✩أسيرُ ولستُ أعلمُ أينَ أمضي
غريبُ الدارِ قد ضيَّعتُ بعضي༄
إسپانيا، مدريد
____________________
بينَ أَزِقَّةِ مدريدَ القديمةِ، وتحتَ وَهجِ الغروبِ الذَّهبيِّ، وقَفتُ على رَصيفٍ من رُصِيفاتِ مدريد، والشمسُ تَنثُرُ آخِرَ أَنفاسِها على الطُّرُقاتِ، والغروبُ يَنْسِجُ خُيوطَه على الجُدرانِ القديمةِ، والمارةُ يَعبرون أمامي، لا يعرفونني ولا أعرِفهم...، أنا ظِلُّ غريبٍ يَسيرُ في زَحامِ المدينةِ، بَحثًا عن نفسي الضائعة...
تَمَسَّكتُ بأذكَاري ومَعوذاتي قبلَ وُصولي إلى هذه المدينة المزدهرةِ، فالمُختطفون قد نالوا شرفَ وُصولي لهذه المدينة.
عندما كنتُ أنظُرُ إلى المارة وجوهُهم التي تَشمَأزُّ عندَ النظر إليّ وتَشِيحُ بنظرِها عني، كنتُ أَتساءل: هل لأنني غريبٌ عن هذه المدينةِ وازدهارِها وتطورِها؟ فكنتُ أعيشُ في قريةٍ بعيدةٍ، حيثُ مَلأ التَّطوُّرُ الأفقَ، والأشياءُ ظَهرت في هذا القرن، وملابسي تَدُلُّ على ذلك.
عند التَفاتتي، نَظرتُ إلى بائعِ شَطائرٍ، سارَ لعابي من فَمي من رائحةِ خُبزٍ محمَّصٍ... يمي.
مُنذُ اِختطافي وأنا أَتضور جوعًا ومُتعبٌ جدًّا، وزاد في هذا الإرهاقِ يدايَ المَكبَّلَتانِ بأصفادٍ متينَةٍ قبلَ تحررهما في محاكمةِ تَقييدٍ بدون سبب، وحلقي الذي أصبحَ جافًّا بسبب صراخي ومُناجاتي لأحدٍ يُحررني من هؤلاء المُختطفين، ولكن لا حياة لمن تنادي، لا أحدَ سمِع صراخي ومُناجاتي.
ولكن...
لأكون صريحًا، مُنذُ اختطافي إلى الآن لم أشتكِ لهم من معاملتهم، فعندما أتحدث مع هؤلاء المُختطفين يَفرون هاربين، وكأن وحشًا سوف يأكلهم.
بعد مدةٍ من تَجَمُّدي في مكاني، وأصابعي تَشنَّجَت من الأصفاد، وصلْتُ إلى المطار، حيثُ سلِّمتُ لشخصين ذوي بِنْيةٍ ضَخمةٍ، أطول مني بعدة سنتيمترات، وقد أخفوا وجوههم، ولكن عندما نظرتُ إليهم أَحسست بشعورٍ غريبٍ؛ كأنني لمحتُ هذه العيون المُخفيّة، وكأنني رأيت هذه العيون من قبل، ولكن للأسف ذاكرتي كذاكرة سمكة، مع أنني أقرأ القرآن وأحافِظ على أذكاري، لكن في أُونةٍ أخيرةٍ بَدأت أقرأ بعض الصفحات سَرِيْعًا في الصباح، لأنني كنتُ ملزَمًا بالذهاب إلى المدينة الرئيسية سيرًا على الأقدام أو استئجار سيارة أجرة إذا كان لدي مال لرؤية أمي، لملازمتها عند غياب إخواني للعمل.
أختي متزوجةٌ وساكنةٌ خارج البلد بحُجةِ عمل زوجها، وأخويّ اللذين يكبرانني، أحدهما خمسَةَ أعوام، والآخر سبعةً أعوام، ولكنني كنتُ عازمًا على البقاء مع أمي، فوق ذلك عليَّ الذهاب للمحاضرات الدينية وحلقات التعليم والمدرسة.
حين كنتُ شارد الذهن، اجفلت عيوني عندما أمسكني أحد خاطفي وأنشب أصابع يده نحوَ ذراعي، ورماني داخلَ سيارة سوداء في المقاعد الخلفية حتى صفق الباب بقوة وكنتُ أتأوه من رمية قوية.
لكنني كنت قد وصلتُ إلى الحد المطلوب من الإهانة والذل، كأني حيوان، فأعلنتُ بوجه خاطفي، وهو يتخذ مقعدًا بجانب السائق الذي كان غير موجود:
كنتُ في بداية الأمر هادئًا، عندما تحدثتُ بلكنتي: «لو سمحت وتكرمت يا أخي»، بعدها زمجرتُ في وجهه وقلتُ: «هل تستطيع التعامل مع رهائن بلطف لكي أستَلطف وأتعامل معك بأسلوبٍ راقٍ مثل وجهك الراقي والوسيم؟» (غمزت له في نهاية كلامي).
لكن نظرته توحي بالاشمئزاز والاشمئزاز من آخر حركة لي، حيث قال بهدوء، وهو يفتح صندوق سيارة خلفي: «لماذا تغازل بهذا الكلام؟ هل أنت...»
عندما كان يريد تكملة حديثه، سبقته في القول وصرحت: «يا أخي، أبعد عنك تلك الأفكار القذرة التي تدور في رأسك، هذه لا تناسبك» وأنظر له نظرة اشمئزاز من معرفة ما يدور في رأسه.
ابتسم ابتسامة هادئة وهو ينظر بحيرة، ليرد عليّ: «ماذا؟ هل ظننت أنني أفكر في...»
قاطعت كلامه قائلًا: «أستغفر الله، يا أخي، ما هذا الذي تقوله؟ غير مجرى هذا الحديث، لقد اشمئزيت من نظرتك وكلامك».
قبل أن يتكلم، فتح باب السائق ودخل السائق، الذي هو خاطف ثاني، وأغلقه. فتح السيارة سمعتُ فقط أزيز عجلاتها التي تسير بسرعة.
حَلَّ صمتٌ مطبق، فقد أخذت الشمس تغفو في نومٍ عميق، ذاهبةً عنا شعاعها الذي يُنير قلوبًا سوداء مثل الذين أمامي، حيثُ أخذ أحدهما غفوة، واضعًا يده اليسرى فوق جبينه، وعندما تقترب منه تسمع صوت أنفاسه تخرج كأنها مضخة (ضحك) — أمزح لنكمل. أما السائق فقد طبق قانون صمت الأبدي منذ بداية الرحلة إلى الآن، وهو صامت، يعطي إيماءات لصاحبه، كأنه أبكم: «يا أخي، تكلم أو تنهد على الأقل لكي أعلم أنك موجود في هذا الظلام الدامس» (ضحك).
كان هكذا حالي في الطريق، ولم أستطع النوم بسبب أنفاس هذا النائم وتهديده لي إذا غفوت، حيث عيناي تراقبان طريق السيارة من الخلف.
شكوك تدور في عقلي: لماذا يداي غير مكبلتين معهما، في حين أُولئك الخاطفون قبلي عندما سلّموني لهما؟ كنت شارد الذهن أعيد ذكرى اختطافي...
Flashback _
جمهورية إيران، محافظة گلستان (التركمان)، شمال شرق إيران،
أحد القرى القريبة من المدينة.
كنت أسكن هناك قبل لحظة اختطافي ووداع موطني الذي عشت فيه وترعرعت... شعور مؤلم وتوتّر وخوف مما سيحدث لي في الأيام القادمة.
صوت أزيز عجلات سيارة تلتف وتأخذ منحنى آخر في طريق عام.
تتساءلون: كيف حفظت شوارع هذه المدينة؟
إنني أعبر هذا الطريق منذ أن كنت في الخامسة من عمري، حيث كان يأخذني أبي إلى المدرسة، ومنها إلى حلقات تعليم القرآن الكريم في المسجد الذي يبعد عن منزلي مشيًا سبعة أميال.
كانت عائلتي دخلها يكفي لقمة العيش، لكنها كانت مهتمة بدراستنا والذهاب للحلقات التعليمية لتعلم القرآن الكريم وعلوم أخرى.
بسبب الدخل القليل، كانت المدرسة تتطلب منا دفع رسوم الدراسة لي ولأخوتي، حيث كنا في حالة صعبة، فكنتُ أتناوب مع أخي في الذهاب إلى المدرسة، فمدرستنا لا تحتوي على مدارس حكومية بسبب قلة السكان وفقرها.
لذا، كنت أذهب مشيًا إلى المدينة، ثم إلى المسجد، حيث أقرب مسجد من المدارس الحكومية التي تبعد 40 كيلومترًا أو أكثر.
لقد ثرثرت كثيرًا عن قريتي للعودة كيف اختطفت، ومنذ متى ولماذا؟
**° يوم الاثنين بعد صلاة الظهر بقليل °**
كنت أعيش أيامي العادية، أذهب أحيانًا إلى المدرسة ثم إلى المسجد، وكل يوم أذهب إلى المسجد حتى لو لم يكن لدي مدرسة.
بعد أن أنهيت صلاة الظهر، حيّيتُ معلمي وانزلت إلى إحدى محطات الانتظار التي تؤدي إلى قريتي.
عندما وصلتُ إلى الرصيف القريب من بيتي لمحت سيارة سوداء رياضية مركونة في أحد الأرصفة.
غريب أن يأتي أحد في وقت الظهر لهذا الوقت للتنزه! فالشمال مشهور بكثرة السياح في الشتاء، أما نحن ففي الصيف.
مررت بقربها، ولم أهتم، غير بأمي التي ستخرج من المستشفى اليوم.
عندما فتحت باب غرفة المعيشة، لم أسمع أي صوت، لكنني بحثت داخل البيت ولم أجد أحدًا، مع أنه وقت رجوع إخواني من العمل وأخي من المدرسة.
عندما فتحت لأرى خارج الحديقة، أحسست بضربة خلف رأسي من حيث العظم القذالي، ضربة أدت إلى سقوط مغميًا عليّ.
أغمضت عيني ونجحوا في جعلي في سباتٍ عميق...
End of Flashback . _
حتى فتح باب خلفي للسيارة وطلب مني أحدهما النزول مع تهديد بعدم الهرب، وحتى لو هربت فلا أعرف أحدًا هنا غيرهما.
نزلت من السيارة وأنا أمسك حقيبتي ووقفت أمام مخزن ضخم تحيط به أشجار طويلة. أحدهما فتح الباب وكان يحمل حقيبة كبيرة على ظهره.
عندما خطوت الخطوة الأولى داخل المخزن، فتحت فمي بما لا يُصدَّق لما رأيت داخل هذا ...
✯
- اللعنة.
"يُمْسِكُ القَدَمَةَ المَصيبةَ من حيثُ الأصابعِ."
- يَرُدُّ الآخرُ:
"ماذا يَحْدُثُ الآنْ؟" بِتَنَهُّدَةٍ طَوِيلَةٍ.
- بِسُخْرِيَّةٍ:
"ماذا يَحْدُثُ الآنْ؟ هل تَمْزَحُ مَعي؟ لقد أَصْبَتُ باللعنةِ رُجُوعِي لذلكَ المكانِ، لقد أَعلَّمتُكَ أنَّني لا أَعودُ مهما حدثَ لذلكَ المكانِ، إنه... إنه ذهابي إلى الجحيمِ في هذه الدنيا."
- "دَعْني أرَى إصابتكَ."، وهو يقترب من الرجلِ الأصهبِ، بدأ بتَشْخِيصِ إصابَةِ قدَمِهِ المُتورِّمَةِ بسببِ سقوطِ حَقِيبَةٍ ضَخْمَةٍ على قدَمِهِ.
- "هل تَعلَمُ أحيانًا أَنَّ أَسبابَ مَشاكِلِ حياتي بسببُ ذلكَ المكانِ الذي أُصارِحُكَ بأنني تَحَدَّثْتُ عنه عندَ صَحافةٍ تايُونِيَّةٍ بعد مرورِ سَنَوَاتٍ عديدةٍ عن تلكَ الحادثةِ؟"، ويتحدثُ وهو ينظرُ إلى غرابٍ فوقَ عَمُودِ كَهْرَباء.
- صاح به الرجلُ الذي معه: "ماذا؟"، وقد تَرَكَ قَدَمَه صاحبه.
- "أجل، كما سمِعت، فَكلام المُلُوك لا يُعادُ."
- "تقصد مُلُوكَ المَوْتِ؟" وهو يُحركُ ثَغْرَه قليلاً بابتسامةٍ مستفزةٍ.
- "أيها الأسمر، لا تنسَ أنك من هولاءِ المُلوكِ."، والأصهب يفتح ثغره بابتسامةٍ هادئةٍ تظهرُ أسنانَه.
- "أظنُّ أن هناك من يراقبُنا."، وهو يُحركُ بُؤْبُؤَ عَيْنِه إلى اليمين.
فاَلْتَفَتَ الأصهبُ برأسه إلى الوراءِ لينظر إلى الشخصِ الذي يقصده صاحبه، في رأسه أفكارٌ شيطانيةٌ ليفعلها بشخصٍ ما.
بعد مرورِ دقائقَ من التحديقِ المستمرِّ في فرارِ ذلك الشَّخصِ من المكانِ.
كان أَيْسيلٌ، رجل الأصهب، شارد الذهن، في حين كان كالسندرُ الأسمر يُدخِّنُ لفافةً بعد هروبِ الشخصِ الذي يُراقبهما.
قد انتهى كالسندرُ من اللفافةِ ورماها تحت قدميه ودهسها، وأمسك أيسيل من ذراعيه، مما أذهل الشخص الشاردَ الذي اجفل عندما أمسَكه. وقد رفعه كالسندر إلى كتفه، وأيسيل يَرْمِي عليه شتائم ويَرْكُلُهُ بِقدميهِ كي يتركه أرضًا، ولكن كالسندر قد نال من ضرب أيسيل حيث رماه في مقعدٍ خلفي، تحركَ بخطاه مسرعًا بركوبِ سيارةٍ وتشغيلها، وترك ذلك المكان متربصين لهما.
᯽
برلين، إحدى أزقة تلك العاصمةِ ليلاً.
- "ماذا دهاكَ يا سيدَ أَديم سيوس؟"، وتُعيدُ سؤالها للرجلِ الذي أمامها للمرةِ الثانيةِ.
- "لماذا لا ترد يا رجل؟"، تقف فتاةٌ ذات ظفيرة أمام رجلٍ ذو شعر أشقرٍ باهتٍ، وتصرحُ بهذا الكلامِ.
- تنهدَ وصرحَ بكلامٍ لا يريد تكرارَه مرة أخرى بحُجَّةِ "أسئلةُ هذهِ حمقاءٌ":
"كما سَمِعْتِ، هيزيل، سوف نستقبلهم غدًا، وعلينا التحلّي بصفات حميدةٍ بدون صراخ أو رمي شتائم عديدةٍ وضربهم بالمقلاة."
- هيزيل، التي فتحت ثغرَها كثيرًا بصدمةٍ، وتردُّ:
"كيفَ عرفتَ أني سوف أفعلُ هكذا؟"، وهي تنظر إليه باستغراب.
- "هل تَمْزَحُ معي يا هيزيل وأنتِ تعملي هكذا عندما يحضرُ زبائنٌ أو ضيوفٌ إلى الفندق؟"، يرد أديم وهو يرفع حاجبه.
- "لكنْ من الشخصِ الذي سيأتي مع التوأم؟"، ووجهها يبدو عليها حيرة.
لم يُرِد أديم على سؤالها الأخير وأراد الرجوع إلى الطريق، ولكن هيزيل قفزت على ظهر أديم ورمت على عنقه ذراعيها، وهي تُحوي رجليها حول خصره، وتهمس في أذنه:
"الآنَ تستطيع الذهاب يا سيد."، وهي ترمي رأسها فوق كتفه وتبدأ بتمتمة أغنية غريبةٍ بلغةٍ عن هذه الدولة.
لقد رفع أديم حاجبه الأيسر باستغراب لفعلها هذا، ولم يكن لديه حلٌّ غير حملها فوق ظهره والمضي لكي لا يأتيه توبيخ من عند أبوِيلا بسبب ترك هيزيل هنا.
✩
مدريد، قبل منتصف الليل بساعة.
- "يا رجل، ماذا به هذا الفتى المتجمّد في مكانه؟"
نهاية الفصل الأول ♨️
________________
سلامٌ عليكم
أعطوني رأيكم في الفصل الأول
وشكرًا لا تنسَ أن تُصلّي على سيدنا محمد
ꨄ︎𝑫𝒂𝒚..✫