الفصل الأول

الفصل الأول

10 0

✨ لا تنسوا الفوت وتعليقات التنمر أثابكم الله ✨

◆★◆

صيف عام 2025

أريج

للعم (عبد الحميد عناية) قدرة خارقة على تسيير الأمور التي لا تصير. والله، يفعل أموراً تضرب مقاييس الفيزياء والمنطق وله باع في علوم "التسليك" وفض النزاعات بالإضافة إلى كنس المشاكل تحت السجادة والتظاهر أنها لم تحصل.

وإن كنت تتساءل من أنا، فسأخبرك لاحقاً بعد أن ينتهي الرجال من تبادل الخبرات الفنية أسفل نافذتي لأن الحرارة تتصاعد في رأسي انزعاجاً كما يحترق قلبي اليوم، وكل يوم.

تأففت أضع الكتاب جانباً، لولا انقطاع الكهرباء قبل أن أشحن هاتفي لما اضطررت للإمساك بهذا الكتاب أساساً، وإن كانت مطالعتي له بطيئة - فوق كل شيء - لأنني أكره أن أقرأ باللغة الإنجليزية، عكس العم عبد الحميد الذي يجيد كل شيء إلا الواقعية.

احتفل العم بعيد ميلاده الثاني والستين ونشر الكعكة الغالية - التي أهدته إياها إحدى المؤثرات صانعات الحلوى -  على قصته في تطبيق الانستاجرام، أحب شبكة التواصل هذه منذ سنوات وتخطى متابعوه المليوني متابع نهاية العام الماضي.

حتى أنا أتابعه:

- هو كبير الحي والمصلح العام

- يتحدث باسمنا - لماذا؟ سأخبرك عن المصائب بعد أن أعرف بنفسي

- وعنده مليوني متابع ونيف

عادت الأصوات من الشارع، سمعت أحدهم يكرر عبارة: استخدم شادي بيدي!؟

صحح له العم عناية يصيح: شات جي بي تي!

ماذا يفعلون؟ يصممون لافتة جديدة للحي، رغم أن لا أحد في العالم طلب منهم هذا، ولكن يبدو أن حرارة الصيف تؤثر على بنات أفكارهم، كل هذا بسبب المطعم الجديد الذي سيفتتحه أحدهم في غرة الحي وسمعوا أنه دفع المال لعبد الله ليصمم له بالفوتوشوب.

يا الله!

كيف يصمم أحدهم لافتة مطعمه بالفوتوشوب بينما لافتة الحي قديمة؟ حاشا..، يجب أن يصنعوا واحدة جديدة، بمهاراتهم الخاصة وهواتفهم السامسونج.

أحب كيف أن جميعهم بالكاد يجمعون قيمة غدائهم ولكنهم يتنافسون بشراء الهواتف الغالية.

حاولت أن أتكور على نفسي في زاوية الغرفة متجاهلة صراخهم، ولا أدرِ أأبكي على نفسي أم على القصة الرخيصة التي ابتليت بها بعد أن استعرت كتلة الهراء هذه من صديقتي.

البطل جراح، نمط ENTJ، لم يترك عظمة في جسد البطلة لم يكسرها.

البطلة؟ امرأة تافهة تحب رجلاً يكسر عظامها.

الحل؟ أنا.

سمعت صوت (نادر) يأتي من بعيد.

شاب في الثامنة عشر، مليح الوجه، يحاول مغازلتنا ولكننا نكبره بست سنوات فما فوق.

أنا أظنه لطيف، ولكن عبير تنزعج، عندها حق.. ولكنه شاب صغير لو أشرت إلى مستواه الدراسي يفقد ثقته بنفسه وينسحب، هي فقط تعامله بحدة.

تركت الكتاب بجانبي، سمعت نادر يتحدث عن شيء في شاشة الحاسب المحمول، وذكر موقع كانفا.

لماذا يصنعون لافتة من الأساس؟!

لمحت الضوء الأحمر الصغير، عادت الكهرباء، هاتفي يأكل، وأنا علي الخروج إلى المستشفى بعد ساعة.

★◆★

جيد أنه يومها، كان عياش في تلك المناوبة، استطاع التوسط لي كي لا يأخذ الأمر كثيراً قبل أن أدخل إلى جهاز أشعة الرنين.

نظر إلي بلطف - عيّاش جارنا في الحي، وممرض طوارئ- وابتسم يخبرني أن أتحمل طرق الجهاز.

أعرف. ولكنني لم أوقفه عن إغراقي بالنصائح.

  سمعت عن الأمر، وشاهدت مرة مقطعاً في الانستاجرام يبين الفحص لامرأة أجنبية بشعر أشقر مصابة بالضمور العصبي، تجربة الجهاز تشبه أن أعلق في قبر – هذا ما استنتجته- ، والآن بعد سنوات من العند والجلد، صرت أتقبل المواساة من الآخرين، فأنا - للأسف - حالياً مثيرة للشفقة بأكثر من طريقة.

حاولت أن أكون إيجابية "شكراً أخي.." وهذا هو القبول،

ابتعدت بخطى ثقيلة إلى الغرفة.

الممر يفوح برائحة المعقمات تلهب أنفي، ولكنه قذر، يمكنك رؤية هذا إن وقفت في زاويتي: قشور طلاء الجدران الأزرق المائل إلى الرمادي، الخطوط المتسخة على الأرض بين مربعات البلاط، منشورات العناية بالأم والجنين ومرضى السكر.

ستة تحذيرات صغيرة رصت أفقياً قرب لوحة قسم الأشعة عن الممارسات التي تؤدي إلى مرض نقص المناعة المكتسبة وكتب أسفلها: 2005- اتقِ الله.

توجست من حساسيتي السمعية، ماذا سأفعل إن آلمتني أذناي؟ لا أظن أن هذه المستشفى الحكومية المتهالكة تهتم بوجود سماعات للمرضى.

نظرت إلى الخلف، لا يزال عيّاش هناك بزيه الأزرق المجعد وسماعته الطبية، أومأت أشكره مجدداً وخطوت غرفة الأشعة، طلب مني المختص بعض الأمور ببرود، نزعت حجابي وعباءتي واستلقيت هناك كشخص ينتظر التجميد إلى المستقبل لعله يجد معنى وجوده لاحقاً.

سي را.. كانت تشبهني أيضاً، ولن أذكر هذا الاسم مجدداً فلا داعي لأن تتذكره - إلا إن كنت قد زرت صنعاء-.

لو كان الممرض (عياش عناية) أخي الصغير، لكان الأمر أقل سوءاً.. أقل فقط، لأن عياش يعاني أيضاً وقد يتفهمني..، ولكن لا أحد يستطيع إصلاح ما أمر به وأنا أذوي هنا إلى أن يشاء الله.

أأحسد الشاب على شيء؟ نعم، عنده ما يحبه، يعمل في أمور يتقبلها.

أخذت نفساً عميقاً أهدئ نفسي.

لا يمكنني أن أخاف، هذا أمر مضحك.

ليس بعد كل ما مررت به.

فعل المختص شيئاً وبدأ اللوح الكبير أسفلي ينزلق داخل الكبسولة..، يا للبرد.

يا للوِحدة.

يا نداء الخيبة.

هل أنا مريضة؟ لا.

أأنا بخير؟ كلا.

مر الأمر بطريقة مزعجة ولكنها سريعة، لا أذكر إلا الطعم الغريب في حنجرتي وقتها.

انتهى، ربما بسبب رأسي الذي (يتخطى) الأحداث ويعلق في دوامة وهمية يعيد فيها ذكرياتي الصغيرة التي اقتنصتها مع ياسين.

مر يومين-  وأعفيك من التفاصيل المملة لأنني لا أحب الدراما ولكن اللافتة العجيبة الآن عند المطبعة-  ثم فحص الطبيب صورة رأسي، رأس عادية عظمية وهلام الدماغ في الداخل لا يزال بخير - ظاهرياً على الأرجح - ، لا مشاكل، لا أورام، لا كواكب مرئية تسري بين الصدغين لتسبب لي كل هذا الألم باصطدام بعضها ببعض، لا سلاحف ميتة ولا ارتفاع ذكاء وإن كان انخفاضاً فسيراه الطبيب على الأرجح ولكنه لن يقول شيئاً لأن الأمر محرج.

من الصعب إخبار الناس أنهم أغبياء.

هز برأسه، "نورمال يا أختي"

ربما هذا ما جرت عليه العادة، وربما الطبيب نسي العربية لأنه كان يكرهها في المدرسة، تحصل هذه الأمور فتظهر في مرحلة ما بعد البلوغ.

"لِم أشعر بالنبض الشديد إذن؟"

سألته ما دامت فحوصاتي عادية.

لا يجيبون.

لا يعرفون.

الكرات زجاجية صغيرة، تنفر مرة أو مرتين في الأسبوع لتقرع تجويف رأسي ثم تسكن.

نبضتين، فاثنتين، ثم ثنتين. ست.

ويعم الهدوء بعدها ما دام من في المنزل لا يطيلون كره أنفسهم أمامي، أو أن أحدهم يغير طرقاً على الباب ليطلب المال.

فهمتني؟ ربما.

حالة وسطية بين العافية وخوف الألم، رمادية هذه المرحلة.

يشبه ما يغرقني الآن الأطعمة الآسيوية، حامض حلو. مزعجة، ليس لأنها سيئة بل لتناقضها.

ياسين كان مضحك في هذه الناحية -رغم أنني رأيت الحب للطهي في عينيه- إلا أنه كان يخاف مستخلص الصويا.

يقال في صفحات الانستاجرام أن الصويا - والصويا الحلوة التي تعجبني- تضرب هرمون الرجولة عند الشبان، لذا بهت وجه ياسين كلما اقترحت له وصفة ووجد الصويا مخبأة بين مكوناتها، يدرك أنني أعرف ما يزعجه، فأشعر بخديه يتوردان خلف شاشة الهاتف. عصفور قلبي الصغير. لا يقول شيئاً ويذهب لإفراغ اضطرابه ضد الأوزان في النادي.

"ياسين، هذه ليست صويا، إنها مقلدة، تبيع المتاجر المحلية زيت سمك مملح. صدقني"

قلت له آخر مرة، محاولة أن أقنعه بالتجربة.

ولكنه ياسين الذي لا فائدة من الجدال معه.

ياسين الذي لم يمانع الرحيل، وأنا لا ألومه.

حياني عيّاش يراني قرب عيادة الطبيب الداخلية،  وسألني بأدب إن كان في التحاليل أو الأشعة ما لا يسر، حاولت رسم ابتسامة على وجهي، كنت ممتنة له لأنه سعى في أن أحصل على فحص مجاني  في الأساس.

"لا.. نورمال"

اتسعت عيناه، من المضحك كيف رغم أنه يشبه أمه المرحومة، فإن عيناه ظلتا كخرزتين زرقاوين كبيرتين بالضبط مثل والده..،

"والله؟ الحمد لله" تنهد،

ولكنني رأيت ما يرمي إليه داخل عينيه، بالطبع أبدو كمومياء، الهالات الرمادية تحت عيني، الجلد على عظامي أسفل العباءة الفضفاضة، وانتفاخات البكاء، وشفتاي المشققتان..، يرى كل شيء - هذا الرجل -  بالإضافة إلى آثار الحبوب التي أحاول تخبئتها بحجابي، يرى البؤس الذي يقطر مني على أرضية المستشفى سيئة المسح، تنبعث رائحة الكأبة من جلدي كالعرق في هذا الصيف الشرس.

اقترح عيّاش.

"ربما نقص فيتامين د؟"

أومأت لا أزال أحافظ على الابتسامة المريعة، ارتفع صوت في رأسي:

أخي. جميعنا نعلم أنني أحتاج لأحتجز في مصحة. لا تشغل بالك بكيان شفاف مثلي.

تنحنح يلاحظ شرودي وعاد ليسأل "هل أوقف لك سيارة أجرة؟ لم يتبق الكثير على أذان المغرب"

"لا، لا.. الحي على بُعد شارعين، لا داعي"

لم أدرك أنني قلت هذا إلا بعد سماع شبح صوتي يتردد في الخلفية.

قال مجدداً "إن أردتِ أي شيء أرسلي لي رسالة فحسب!"

"شكراً جزيلاً.."

لا بد أن العم عبد الحميد يضع الشاب في مواقف صعبة.

ألقيت نظرة أخيرة خلفي، مسكين..، شعره البني الناعم ملتصق بجبهته بسبب غياب التكييف، يمكن رؤية نحول الشاب الطويل تحت زيه.

هززت رأسي أنفض فكرة سلبية عن عيّاش، إنه من النوع الذي قد تراه في نشرة الأخبار وقد قضى من فرط العمل.

ثلاثة عساكر جلسوا قرب بوابة المستشفى، ولكنهم سمحوا للناس الدخول والخروج من باب حديدي صغير لفرض السلطة أو ربما التضييق بغرض المتعة، اضطررت للاصطدام ببائع ذرة حاول بيعي كوزاً- وعدا رائحة الشواء الفارغة التي علقت بي - لم أصب بشيء لحسن الحظ.

مشيت، ومشيت، ثم مشيت.. خمس دقائق وبضعة ثوانٍ وقفت عندها أمام خط السير الرئيس لمنطقة التعاون لأنني لمحت سناماً بنية جميلة.

"ما الذي يفعله الجمل هنا؟"

حاولت ألا أبتسم. ولكنها جِمال في وسط المدينة. أخرج الناس هواتفهم وصوروه، لم يبد أن صاحبها انزعج بل وقف يفاصل في السعر مع رجل آخر بينما ظهرت خمسة أخريات يتهادين خلفه وبدت الصورة كمشهد من مسلسل سندباد.

يا للإهانة، أرى جملاً ولا أستطيع البقاء لمشاهدته لأنني سأعاقب في عمري هذا.

حركت قدماي ووجهي لا يزال يطالع كل تفصيلة في جسد ذاك البعير الكبير، شفتيه الغليظتين ولونه الترابي الخشن.

مشين بهدوء، كأن الله لم يخلق قلقاً ولا كدر.

أتخيل نفسي أقول لأبي: والله رأيت جملاً وتأخرت، فيتصل بعمتي لتحيك بدورها قصة رخيصة عني تصورني كعاهرة هاربة من عائلتها التي وفرت لها كل شيء لأنها تشعر بالملل.

آكُل الفراغ الذي قدموه لي أحياناً، وأصنع من اللا شيء سترات تدفئني من برد الشتاء.

سمعت الكثير من الأسباب التي تدفع الفتيات إلى تمني الزواج ولكنني، أريد الزواج ليرافقني أحدهم في هذه الزيارات المخيفة حيث القبور تطرق في رأسك وتضطر لسماع كلمات الاطمئنان الفارغة من أطباء منهكين بلا معاشات وممرضي طوارئ يوشكون على الانهيار.

لا يهم.

توقفت عن الشكوى منذ سنوات، وحل بي ما حل، وصاحبت القولون العصبي.

الطعنة أسفل القفص الصدري، والألم في الأمعاء أفضل ألف مرة من الصفعة التي تأتيك من الأشخاص الذين حولك حين تكذيبك. اللعنة، القولون رائع.

يمكنني كتابة مقال عن هذا المنبه المناعي الطبيعي للألم، ولكنني سأتوقف هنا.

لطالما ظن الجزء النرجسي في داخلي أن نهايتي ستكون درامية، قتل ربما أو انتحار، لذا أطبق نمطاً واحداً كلما مشيت في الشارع:

- أرفع رأسي

- أبحث عن كاميرات المراقبة

- ابتسم

هذا توقيع ما، علامتي الشخصية، لقد كنتُ هنا، ورغم اغترابي أنا موجودة.

لربما لو فعل ريَان هذا لوجدنا له أثر.

أين اختفى ريان؟

غمر السواد داخلي.. لم يمر إلا شهر واحد..، ولكن الجميع نسيه.

يعلم الله أين هو الآن..

ولكن من سيبحث عن الشاب المسكين؟

أمه المتعبة؟ أم الحكومة؟

وإن كانت الحكومة هي من ستبحث، فأي واحدة منهن بالضبط؟

لِم لم تنظر إلى الكاميرات يا ريان؟

زفرت، التفكير بالأمر لا فائدة منه، سيزيد الطين بلة فحسب.

ها هو الحي مع اللافتة الجديدة التي لم يكن له داعٍ:

"شارع علوان المتنبي - فايز سامي سابقاً"

أزرق وأبيض، كأنها إعلان ماراثون مدرسة إعدادية.

فايز سامي.. سابقاً..

من سيأتي إلى هنا للزيارة بعد ستين عاماً؟ إنه علوان المتنبي منذ الأزل.

لن يخرج أحد من قبره ليزور قريبه الساكن عندنا فيضيع.

قرأت الاسم كتعويذة، حينا العتيق ذو البالوعة الكبيرة، شعور الراحة المخيف الذي عصف بي وكرهي الشديد للمكان اختلطا.. كيف سيكون الأمر لو لم تكن عائلتي هنا؟

هل لكنت شعرت بأي هراء تجاه هذه البقعة الجغرافية الضحلة؟

لا أجد شتيمة مناسبة حتى.

أخذت نفساً وتلوت قانوني العام كمعادلة: الجميع يتألم، لا أحد يصدقهم، لن يساعدني أحد.

إلى الداخل، إلى الخوف والألم، إلى داخلي الوحدة.

أشعر بالدوار.

دوت كلمة الطبيب في رأسي:

نورمال.

نعم.

على التحمل فحسب.

ㄟ(≧◇≦)ㄏ

توقعاتكم؟

متى تحبوا ينزل البارت؟

✨✨✨

★◆★

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أشيائي أرجعها (1)⚓

المؤلف writnour|نوران™
2025/08/10 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة