عروس الضباب

عروس الضباب

16 0

﴿عروس الضباب﴾

"المدينة التي تخنق النبض"

كانت لندن تلك الليلة تُغرق نفسها في الضباب، كأنها تخجل مما تخفيه شوارعها. المصابيح الغازية المعلقة على طول الأرصفة تُطلق أنينًا خافتًا، تتراقص أنوارها فوق الأرض الرطبة كأرواح هائمة تبحث عن مأوى.

العربات المارة تصدر صريرًا باهتًا، ووقع حوافر الخيول فوق الحجارة المبللة يردد لحنًا كئيبًا، وكأن المدينة كلها تنوح بصمت.

من شرفة الطابق الثالث لقصر بلاك مور هاوس، كانت إليليان واقفة في صمت، تحدّق في الضباب المتكاثف كأنه جدار بين عالمين: عالمها المقيّد خلف الجدران، والعالم الآخر الذي لا تعرفه… لكنها تشتاق إليه.

ارتجفت قليلاً، ليس من البرد، بل من الاختناق.

> "لو كنتُ طائرًا… لطرتُ بعيدًا عن كل هذا الهراء."

همست لنفسها، تراقب أنفاسها تتبخر في الهواء، كما تتبخر أحلامها يومًا بعد يوم.

في الأسفل، كانت الحديقة تُزيّن بالأضواء، تُحضّر لحفل خطبتها المُعلنة مساءً. الرجال يرتدون بدلاتهم السوداء، النساء يتراقصن في أثواب من الساتان، والخدم يركضون هنا وهناك كأن القصر يُعد لمعركة، لا لفرح.

أما هي، فكانت عروسًا لم تختَر عريسها، قلبًا لم يُستشَر، وفتاة تُدفع في صفقة سياسية كالدمية.

والدها، اللورد هنري بلاك مور، لم يترك لها خيارًا. "ستتزوجين اللورد كراوفورد، رجل محترم، غني، ونبيل… وهذا يكفيكِ."

لكن إليليان لم تكن ككل الفتيات، قلبها كان يتمرد منذ صغرها، ولسانها أكثر جرأة مما يحتمله البلاط الملكي.

> "محترم؟ ذاك الشيء لو ابتسم، تنكسر المرايا من الخوف…"

قالتها لأختها ذات مرة، وضحكت بقهر.

**

في الداخل، كانت الخادمة مارغريت تحاول مساعدتها في ارتداء فستانها الأبيض المذهب، ثقيل على جسدها، خانق كقيدٍ من حرير.

"مادموزيل… أرجوك، لا تبكي، مكياج عينيكِ سيزول."

لكن إليليان لم تكن تبكي… كانت تترك.

وجهها جامد، عيناها تتوهجان ببركان صامت.

> "مارغريت… جهزي لي عباءتي، بسرعة. سأخرج قليلاً… فقط لأستنشق الهواء."

قالتها بنبرة هادئة، لكنها تحمل ما يكفي من العزم لتقلب حياة كاملة

---

الساعة تُقارب منتصف الليل، والضباب بات أثخن من حلم متعفن في ذاكرة شيخٍ نائم.

من النوافذ العريضة، تسللت أنوار الحفلة كالخناجر، تنغرس في عينيها، تذكرها بالقدر الذي يُفرض عليها كوشمٍ أبدي.

أمسكت إليليان بقبضة ثوبها، نظرت لنفسها في المرآة…

فتاة بشعر ذهبي ينسدل على كتفيها كحبل نجاة، وعينين واسعتين كأن فيهما خريطة لمكان لم يعُد موجودًا.

كانت تشبه العرائس التي تراها في المجلات… لكنها لم تكن سعيدة.

> "ما نفع الفستان إن كنت أُساق به إلى الذبح؟"

همست لنفسها، وابتسامة ساخرة مرّت على شفتيها.

ثم…

رفعت عباءتها السوداء، خبّأت بها ثوب الخطبة الفاخر، ولفّت وشاحًا داكنًا على شعرها.

خطواتها كانت خفيفة… لكنها كانت تحمل صوت الثورة في قلبها.

مرّت بجوار خادمتها مارغريت، التي نادتها بخوف:

"آنستي؟ إلى أين…؟"

أجابت بصوت منخفض:

> "إلى العالم الحقيقي، حيث لا أحد يُجبرني على حب أحد."

وتسللت من الممر الجانبي، الباب الخلفي للقصر، الذي كانت تستعمله أيام الطفولة للهرب من دروس البيانو… لكنه اليوم سيكون بوابة لحريتها، أو لنهايتها.

**

الخارج كان يعجّ بالضباب، يخفي فيه أسرارًا كثيرة، تمامًا كما تخفي هي قلبها تحت ثوب ثقيل.

الشارع خالٍ إلا من صوت المطر المتقطّر من أسطح العربات والمصابيح، وصوت خطواتها السريعة فوق الأحجار.

كل شيء كان يهمس لها بالرجوع…

لكن داخلها كان يصرخ:

"أنا لست جارية في قصر....أنا لست قطعة شطرنج يحركها احد .... انا اليليان!"

كانت تهرب من قيد مجهول.... لكنها لم تكن تدري ، ان في ذلك المجهول...رجلا يشبه الغيم قبل العاصفة.

الخطوات على الرصيف كانت تتكرر خلفها…

سريعة، مترددة… ثم توقفت.

إليليان التفتت ببطء، قلبها ينبض كطبول حرب داخل صدرها.

شارع خلفي، مصباح واحد يُضيء زاوية منه، والباقي… ظلال تمضغ الصمت.

خرج رجلان من بين الأزقة، قبعاتهم تغطي أعينهم، أحدهم قال بصوت مبحوح:

> "آنسة بهذا الجمال لا يجب أن تتجول وحدها ليلاً… ألا توافقني؟"

تراجعت اليليان خطوتين.

– "أُفضل الوحدة على صحبتكم."

ضحك أحدهما، وأخرج شيئًا لامعًا من سترته.

"بنت اللورد بلاكمور؟ انكي مطلوبة."

قبل أن تصرخ… شعرت بيد تمسكها من الخلف وتشدها نحو زاوية مظلمة.

شهقت. "اتركني!"

لكن اليد تلك لم تكن خشنة… بل كانت باردة وثابتة.

**

بينما انقضّ الرجلان نحوها، سُمعت خطوات شخص يركض، ثم…

صوت ضربة قوية، ارتطم أحد المهاجمين بالحائط وانهار.

الآخر استدار مذعورًا… لكن الظل كان أسرع.

لكمة، ثم حركة خاطفة، وسقط الرجل الثاني يتأوه.

في ضوء المصباح الخافت، رأت إليانور رجلاً يرتدي معطفًا داكنًا، وقبعة ظلّت تغطي نصف وجهه، أنفاسه هادئة، لكن عيناه تشعّان بنار لم ترَ مثلها من قبل.

اقترب منها ببطء، صوته منخفض لكنه حادّ:

> "هؤلاء لا يتجوّلون عادة في هذه المنطقة... من تكونين؟"

نظرت له في صمت، ثم قالت بابتسامة صغيرة رغم الموقف:

> "بطلتك المنكوبة، يا فارس المعاطف السوداء."

رفع حاجبه، ثم قال:

"ليست هذه إجابة الصحيحة التي اريدها."

– "وأنا لست من يُنقذ بسهولة."

**اجابت بابتسامة فاتنة:

"شكرا لك ياسيدي الظل. انقذتني.... وربما سرقت انفاسي في نفس الوقت "

لم يرد وكانت نظراته اليها نظرة اندهاش.

ضحكت اليليان مفركة رأسها باجابة سريعة:

" اه ... لا تأبه لي ، لقد صدمت لتو برجلين ومنڨذ وسيم ، والان دماغي يعاني"

لم يرد ايضا وكان يراقبها بنفس النظرة الثابتة

>"اتعلم صوتك لايُطمأن بصراحة...تخيل لو ظهرت من جماعة الخاطفين ومثلت دور البطل؟"

ضحكت مجددا لكن صوتها ارتجف قليلا

نظر إليها أخيرا بعيون فيها شيء ما من حذر او شيء آخر ...لا اسم له قال بصوت هادئ

>"احيانا...مانظنه طوق نجاة يكون قيدا جديدا"

رفعت حاجبها بدهشة:

>" واو... حتى الغامضين صاروا يقولون كلام فلسفي".

ضحكت مجددا لكن لم يضحك وقبل ان يرحل تقدمت نحوه خطوة وقالت بنبرة مزيفة فيها ثقل:

>" طيب....على أقل قل لي ماهو اسمك ياسيد الاقفاص المذهبة"

رد بنبرة جانبية دون ان يبتسم

>" اليستر"

قالت بسرعة:

>" اليستر؟! ... يالطيف، اسمك ثقيل كما تصرفاتك

اكملت وهي ترفع حاجبها:

>"يعني،على أقل كنت اتمنى ان يكون اسمك مثلا ....دارك،ريفن،او حتى فارس الحلبة السوداء بصراحة اليستر يشعرك انك نادل تعمل في مطعم فاخر.

ابتسم بخفة ... لاول مرة

رد بهدوء :

>"وانت"

نظرت اليه بعينين متسعتين

>" انا؟!! هه...انا تستطيع قول اني اميرة لندن الهاربة..او محاولة هروب الفاشلة لاميرة لندن ..او...اه لا لحظة "

وبينما تحاول تصنع لحظة درامية تعثرت بطرف عباءتها وسقطت على الرصيف

اليستر مد يده بسرعة وامسك بها قبل أن ترتطم بالارض

وهي معمضة عينيها من احراج همست بصوت خافت:

>" اخخ هذا مؤلم... حتى  محاولة هروب فاشلة فيها ربما يجدر بي عودة الى قصر"

عندما وقفت سعلت سعلتين لتخفي خجلها وقالت:

>"انسى امر كليا... ودعنا نرجع للمشهد الغامض."

رمقها بنظرة قصيرة ثم التفت بهدوء نادته من خلفه وهي ترفع يدها

>"اليستر اذا التقينا مرة ثانية اتمنى ان اكون مرتدية فستان أنيق اكثر"

لم يجب، لكنه اخفى تلك ابتسامة خفيفة على وجهه عندما بدات تذوب ملامحه في الضباب

استدركت إليليان امر:

>" مهلا لحظة ...هايي لاتختف!! انا التي يجب ان تختفي أولا ..انها روايتي!؛"

لكن الظل ابتلع صوته ولم يبق سوى همسات المطر...

وقفت هناك في زاوية منسية من لندن تمسك عباءتها وتشعر ان الليل بدأ يتكلم بلغة جديدة

﴾" في بعض قصص الحب عندما يلتقيان العاشقان لاول مرة يقعون في الحب من نظرة اولى"

صمتت للحظة ثم ضحكت بسخرية:

>"هاه...لكن في قصتي بدل وقوع في الحب وقت في بركة ماء ، ياللهراء "

---

عادت إليليان تسير عبر الحي الراقي بخطى هادئة، المطر صار أضعف، لكنه لا يزال يرافقها كصديقٍ قديم.

الضباب بدأ ينقشع ببطء، لكنه لم يُزل أثره عن قلبها.

> "أليستر..."

همست اسمه لأول مرة كأنها تتذوقه.

كان اسمًا لا يليق بذوقها الرفيع جدا… ولا بأحلامها الوردية.

كان حادًا. رماديًا. يلسع كالسكون بعد العاصفة.

تنهّدت، وقالت لنفسها بابتسامة ساخرة:

> "آخر ما كنت أحتاجه… رجل يُنقذني ثم يختفي. حتى الرجال اصبحوا مثل الأحلام، لن تلحق ان  تفهمهم حتى يتبخروا."

**

دخلت من الباب الخلفي للقصر، حافية تقريبًا، مبللة، ومع ذلك كان وجهها يلمع… ليس بالماء، بل بشيء لا يُفسَّر.

التقتها الخادمة مارغريت بفزع:

> "مادموزيل! أين كنتِ؟! الجميع يبحث عنك! والدك سيغضب!"

ثم توقفت، حدّقت فيها وقالت:

"أوه لا… هل… هل وقعتِ في حب؟"

تجمدت إليليان لحظة، ثم انفجرت ضاحكة:

> "وقعت في حفرة، أولاً… أما الحب؟ انا لست شخصا يسهل وقوع فيه ."

دخلت غرفتها، نزعت عباءتها الثقيلة، نظرت لنفسها في المرآة.

في عينيها كان هناك شيء جديد…

شرارة؟ خوف؟

أو ربما… أثر ظلٍّ لم يُفارقها بعد.

**

اقتربت من النافذة، ومسحت البخار بيدها، ثم همست بصوت كأنها تحكي لقلبها:

> "لو كنتُ مجنونة، فلا بأس… على الأقل، الجنون هذه المرة… وسيم."

وفي اللحظة التي استدارت فيها لتغلق الستائر…

لمحت على حافة الزجاج الخارجي وردة صغيرة… داكنة اللون، مبتلّة…

ورقة بجانبها، كتب عليها بخط رجولي:

> "المدينة تُحب صخبك… وأكره أن أراكِ تختفين."

شهقت إليليان، ضمّت الورقة إلى صدرها، وابتسمت:

> "لقد عاد."

----

وقف أليستر خلف الجدار الحجري القديم، نصفه غارق في الضباب، ونصفه في ظلال الليل.

يداه في جيبيه، وقلبه على غير عادته، ليس ساكنًا تمامًا.

كانت خطواته بطيئة، لكن عقله... يركض.

> "ما تلك الفتاة...؟ وما تلك الابتسامة السخيفة التي كانت تتملصها طول الوقت...؟"

تلك الغريبة التي ضحكت في حضرة الخوف،

وتمايلت فوق الحجارة كأنها ترقص لا تهرب،

وسقطت على الأرض ثم رفعت رأسها كأنها ملكة فقدت تاجها... لا كرامتها.

لم يكن أليستر معتادًا على هذا النوع من النساء.

تلك اللواتي لا يسألن عن اسمك، بل يلقبنّك كما تشاء قلوبهن.

> "يا فارس المعاطف السوداء"...

قالتها بسخرية، لكنها اخترقت شيئًا في صدره.

> "شكراً... لقد أعجبني هذا الكابوس."

قالتها بمزاح، لكنه لم يشعر بأنها كانت تمزح حقًا.

**

في ماضيه، قابل كثيرات: هاربات، مغرورات، خائفات، وصامتات.

لكنها كانت شيئًا آخر.

كانت كأنها قادمة من رواية لم تُكتب بعد.

كأنها تحمل في داخلها فتاة بريئة…

لكن فوق لسانها يعيش شيطان صغير يتقن اللعب بالنار.

**

نظر أليستر إلى المدينة من خلف الزجاج…

المطر يقطر ببطء، والضوء من بعيد شاحب كأنّه يحتضر.

قال لنفسه، بصوت لم يسمعه سواه:

> "فتاة تُسقط نفسها ثم تضحك…

وتهرب من قصرها لتقابل الموت…

ثم تشكر قاتلها… وكأنها تُحيي شاعرًا لا منقذًا."

ابتسم بخفة، ابتسامة خفيفة لا تعني شيئًا…

لكنها ظلت معلّقة في فمه، كأنها لا تريد أن ترحل.

**

أخرج وردة داكنة اللون من جيبه — كان قد التقطها من الأرض قبل أن يراها —

ربط حولها ورقة صغيرة، وكتب بخطه السريع:

> "المدينة تُحب صخبك… وأكره أن أراكِ تختفين."

تركها على نافذتها، ثم اختفى…

كما يأتي الليل بلا وعد، ويرحل بلا وداع.

---

____

نهاية فصل ال فصل تالي تشاو👋🏻⚡💞

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حب مجهول

المؤلف Queen
2025/08/11 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة