الوعي لم يعد يعود تدريجيًا كما في المرات السابقة بل كأنها قُذفت بقوة من هاوية الذهول إلى صخرة الإدراك القاسي
عيناها فُتحتا، لا لليقظة بل للصراخ الداخلي، للانتباه الفجائي كأن روحها انتزعت عنها الغطاء فجأة وأُجبرت على النظر في وجه ما كانت تهرب منه طوال اثني عشر عامًا
لم تكن قد فقدت الوعي تمامًا بل كأن جسدها قد أطفأ نفسه ليهرب من الضغط كما تفعل الذئاب حن يُحاصرها الخطر فتُسلم نفسها للصمت لبرهة، لتستعيد أنفاسها
كانت جالسة على أريكة جلدية في غرفة جانبية شبه مظلمة، رائحة الجلد المصقول والعطر الحادّ الرجولي في المكان لم تمنحها راحة بل زادت من ارتباكها
صمتٌ كثيف، خدرٌ في أطرافها، حرارة في رأسها وبرودة في قلبها ثمّ رائحة مألوفة، رائحة الخشب المحترق والشتاء. جاء الصوت من الداخل، من أحشائها، من الذئبة التي تنام في عظامها «إنه هنا»
«ريا، اخرسي» قالتها داخل عقلها لكن الصوت كان واهنًا، مُنهزمًا كمن يقول ما لا يقصده ثمّ ارتفع ظلّ على عتبة الباب
واقف ولا يتحرك ولا يتكلّم ولا يستأذن
رونان دريڤن
عرفته، لم تحتج أن ترى وجهه بوضوح، لقد حفرت ذاكرتها تلك العينين وذلك الصمت، ذلك الوقوف.
وها هو يقف مرةً أخرى بعد كل هذه السنين، في ليلة لم تكن تعرف أنها ستكون لحظة انكشاف وليس لحظة خلاص
الذكرى عادت تضربتها بقسوة، شقيقها كايل المراهق الذي أصرّ على حراسة الحظائر في ليلة اكتمال القمر والذئاب التي هجمت وتلك الصرخات و رونان
صرخت في داخلها وهي تراه يتقدم خطوة. شفتاها ارتجفتا ووجهها شحب أكثر مما كان وقلبها انتفض
ليس فقط لأنه واقف هنا بل لأنها شعرت به
ذلك الخيط الذي لم تشعر به من قبل، منذ بلغت الثامنة عشرة، تلك الرعشة التي كُتب أن تشعر بها حين يقترب رفيق الروح، ارتجّت في صدرها الآن من أجله، لأجله، له، كأنه وُضع داخلها منذ الخلق لانه رفيقها
لا، لا، لا..
«ريا قولي إنها هلوسة، قولي إننا أخطأنا، قولي إنه وهم» لكن ريا كانت صامتة كأنها غارقة في سكرٍ مفاجئ، كأنها تشمّ الهواء بلهفة من لم يتنفس منذ سنوات «أشعر به، أشعر بكِ من خلاله، إنه هو»
«هو قاتل أخي!»
«وهو روحك، ناير» الرفض انفجر في قلبها كما ينفجر زجاج في يد طفل ونهضت، وقفت على قدميها ويداها ترتجفان، شفاهها تنفرج قليلاً كمن على وشك أن يصرخ أو يتقيأ "أنت.." لكن الكلمة لم تكتمل
عيناها تلتقيان بعينيه، رونان لم يتكلّم، لم يقترب أكثر من اللازم لكن حضوره ملأ المكان. في عينيه لا ندم ولا اعتذار ولا ترحيب فقط وعيٌ صارم بأنه يعرف كل شيء وهو يعلم أنها أدركت وأنه لا ينكر
ولا يشرح ولا يُبرّر كأنّ العالم اختصر في تلك اللحظة
«أنا رفيقك وأنا من كنتِ تكرهين اسمه في صلاتك كل ليلة»
"لا، لا تقترب" قالتها ناير بصوت مبحوح لكنّه لم يتحرك أصلًا ومع ذلك وجوده كان كالسير على حافة هاوية، حتى لو ظلّ واقفًا في مكانه "أنا لا أريدك"
أكملت وهي ترفع ذقنها رغم الاختناق في حلقها
"حتى لو كتبت آلهة القمر اسمك على جلدي، حتى لو اختارتك روحي سأمزّق هذه الرابطة بنفسي"
وصمت ورأت شيئًا في عينيه، شيئًا لم يكن غضبًا ولا حزنًا بل نوعٌ من الاعتراف الهادئ، من الموافقة الصامتة على الحرب القادمة ثم دار جسده ببطء دون أن يرد. كانت ترفضه بكل جوارحها وتنكر أن في عمقها شيءٌ منها ركض نحوه
خرج
خرج بصمتٍ، ببطءٍ، بكبرياء لم يكن فيه تعالٍ بل إعلانٌ بارد عن أنه ليس بحاجة لشرح ولا لاعتراف ولا لطلب مغفرة، وحدها بقيت واقفة في مكانها والجدران تدور وكأن الأرض تسحب الهواء من رئتيها كما يُسحب الماء من سفينة تغرق
شعرت بأن ساقيها لم تعودا لها، كأن مفاصلها تفككت وتذكّرت للمرة الأولى منذ زمن بعيد كم كانت ضعيفة يوم مات أخوها وارتجفت
هل هذا هو رفيقها فعلا؟
«ريا..؟» نادت داخلها لكن الذئبة لم تجب، صوتها كان غائبًا أو خائفًا أو مذهولًا
أغمضت عينيها فاندفعت الذكرى من جديد. كانت في الثانيه عشرة من عمرها يومها ولم تكن تفهم كل ما يعنيه أن تكون مستذئبة لكنها كانت تعرف صوت أخيها
"اختبئي يا ناير، لا تتحركي" تذكّرت وجهه، تذكّرت كيف انطلق، كيف ظنت أنه سيكون بخير وكيف لم يعد
ورأت رونان في تلك الليلة من فوق التل واقفًا
لا يساعد ولا يأمر بالنجدة، لا يتحرّك وقد كان هو الابن الموعود، الذي يُقال إنه أقسى من أبيه وأذكى من أمه وأقرب للقيادة من كل من في القطيع لكنه في تلك الليلة كان صامتًا
والآن يعود بعد اثني عشر عامًا ليتسلّم زمام الحكم بعد أبيه ويقف أمامها في ذات الليلة التي تمنت أن تختفي فيها من هذا المكان إلى الأبد ويكسرها دون أن يلمسها «لا لا، هذا ليس عدلًا» تمتمت بينما كانت يداها تضغطان على فستانها كما لو كان سيذوب عنها
نظرت إلى المرآة أمامها، فستانها الأحمر المطرّز الذي ظنت أنه سيُبرزها في الحفلة، بدا الآن كقيدٍ حول جسدها وعيناها واسعتان، وجهها شاحب كأن دمه قد انسحب منه وشفاهها مشقّقة من الصدمة، اقتربت من المرآة ببطء وكأنها تخشى أن ترى ما لا تطيق رؤيته ولمّا نظرت لم ترَ نفسها
رأت عيني كايل ورأت وجه رونان ورأت تلك الرعشة الخائنة التي انتفضت في قلبها حين اقترب، كيف تجرأت روحها على أن تعترف به؟ كيف سمحت لذئبتها أن تخفق نحوه؟ كيف اختارها القدر أن تكون مربوطة إلى أبد الدهر بشخصٍ لا تستطيع أن تسامحه؟ ثم سقطت على ركبتيها بصمت، لا صراخ، لا دموع، فقط انهيار
رأسها انحنى للأمام ويداها ارتعشتا وهي تمسحان الهواء كمن يبحث عن شيء لا يُرى ثمّ أخيرًا جاء صوت ريا من الداخل هادئًا، مهزومًا، ناعمًا كما لو كان يُتمتم تحت الرماد «أنا لا أفهم ناير لكنني لا أستطيع أن أكرهه»
«إذن اخرجي من جسدي لو اخترته فأنتِ خائنة مثله» تمتمت بمرارة
«أنا لم أختره، هو اختير لنا» ناير شهقت، لا من ألم بل من قهر. هل كانت تنتظر رفيقها الروحي كي تلعنه؟ هل أنفقت سنوات صلاتها وأحلامها وتوقعاتها وحنينها لتكون هذه هي النتيجة؟
اقتربت من النافذة وفتحتها، الهواء الليلي لفح وجهها لكنّه لم يطهّره. في الخارج سُمعت لحنٌ جديد في الحفل وراقصون يعودون إلى المنصة وأضواء تتمايل، ضحكات تتصاعد ولا أحد فيهم يعرف أن داخل هذه الغرفة تقف امرأة رُبط قلبها بمن لا تغفر له
وأنه من الآن فصاعدًا سيُصبح الحاكم
دقات الموسيقى عادت ترقص فوق أنفاس الليل لكن شيئًا داخل ناير كان لا يزال ساكنًا، ساكنًا حدّ التمزق
رياح الليل التي لامست خدها كانت باردة لكنها لم تكن كافية لتبريد حرائقها ولا لتذويب تلك النظرة الأخيرة التي تركها رونان دريڤن في عمق قلبها دون أن ينطق بحرف
أغمضت عينيها للحظة لكنّ صدى الخطوات على الأرضية الخشبية من خلفها أيقظها على الفور
خفيفة وسريعة ومترددة «إيلا» قالت داخل عقلها قبل حتى أن تلتفت ولم تُخطئ
"ناير؟" جاء الصوت أنثويًا، مشدوهًا، حذرًا كمن يطرق باب جرح مفتوح. تأخرت ناير لحظة قبل أن تستدير كأنها تُعيد ترتيب عضلات وجهها لتبدو كما يجب لكن لا شيء منها كان كما يجب
وحين التفتت رأت إيلا واقفة عند المدخل وأنفاسها مبهورة، شعرها الكستنائي المجعد متناثر حول وجهها الصغير ويداها مضمومتان إلى صدرها كما تفعل حين تشعر بالقلق، حدّقت فيها بعينين تتّسعان تدريجيًا "لقد اغمى عليك فجأة، لقد قلقة عليكِ" همست إيلا ولكن ناير لم تجب، لم يكن في إمكانها أن تنطق اسمه الآن، لا بعد أن ارتبط فيها فجأة بحبال غير مرئية إلى قلبها "أنا رأيت رونان، لقد حمل" أكملت إيلا واقتربت خطوة "كان هنا واقفًا في الباب ولم يتكلّم، فقط نظر اليك ثم خرج وكنتِ خلفه"
صمتت ثمّ بخفّة مترددة جلست إيلا على حافة الأريكة تنظر إلى صديقتها بعينين ممتلئتين بأسئلة لا تُسأل "هل قال لك شيئًا" ناير ابتسمت ابتسامة لم تكن ابتسامة "قال كل شيء دون أن يتكلم" نطقتها وكل حرف منها يقطر مرارة
"أنا لا أفهم" سألت إيلا بصوتٍ أقرب إلى الرجاء
تقدّمت ناير بخطوات بطيئة حتى جلست بجوارها،
أسندت ظهرها للحافة ونظرت إلى السقف ثم إلى وجه صديقتها، ثم تمتمت بصوت أقرب للهمس
"رفيقي الروحي" شهقت إيلا وانفتحت عيناها على اتساعهما وشفتاها تفترقان كأن الكلمة كانت خنجرًا طُعن في صدرها بدل صدر ناير
ناير نظرت أمامها بلا رمش وصوتها خرج هشًّا وكأن الكلمات تُسلّ من لحمها "رونان دريڤن، رفيقي الروحي" سقط الصمت عليهما كقنينة زيت مكسورة.
تصلبت إيلا والدم فرّ من وجهها وظلت تردد اسمه بداخلها دون صوت ثمّ همست "رونان؟ ابن ألفا؟ الذي كان في الشمال؟ الذي سيستلم قيادة القطيع" ناير أومأت، لا ببطء بل بإنهاك كأنها تقرّ بحكم لم تختاره
ثم قالت بصوت واهن "وكان في تلك الليلة قبل اثني عشر عامًا، كان هناك" شهقت إيلا مرة ثانية لكنها لم تجرؤ على لمس صديقتها وفقط وضعت يديها على ركبتيها تضغط عليهما لتمنع نفسها من الرجفة "ولكن هذا مستحيل، هذه رابطة مقدّسة.، لا يمكن أن يكون"
ناير قطعتها ودمعة واحدة انسابت على خدها دون صوت "الرابطة لا تختار الصالحين يا إيلا، تختار الحقيقة ولو كانت سُمًّا" ثم ساد الصمت حتى ريا سكنت وحتى قلبها خفّ نبضه، لا لأنه اطمأن بل لأنه تعب ثم بصوت خافت كالتنهيدة همست إيلا "ماذا ستفعلين"
لم تجب ناير، فقط رفعت نظرها من الأرض إلى النافذة، إلى السماء العالية حيث القمر الكامل لا يزال يحدّق فيها وقالت ببطء "سأغادر قبل أن يكسرني أكثر" قالتها ناير ولم تنظر إلى إيلا بل إلى القمر وكأنها تطلب إذنه وكأنها تُقدّم استقالتها من حُلمٍ قديم كان ينتظر اللحظة التي تشتعل فيه روحها
وها هي اشتعلت لكنها احترقت بدل أن تُضيء
جلست إيلا بصمتٍ ثقيل، لا تعلم هل تمسك بيد صديقتها أم تتركها لتتحطم وحدها في صمتٍ يحفظ كبرياءها أما ناير فقد بدأت عيناها تجفّان، لا لأن الألم انتهى بل لأن المعركة الآن تحوّلت إلى تخطيط
هناك دومًا مرحلة بعد الصدمة، تأتي فيها البرودة، التحجّر والتدبير، تنفّست بعمق كأنها تتأكد من أن جسدها لا يزال يعمل ثمّ أدارت وجهها نحو إيلا ببطء وقالت بصوت خافتٍ وثابت "لن أقول لهما"
"لمن" سألت إيلا رغم أنها عرفت الإجابة "أمي وأبي
لن يعرفا، لن أسمح لهما بأن يُقتلا للمرة الثانية" عينها لم ترتجف وهي تتكلم وكأن شيئًا جليديًّا تجمّد خلف جفنيها، لا بكاء، لا تردد، لا شفقة
"أن يُقال لهما إن رفيق ابنتهما هو نفسه من كان سببًا في مقتل ابنهما كايل، هو انهيار لا يحقّ لي أن أُضيفه إلى ما تحمّلاه هما عاشا على أمل أن يُعوّضني القمر،
أن يهبني رفيقًا يُرمّم ما تحطم بي وأنا لا أستطيع أن أقول لهما إن هذا الرفيق هو جدار الحفرة لا سُلّم النجاة"
"لكن ناير ماذا لو اكتشفا لاحقًا " همست إيلا بصوت مُرتجف وناير أغمضت عينيها لحظة "حينها سأكون قد اختفيت" أخذت إيلا شهيقًا حذرًا وأرادت أن تسأل؛ إلى أين؟ لكنها عرفت أن الإجابة ليست في كلمات بل في قرار نضج كالسمّ في قلب صديقتها
فناير كانت تنسج الهروب بداخلها بهدوء كما تُخيط الجراح المغلقة. تكلمت ناير أخيرًا ببطء شديد وكأن كل كلمة تُغرز بمسمار في صدرها "سأطلب نقلًا مؤقتًا إلى مشفى القطيع الغربي عند الذئاب الحدودية، لا يسألون كثيرًا وسأُرسل حقيبة ملابس قليلة وأترك أخرى في العلن كأنني سأعود بعد أسبوع"
سكتت ثم أكملت "لكنني لن أعود وسأكتب لهم لاحقًا أنني التقيت برفيقي لكني لا أريده وسأجعلهم يظنون أنه شخصٌ عادي، غير مناسب، لا قاتل، لا حامل لذكرى الدم"
ثمّ رفعت عينيها نحو إيلا وبدا فيها بريقٌ مختلط من الحسم والحزن والوداع "أريدك أن تبتسمي لأمي وتكذبي عنها حين تسأل، قولي لها إنني بخير وإنني أحتاج بعض الوقت فقط وأنني سعيدة"
إيلا غطّت فمها بكفّها المرتجف، دموعها نزلت أخيرًا لكنها لم تُصدر صوتًا أما ناير فلم تبكِ لأن من يبكون ما زالوا يصدّقون أن هناك شيئًا يمكن أن يتغير
أما هي فقد شعرت أن الاختيار الوحيد الذي بقي لها هو أن تنجو من الرابطة ولو كان ثمن النجاة هو أن تقتل الحلم الذي انتظرته نصف حياتها
خرجت من الغرفة الجانبيه تترك إيلا واقفة خلفها وأعادت تثبيت الفستان على جسدها كأنما ترتدي درعًا لا ثوبًا، مسحت بيدٍ مرتعشة تحت عينيها، لا لأن هناك دموعًا بل لتُذكّر نفسها أنها لا تملك ترف البكاء الآن وكل خطوة منها لا تُنتج صوتًا بل تنهيدة وكل تنهيدة كانت تشقّ صدرها نصفين
الممر المؤدي إلى ساحة الحفل كان لا يزال ينبض بأصوات بعيدة، ضحكات وخطوات وارتطام كؤوس وصوت خافت لعودٍ يُعزف على أوتار الهواء. كان المشعل قرب الباب الرئيسي لا يزال مشتعلًا
ناره ترقص ببطء كأنها تسخر من كل من مرّ بجوارها يحمل قلبًا محترقًا
كانت خطواتها أبطأ من خفقة جناح مكسور وأضواء الحفل كانت قد اشتدّت والهواء امتلأ برائحة العطور.
ناير لم تكن تدخل الحفلة بل كانت تدخل مسرحًا دمويًا أنيقًا حيث الجروح ترتدي فساتين حمراء والخيبات تمشي بكعبٍ عالٍ والدموع تتنكر على هيئة ماس
فستانها الضيّق يلتف على جسدها لا ليتجمّله بل ليُخفي الشروخ التي تنمو تحت الجلد. كان طويلًا كأنها تجرُّ به ماضيها ويتلألأ مع الضوء في خيانة ناعمة وكأنما يفضحها كلما حاولت الاختباء
حين تخطّت مدخل الساحة الرئيسي لم ترفع رأسها
بل أبقته محنيًا قليلاً كأن الرقبة لا تقوى على حمل هذا القدر وحولها كانت الرقصات تدور وأنصاف ذئاب في شكل بشر بعيونٍ تشعّ بلون الذهب أو الفضة
وضحكات ترتفع وأذرع تلتف وأقدام تُسحق فوق الأرض كما تُسحق الذكريات
كانوا يحتفلون بما تمنّت أن يكون لها، يضحكون وهي تنزف، يجرّبون الحُب وهي تجرّ روحها التي خُذلت
وقفت في الطرف، في الزاوية ذاتها التي اعتادت أن تراقب منها العالم دون أن يراها وظهرها إلى عمود رخاميّ مغطّى بنقوش قديمة عن أسلاف القطيع
ويدها لاتزال ترتجف لكنها استقرت على الطاولة المجاورة بثبات مصطنع كما يتشبث الغريق بخشبة هشّة في بحر من الخداع
تنفّست مرة ثم رفعت رأسها ببطء يشبه صعود العبرة من قلبك إلى حلقك وهناك رأته
رونان دريڤن
واقفٌ كما يقف الحُكم في معبدٍ قديم، صامدًا، شامخًا، لا يُمال ولا يُدانى. على المنصة العليا تلك التي لا يعتليها إلا النخبة كان يقف بجوار والده ألفا القطيع
ذلك الرجل الذي يحمل في ملامحه عبء عشرات الشتاءات وبعيونٍ لا تُشبه العيون بل تشبه الخناجر،
رأسه مرفوع وكأنه يُلقي خطبًا حتى حين يصمت
أما رونان فكان كصورة منحوتة على صدر القدر
يداه خلف ظهره ونظراته تسير على الحضور كما تمشي النار على الهشيم، لا يبحث بل يراقب وعيناه تلك العينان الزرقاء اللتان تسكن فيهما كل ليالينا القديمة توقّفتا عليها
نعم؛ عليها هي ناير ومرّت تلك النظرة كأنما اقتلع أحدهم ضلوعها من جذورها، كانت نظرة اعتراف
كأن عينيه تقولان؛ أعرف أنني عدت. لم تحرّك عضلة واحدة في وجهها لكن روحها ارتجّت كأن زلزالًا ضرب صدغها وأرادت أن تُبعد وجهها لكن شيئًا فيها أرغمها على أن تبقى لترى أكثر
رأت والده يلتفت نحوه ويقول شيئًا ما ورونان لم يُجب بكلمة فقط أومأ ثم التفت نحوه بإيماءة صغيرة
وتحجّرت ناير في مكانها لا تعرف هل ستصرخ؟
أم ستنهار؟ أم ستركض إليه وتضربه بكل سنينها التي كانت تحقد عليه فيها؟ لكنّها لم تفعل شيئًا
فقط تنفّست، ببطء وأرغمت ساقيها على التحرك
وجلست على أول كرسيٍ وجدته دون أن تنظر لأي شيء وسحبت كوبًا من الماء
وهمست لذئبتها في الداخل «ريا..قولي لي إنني أقوى من هذه الرابطة» وجاءها الجواب ناعمًا كنسمة
«أنتِ لستِ فقط أقوى بل الأحقّ بالنجاة ولو من قَدَرك» أرادت الهروب لكنها مُجبرة أن تبقى حتى منتصف الليل لأن العرف يقول إن المغادرة قبل تمام الطقوس خيانة لهيبة القطيع
كان الكأس بين أصابعها زجاجًا باردًا يُلامس دفء جلدها المرتعش لكنّ ناير لم تشرب، كانت تكتفي بالنظر إلى سطح الماء الراكد كأنها تنتظر أن يبتلعها
من حولها كانت الموسيقى تواصل نقرها الصاخب
لكن في قلبها كانت السكينة ميتة، لم يكن في عينيها بريق بل عمق أسود لا يرى أحدًا
في زاوية بصرها كانت لا تزال تشعر بوجود رونان
واقفًا في الأعلى كجبل لا يتحرك وكانت ترفض أن ترفع نظرها نحوه مجددًا لأن قلبها يعلم أن نظرة أخرى قد تكون القاضية
ثمّ جاءها الصوت "ناير" كان صوت إيلا والتفتت ببطء كأن الهواء نفسه يُعيقها وإيلا كانت تقف قربها
وعينيها حين التقت بعيني ناير امتلأتا بما يشبه الانكسار الصادق "جلستِ هنا وحدكِ منذ ربع ساعة"
قالتها بصوت ناعم ثم جلست بجانبها دون دعوة
كما يفعل الأصدقاء الذين يعرفون أن العناق أحيانًا يكون بالصمت
ناير لم تُجب ونظرت إيلا أمامها حيث الرقصة الكبرى تدور ثم تمتمت "كان يقف كأن شيئًا لم يحدث"
ناير أنزلت نظراتها نحو الكأس وبصوتٍ خافت قالت
"لا أستطيع التنفس حين يكون قريبًا كأن الهواء نفسه يصبح ملكًا له" وضعت إيلا يدها فوق يدها
لكن ناير لم ترد الحركة وتابعت بصوت متهدج لكنها لم تنظر لصديقتها "إنه يقف هناك بجوار الالفا وكأن الدم الذي أريق لم يكن من شقيقي بل من شيء لا يُذكَر" إيلا لم تقاطعها واكملت ناير "كل من ينظر إليه يرى وريث ألفا، الخليفة، الرمز أما أنا فأراه كما رأيته قبل اثني عشر عامًا مغطى بدم كايل ويحدّق نحوي بعينين لا تعرفان الندم"
امتدّ الصمت بينهما لحظة ثم همست إيلا "هل تظنين أنه يعلم أنكِ رفيقته" وناير شدّت فكّها وعينيها صارتا كحجر "يعلم"
"وكيف عرفتِ"
"لأنه لم يقترب" رفعت رأسها أخيرًا و اكملت "الذئب حين يجد رفيقته يقترب أو يهرب أما أن يقف وينظر فهو يعلم لكنه يختار أن يترككِ تموتين وحدك"
لكنّ ناير واصلت بصوت ثابت كالحافة "وأنا لن أكون هي"
"من"
"الأنثى التي تبكي على رفيقها وتنسى أنها تملك أنيابًا" ثم التفتت نحوها وبينما كانت إيلا تهمّ أن تقول شيئًا ارتفع صوت نداء خافت عبر مكبّر صوت قديم "السيدة ناير دروڤ يُرجى الصعود إلى المنصة"
ناير لم تتحرك وعيناها علقتا في الفراغ كأن جسدها سمع لكن روحها لم تصدق وهمست إيلا بتساؤل خائف "لماذا ينادونك"
ذلك الصوت لم يكن نداءً عادياً بل كان نصلًا خافتًا مرّ على عنق سكونها فشقّه وتجمّدت في مكانها
إيلا وضعت يدها على ذراعها ونظرة الخوف تملأ وجهها "هل أخبرتهم؟ هل هل علموا؟"
من على المنصة وقف ألفا القطيع بكامل هيبته
ويداه معقودتان أمامه ووجهه محفور بالصرامه
وخلفه بخطوتين فقط كان رونان واقفًا صامتًا
ناير كان على قدميها أن تنهضا وعلى جسدها أن يتحرك رغم أن القلب في صدرها كان قد استقرّ على فكرة واحدة أن هذه الحظة فخ ومهما كان سبب هذا النداء فلا شيء يحدث صدفة ولا ألفا يتكلم دون غرض
وقفت كأنها ترتفع من بين رمادها وارتفعت ببطء وخطت أولى خطواتها وكل عيون الساحة بدأت تتبعها وخطواتها على الأرضية كانت واضحة
كأن صمت الجميع يفسح المجال لسماع صوتها وحده والكعب العالي يُحدث طرقًا رتيبًا
لم تنظر لأحد حتى إيلا لم تلتفت إليها وكانت تمشي بعينيها إلى الأمام لكن قلبها كان يتراجع للخلف،
إلى حيث الأمان، إلى حيث لا يقف رونان على بُعد أنفاس منها وحين صعدت أولى درجات المنصة،
توقّفت لحظة، مجرد لحظة
وعيناها سقطتا على عينين زرقاوين صافيتين كسماء الشتاء، ثابتتين لا ترمش
رونان
كان يراها ولم يُدِر وجهه عنها ولم يُخفض نظره،
لم يبتسم، فقط راقبها ثم تابعت خطواتها ووصلت أخيرًا إلى منتصف المنصة حيث وقف ألفا القطيع ينتظرها، وقف أمامها ونظر إليها نظرة حملت شيئًا من الوزن وشيئًا من التقدير ثمّ رفع صوته الجهوريّ ذاك الصوت الذي اعتادت أن تسمعه في الأوامر "في هذا المساء الذي اجتمع فيه أبناء القمر ليجد كل منهم من كُتب له، هناك من لا ينتظر رفيقًا بل يُنقذ الرفاق"
صوت همهمة خفيفة انتشر بين الحضور وبعضهم تبادل نظرات متسائلة لكن ألفا واصل "السيدة ناير دروڤ ليست فقط دكتورة القطيع بل هي الدرع الذي وقف بين الموت والحياة للعديد من أبناء قطيعنا في العام الماضي وحده" صوت الدهشة ازداد لكن ناير؟
ظلت جامدة
"أنقذت أرواحًا، ربطت جروحًا، وقفت تحت المطر، في الدم، في مخاطر الذئاب وفي فزع الإصابات
دون أن تُطالب بشكر" هنا التفت إليها الألفا مباشرة
وعيناه اللتان ما عرفتا اللين هدأتا لحظة واحدة "فليكن شكرنا اليوم علنيًا لأن الشكر لمن لا يطلبه واجب علينا نحن من يعرف قيمة السند في الخفاء"
همسات انتشرت وأنظار التفّت ولحظة صمت مهولة عمّت المكان أما هي..ناير لم تستوعب، كانت هذه الحفلة، حفلة رفاق لا حفلة تكريم وهذا الإطراء لم يكن له مبرّر علني، أكانت هذه صدفة؟ أم كان هذا تمهيدًا؟ لكنها رغم اضطرابها أدّت انحناءة مهذبة
وعيناها لا تزالان تبحثان وكأنها تستجدي من الواقع تفسيرًا لما يحدث ورغم محاولتها ألا تلتفت
سقطت نظراتها على رونان واقفًا خلف والده لكن كل ملامحه كانت مشدودة وعينيه لا تزالان عليها وناير شعرت بأن قدميها تتزعزعان للحظة لكنها استقامت
لأن من تعلّمت البقاء واقفة وسط الدم لن تقع على وقع نظرة مهما كانت زرقاء
من هناك، من فوق المنصة، من بين عيون الحاضرين، من نظرة رونان التي لم تتحرك ومن ارتجافٍ يُخفيه وقوف ناير الصلب والضوء الأبيض الذي يغمرها كاشفٌ وقاسٍ، لا يُجامل في إظهـار كل تعبيرٍ خفيّ في ملامحها والتصفيق الذي بدأ يتصاعد من الحضور كان كالماء البارد يُسكب على قلبها المشتعل؛ تصفيق لا يشبهها ولا تريده ومع كل تصفيق كانت عظامها تشدُّ أكثر تقاوم التهشم
أخفض ألفا القطيع يده ثم قال بصوته العميق "ناير يمكنكِ النزول الآن لكن قبل أن تذهبي أتمنّى منكِ أن تبقي قليلاً بعد انتهاء الرقصة القادمة" وصوته لم يكن فيه أمر لكنه لم يكن اقتراحًا أيضًا
كان بين بين وتلك المسافة الضبابية هي أكثر ما يخيف الذئبة التي تُخفي أسرارها لكن ناير أومأت بخفة ثم أدارت جسدها بانسيابية محسوبة والفستان الطويل انزلق خلفها والمنصة بدت أطول من المرة الأولى والسلالم تحولت فجأة إلى ما يشبه منصة محاكمة
كل العيون تتبعها لكن عينًا واحدة فقط كانت تحرق،
عينا رونان
يتبع
رسل