف صدره ثم قال وهو يهز كتفيه باستسلام مفخخ
" ما باليد حيلة "
تنهدت وقد بات الآن يلعب على الوتر الحساس لها، لكن من يقدر على استفزاز روزمير وهي بحيرة المركز الأول عبر تاريخ المملكة
" عاد للهراء مرة أخرى "
خطر .. خطر .. خطر ..
كلمة واحدة، ثلاث مرات راحت تكررها أشجار السيكويا من حولهما، فحاسة الاستشعار عن بعد فائقة تلك التي تمتلكها وهذه إحدى ميزات الروزمير
لكن روزمير بنفسها لم ترتاب من الأمر رغم أن أشجارها هي من انتفضت ذعراً
هذا إن دل على شيء فهو أنها تعرف هوية القادم ليس ولأنها بهذه القدرة المخيفة بل لشيء آخر جرى مسبقاً
" ما بها أشجارك ما الذي يحدث معها "
جملة تسرع بقولها، فما إن أنهاها حتى استشعر طاقة مثيلة له ثم أردف يهمس تحت أنفاسه حتى تصمت
" اششش "
صحيح أن السيكويا هي من استشعرت الأمر أولاً إلا أنها برمجته كدخيل غريب عنها أما الجيرفاسيو بيدر بمجرد اقترابه أكثر عرف ذاك الدخيل
جزء من الثانية، التفاتتان للوراء، وثلاث خطوات
ثم كان يقف أمامه ينحني له بنصف استدارة ويرفع رأسه يقابله
يقابل الجيرفاسيو جارد - القائد الأكبر
" حضرة القائد هل من خطب ما "
سأله باحترام تجلى بنبرته لوقفته وتعابير وجهه
لم يكن من المألوف أن يحضر الجارد إلى إحدى معالم المملكة والتي يشرف على كل منها أحد الجيرفاسيو الذين تقلص عددهم بعد الإبادة الأخيرة إلى تسعة فقط لا غير
" أنت من ستخبرني بذلك أيها الجيرفاسيو بيدر "
ما كان يدور بينهما سري للعلن فلم يسبق لشيء ما أو شخص ما أن يسمع محادثة تجمع اثنين من الجيرفاسيو
ذلك الصوت الطاقي هو من كان يحاور
جاءت إجابته بلعثمة خفيفية " الفتاة "
وبحزم سأل الجارد " ما أمرها "
" لم يتبدى الرد عليها بعد "
" هل حقنت الوحمة بالعقار "
أومأ له بالإيجاب
" ألم يظهر مفعوله بعد "
أومأ له ينفي
" حسناً "
اقترب من البحيرة يطالبها بالهدوء والانصياع له، وضع باطن كفه على سطح الماء واغمض عينيه البيضوية الواسعة والتي يتميز بها الجيرفاسيو عن غيرهم، أشكالهم بالمجمل كانت غريبة من العيون الواسعة للأنوف الصغيرة والشفاه المستقيمة مع غياب الأذن لأنهم لم يكونوا ليحتاجوها بظل وجود صوتهم الطاقي الذي كان نقطة استشعار واستقبال وإرسال، لم يقتصر الاختلاف على ملامح وجههم بل حتى أجسادهم كان صغيرة لدرجة التقزم إلا أنها تتوارى خلف عباءة بيضاء كشحوب جلودهم يطيرون بها أين لا تلامس أقدامهم الأرض بتاتاً فيتجاور طولهم مع طول سكان المملكة.
ثوانٍ هي حتى ارتفعت طاقته وبرزت أوردة رأسه وعنقه وكلا كفيه كعروق فضية متوهجة بشدة
ثلاث مناطق جسدية مكشوفة دون غيرها
أما الفتاة علت بجسدها العاري بأكمله تحيطها هالة سوداء قاتمة وحده هو من استشعرها
جحظت عيونه الواسعة فوق جحوظها وصُعق مما رأه من طاقة كينونة فيها
كان يعلم أنها ليست فتاة قربان فحسب ..
بل هي النبوءة التي حذروا منها .. نبوءة الهلاك ..
سواء موتها سُطّر اليوم أم بعد آيام فالهلاك آت معها
هلاك فوري أو هلاك أجلي ..
رفع يده باستقامة موازية لخط انخفاض جسدها إلى أن عادت المياه تغمرها جزئياً كالسابق
" ما العمل ؟ " سأله الجيرفاسيو بيدر
" لا شيء "
كلمتان بخمسة أحرف دبت الرعب في كل من كان موجود
عاد يسأله بيدر بتردد
" ما الذي تعنيه بلا شي "
" لا سلطة لي على طاقتها "
بالطبع لم يكن ليقولها لأحد وإنما فقط صوته الطاقي داخله لكن دون أن يسمعه بيدر، لذا اكتفى بالصمت كنقطة نهاية السطر واختفى بعدها مخلفاً رياح قوية بعباءته
...✧...
قُرِعت طبول الحكم يرتعد البساط تحتها ..
وأُسدلت ستارة الماء فوق رقعة الدماء لتنبض الوحمة من بعدها ..
ورتلّت أهزوجة الإيهيم في كل شبر من أرضها ..
إلا فتاة القربان غابت عن عقر دار جلالة حاكمها ..
في حفرة عميقة بارتفاع عشرة أمتار عن قاعها حيث تنبت رائحة الأجساد العتنة أسفلها، كانت هناك على مرآى الجميع بالقرب من ساحة التتويج أين نُصب ذلك الوتد الغليظ وعُلقت عليه
مكان أشبه بمسلخ أعدّ لها وأخذها على عين غفلة
أطرافها تؤلمها، والقيود المبرمة حولها تنحر أوتارها،
برودة المعدن من خلفها تؤزها كرفات ثلج طوق جسدها ينخر عظامها، تحشرجت أنفاسها تحاول فك وثاقها
لا جدوى ..
ثم إنه حتى لو نجحت سينتهي بها الأمر تسقط بأرضها وتنهد الجدران الرملية للحفرة توالياً عليها
تقدم نحوها بخطوات وئيدة ووقف على بعد ثلاثة أمتار من حافة هلاكها الأخير العازف سيمفونية الموت الرحيم
وبهدوء وحزم استل خنجره الذهبي المعكوف من خاصرته اليسرى وقولبه بيده
مرة .. مرتين .. توقف عند الثالثة
توقف .. لم يكن ضعفاً .. لم يكن جبناً ..
حاشاه من ذلك
بل كان خوفاً .. وهنا تكمن الفجوة
خوفه لم يكن لإقدامه على ذبح قربان حكمه بل من فقدانها
وكأنها عند هذه اللحظة، وبتلك النظرة عنت له شيء أو ذكرته بشيء ضبابي أثار فوضاه العارمة من جديد إلا أنه يجهله فأوراق لبلاب ذكرياته كانت تالفة لدرجة أن لا تسعفه بتذكر شي سوى بأثرها أثر الفراشة خاصتها ..
وحاسته السادسة لم تكن لتخطأ بمعرفته المسبقة لها، لكن هل هذا يكفي لإثبات امتزاج وحيها بمحياه
ثم إنه ماذا سيقول لكل تلك الوجوه التي تحدق به تراقب إنش حركة منه متطلعة لرؤية كيف ذلك الخنجر الملكي سيمزق وحمة العنق لها
الوحمة التي كانت تتباهى بها أمام مرأتها في غرفتها الصغيرة هي الآن ثاني أسباب معاناتها بعد رفيع الحظ توقيتها الذي اختارها تغرق يوم التتويج
كم عليها أن تموت مرة .. بحق الرب
وحمة صنفت كعلامة من علامات الجمال ..
أتتها كعلامة للفناء ..
من قال أن الجمال لا يفنى ..
من قال أن الجمال يطهر خطايانا، خطيئتها التي للحظتها الآن لم تعرف ماهيتها حتى تحاسب عليها
كانت تود لو تصرخ في وجوههم لو تبرر ذنباً ليس مدوناً في سجلها الأسود بعد أو أنه كذلك وقد اقترفته بغير عمد.
لذا أين في مخيلتها عقدت كفتيها وكأنها ترجو الرب تطلب أمنيتها الأخيرة التي لم تكن لتمسها بصلة، تصاعدت كلماتها نحو الجحيم السابع، وتجلت بأن تلعنهم واحداً تلو الآخر بلعنة لا تحول ولا تزول عنهم من بعد موتها ..
إلا أنها كانت هي اللعنة بحد ذاتها ..
نبوءة الهلاك .. ولعنة الثالوث ..
مشلولة عاجزة وكأن طاقتها أُفرغت منها وتركت جسداً بالياً خاوياً لا تزوره الحياة مرة في السنة، عارياً لا تغطيه إلا تلك القيود الغليظة والتي من شدة سماكتها ما كانت لتظهر شيئاً منه، شيئاً سيتعفن حين تأكله ديدان الأرض هذا إن دفنت فيها، فما أدراها لربما قد يُقدم جسدها على طبق غابة إرستوقراطية كوجبة لذيذة مغرية أكثر من كونها دسمة فتتهافت عليه حيوانات برية تنشهه ببشاعة قبيحة.
تخيلت المشهد كما لو أنها جُردت من مشاعرها، أو قد أُطلق سراح وحش الظلام بداخلها فصادقته واتخذته رفيقاً قبل أن ينقض عليها وكانت الضريبة أن فقدت حواسها أو البعض منها
أليس من الغريب أن لا تصرخ رغم رغبتها العارمة بذلك وهي لم تكن مكممة الثغر
إلا أنها لم تقدر على ذلك، ولو تمكنت لما تهاونت للحظة بأن تردح بصوتها تعريهم بلعناتها
قد يكون انتبه البعض لذلك لاختفاء صوتها لكن سرعان ما فسره بأن الخوف ردعها
ههه ..
الخوف يردعها .. نكتة قبيحة ..
الخوف تؤامها .. رفيق عزلتها .. وشرارة حديثها مع نفسها ..
كيف لا وهي قد أسمت نفسها الأخرى التي اعتادت أن تكلمها على مدار يومها وتتأملها في مرآتها ..فوفيا
اسمها الآخر كان فوفيا .. نسبة إلى فوبوس آلهة الخوف
لذا لم يكن هو السبب ..
بل كان أن أمست بكماء ..
مذ استفاقت هنا مجردة من حريتها أنفاسها وثيابها أدركت لوهلة متأخرة فقدانها لنطقها، حمحمت، حاولت التماس حنجرتها تتأكد من أنها مازالت في مكانها، من أنها لم تُنزع من حلقها وتُقدم كعينة مثالية في مادة التشريح لطلاب الطب البشري في إحدى ستاجاتهم السريرية
سحقاً كانت حنجرة مثالية ..
لم يستوقفها غياب صوتها الأنثوي من تلابيب أوتارها الصوتية تلك الأوتار التي لطالما دندنت أغانيها المفضلة وقد لُجمت الآن وكأنها دقيقة صمت على روحها
بل حاسة ثانية تغربلت كادت تلوح بالأفق هي الآخرى
بصرها الحذق ..
وهذه المرة كان من تلقاء نفسها ..
هي لم تُعمى .. ليس لهذه الدرجة ..
إلا أنها لم تبكي أبداً .. لم تذرف دمعة واحدة ..
كل ما فعلته أن أرغمت الدموع تزحف طواعية نحو جوفها تبتلعها لتحرق سبيل النجاة الوحيد فيها
من قال أنها تريد النجاة .. هي تمنت الموت سابقاً
فالنجاة ليس إلا ثناء على الداني شطآن بحره يداعب الموج أقدامه، أما ذاك الغريق أين يُسحب مع تيار خوفه الملبس كحبة حلوى الفضول فقد لفه حبل النجاة بعنقه وأدخله محكمة الإعدام مشنوق
فتبدت عليها إحدى دلائله المميزة كعلامة تختص بها دوناً عن غيرها، عروق رفيعة منتفخة بعض الشيء في زلال محجريها لكنها ليست محمرة كالعادة بل سوداء قاتمة.
نعم عروق سوداء تتشعب في جوف كلتا عينيها
هي أحست بغرابة ما تسري داخلها لكنها لم تكن لتتصور لون السواد فيها، ولم يكن ليلاحظ ذلك أحد، فأقرب شخص لها كان ذلك الذي يبعد عنها بما يفوق الخمسة أمتار وقد قولب خنجره مرتين وتوقف عند ذلك
حصالة جرة ماء تحطمت ..
قارورة نبيذ دموي تصدعت ..
حطام .. حطام .. حطام ..
كل ما يسمعه هو حطام أُرضخ فيه مع تبعاته من خراب مريع
أهذا الضمير من ينقح عليه ليوقف ما سيفعله ..
أم مشاعر مشلخة كهرمونات أنثى تلاعب كفتي ميزانه ..
أم حاسة .. حاسة سادسة ..
ورغم غرابة الضوضاء إلا أنها تخفّت تترك له مسرح جريمة المشهد، بدا هادئاً ساكناً بلا حراك كمحارب دلفت قدمه حقل ألغام ومجرد النفس كفيل لتفجير المكان
لكنه كان خائفاً من أن يؤذيها .. أن يهدر قطرة من دماءها .. أن ينزفها .. لكنه فعل ..
رجحت كفة المملكة عليها وتدلت بالكفة الأخرى أسفل ميزانه ..
قذف خنجره يمزق وحمتها يخترق جدار عنقها يثقبه من الجهة الأخرى ويلتف من خلفها يعود إليه
يعود إلى كفه الذي راح يرتعش من اللاشيء فيشد قبضته محاولاً كبح إيقاع نوتته السريع
كانت هي من فقدت حاسة نطقها دون إرادتها ..
وكان كمن فقد حاسة سمعه بإرادة منه ..
أصم أذنيه عن الجميع من حوله ..
الجميع الذي راح يتبادل التهاني وكأنهم بذلك وقعوا على مستقبل حكم آخر في مملكتهم
إلا تلك الحسناء هناك أين منصة التتويج كانت، راقبته بتوجس، مرتابة من حقيقته المخبأة وراء خشونة تُسقى بالنبيذ.
هي لم تكن لتراهن ذاتها عليه لكن لوهلة أحست بتردد ضئيل تلاشى من فوره ما إن أجفلتها وحشيته حين فتكت ببراءة صغرى لحمل وديع
هنا أدركت أنها أقفلت قفصاً عليها ..
على نفسها معه ..
مع زوجها ..
زوجها الذي مازال هناك على الحافة يكمل طقوس القربان ..
أو هذا ما تراءى لهم ..
لقد جرت العادة أن يلعق الخنجر بلسانه أن يعلق دماء القربان التي سفكها، والبقية منها تُوهب لتُروى بها ورود الفريزيا
إلا أنه لم يفعل، أوهم الجميع بذلك..
إلا أنه لم يفعل ..
لم يجرؤ ..
رجحت كفة ميزانه لها ..
لكن بعد ماذا ..
بعد فوات الآوان .. بعد موتها ..
اقترب منه ديرك الذي لولا ما جرى بينهما منذ ساعات لم يكن لينظر له أو يكلمه ناهيك عن حديثه معه لم يكن ليتواجد هنا حتى.
ماروف و ديرك ..
كانا معادلة غير صائبة ..
لأنه وببساطة كمن يصب الزيت على النار ..
" دعني أتولى باقي أمرها "
أمرها .. أمر تلك الفتاة التي تجلت اليوم قرباناً لشعب بأكمله ولمملكة بجبروتها فقط لكون الوقت لم يلعب لصالحها أو فقط لكونها تمتلك وحمة.
وحمة لعينة ..
أما البقية فهي الوعيد المنتظر الذي لا ولن يُقتصر على ذبول ورد الفريزيا ما لم تُسقى بدماء فتاة القربان وإنما ما يتحتم عليه من خراب قد يكون لامعهود ولم يسبقْ له أن كان، عدا عن نصيب نهر الأوفين من تلك الدماء
ماروف لم يكن ليقبل ذلك بالعادة إلا أنه الآن لم يكن ليرفض أيضاً
أومأ له يستجيب لطلبه ثم نظر لها
نظر لآخر مرة ..
أما هي فلم تكن بوارد تلك النظرة حتى ..
كانت في بداءة عالم آخر يوازي طيف خيالها تحدث فوفيا كعادتها
عادة تودعها للمرة الآخيرة ..
" وحمتي حمراء .. أوه حتى هي أصبحت حمراء، إنها تختفي بل اختفت بالفعل واختفت معها إحدى علامات جمالي، أو على الأرجح اختبئت بعد ما تلظت لوناً من دمائي.
على سيرة الأحمر ..
شعري لم يكن أحمر ..
في كل صباح لي كنت استيقظ وأرى خصلة تلونت به بهذا اللون الذي ينزفني ولست بأنزفه إلى أن تحول بأكمله هكذا، عدا عن تصببي له عرقاً
كان لابد من وجود أي تفسير علمي أو طبي لحالتي لكن الأطباء جهلوا السبب، واضطررت للتأقلم مع الأمر لوحدي من بعدها .. ثلاثة سنوات كانت كالقصاص لي والآن أنحر كقربانة أمام مملكة لا أعرف ماهيتها لذنب لا أعرفه
أما نفذ العذاب بحق الرب ..
كل ما يراودني أن دمائي غلبت كلّي واسترسلت مساماتي وكأنها حتى هي زيادة عني وكأن الكون يعاقبتي فأنزف أيامي قبل آلامي "
توقفت عن حديثها مرغمة ..
وهذا كان أكثر ما تكرهه ..
عرقلة حديثها .. أن يعرقل أحدهم حوارها مع نفسها، لكنه لم يكن الآن شخصاً بل كان
دماء تخدق من شريانها السباتي ..
روحها تتحرر .. وجسدها يتأرجح ..
أما عيناها تغلق هوادية ..
____________________________________
» احم احم .. دخول رايق مسبب حرايق
» رأيكم بالبارت بالمجمل !!
» الشخصيات
____________________________________
✧ ردهة آرائكم وتقييمكم ✧
__________________________
🩸 .. See you soon .. 💧