عادت ناير إلى الأرض بين الجموع لكن لم يكن أحد حولها حتى إيلا بدت وكأنها ابتلعتها الكتلة البشرية
والموسيقى بدأت تعلو مجددًا، والدائرة المخصص للرقص أصبحت ساحة دوّارة من الأجساد لكن ناير لم تتحرّك
وقفت في زاوية ظل ضيّقة وأنفاسها ضيقة وقلبها ينقر داخل صدرها كأن شيئًا ما يقترب وفجأة سمعت خطاه قبل أن يظهر، ليست الخطى هي التي أخافتها بل توقيتُها، كانت منتظمة بدقة كأنها إيقاع عقوبة أو طريقة متعمَّدة لإرباك التركيز ثم ظهر دون عجلة، بلا حذر كما لو أنه يتحرّك في أرضٍ يملكها وكان رونان
وقف على بُعد خطوات وعيونه ما زالت زرقاء صافية متّقدة بلا حرارة وتجمّدت ناير ولكن لم تستدر، لم تهرب، لم تتقدم لكنها شعرت به ورأت ظله يقترب على الأرض ورأت نظرات البعض تلتفت إليهم بحذر ثم تعود تتجاهل فلا أحد يُقاطع من يقف في فلك الألفا القادم
صوته خرج فجأة منخفضًا ثابتًا به نبرة لا تعتذر بل تعترف «رفيقتي»
تصلبت رقبتها وردّت عليه دون أن تنظر له "إذا كنت تنتظر شيئًا مني فلن تحصل عليه"
كان صمته امتدادًا لها ولم يجب عليها، فقط نظر إليها كما لو كانت لوحةً على جدار، جميلة لكنها لا تعني شيئًا ورفع يده لا كتهديد بل إشارة عابرة ثم قال بصوته أخير "أنتِ ملكي بالقوة إن لزم الأمر" جملته لم تكن عاطفية ولم تكن إعلان حب بل كانت تهديدًا إداريًا كمن يقول؛ ستُسلَّمين مهما طال الوقت
هو لا يرى العالم كما تراه ولا يفهم أن الكائنات تُبنى على المشاعر، هو يرى الملكية كما تُرى الأرض؛ شيءٌ يُحتفظ به بالقوة، لا بالإقناع
هنا فقط استدارت إليه ونظرت إليه مباشرة
وللحظة الكون كله تقلّص إلى عينيه وعينيها الساحة حولهم اختفت والضوء خفت والحاضرون أصبحوا ظلالًا تتنفس على الهامش وبصوت خافت لكنه أوجع كل شيء "أنت مريض"
لكنه ابتسم من جديد وهذه المرّة اتسعت ابتسامته قليلاً لكن عينيه لم تشاركا فيها وكان فمه يقول؛ أنا مسرور لكن وجهه يقول؛ أنا لا أشعر بشيء ومع تلك الابتسامة، قال جملته التالية كأنها تقرير إداري
"أنا واقعي والضعفاء يُزاحون، كايل كان مشكلة" ثم مال برأسه قليلًا، بطريقة لم تفهمها وأضاف "ولن أبتعد أيضًا" ثم استدار ومضى
وكأنّه وضع بين يديها قنبلة مؤجلة التفجير وتركها تختار أتفككها أم تتركها تنفجر داخلها؟
بقيت ناير واقفة تنظر إلى الفراغ الذي تركه بعده
وكأن الأرض نفسها لم تعد كما كانت قبل خطواته
الهواء حولها أصبح مادةً سميكة تُعيق الحركة لأن كل ما في داخلها من قلب وذكرى ونبض أصبح فجأة أثقل من أن يُحمل وكل ما أدركته أن شيئًا كبيرًا قد سقط داخلها وأنه لا يمكن إصلاحه وقالت في سرّها ببطء، بثقل، بجمودٍ لا يعرف الرحمة «لقد انتهى»
لم تقصد فقط حديثهما بل كل ما بُنِيَ داخـلها على مدى السنوات، من حُلم اللقاء، من خرافة الرفيق الروحي، من رجاء صغير كان يتغذّى على قصص الجدات بأن القمر لا يخذل مَن انتظره والآن قد خذلها
أدارت ظهرها لما تبقى من الحفل، لم تعد تسمع أصوات الأقدام التي ترقص على الأرضية الخشبية،
كل ما تسمعه كان قلبها وهو يُقرع في صدرها كطبل جنازة ثم مشت خطوة بخطوة نحو الباب الحجري الجانبي الذي لا يخرج منه أحد عادةً لكنها لم تكن من الذين ينتظرون الإذن
رفعت يدها إلى صدرها حيث كانت لا تزال تشعر بذلك الخيط الذي ربطها به، ذلك الخيط الذي رغم الألم لم ينقطع لكنها قررت بنفسها أن تمزقه
قالت ببطء «سأغادر للأبد» ولم يكن قرارها وليد لحظة، كان قد تشكّل ببطء مثل جليدٍ ينمو تحت سطح بحيرة راكدة، لا يراه أحد لكنه يتوسّع ويتمدد
حتى يغدو صلبًا بما يكفي ليمنع أي سفينة من العبور
«سأطلب نقلًا إلى مشفى القطيع الغربي بالتأكيد وسأخبرهم أنني متعبة لا أكثر وسأدّعي أنني أحتاج وقتًا، أنني أبحث عن راحتي» وسارت على الأرضية
وحذاؤها يحدث صوتًا خافتًا لا يقطعه إلا أنفاسها المتقطعة
«سأغادر قبل أن يُقال لي؛ تقبّليه رغم كل شيء، سأغادر قبل أن ينظر في عيني ويطلب المغفرة،
قبل أن يحاول استعادة ما لا يمكن استعادته،
قبل أن أضعف وقبل أن أصدق أنه ربما لم يكن هو»
كانت ريا صامتة داخلها، الذئبة التي لطالما هتفت بصوتها الداخلي، الآن كانت متحجرة، لا مع ولا ضد
كأنها تُراقب ناير تختار مصيرها بنفسها دون وصاية القمر ودون صرخة الذئاب
كادت يدها أن تمسك مقبض الباب الحجري البارد،
ذلك الباب الجانبي الذي لا يعبره سواها الان، حين صفعها التذكّر كحبل يُشدّ على عنقها «..بعد الرقصة القادمة، أرجو أن تبقي» جملة الألفا
توقفت وأصابها شعورٌ مزعج، انخفضت يدها ببطء،
الأنامل التي كانت تتشبث بالرحيل عادت إلى جانبها
كأنها أُرغمت على التخلي عن قرار شقّ الطريق
وأدارت وجهها للخلف ببطء والضوء من خلفها جعل ظلّها يمتدّ أمامها كأنها ترى نفسها مقيدة، لا بقيد حديد بل بقيد الواجب وقالت لنفسها داخليًا والكلمات ثقيلة، مُرّة، تنزفها لا تنطقها «هذا ليس تنازلًا إنه تأجيل»
عادت بخطى متوترة، متأنية لكن لا أحد لاحظ عودتها والعالم من حولها كان لا يزال سابحًا في الرقص والنغم والتصفيق، الجميع هنا منشغلون بالحلم أما هي فكانت تجرّ كابوسها بين أضلعها
وتجلسه إلى جوارها على المقعد الخشبي كما يجلس جنديّ بجانب جثته وينتظر الأمر بالانسحاب
جلست مجددًا ووضعَت راحة يدها على ركبتيها
ولم تُلقِ نظرة على أحد. الرقصة التالية بدأت،
رقصة الرفاق المحتملين، كانت اللحظة التي تتلاقى فيها الأرواح، حيث الذئاب التي بلغت السنّ القانونيّ ثمانية عشر عامًا تشعر بالنّداء الداخلي إن كان رفيقها في القاعة
أحيانًا يأتي النّداء صاعقًا
وأحيانًا لا يأتي أبدًا
وناير؟ ظلت تنتظر ست سنوات وحين جاء، جاءها كطعنة ورفعت عينيها أخيرًا فرأته يقف في ركنٍ، لا تفصله عنها سوى بضع خطوات وهاوية
كان لايزال يراقبها كما لو أن النظرات عنده نوعٌ من الحديث، لم تبادله النظرة بل أدارت وجهها ببطء
ثم رفعت كأس الماء من على الطاولة وشربت منه كما لو كانت تشرب مرارتها ،كل شيء في حركاتها كان هادئًا لكن مملوءًا بالرفض ثم بعد دقائق مرت كأنها قرون
رنّ صوت على مكبّرٍ ناعم "نرجو من السيدة ناير دروڤ التوجه إلى مكتب الألفا الخاص" مكتب الألفا الذي لا يُستدعى إليه أحد إلا لمحادثة شخصية وليست تحقيقًا بل اعترافًا أو طلبًا أو قرارًا
ارتفع قلبها في صدرها
ثم هبط دفعة واحدة
ثم وقفت وتحركت وكلّ نبضٍ فيها كان يقول
«سأسمع ثم أرحل، سأُتمّ ما بقي من هذا الحفل بوجهٍ لا يهتز ثم ابحث عن طريقة لقطع هذا الرابط ولو اضطررت إلى قطع جزءٍ من روحي معه» الجداران من حولها مكسوان بأقمشة داكنة والأضواء خافتة
وكأن الممر المؤدي إلى مكتب الألفا قد بُني خصيصًا ليُقلّص النفس ويُرغم القلب على الانكماش
وحين وصلت إلى الباب الكبير توقفت، لا عن ضعف
بل لأن بداخلها صوتًا كان يتململ «ستدخلين له»
ريا همست، الذئبة بداخلها بتلك النبرة التي لا تعرف الحنان ولا تُخفي ازدراءها «هو الألفا، ريا لا خيار لي»
«كنتِ ستغادرين منذ لحظة أكان ذلك خيارًا أم رغبةً في النجاة»
ناير سكتت ثم قالت بعد لحظة «لن أغادر قبل أن أُتمّ ما بدأته الليلة، لا أريد أن يقال إنني هربت حين ناداني أحد»
«كِبرياؤكِ لا يُغني عن قلبكِ يا ناير ولا قلبكِ يصلح وقودًا لمهمّة لا تعرفين غايتها»
«سأكون حاضرة بجسدي لا بروحي، سيكلمني وسأردّ ثم أذهب»
«وتظنين أن رونان لن يكون هناك»
تشنّج فكّها «فليكن، إن كان حاضرًا فليسمع، أنا لا أؤمن بشيء يربطني به»
«أنتِ تكذبين»
ناير أغمضت عينيها «أنا أحاول أن أعيش ريا، هل هذا كثير؟ هل العدل أن يُفرض عليّ حبُّ من قتل دمي»
وضعت ناير يدها على مقبض الباب ولم تدفعه بعد
لكن نظراتها علقت في الخشب الداكن
أخذت نفسًا عميقًا
ودفعت الباب ببطء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع
رسل