وَهِم

وَهِم

19 0

وهم/delusion

.

.

.

.

.

.

✩༄༄✩

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

~2029/1/18

يَـنـاير° ألثلاثَـاء

~فَـرنسا°بَـاريـس °الدائِرة الثامِنة

/ألخَامِسة وَالنِصف ° فَـجراً

☃︎

"اللَّعنةُ عليكِ!"

تكلَّمَتْ بعصبيَّةٍ وهي تَطرحُني على أرضيَّةِ القبوِ البارِدة.

"لكن أُمِّي، صدِّقيني، لَم أفعَلْ شيئًا!"

كَذبتُ؟ لا... لكنها لا تُصدِّقني!

أنا ابنتُها!

لِمَ تتصرَّفُ وكأنَّها مُجبَرةٌ علَيَّ؟

اقتربَتْ مِنِّي، وعيناها تُنذِرانِ بخطرٍ مُحتَمٍ لا يُمكنُ النَّجاةُ منه،

وربَّما هيَ الخطرُ القاتم،

هيَ العاصفةُ التي تَلي الهُدوءَ.

"كلُّ هذا بسببكِ، على من تَكذبين؟"

"أُمِّي، أُقسِمُ لكِ بِـحياتي، إنَّني لَم أفعَلْ شيئًا، أرجوكِ لا تُعاقبيني."

رجوتُها بصوتٍ مخنوقٍ ألَّا تَضرِبني.

1

فكُلَّما ضَربتني، لا أشعُرُ بألمٍ في جسدي،

بل في قلبي، وكأنَّها تَستهدفُ قلبي مُباشرةً!

لكنَّها اخترقَتْ قلبي بكلماتِها التي كانت أشبَهَ بِـخنجرٍ مُغلَّفٍ بكلماتٍ لا تُرحم،

كلماتٍ لا تُقالُ لِـطفلةٍ في الثامنة!

"ومَن فعَلَها غيرُكِ؟ أنا؟ أم والدُكِ؟ أم شقيقُكِ؟ أرجوكِ، لا تَجعليني أضحك! لا أحدَ في العائلةِ وُلِدَ ليكونَ لَعنَةً وعِبئًا غيرُكِ!"

اتَّسعتْ عينايَ بخوفٍ مِن السَّوطِ الذي شقَّ طريقَه نَحوَ جسدي الهزيل،

الذي لا يُغَطِّيهِ سوى قِطعةِ ملابسَ خفيفةٍ مُمزَّقة.

"أُمِّي... لا..."

فَتحتُ عينَيَّ لأشهَقَ بقوَّة، وأنفاسي المُضطربةُ كانت خيرَ دليلٍ أنّني كنتُ في كابوسٍ...

ذلك الكابوسُ الذي لا ينفكُّ يُذكِّرُني في كُلِّ يومٍ بِـسُوءِ حياتي.

تنفَّستُ بعمقٍ، أُحاولُ تهدِئةَ خافقي.

كابوسٌ لعين، يظهَرُ في كُلِّ مرةٍ أُقرِّرُ فيها أن أبدأَ نهاري دونَ خوفٍ منهم.

لا يُمكنُ أن أعودَ إليهم...

إنَّهم دمَّروني نفسيًّا، عاطفيًّا، عقليًّا، جسديًّا، وحتَّى فكريًّا.

إنَّهم كابوسي الحيّ.

تنهدتُ بقوَّة، أزيحُ الغطاءَ الرماديَّ عن جسدي، وأضعُ قدميَّ على الأرضيَّة، أمدِّدُ جسدي بِـخمول.

نظرتُ حولي، لأرى تلك الجواهرَ الزرقاءَ المُضيئةَ في الظلام،

تدورُ حول السَّرير كَـحصنٍ مَنيع،

وسجَّادةَ الفروِ المَوجودةِ تحتهُ بشكلٍ مَلَكي،

وأمامَ السرير تلفازٌ كَبير،

وأريكةٌ ذاتُ لونٍ رماديٍّ تُشيرُ إلى السَّلام،

لكنَّني فتاةٌ لَم تَعرِفْ مَعنى السَّلامِ في حياتها،

مع وسائدَ زرقاءَ ورماديَّةٍ تُغري إلى النَّوم،

وأمامها منضدةٌ بيضاءُ مُستديرة، عليها غطاءٌ أزرقُ بحري،

وفوقها مزهريَّةٌ فضيَّةٌ ذاتُ خُطوطٍ ذهبيَّة، تَحتضنُ زهورَ الأرطاسيا الكثيفة ذاتَ اللونِ الأزرقِ النَّاعم،

وحولها بضعُ زهراتِ لافندر كَإطارٍ لها،

مزيجٌ غريب، وكأنَّه يَهمسُ بِـالسَّكينة في مَكانٍ لا يَعرِفُ إلَّا القلقَ والخوف.

وعلى الجدارِ صورةٌ من الماضي تُبهجني،

لكنَّها تُطعِنُني كُلَّما تذكَّرتُ ما عليهِ نحنُ الآن،

وكأنَّها ظلٌّ مِن الماضي،

لا حياةَ لنا، ولا مُستقبل،

وكلُّ هذا بسببِهم.

وعلى يمينِ السريرِ، شرفةٌ واسعة،

تتوسَّطُها أريكةٌ دائريَّةٌ صغيرةٌ بلونٍ أزرقَ ملكي،

تحملُ فوقَها وسائدَ رماديَّة.

استقمتُ واقفة، أزيحُ الستائرَ الملكيَّةَ الزرقاء عن النافذة،

لِـتَشقَّ أشعَّةُ الشَّمسِ طريقَها إلى الغرفةِ الرماديَّة،

فتنيرها، علَّها تُنيرُ ظلامَ الغرفة،

رغم أنَّها لا تُجيدُ إنارةَ حياتي.

تنهدتُ، دخلتُ الحمَّام، نظرتُ إلى نفسي في المرآة،

وجهٌ شاحب، خُصلاتٌ بُندقيَّةٌ مُلتصقةٌ بِـوجهي من أثرِ العَرق،

وعينانِ بندقيَّتانِ فارغتان... لكنهما مليئتان.

خلعتُ ملابسي،

أُشاهدُ آثارَ الماضي، النُّدوبَ الباهتة التي مرَّ عليها الزَّمن،

لكنها لم تُشفَ...

بل التهبت.

كلُّ شيءٍ مرَّ أمامي كَـشريط،

كـألمٍ لا يُنسى، بل يُنسِي.

أفقتُ من شرودي على صوتِ المياه،

أدخلتُ جسدي رويدًا رويدًا،

وضعتُ رأسي تحتها،

سَامحةً لهُ بالغرق...

كي لا يُغرِقَهُ بحرُ الماضي وما فيه.

.

.

.

أنهيتُ الاستحمام، استقمتُ واقفةً،

لفحتني نسماتُ الهواءِ الباردة، فأصابَتني قشعريرةٌ خفيفة.

ارتديتُ روبَ الاستحمام،

ذهبتُ إلى غرفةِ الملابس،

اخترتُ فستانًا أسودَ بِـحَمَّالاتٍ رفيعة، ضيِّقًا من الأعلى، يَتسِعُ تدريجيًّا نحوَ الأسفل،

مع تجعيداتٍ مائلةٍ عِند منطقةِ الصدر،

وفوقه كنزة نبيذية يتوسَّطُه شريطٌ أسودُ لطيفٌ على شكلِ ربطة.

جفَّفتُ شَعري، وسرَّحتُه بشكلٍ متموِّج.

أخذتُ هاتفي، التقطتُ صورة، وأرفقتُها بِـجُملة

Good morning and may you be well.

ونشرتُها كَـقصةٍ على الإنستغرام.

من غرفتي متوجهةً نحو المطبخ عندهم.

وبعدها حمحمتُ أُغني

Good morning dear

صباح الخير يا أعزاء

I woke up, here with you

لقد استيقظت، أنا هنا معكم

We will go, out and light up the world with our presence.

سوف نخرج، وننير العالم بوجودنا

Come on, the world is waiting for us

هيا بنا، العالم ينتظرنا

ومع انتهاء الأغنية، انتهى العزف المصحوب معها،

كون هذه عادةً يومية:

لايليرا تُخرج مشاعرها بالكمان،

وإلياس بالبيانو،

وأنا بالغناء، نُشكِّل فرقة موسيقية فاشلة...

لكننا اخترنا مسارًا غير الذي نهواه.

أنهم اخوتي.

تقدّمتُ من لايليرا، مبعثرةً شعرها الغرابي القصير،

ما أدى إلى انزعاج ملامحها وإبعاد يدي عن رأسها وهي تقول

"فلتُبعِدي يدكِ عني، لقد تعبتُ وأنا أُصفّفه!"

قهقهتُ مبتعدةً عنها، كيف لا؟ وهي منزعجة!

ذهبتُ محتضنةً إلياس من الخلف،

مائلةً برأسي إلى الجانب كزهرة مائلة، مردفةً

"أخي اللطيف الوسيم، ماذا أعددتَ لنا على الفطور؟"

"طبختُ ما يُؤكَل، وما يملأ معدتك الكبيرة."

"أحسنتَ إلياس على قولك، أنظرتِ يا عزيزتي آنياريل؟

بسببكِ وبسبب معدتك، نحن سوف نمر بمجاعة كبيرة!"

نظرتُ نحوها بغيظ لانتهاكها حقوق معدتي،

أنا لا أسامح من يهينها.

بجدية، من يرغب في قضاء دقيقة واحدة بمعدة فارغة؟

أنا سوف أموت قبل أن تقرقر معدتي.

حسنًا، الجانب المظلم من الأمر أنني سأمارس الرياضة بعدها.

تجاهلتُ نميمتهم التي تُقال أمامي،

فعلى الأقل، النميمة أمام ظهرك أفضل من خلفه...

لحظة، أمام ظهرك؟ يا للسخرية.

قبّلتُ إلياس على وجنته،

نظرتُ إليه بعينين حنونتين، مردفةً

"يا أخي الوسيم، يا أجمل الرجال في العالم، أريدُ مثلّجات."

وفي نهاية كلامي، أملتُ رأسي كعادتي حين أطلب شيئًا،

لكن كل ما حصلتُ عليه هو "في أحلامكِ."

"مهلًا، ماذا؟ هذا غير عادل!

لِمَ لايليرا حصلت على مثلّجات وأنا لا؟ هذا تحيّز للظلم!"

"هو أعطاني المثلّجات لأنني الأكبر، وأستطيع التحمّل،

ولدي مناعة قوية، وليس تحيّزًا للظلم."

"لا تغتري بنفسك! إنها فقط خمسة أشهر لعينة!

انتظريني، سأتصل بأبي أدريان وأقول له ما يحدث في البيت،

وأنكم تعذّبونني لإشباع رغباتكم السادية!"

"مهلًا مهلًا، سادية ماذا يا صعلوكة؟

من متى تعلّمتِ هذه المفردات!"

تجاهلتُها، فتحتُ هاتفي لأتصل بوالدي،

لم أكن غاضبةً فعلًا منهم، بل كي أروي جوف قلبي بصوته،

لكن الأحمق إلياس قطع تخيّلاتي،

أوه، لم أكن أتكلم، لكن المهم أنه وضع علبة مثلّجات فوق رأسي دون غطاء،

وفجأة، سُحب هاتفي مني بقوة، مما جعلني أميل للأمام،

وسقطتُ أرضًا قبل أن تسقط علبة المثلّجات من فوق رأسي!

لكن قبل أن تسقط العلبة، سقطتُ أنا في سبيل حماية ما يجعلني على قيد الحياة!

حسنًا، لم أُصب بكسور، فقط ارتجاج في عقلي النائم أو الميت،

أنا لا أعلم، فأنا لم أستخدمه منذ أن عرفت أن لدي عقلًا.

الأهم أنني لم أفقد جمال وجهي ومثاليته،

والمثلّجات في أمان، لذلك أنا في قمة الابتهاج.

استقمتُ، أنفض الغبار، أُحدّق بهم بحقد لا يُخفى،

وهم مستمرّون في القهقهة،

كأنهم ينظرون إلى نحلة ترقص بطريقة مضحكة أمام ملك البعوض.

تجاهلتهم، أخذت علبة المثلّجات أتناول منها،

وأمثّل أني لا أستمع إلى اعتذاراتهم الزائفة.

قطع شرودي في اللاشيء، ظهور باقتين أمامي:

إحداهما زهور الأرطاسيا الزرقاء، والأخرى الفاوانيا،

وربّما يبدو غريبًا، لكن حين تجتمع هاتان الزهرتان،

تُشكّل رائحة جميلة ومحبّبة إليّ.

حتى أن غرفتي مليئة بهما، ومع رائحتهما،

لا ننسى أن عطري يتضمّن هذا المزيج أيضًا.

عضضتُ على باطن خدي، أُخفي ابتسامتي حين وضعت الباقة على الطاولة،

ولم أكد أفعل، حتى لوّح أمامي بلوح شوكولاتة كبير.

لم أستطع قمع ابتسامتي من الظهور،

ضحكتُ بخفة، أخذته بسرعة قبل أن يُغيّر رأيه، مردفةً

"حسنًا، لقد سامحتكم."

"نحن لم نعطه لكِ لتسامحينا، بل لتُخفي هذا وجه الساحرات

عندما تفشل وصفتهن'السرية'. "

وحرك يديه في نهاية كلامه كاقتباس ساخر.

نظرتُ إليه بملل، أكملت تناول المثلّجات

بعد أن وضعت عليها مربعات الشوكولاتة.

وبعد مدة، كسرت لايليرا الصمت بسؤالها

"أنفتح بثًا لليوم؟"

نظرتُ ناحية إلياس، أنتظر جوابه،

وبعد سنوات من التفكير، أومأ بـ"نعم".

مضت ساعة قضيناها في الجدال على اللاشيء.

حتى استقمتُ واقفةً، إثر تطفّل فكرةٍ ما كنت على مشارف نسيانها.

نظرَا نحوي وكأن جنًّا قد ألقى عليهما التحية:

"آلهي، انظر يا أخي! أيُعقل أن عفريتًا ما قد التبسها؟"

"هذا الاحتمال الوحيد، أو أنها قد أُصيبت بالخَرَف!"

"مهلًا مهلًا، ماذا تتكلمون عنه!

أنا أردتُ القول أن علينا تنظيف غرفهم."

حاولتُ حقن كلامي بالمزاح،

لكن الحزن أبى أيّ ترياق.

نظرتُ إلى وجهيهما،

وكان الضيق قد تربّع على قلبيهما،

جاعلًا من شعلتهما تُطفأ، كما لو أنها في قاع المحيط.

حسنًا... ليس وكأني أفضل حالًا،

لكن إن انطفأتُ أنا... من سيُعيلهم؟

"حسنًا حسنًا، دون إطالة، هم ثلاث غرف،

وكل منّا له غرفة كما اعتدنا."

همهموا بالموافقة، فقمتُ بتنظيف الطاولة،

أما إلياس ولايليرا، فذهبا لغسل الصحون.

أكملتُ ما بيدي، ثم توجهت نحو غرفتــها كي أرتّبها...

وكأن أحدًا ما نام فيها.

طرقتُ الباب حتى كِلّمتني،

ولم يُؤذن لي بالدخول.

دلفتُ الغرفة،

وصدى بقايا الماضي لا يزال في الأرجاء.

أخرجتُ نفسًا مرتعشًا، ثقيلٌ على صدري،

توجهتُ نحو السرير بخطوات منكسرة،

أرتّبه رغم أن لا أحد نام فيه.

"لا تزالين على عادتكِ، يا عزيزتي،

تخرجين ولا ترتّبين غرفتكِ، آه منكِ..."

قهقهتُ بضيق، أرتّب السرير الذي فقد دفء جسدها،

وبات باردًا رغم أنني أحاول تدفئته،

لكن لا شيء يُعوّض دفئها المُحبّب.

حتى وسائدها لا تزال تحفظ جهة رأسها.

لا زلتُ لا أجرؤ على تغيير فراشها...

لا يزال فراشها مجعّدًا من جهة نومها،

ويحتفظ ببقايا رائحتها.

ليت الزمان يعود بي...

كي أمنع ما حدث، وما جعلنا شظايا.

يا ليت فقط...

.

.

.

✩༄༄✩

.

.

'التاسعة ونِصف °صبَـاحًا'

.

.

شَدَّدْتُ علىٰ مِعطَفِي النَّبْيَذِيّ أُبَادِل نَظَرَاتِ التَّحَدِّي مَعَ لايليرا.

"دَعينا نُنهي النِّقاش يا عزيزتي آيلي، دَعينا نَختار سيارة بُوغاتي."

قالت أسْمِي الأوسط، هذَا يَعني أنَّها في أوجِ غضبِها.

لَكِن هل آنياريل هي من تَسْتسلم؟ كلا.

"يا جميلتي مِيرا، إنَّ العصافير مرتاحة، دَعينا لا نزعجها بنعيقِنا ونَختار البي إم دبليو."

كانَت سوف تَردُّ لولا أنَّ قَبضةً حديديةً أَتَتْ عَلى رُؤوسِنا، مما جَعَلَنا نَنْحِي ونَمْسِكُ رُؤوسَنا بِألمٍ، مُرَدِّفَةً في نفسِ الوقت

"لَعْنَة السَّماءِ السَّابِعَة عليك يا ويليام."

قَهْقَهَ كَأنَّنا قُلنا لهُ "ديكٌ يَلِد!"

"هيا هيا، اليَوم لن نَستخدم أيَّ سيارة."

"أتَعني أننا سوف نَستخدم دَرَّاجةً ناريةً؟"

"كلا، سوف نَسير على أقدامِنا."

"أوه، حسنًا."

بَدأنا نَسير ونحن نَتكلَّم في أشياء عشوائية حتّى وصلنا إلى مقهى راقٍ لكنه مريح.

اِمتدَّت يدي إلى مِقبَض الباب، أَدفعه وداعبت رائحةُ البُنِّ وكعكِ القرفةِ أنفي.

"أخي أخي يا وسيمي أر..."

"كعك القرفة وشاي الفاوانيا، لا داعي لتكرارِ الطلب في كلِّ مرة."

تَمَتَّمَ بِحنقٍ زائفٍ لأُديرَ عيني بملل.

شَقَيْنا الطَّريق إلى الطاولةِ البنيةِ ذاتِ خطوطٍ حليبيةٍ القريبة من النافذة وبعيدةٍ قليلاً عن الطاولات الأخرى.

ناظرت أرجاءَ المقهى ذات اللونِ البيج مع لونِ البُنِّ بملل.

وضعتُ كلتا يديَّ التي يُغطيها قفازٌ أسود تحتَ ذقني، أُناظرُ السماء وهي تَنثر نِثار الشتاء لتقعَ وتُعانق الأرضَ بِدُموعِها المُجمَّدة.

دافئٌ رغم برده.

نَظرتُ لِلايليرا التي وَجهت هاتفها نَحوي، ظَنَنتُ أنّها تُريد أن تُريني فيديو ما، لكن ظننتُ فقط.

أذْ فتحوا بثًّا دونَ علمي، يا للروعة.

"كلا كلا، لا تَقلقوا نحن نجعلها تأكل الطعام حتى عندما لا تكن جائعة."

رَدَّت وهي تضحك على تعليق مكتوبٍ فيه: "هل آنياريل تأكلكم عندما تكون جائعة؟".

لم أكُد أُرِد عليهم، إلّا أنَّ الطَّلب قد وُضِع على الطاولة.

كم لبثتُ، آه يا الرائحة.

بدأنا بالإجابة على الأسئلة العشوائية حتى جذب انتباهي سؤال "متى تعلنون عن مجموعتكم الجديدة؟".

أوه، سؤالٌ مُباغت، أو أنا التي لم أُتوقعه.

تَحَمَّمْتُ استقيم وفي جلستي أَشبك يدي وأضعهما على الطاولة وملتُ برأسي مُرَدِّفة

"حسنًا حسنًا، ربّما مجموعتنا هذه قد تأخذ وقتًا أطول لأسباب لا أودُّ الإفصاح عنها،

لكن صدقوني، هذه المجموعة ستُعجبكم جدًّا، لا أَتقصد الغرور لكنّي أستحقّه، لكن هذه المجموعة ستجعلكم تَستغنون عن أي شيء مقابلها."

وهكذا مَضَينا وقتنا نَتكلَّم في البث حتى أنهيناه.

وها نحنُ الآن نَقِفُ على جسر ألكسندر الثالث نُراقب سربَ الطيور وهو يرفرف بحريّةٍ في السّماء، أو ربّما تَجد مكانًا أكثر حمايةً ودفئًا، تمامًا كبشر.

"آني، هل أنتِ سعيدة؟"

"أنتَ تَقصِد هل نحنُ سعيدون؟"

نظرتُ إلى وجهِه عندما همهم بنعم،

حتّى أردفتُ بنبرةٍ مخنوقة

"ولِمَ لا نكون سعداء مثلًا؟"

وَجَّهتُ سؤالي نحو لايليرا، لكنها قابَلتني بالصمت، لأضيف مرةً ثانية

"ما الذي يمنعنا أن نكون سعداء؟ أهو الماضي؟ أم الحادثة؟ لِمَ لا نكون كالحَمامِ أحرارًا؟ لا يُقيّدنا الماضي بسواده، ولا يخنقنا المستقبل بجهله، دَعنا نعيش يومنا كأنه الأخير، نَطير إلى ما يأوينا، دون خوف، دون تقييد أو حَذر."

وكأنّي كنتُ أسأل ذاتي قبلهم.

لقد سئمتُ، سئمتُ جدًّا.

لمَ فقط نحن نعيش في وهم؟ سعادةٌ وهمية، عائلةٌ وَهمية، تفكيرٌ وهمي، حياةٌ وهمية بالكامل!

نَفِسي تَخنقني.

استندتُ على السور بظهري مُوجهةً سؤالي لكليهما

"لم تُجيباني، ما الذي يمنعنا من أن نكون سعداء؟"

"السعادة حلمٌ لا يتحقَّق

صدفةٌ لن تتكرّر

طريقٌ قد اختفى

بابٌ قد أُزيل

فرصةٌ قد فاتتنا."

أجابتني ليرا بشرودٍ وهي تناظر اللاشيء، لتكون عيني على وشك الفَيضان، لأجيب بنبرةٍ مُرتعشة

"غدًا يصبح الحلم واقعًا، حتى لا تَسعنا الأرضُ من فرحتنا

صدفةٌ لن تعود، ولكن سنخلقُها

ونستطيع بناء طريقٍ ولو كلّفنا سِنِينًا

ويوضع في مكان الباب ألف بابٍ آخر

الفرصة لا تأتي، بل تُصنع

والآن أجبيني، ماذا يمنعكِ أيضًا؟"

"هي لا تأتي إلينا."

"إذا اذهبي إليها."

"من أين أبدأ؟ أي طريقٍ أسلُك؟"

"لا تختاري طريقَ السلام، لأنَّ الشكَّ يَشعُّ منه، ولا تختاري طريق الحرب، لأنَّ الغدر يَكثُر فيه، اختاري ذلك الطريق الذي هجره الجميع، الذين وضعوا أمامهم خيارين: إمّا السلام أو الحرب، متناسين أن هناك خيارًا ثالثًا، فاختاريه أنتِ، وأنا خلفكِ من ثُم معكِ."

"السعادة؟ ومن دونهم؟"

نظرتُ ناحية ألياس الذي تكلّم باستنكار وهو يشُدُّ خصلات شعره العسليّة من الأمام.

"وهل تظنّ أنّهم سوف يكونون سعداء إذا رأوا حالنا الآن؟ هل ترضى أن تجعلهم حزينين وهم الآن نجومٌ تُنير لنا فقط؟"

"كلا، ولكن كيــــ"

"بلا لكن يا ألياس، إنَّ السعادة قد تطرق بابنا في أي لحظة، لما التهجم ونحن نستطيع التفاؤل؟ لما تختارون الأسوأ وتنسون الجانب الأبيض؟"

كَاد أن يُجيب لولا أنَّ صوت قرقرةٍ صادرًا من بطنٍ ما، وبالتأكيد ليست بطني، بالتأكيد.

ناظرني ألياس بملل لتنفجر لايليرا بالضحك،

ضحكت بخجل، أرفع يداي وحيدًا بها مُرَدِّفة

"ليس ذنبي أن حياتي جائعة، فلتطعموني قبل أن 'آكلكم'."

حركتُ يداي على علامة اقتباس في الهواء مُشيرةً إلى ذلك التعليق في البث.

"يا ألياس، لم نرَ شيئًا من حياتنا، دَعنا نُطعمها."

أردفت لايليرا من بين ضحكاتها ليُومئ ألياس بابتسامةٍ مثيرة، مثيرة للشفقة بالطبع،

على الرغم من أنني الوحيدة المثيرة للشفقة هنا.

والآن نحن في مطعم 'Faust' نجلس على طاولةٍ في الشرفة نبحث عن ما نطلبه، بينما أنا أبحث عن طعامٍ شهيّ.

"ألياس أطلب لي أنتَ."

طلبتُ منه لأنني أَثق بذوقه في الطعام.

"أجل وأطلب لي أنا أيضًا."

أومأ ألياس نَحونا لأفتح هاتفي أتصَفّحه،

حتى مرّ الوقت ووصل الطعام.

مرّ الوقت حتى وُضِعَت أطباق الطعام،

نظرتُ ناحية ألياس لأتأكد من شيء، وكأنما لاحظ هو نظراتي، إذا قال لي مطمئنًا

"لا تقلقي، لا فستق فيه، حرصتُ على أن يكون طبقكِ خالٍ من الفستق بأي شكل من الأشكال."

شكرتهُ بنظراتي، لكون الجزع قد تملّكني لاحتواء أطباقهم المشابهة لطبقي على الفستق، وأن أكلته قد أباتَ في المشفى.

.

.                .                        .               .

        .                      𖦹                .

قد غابت الشمسُ، وتسَلّل الغروب بخفّةٍ ورقّةٍ بين أطرافِ الأفق، فأضاء السماء بألوانٍ دافئةٍ تتراقص كلوحةٍ نُسجت بألوان العسلِ والنار والدّماء. انحنت الشمس بهدوء كأنها تهمس بآخر وداعٍ قبل أن تغيب بين أحضان دولةٍ أخرى، مظهرٌ مثالي، خاصةً مع سنةِ اللهب تلك.

لمحتُ ألياس يخرج كاميرته ويصور المنظر، لا ألومه، لو كانت فراشي بيدي، لجلستُ هنا أرسم هُنا ملامح السماء وهي تودع شمسهَا وتستقبل النجوم.

لمحت عربةً تُبيع حلوى قطن البنات، ألهي، وأخيرًا سوف أتذوقها مرةً أخرى.

بدأت أشُدُّ أطراف معطف ألياس وعينيّ على العربة، ليحوّل ألياس بصره من الكاميرا إليّ، رفع حاجبًا نَحوي، وكأنّه يقول

'ما الشيء العظيم الذي جعلكِ تقطعين لحظتي؟'.

لأشير بيدي نَحو العربة، ليعيد بصره نَحوي وناظرني بملل، إن لم يتكلّم بفمه، سوف تتكلم نظراته، والآن هو يقول

'هل أنتِ وَاعية؟'

لكنني لازلت أحتفظ بابتسامتي، مما جعله يتنهد باستسلام، يُخرج محفظته من جيب معطفهِ الأسود الجلدي، والذي يكون من تصميم لايليرا.

مدّ ألي المال لأناظرهُ باستغراب، ليطرق رأسي بأصبعه يدفعهُ للوراء قائلاً

"خذي المال، ألم تري حلوىٰ القطن؟"

فتحتُ ثغري بعدم تصديق، ألهي.

"انظري ليرا، علينا تعليمه كيف يتعامل مع الفتيات الرقيقات اللطيفات، وإلّا لن يحصل على حبيبة، وبالتالي لن نكون عماتِ ويلقبوننا بالأفعى."

"أجل أجل، معكِ حق، لا تقلقي سوف أتكفّل بتعليمه، ومن ثم سوف نعثر له على حبيبة."

"ومن قال إنّي أُريد حبيبة؟"

"لماذا ترفض؟ هل هناك من في قلبك؟ لحظة! هل هناك من في قلبكَ؟!"

فغرتُ ثغري وأناظرُه بعيونٍ منفرجة، هل هو يحب فتاةً ما دون علمنا؟ منذ متى؟

"يا هذا، أنتَ من تحب؟"

انتظرتهُ أن يُجيب على سؤال ليرا، لكنه تظاهر بحساب المال، رغم أنّه مضبوط.

"أجب على السؤال يا ألياس ويليام كاستافيردي."

إن لم يُجبِ الآن، فسوف يحدث زلزال.

"سوف أذهب لشراء حلوى القطن."

قالَ يتهرب من السؤال، وقبل أن نردّ هو قد ذهب بالفعل.

نظرت ناحية ليرا لأقول لها

"انظري ميرا، ربما هو غير متأكد من مشاعره حقًا، أو ربما متردّد من شيءٍ ما، لكن صدقيني، في النهاية سوف يقول من تلك المحظوظة التي فازت بقلب كتلة الوسامة تلك، أما الآن، دعيه على راحته، ولا نشعره بشيء."

تنهدت لتُجيبني بنبرةٍ لا أعلم ما هيّة المشاعر فيها

"أنا لا أمانع، دعيه يأخذ الوقت كله في التفكير، لن أمانع، لكن ماذا إذا تلك التي يحبها تخدعه؟ بل متى تقابلوا إذا نحن نقضي أيامنا كلها مع بعض؟ خائفة مما قد يحدث."

"لا تخافي من المجهول، آمني به، وأيضًا إن حدث شيء سيّء معه، ربما لن نكون معه لننقذه من الخطر، لكننا سوف نكون معه لنسعفه."

كادت أن تردّ لولا أن ألياس قد وصل بالفعل، مددت كلتا يدي لأحصل على خاصتي الزرقاء، ليهزّ براسه ممتتمًا "طفلة"،

تجاهلته لأبدأ بالتناول مُصدِرة همهماتٍ كأنّها تعاويذ.

.

.

حلَّ الليل، واختفت العائلات، باقٍ صدى ضحكاتهم في أركان الطريق، بدأ الظلام بالتهام كل شيء، العربات قد أُغلقت، صوت تنفّسنا هو الوحيد المسموع.

ناظرت السماء قبل أن ترتجف وتطلق عنان دموعها، فأصبحت تطرق الأرض بقوة، تُبلّل ملابسنا لتلتصق بجسدنا،

"السّماء تبكي."

أتتني فكرةٌ ما أودّ تطبيقها، ولن أضعها في خاطري لأناظرهم وابتسامةٌ بلهاء قد ارتسمت على وجهي، مما جعلها يشيحان وجهيهما بنفاد صبر.

قَهْقَتُ وأنا أصفّق بيدي لأقول لهم

"دعونا نرقص على دموع السماء."

لم أترك لهما مجالًا للردّ، لأني قد سحبتهما تحت عمود إنارة، نرقص كأنها للمرة الأخيرة.

نرقص على أحزان السماء، كما ترقص على جثث الأعداء.

لا أشعر بالبرد رغم الهواء القارس، أو ملابسي المبللة، أشعر فقط بالدفء في مكان بارد.

المطر يضرب وجوهنا بغزارة، وكأنّه يغسّلها من شوائب اليوم.

كل ما يُسمع في الطريق هو ضحكاتنا المختلطة رفقة المطر.

هذه هي السعادة التي أتمناها.

.

.

.

.

.

"لا تَنسنّ أن تُجفّفنّ شَعركن، لا ينقصني مريضات زُكام في المنزل!"

وصل إلىٰ مَسامعي صوتُ ألياس وهو يُنبّهُنا من خارج الغرفة، لأهمّ بتنشيف شعري بالمِنشفة.

ما ان اصبح جافًا نسبيًا اخذتُ رواية قد اشتريتُها قَبل أسبوع، لَكن لم تَسنح لي الفُرصة لِـقرائتُها.

كَانَ قد ألهمني غِـلافُها، اذ يبدو انها نَفسية مُرعبة.

مددتُ يدي لأبريق ألماء، لَـكنني تأكدتُ من تعبئته!كيفَ فرغَ؟.

حَسنًا رُبما تهيئ لي أنني ملئتهُ وانا نسيتُ تَـعبئِته.

تنهدتُ بضيق ارتدي خُفّ ازرق سمائي،خرجتُ من الغرفة أنوي نزول الدرج، لكن هَاجسُ غريب جعلني أنظرُ لغرفتها، ربما أثارُ الحمىٰ بدأت بِـالظهور بِـالفعل.

دخلتُ المُطبخ افتحُ ألانوارِ وبدئتُ بِـتعبئته.

بِينما الابريق يروي جفافه، انا أروي معدتي بالتوتِ وألانانس.

خرجتُ من المطبخ ما أن أخذتِ في يدي مجموعه من التوتِ، وبيدي ألاخرى أبريق الماء.

ولِـكون يديّ مشغولتان، احنيتُ رأسي ألى مِـقبض البابِ أفتحهُ، وفي قَـدمي اليُسرى دفعته.

وضعتُ ألابريق على المنضدة ونويتِ الجلوسِ على السرير أكمل القراءة.

لكن وُقوع شيءٍ ما في الغرفة المجاورة، جعلني أتوقّف لا إراديًّا.

من أين أتىٰ الصوتِ؟ أنا وصَدتُ أبواب الشرفة جيّدًا، لا يُمكن أن تُفتح حتى مع غزارة المرض... إلّا إذا...

الشّك قد انتشر في قلبي كـوَرمٍ خبيث قاتل، لأحمل سِكّين الفاكهة مُتوجّهة إلىٰ غرفتِها، لأروي ظمأ شَكّي.

رُبّما قد يكون ألياس أو لايليرا دخلا، لكن ما الذي يجلبُهما لغرفتها في الثانية عشرة ليلًا؟

فَتحتُ باب الغرفة بِتردّدٍ شديد، وكلُّ شبرٍ من جسدي يقول لي'اذهبي ونامي'.

لكن فاتَ الأوان.

فَتحتُ الباب.

دخلتُ لأُشعل الأنوار.

حتى قابلتني هيئتُه علىٰ الأريكة.

كان هو.

أنا متأكّدة.

تُمحى العيون من الذاكرة... إلّا عَيْناه.

رَماديُّ العَيْنين.

هو... هُنا.

..

.

.

.

.

دمتم سالمين ✩༄

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آسيلون

المؤلف Foratx
2025/07/15 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة