3/قلادة مكسورة

3/قلادة مكسورة

13 0

اتجهنا إلى ركن الجلوس بعد الاستقبال.

صالة جانبية واسعة، بأرضية خشبية داكنة، وأرائك من الجلد البني اللامع تتوزع بشكل أنيق حول طاولات زجاجية منخفضة. الإضاءة خافتة لكنها مدروسة، كأنها تتآمر مع الموسيقى الكلاسيكية لتصنع نوعًا من الهيبة المُتعالية.

جلسنا.

هايلين جلست بجانبي، تنظر نحو لوكاس بنظرات مبالغ فيها، وكأنها تنقّب في وجهه عن ملامح أمير من القرون الوسطى.

أمي كانت تتحدث مع زوجة إيفان، السيدة التي تبتسم كثيرًا… أكثر من اللازم. تلك النوعية التي لا تصنع صداقات، بل ترتب تحالفات.

أما ليثيان… فقد جلس قُبالتي، دون دعوة، يضع ساقًا فوق الأخرى، ويحتسي مشروبه برشفة بطيئة، وكأنه يمارس نوعًا من التأمل العميق في وجهي.

تجاهلته.

لاشك في أنه من النوع الذي يبحث عن فتاة للتسلية.

النادلة مرّت من أمامنا، تحمل صينية بأكواب أنيقة، فأخذت واحدًا دون أن أنظر حتى.

كان الشراب ذهبيًا خفيفًا، وله طعم لم أفلح في تحديده. شيء بين التفاح والأعشاب البرية… يشبه المزاج العام في الحفل: مهذب، باهت، وغير ضروري.

على الطاولة، كانت هناك صحون صغيرة مُرتبة بدقة.

قطع صغيرة من التارت المحشو بجبن طري وتين مجفف، مربعات من خبز محمص وعليه سلمون مدخن، كرات صغيرة من الجبن بالأعشاب… كل شيء مبالغ فيه هنا، لكن يبدو أن هذا يروق لأمي.

أحد الرجال، بنظارات دائرية وشعر مبلل للخلف، كان يشرح بحماسة للسيدة الجالسة بجانبه كيف ارتفعت قيمة أسهم شركته بعد أن "راهن على السوق".

نظرتُ إليه لوهلة، ثم إلى السيدة، ثم إلى كأس مشروبي. كان من الممكن أن أراهن أنا أيضًا… على أنهم يعيدون نفس هذه المحادثة دائما.

لم أكن أرغب في الحديث.

لكنني شعرت ببنظراته مجددا.

رفعت عيني… وها هو مجددًا.

بابتسامته المقلوبة، يتأملني وكأنني قطعة أثرية من زمن آخر.

أرجعت ظهري على المقعد، ورفعت حاجبًا ببطء.

_"هل أعجبتك المقبلات؟" سأل، بنبرة مرحة.

أجبته دون أن أغير نبرتي:

"أعجبتني قدرة الناس على الادعاء بأنهم يستمتعون."

نظرت إليه تلك النظرة التقييمية، فيرد علي بابتسامة أكبر:

_" لكنني مستمتع حقا. السيد إيفان أخبرني أننا سنقوم بلعب البيلياردو وهذا سبب مجيئي في الحقيقة. "

قلت ببرود:

_" لم أسأل. "

رمش عدة مرات وقال:

_" حادة الطباع مثلما سمعت عنك. "

بعد مضي وقت ممل جدا في سماع احادث هؤلاء الناس، تقدم السيد إيفان بيننا وقال بصوت مسموع للجميع لكن رزين:

_" حسنا.. لن يمر هذا الحفل دون لعب لعبتي المفضلة، أنا أدعوكم الآن إلى طاولة البيلياردو. "

قادنا إلى غرفة حيث وُضعت طاولة البيلياردو الطويلة، تحت ثريا بلورية كبيرة تصميمها فرنسي قديم .

الرجال تجمعوا حولها: والدي، والسيد إيفان، ولوكاس -الذي بالكاد يستطيع الإمساك بالعصا بشكل مستقيم-، وأخيرًا… ليثيان، كان يجيد امساك العصا ولكن بالمقلوب.

وقفت إلى الخلف، أراقب بصمت.

الحديث كان يدور عن المهارات القديمة، وعن الأيام التي كان فيها البيلياردو طريقة لتوقيع العقود غير الرسمية.

ابتسم والدي بخفة وهو يوجه العصا، وسدد ضربة أنيقة جعلت كرة واحدة تدخل بثقة، بينما بقيت الأخريات متفرقات.

_"كايلن، لا زلت تحتفظ بلمستك." قال إيفان وهو يربّت على ظهره.

_"تعلمت من الأفضل." ردّ أبي، بعينين تلمعان.

أما لوكاس… فقد بدد هذا الجو برمية جعلت الكرة ترتد وتكاد تطير خارج الطاولة. كدت أصفّق.

هايلين شهقت، وضحك الآخرون بأدب. أما ليثيان، فقد اكتفى بابتسامة مقلوبة وهو يدير العصا التي كان يحملها بالمقلوب بيد واحدة، وكأنها امتداد لجسده.

ضبط زاويته ثم سدد، لكن لم تدخل اي كرة.

كاد أن يجعلني أصدق أنه أفضل من لوكاس.

ثم… رنّ صوت والدي بمرح:

_"لمَ لا تشاركينا اللعب، إيلوين؟"

رفعت حاجبي ببطء، ثم تقدّمت نحو الطاولة.

_"فقط لأُعيد كرامة العائلة." قلت ببرود.

أخذت العصا، وضبطت زاويتي، ثم سددت.

ضربت الكرة البيضاء بقوة محسوبة، فاصطدمت بالأخرى، فدخلت واحدة، ثم تلتها أخرى بعد أن ارتدت من الجدار الجانبي.

_"نعم… هذه هي ابنتي." قال والدي بحماس، لايزال الوحيد الذي يشجعني.

_"من الأفضل أن نبدأ تحديًا حقيقيًا إذًا." قال ليثيان، وهو يتقدّم بخطوات هادئة.

نظرت إليه بنصف عين، وقلت:

"جاهز للخسارة؟"

وقف بجانبي، وأخذ عصاه.

_"بكل سرور! "

بدأنا اللعب.

ركّزت. أوقفت تنفسي عند كل ضربة، ومع كل كرة تدخل، كنت أسمع صوت تنفّس أحدهم يتوقف. كنت أتقدم. الكرة تلو الأخرى تدخل، والفراغ على الطاولة يتسع.

ليثيان كان صامتًا، يراقب.

ثم جاء دوره.

كانت ضربته الأولى بسيطة بالكاد تحركت كرتان.

جاء دوري وأدخلت كرة أخرى.

عاد يراقب الطاولة، ثم عاد إليه الدور مجددا

قلت له:

_" أرني كيف تخسر. "

نظر إلي وابتسم حتى ظهر صفا أسنانه

ثم

استدار قليلًا، انحنى… وسدد.

كرة… ثم ثانية… ثم ثالثة…

ارتدت الكرة البيضاء من طرف لآخر…

وفي لحظة بدا كل شيء فيها بطيئًا، دخلت الكرة الرابعة، الخامسة…

والأخيرة.

صمت.

نظرت للطاولة، ثم إليه.

بكل بساطة، انتزع الفوز.

رفعت حاجبي وحدقت بالطاولة. ما الذي فعله؟ زاوية مستحيلة، وزاويتان مغلقتان، وكرات ثلاث كنّ على وشك الفرار من الطاولة. كيف…

وضع لزكاس يده على كتف ليثيان وقال:

_" يا لها من ضربة حظ!. "

بقيت أحدق بالطاولة، أيمكن أن تكون ضربة حظ حقا!.

مر بجانبي وهمس:

_"من رفعة حاجبك… أرى أنك تفاجأت، يا كعكتي المعطّرة."

تجمدت.

قبل أن أرد، ابتعد فجأة وقال بصوت مرتفع وهو يفتح ذراعيه: _"لقد فزت يا سيد إيفان هل لدي جائزة؟. "

تصاعدت بعض التصفيقات الخفيفة.

التفت إلي ونظرت إليه، تلك النظرة الحادة التي تكفي لإعادة تقييم حياته. لكنه اكتفى بالوقوف بنفس تلك الابتسامة المقلوبة.

قال السيد إيفان:

_" سأعقد معك الصفقة التي طلبتها. "

رد عليه:

_" عظيم!. "

دخلت إحدى العاملات وقالت:

_" القاعة جاهزة سيد إيفان. "

أومأ لها والتفت إلينا وقال:

_" ستبدأ مراسم الخطوبة الآن، هيا بنا. "

بينما كنا نسير في الممر  المؤدي إلى القاعة التي تم استقبالنا فيها ، كانت هايلين تسير بجانب لوكاس، تبتسم وتحرك رأسها بين الحين والآخر، بينما كان عينيّها تتنقلان بين الحضور.

_"لوكاس، من هذا الرجل الذي كان معنا؟ ليثيان، أليس كذلك؟" سألت هايلين بفضول.

_"نعم، هو وريث شركة والده. اسمه ميروف لوكسر. إنهم من كبار رجال الأعمال في البلاد." رد لوكاس بعينين يلمع فيهما الاهتمام.

_"آه، لذلك هو…" توقفت هايلين لوهلة لتتمتم " مهلا يلقب بالساحر أليس كذلك؟"

توقف لوكاس عن السير، مدًا يده ليشير إلى ليثيان الذي كان يبتعد عنا برفقة السيد إيفان قال وهو يبتسم بمكر:

_"نعم، هم يلقبونه بالساحر. إنه دائمًا يفوز في أي صفقة مهما كانت صعبة، ويقال إن لديه القدرة على التلاعب بالعقول. إنه شخص مرح، لكنه جاد جدًا في عمله، وكل شيء بالنسبة له هو صفقة رابحة."

هكذا إذن.

سمعت عنه

هايلين قطّبت حاجبيها بدهشة وقالت:

_"التلاعب بالعقول؟! هل تعني ذلك حقًا؟"

أجاب لوكاس بنبرة مازحة:

_"طلبت منه أن يعلمني، لكنه قال لي: الساحر لا يكشف عن أسراره."

ضحكت هايلين، بينما واصلنا السير معًا نحو القاعة التي تم تزيينها من جديد بأناقة، حيث الأضواء الذهبية والبيضاء تعكس تألق المكان.

ما إن وصلنا إلى القاعة حتى ازدادت الأضواء إنارة ،غلب على المكان اللون الذهبي رفقة الأبيض مما جعل المكان يبدو أكثر بذخا مما كان. كل شيء يفيض فخامةً، الأكواب الذهبية المتناثرة على طاولة طويلة في منتصف القاعة تكمل الانسجام بين الزخارف الرقيقة واللونين المتناغمين.

كانت الكعكة الكبيرة المدهشة في المنتصف، مزينة بتفاصيل ذهبية، فيما تحيط بها الزهور البيضاء والنوافذ التي تتأمل في الضوء الخافت القادم من الشموع الصغيرة الموضوعة حولها.

توقفنا أمام الطاولة الكبرى، حيث وقف الخطيبان – إبنة السيد إيفان بفستان أخضر زمردي مع خطيبها ببذلة سوداء – في مواجهة الحضور، بينما كان السيد إيفان وزوجته يقفان بجانبهما.

_"يا مرحبًا!"

قال إيفان مع ابتسامة دافئة، بينما بدأ الحضور في التصفيق لهم.

ثم قال، يعلن أمام الجميع:

_"الآن،  دعونا نبدأ بالاحتفال مع الخطيبين."

في تلك اللحظة، تقدّم الخطيب وساعدها في ارتداء الخاتم في يدها برفق، ثم أعطاها الخاتم لتضعه في يده. ابتسم الجميع وتبادلوا التصفيقات مع تمنياتهم الطيبة.

بعد ذلك، تقدّما إلى الكعكة وقاموا بتقطيعها معًا. الجميع يراقب بحرص، ومصور الحفل يأخذ اللقطات المهمة من مختلف الزوايا، حيث تبدو الكعكة وكأنها التاج الذي يزين هذا الحدث .

ثم قدّم السيد إيفان العصير في أكواب ذهبية، وفي اللحظة التي رفع فيها الجميع كؤوسهم، تلتها بعض الكلمات العاطفية عن المستقبل، وعن المغزى الحقيقي وراء الارتباط الذي يعني الأمان والاستقرار.

بعد الحفل القصير، عاد الجميع للجلوس على الطاولة، التي تزينت بمقاعد متقابلة بشكل متناظر. كان الحضور يتبادلون الابتسامات، بينما كان الحفل يُختتم بالتبريكات الحارة بين الجميع.

عادت تلك الأحدايث المملة، أخذت قطعة الكعك وقبل أن أستطيع تذوقها ، بدأت سيدة من الجهة الأخرى بالكلام.

وجهها مشدود بطريقة تُخبرك أن كل شيء فيه مُصنّع: من تعابيرها إلى نبرة صوتها.

اسمها على ما يبدو "أوريليا"، زوجة أحد رجال الأعمال المعروفين في مجال العقارات، وكانت تجلس بجانب والدتي.

_"زوجي كان من أوائل من استثمروا في المشروع البحري الأخير، وقد تضاعف الربح ثلاث مرات في أقل من ستة أشهر."

قالتها وهي تبتسم بفخر ثم أضافت:

_"أما مايكل…"

أشارت إلى ابنها الجالس بجانبها، شابٌ يلمّع نفسه كما لو كان لوحة عرض:

_"فهو يسير على خطى والده، و… بدأ مؤخرًا يبحث عن عروس تليق به."

نظرت إلى يدها وهي تُربت على كفه، ثم التفتُ إلى والدتي، التي كانت تحدق بي بعينين تحملان معنى واحدًا: "أنتِ."

انفجرت داخلي ضحكة ساخرة.

ها نحن ذا…

أدارت وجهها نحوه، وقالت بنبرة محايدة:

_"الحضور جميعهم هنا… يمكنكما اختيار العروس المناسبة له الآن."

في الواقع، لم يكن هنا شابات كثيرات أصلًا.

ابنة إيفان مخطوبة، هايلين مرتبطة، وأنا… آخر بطاقة متبقية.

يا لها من طريقة ملتوية لعرض البضاعة.

أوريليا نظرت إليّ، ثم إلى ابنها، وعلى وجهها تلك الابتسامة التي تُشعرك أنك تحت المجهر.

قالت بنبرة ماكرة:

_"ما رأيك في صحفيتنا الجميلة إيلوين يا بني؟"

أعاد مايكل مرفقه للخلف يبدو مغرورا، ثم قال وهو يعدّل أزرار سترته:

_"في الحقيقة، لا أقصد الإساءة… ولكن لديّ معاييري في اختيار الجمال. أنا شخص يهتم بالجمال كثيرًا، والبشرة السمراء… ليست ضمن معاييري."

توقفت كأس العصير في منتصف طريقها إلي.

رفعت حاجبي، كنت متكئة بظهري على الكرسي، مرتاحة أكثر مما يجب، ثم تقدّمت للأمام ببطء، وضعت الكأس و كفيّ على الطاولة، وقلت بنبرة حاولت تهذيبها وأن لا أظهر أنها منزعجة:

_"عن أي جمال تتحدث، ووجهك يذكرني ببيتزا ستيف؟"

عمّ الصمت.

ثم… بدأت ضحكات مكتومة تتسرب من هنا وهناك.

هايلين أمسكت بذراعي محاولة منعي من التمادي، لكن…

أنا لم أبدأ بعد.

_"لا أقصد الاساءة، أحترم معاييرك فأنا من معاييري أنني لا أقبل قرب الأشخاص الذين ينظرون إلى جمال الشكل وينسون البشاعة التي بداخلهم مني ."

تجمدت أوريليا في مكانها، بينما تحول لون وجه مايكل إلى درجة طماطم ناضجة.

قالت أوريليا، بصوت متجمد:

_"هل… ابنتك تنمرت على ابني للتو يا سيدة لونا؟ وقالت أتنا بشعون من الداخل! "

نظرتُ إليها بنظرة جانبية، وضعت كوعي على الطاولة، وأسندت وجهي إلى راحتي، ثم تمتمت بصوت خافت:

_"سيدتي… هذا ليس تنمرًا. هذا رد فعل طبيعي عندما يتحدث معي أحدهم دون أن يفكر.. و بالنسبة للجزء الثاني مما قلته ف... هذا استنتاجك ولا ألومك. "

ازداد تجهم وجهها

لذا تدخل السيد إيفان ليهدأ  الوضع وقال:

_" سيلينا أعتقد أنه حان الوقت للرقص أليس كذلك؟. "

بدأت الأضواء تتمايل تدريجياً مع نغمات الموسيقى الهادئة التي تغيرت فور أن أنهى السيد إيفان كلامه.

كان الجميع قد بدأ في الرقص، الخطيبان، هايلين ولوكاس، السيد إيفان وزوجته، حتى والدتي ووالدي. الجميع يتنقل بخفة على أرضية الرقص التي أضاأت بأنوار خافتة، بينما كانت الأعين تتنقل بين الحضور والأجسام التي تراقصت بهدوء في الإيقاع.

كنت جالسة في مكاني، لا أستطيع أن أُسلم نفسي للجو العام. لست من الذين يحبون هذه الاشياء، ولا من اللواتي يحلمن بها،  تلك اللحظة بدا لي أن الرقص ليس إلا صورة مكررة من أحداث سبق أن رأيتها. مجرد طقوس اجتماعية لا أكثر.

لكن فجأة، تقدّم ليثيان نحوي.

يمشي ويداه في جيبه ، لكن ابتسامته تلك، تلك الابتسامة المقلوبة التي لا تفارقه، كانت كفيلة بأن تجعلني أرفع حاجبي تلقائيًا.

اخرج يديه من جيبه ومد لي واحدة

_"هل تقبلين الرقص معي، آنسة إيلوين؟" سأل بصوت هادئ ونبرة مستمتعة ، بطريقة بريئة ونوعا ما طفولية! جعلتني...

أشمئز.

نظرتُ إليه بنظرة حادة، عيون مشتعلة بالحذر،  من المستحيل أن أرقص ومع من! معه هو.

رفضت دون أي تفكير.  دون أي تفكير.

_"لا." كانت إجابتي قصيرة.

لكنه لم يبدُ مستاءً من ردي، بل على العكس، زادت ابتسامته المقلوبة بريقًا، وأخذ يوجه نظرة إلى جانبنا حيث كانت السيدة أوريليا تجلس على مقربة منا.

ثم قال، وبنبرة أكثر سخافة مما كنت أتوقع:

_"هيا، دعيها ترى مهارات السمراء."

نظرتُ إلى أوريليا بسرعة، تلك المرأة التي كانت تراقب الموقف عن كثب بابتسامة مصطنعة لا تفارقها. وكأنها تنتظر شيئًا كهذا، ثم عادت نظراتي تلتقي به، في الحقيقة لا أنكر اندهاشي من جرأة هذا الرجل لكنني لازلت عند رأيي.

قلت:

_" لست بحاجة لأن أظهر... "

قبل أن أتمكن من إكمال جملتي، شعرت بيده تمتد نحو يدي.

أمسكني، تجهمت وازدادت ملامح وجهي لكنها تحولت إلى ملامح جامدة.

انتابني الفضول حول هذا الرجل، شعور يخبرني أنه ليس كما ظننت في البداية، رغم شخصيته التي تبدو مرحة إلا أنني لم أستطع تخطي اللحظة التي فاز فيها علي!. أنا إيلوين.

أخذني بحركاته الجادة والمخططة. هو لم يكن يرقص مثل أي رجل آخر. كانت خطواته واثقة جدًا، وكأن كل حركة كانت محسوبة، بينما كنت أنا ألتزم الصمت، فقط أحاول الهروب من هذا الاتصال الجسدي المفروض .

ما هذا التناقض.

رغم محاولاتي للابتعاد جسديًا، كنت أجد نفسي تحت سيطرته. وابتسامته، ابتسامته المقلوبة، كانت تزداد اتساعًا مع كل ثانية.

ابتسمت، هذا ماتريده لك ذلك.

بدأت الأضواء تتراقص في الأفق مع كل حركة، والموسيقى تتسارع بشكل خفيف وتدريجي. كنتُ لا أزال أراقب خطواتي وأنا أستمر في مجاراة إيقاعه، تماهى جسدي مع الإيقاع بشكل يكتمل معه شكلي. إنه ليس مجرد رقص، إنه نوع من التفوق، وكان لا بد لي من إظهاره.

ابتسم ليثيان وقال بأعلى صوت:

_"أنتِ بارعة حقًا."

ضحك ضحكة مليئة بالمرح، كان هذا قد استفزني

إنه يستمتع!.

رفعت كعب حذائي وضغطت على قدمه بأقصى ما يمكنني. شعرته يبتسم ببلاهة للحظة، لكن تلوت ملامحه بعدها، قال:

_"هاي، هذا مؤلم!"

ابتسمت برقة، وكأنني لم أتعمد أي شيء.

_"المعذرة."

تجاهلته، وأكملنا الرقص.

في تلك اللحظة، كان كل شيء حولي يتلاشى، كما لو كنا وحدنا في هذا العالم. لا أسمع الأصوات، ولا أرى أحدًا غيره. كان جسده يقترب ويبتعد بين خطواتنا المتناغمة. التوتر بيننا كان يزداد، والتحدي، وحتى الموسيقى كانت أسرع، تتسارع حركتها بينما نرقص ، يبدو أننها لفتنا نظر الجميع.

لن أدعه يبدو أمهر مني.

بعد أن تسارعت خطواتنا أكثر، جاء سؤاله. لم أتوقعه  :

_"لو أن أقرب شخص لك في خطر، ما أقصى ما يمكنك فعله من أجله؟"

كانت نظرتي له سريعة، شعرت بغرابة سؤاله إنه يتلاعب بي.

_"أي شيء. أي شيء لإنقاذه."

قلت تلك الكلمات بكل تأكيد وصدق، بصراحة هذه هي الحقيقة كنت لأفعل أي شيء لو كانت هايلين أو والدي في خطر.

ثم، جاء سؤاله:

_"حتى لو كان القتل؟"

لم أستطع إلا أن أرفع حاجبي، في حين كان هو يبتسم بتلك الابتسامة المقلوبة، لنقل أنه فاجأني. تقريبا.

_"أنتِ تبدين جذابة جدًا عندما ترفعين حاجبك بهذه الطريقة، يا كعكتي المعطرة."

قالها بصوت مرح، في الحقيقة جرأته هي ما تفاجئني.

لم أتحمل. وبلا تفكير، ضغطت كعبي على قدمه مجددًا، مرة أخرى.

_"إياك أن تناديني بياء التملك مرة أخرى يا هذا."

قلت له بلطف، وكأنني أتحدث عن شيء عابر، لكن بالطبع، كانت الكلمات سامة.

شعرت به يتألم.

_"أنت لئيمة."

قالها بنبرة متألمة، لكنه لم يتوقف عن الابتسام. على الرغم من أنني كنت متأكدة أنه شعُر بما فعلته.

الموسيقى بدأت تتسارع مرة أخرى، وكأنها تغذي حالة الجذب المتصاعدة بيننا. كانت الرقصة تتسارع أكثر وأكثر، والخطوات السريعة، اللف والدوران، جعلت الأجواء أكثر حرارة. كنت أشعر ولأول مرة بأنه يتم استفزاز كل خلية في عقلي من طرف هذا الرجل، حرفيا لم يستطع أحد فعل هذا من قبل.

عدا والدتي.

مرات قليلة.

لكن هذا الليثيان...

ثم، في اللحظة الأخيرة، اختتمت الرقصة.

توقف الجميع عن الرقص، وكأننا كنا قد أوقفنا الزمن، والكل كان يراقبنا بعينين مفتوحتين. والديّ، وأمي التي رفعت حاجبها لكن يبدو أنها كانت مستمتعة بما يحدث. الجميع يصفق، والجميع معبرين عن جمال الرقصة، ولكنني، لم أستطع أن أتوقف عن التفكير في هذا الشخص الواقف بجانبي هنا.

لكن ما أنا متأكدة أنه خلف هذه الملامح البلهاء سرا ما.

 

الحفل استعاد وتيرته بعد الرقصة، إنني متشوقة لانتهاءه.

الضحكات، همسات المجاملات، صوت الكؤوس المتشابكة...

أعتقد أنني تعبت، كنت مرهقة من أحداث اليومين السابقين والآن الحفل لم يقصر في انهاكي.

التجمعات لا تناسبني حقا.

لو حدث

لو حدث وتزوجت من المستحيل أن أقيم حفلات كهذه.

هذا لو.

شعور غريب راودني وقطع خواطري هذه

حواسي كلها استيقظت فجأة.

ثمة شيء لم أتمكن من وصفه.

شعرت لوهلة بعيون تراقبني.

لا ليست عيني ذلك الأبله.

نظرات أخرى.

بدأت أتلفت هنا وهناك.

هايلين نظرت إلي، كانت تضحك على شيء قاله لوكاس، لكن ما إن وقعت عيناها عليّ، حتى تجعدت ملامحها.

_"كل شيء بخير؟"

هززت رأسي فورًا، وابتسمت

فقالت:

_" كنت لأصدق لو لم تبتسمي."

تجاهلت تعليقها هذا وبقيت أرمي نظراتي هنا وهناك.

قالت هايلين بأنها عطشى، واتجهت نحو إحدى العاملات، اختارت كأسًا من الصينية وابتعدت تشرب ببطء وهي تتلفت، تنظر نحوي.

أرغب بالعودة بشدة إلى شقتي.

الأضواء ارتجّت.

رفعت نظري إلى السقف

رمشة، رمشتان... ثم اختفى كل شيء.

غرقت القاعة في الظلام مما أثار ضجة بين الحضور.

_"اهدؤوا... مجرد انقطاع للكهرباء."

قال السيد إيفان، لكن صوته لم يُطفئ التيار المتصاعد داخل صدري.

شيء يحدث الآن

طقطقة ناعمة... كزجاج يُكسر تحت قدم خفيفة.

ليس بعيدًا.

قريب جدًا.

بقيت أنصت أحاول التقاط مصدر الصوت

ثم، فجأة، كما جاء الظلام... اختفى.

عاد الضوء، قلبت نظري في الأرجاء لاشيء غريب.

نظرت إلى حيث...

هايلين.

تلفّتّ يمنة ويسرة.

تحركت من مكاني

_" والدي اختفت هايلين. "

نظر والدي وقال:

_" ربما ذهبت إلى الحمام. "

قلت:

_" لا، هايلين لن تتمكن من التحرك في الظلام كانت تشرب العصير هناك. "

بدأ الجميع بالبحث عن هايلين.

خطوت، خطوات سريعة غير مرتبكة.

غريزتي كانت أسبق من صوتي.

ثم رأيت ما أكد لي ماسمعته عند انقطاع الضوء.

على الأرض، أمام الطاولة التي كانت تقف عندها هايلين، لمع شيء... ليس لمعان الزجاج العادي، بل توهج ناعم، أخضر فسفوري…

كانت هايلين ترتدي قلادة بها بلورة زجاجية تحتوي على هذه الجزيئات.  تهتز داخل القلادة كلما تحركت.

جزيئات البراقة تتناثر كرماد مضيء، تشكل مسارًا في الرخام، يقود نحو الباب الخلفي.

انحنيت، أصابعي لامست الزجاج المكسور.

الآن؟

الزجاج مكسور.

والأثر مستمر.

_" هل وجدمتوها؟. "

_"ليست هنا!"

قال لوكاس بذعر:

"اتصلوا بالشرطة!"

أصوات كثيرة عمت في المكان، أمي تكاد تفقد وعيها، لوكاس يدور في نفس المكان مع هاتفه.

أما أنا؟

فأشك في شيء واحد.

كنت أتتبع البريق.

فتحت الباب الخلفي.

برد الليل اندفع إلى صدري.

لكن قلبي لم يرتجف، عيناي فقط ثبتتا على الطرف الآخر من الساحة.

وهناك... رأيتها.

سيارة سوداء.

زجاجها مظلم، طلاءها يعكس الضوء كما لو أنه لا يريد أن يُرى.

انطلقت، بابها أغلق بإحكام، ثم تبخّرت في العتمة.

ركضت.

كل من في الداخل لن يدرك ما حدث إلا بعد دقائق.

ركضتُ نحو سيارة والدي.

Range Rover Vogue.

كان قد اشتراها حديثًا، يفاخر بها طوال الأسبوع، وبصراحة؟ معه حق.

وقبل دخولي الحفل، رأيته يُدخل رمز القفل الرقمي على الشاشة الجانبية.

بعضهم ينسى هذه التفاصيل…

أنا لا.

أصبعاي لم يرتجفا.

5 – 1 – 7 – 4.

الضوء الأزرق أضاء.

القفل فُتح.

دخلت.

يدي على المقود.

قدمي على الدوّاسة.

المحرك انفجر تحت أصابعي، السيارة انطلقت.

كنت وحدي.

لكنني كنت أرى الضوء الخافت البعيد الذي خلفته السيارة السوداء.

وفي رأسي، لم يكن هناك سوى فكرة واحدة:

_" أنا قادمة يا هايلين. "

أشعر بالأدرينالين يضخ بكميات هائلة، من هؤلاء الأوغاد الذي يجرؤون على اقتحام الحفل وخطف أختي وسط الحضور، كيف فعلوها وأنا هناك،لو أنني فقط تحركت حين سمعت صوت تحطم الزجاج.

عيني تلاحقان السيارة السوداء بلا توقف، وكل ثانية تمر كانت أكثر ثقلاً من السابقة.

بينما كنت أسرع خلفها، لاحظت حركة في المرآة، كانت  سيارة أخرى تلاحقني.

مهلا إنه ليثيان.

مالذي يريده هذا . رأيته بوضوح في مرآة الرؤية الخلفية، يقترب بسرعة، يلاحقني.

هذا غير مهم.

أشحت عن المرآة وركزت نظري على السيارة السوداء التي تبعد عني عدة أمتار. كان يجب أن أستمر في ملاحقتها بأي ثمن.

لكن فجأة... كان الصوت الذي جعل كل شيء يتوقف، انطلق صوت الطلقات.

جاءت طلقات رصاصات من نوافذ السيارة السوداء. أحدهم يطلق النار عليّ.

رفعت قدمي بسرعة على دواسة البنزين، السيارة اختل توازنها لفترة وجيزة. أنا أتمسك بعجلة القيادة، شعرت بألم خفيف في معدتي بسبب اضطرابي هذا ، كان الصوت القاسي للرصاص يزيد الطين بلة. السيارة السوداء تسرع أكثر.

إلى أين ستهربون مني.

كانت سيارتي تصطدم بأي شيء يعترض طريقها

كنا نقود بجنون في الطريق العام.

لحسن الحظ لم تكن سوى سيارات معدودة.

ثم وصلنا إلى الجسر . كان يفتح، وكانت الفجوة تتسع بشكل متسارع.

لالالالا هذا ليس جيدا.

السيارة السوداء قفزت عبره، من دون تفكير. ضغطت على أسناني .

سأفعلها

جاء صوت ليثيان الذي لحق بي :

"أنتِ لن تتمكني من العبور، إيلوين."

شعرت بالدماء في عروقي تغلي، والشعور باليأس يتسلل إلي. كنت أعرف أنه محق. لكنني لا أستطيع التوقف الآن. إذا كنت أوقف الآن، لا أدري إلى أين يأخذون أختي وماذا سيفعلون بها.

قد.. قد يؤذونها.

أسرعت في ضغط الغاز أكثر. هذه المرة، لم يكن هناك مجال للتوقف.

قلت لنفسي فقط: لا شيء سيتوقفني.

كان يجاورني وظل يصرخ:

_ "أوقفِ هذا الجنون، لن تنجحي في عبور الجسر!"

لكنني لم أسمع له. لم أستطع. كانت اختي... كانت اختي هناك، على بعد أميال، وكنت بحاجة للعبور. لم أستطع السماح له بايقافي.

السيارة السوداء تكاد تختفي وأنا على وشك أن أصل.

قلت لنفسي مرة أخرى،

_ "لن أوقف السيارة."

لكن فجأة..

تجاوزني ليثيان

وقاد بسرعة ليوقف سيارته أمامي هناك معترضا طريقي.

ضغطت على أسناني أكثر وقلت:

_" ابتعد عن طريقي!. "

لأراه ينزل من سيارته ويقف واضعا يديه في جيبه.

لم يكن هناك خيار.

سوى أن أوقف سيارتي.

توقفت السيارة ، أصوات المحركات تتلاشى مع الهواء البارد الذي يغزو المكان. كنت أتمسك بالمقود، أتنفس بصعوبة، لكن نظراتي كانت منصبة على ليثيان الذي يقف أمامي. نزلت بسرعة، خطواتي حادة وكأنها ردة فعل على هذا الصراع الداخلي. كان يواجهني، بعيدًا بعض الشيء، كانت ملامحه هادئة دون تلك الابتسامة ، كما لو كان ينتظر أن أفعل شيئًا.

_"لماذا اعترضت طريقي؟"

قلت هذه الكلمات بصوت مبحوح من الغضب، لا أستطيع أن أخفي شعور الغضب المتصاعد بداخلي.

وهذا مازاد غضبي.

نظر إلي بهدوء، دون أن يتزحزح، وقال:

_"أنقذت حياتك."

تجهمت ملامحي.

_"كنت سأنجح." قلت، محاولة الحفاظ على هدوئي، لكن أعصابي بدأت تتفجر. كنت أعرف أنني كنت سأتمكن من عبور الجسر.

_"لم تكوني لتنجحي." أجابني بذات الهدوء .

_"كنتي لتموتي، ولن تتمكني من إنقاذ أختك بهذه الطريقة."

شعرت بشيء ثقيل في صدري، شيء يجعلني أفكر في كلامه. إنه محق علي أن أتحكم في نفسي،أعتقد أن خطف إيلوين أثر علي بشكل كبير.

لكنني لم أكن بحاجة لأحد يتدخل. أخذت نفسًا عميقًا، محاولًة العودة إلى هدوئي.

قال لي بهدوء:

_"أنت غاضبة."

نظرت إليه بحدة، لم أستطع أن أخفي غضبي بعد الآن، فوجهت نظري نحو الجسر الذي فتح تماما،  أكره...أكره هذا الشيء الي أمر به الآن.

كل ما أفكر فيه هو استعادة أختي.

_"إيلوين، أنا أستطيع مساعدتك." قالها بثقة مطلقة وكأنه ليس الذي اعترض طريقي قبل قليل، كنت واثقة من نجاحي في هذا.

_"لا، شكرًا." أجبت بسرعة، صوتي حاد. "لا حاجة لي بمن يعترض طريقي."

قال بهدوء مع ملامح أكثر جدية :

_"أنا أعرف من خطف أختك."

_"من هم؟" رفعت حاجبي مستعدة للاستماع، رغم أن قلبي بدأ ينبض بشكل أسرع.

_"إنهم عصابة، أو بالأحرى، منظمة مكونة من عصابات." أجابني، وكانت كلماته واضحة، ولكن كيف له أن يعرف.

"أشك... لا، بل أنا متأكد أنهم من خطفوا أختك."

شعرت بالصداع في رأسي.

_ "أخبرني، ماذا تعرف عنهم؟"

ابتسم بهدوء، وقال:

_"يمكنني أن أخبرك كيف تصلين إليهم، لكن بمقابل."

أحسست أن هناك شيئًا مشبوهًا في نبرته، تغيرت ملامحي على الفور، وتحولت إلى باردة.

" أختي في خطر وأنت تطلب مقابلا.. ما هو المقابل؟"

قال لي بثقة:

_"المقابل هو أن تتزوجيني."

تجمدت لحظة، ثم ضحكت، كانت ضحكتي ساخرة تمامًا.

_"ما هذا الذي تقوله؟"

ابتسامته اختفت، وحل محلها تعبير جاد للغاية.

_"هذا هو شرطي."

_"لماذا؟ هل تظن أن هذه لعبة؟" زادت دهشتي، كيف يمكن لشخص أن يطلب مثل هذا الطلب في وقت كهذا؟ ماذا عن أختي؟ثم مالفائدة من هذا.

قلت:

_" يبدو أنني كنت محقة، لست سوى رجل أبله يبحث عن فتاة للمتعة. "

قال بصوت جاد:

_" لو كنت أبحث عن المتعة ما كنت لأقول كلمة زواج.. كنت لأقول شيئا آخر. "

نظر إلي من رأسي لأخمص قدمي، هذه النظرة جعلتني أشمئز حقا هذه المرة.

_"لا، لا أريد منك مساعدة، سأدبر أمري وحدي."

ثم قررت أن ألتفت وأغادر، كانت تلك هي آخر خطوة لي. لكن فجأة، قال بصوت هادئ وكأنه يعرف ما الذي يدور في ذهني:

_"أعرف أيضًا أنهم من ورطوك. إذا قبلت بشرطي، سنستعيد أختك وتثبتين للناس أنك كنت بريئة فعلاً."

توقف جسدي عن الحركة، شعرت بمقاومة داخلية شديدة. كان صحيحًا. لكن لا، لست مضطرة لهذا فهناك بالتأكيد مليون طريقة وألف حل ومئة خيار لانقاذها.

توقفت أمام باب سيارتي، يدي على المقبض.

_"لست بحاجة لاثبات براءتي لأحد." قلت بهدوء، وكانت هذه الكلمات...موجهة لي، وليس إليه.

ثم دخلت سيارتي وابتعدت، بينما كنت أشعر بثقل رأسي .

عدت إلى الفيلا التي أقيمت فيها الخطوبة، كانت عائلتي وعائلة السيد إيفان في الخارج، كان والدي يتحدث مع شرطي، ركنت السيارة ونزلت منها، توقف والدي عن التحدث مع الشرطي عندما رآني وتقدم نحوي يقول:

_" إيلوين ابنتي أين كنتِ؟. "

قلت بصوت بدا مرهقا حقا:

_" تم اختطاف هايلين، كانت سيارة سوداء حاولت اللحاق بها لكنني أضعتها. "

زادت ملامح القلق في وجه والدي وقال:

_" يا إلهي. "

تقدم الشرطي نحوي وقال:

_" هل تتذكرين رقم لوحة تلك السيارة؟. "

بالطبع كنت أتذكر رقم لوحة السيارة لذا أمليته عليه.

قال:

_" لا تقلق سيد كايلن فايل سنبذل قصارى جهدنا في إيجاد ابنتك. "

كنت أعرف أن الشرطة لن تستطيع فعل شيء، هكذا أخبرني حدسي، قال ليثيان أن الذي قاموا باختطاف أختي عصابة لذا لا أظن الشرطة قادرة على فعل شيء.

شددت قبضتي  وحركت قدميّ نحو الشارع. في لحظة ما، كنتُ بحاجة للهروب من هذه الضغوط، لذا وقفت على جانب الطريق بسرعة وطلبت سيارة أجرة.

عندما وصلت إلى شقتي، كانت نفسي مشوشة جدًا. دخلت إلى الغرفة وجلست على الأريكة بعيون نصف مغمضة، وجهتي بين كفيّ، أفكر في كلام ليثيان. مالذي كان يعنيه بعصابة، لماذا كان شرطه ان أتزوجه، مالذي يريده مني بالضبط.

أفكر في هايلين، أين هي الآن؟ هل هي خائفة؟ هل ما زالت على قيد الحياة؟ وأنا هنا، عاجزة عن فعل أي شيء. ثم يأتي حديث الجريمة التي أُتهمت بها.

ضبابية الأيام التي عشتها. كيف أواجه كل هذا؟

أشعر بألم شديد في رأسي، فدلكت جبيني بيديّ، علني أتمكن من تهدئة هذا الضغط النفسي الذي بدأ يتسلل إلى أعماقي.

قررت أن أستحم، أن أغسل عني هذا الشعور بالاختناق، وأتنفس هواءً جديدًا. الماء كان دافئًا، ولكن شيئًا لم يكن كافيًا. مهما فعلت، كانت تلك الأفكار تتسرب إلى عقلي، كما لو أنها تلتهمني.

هل ينوون شرا لأختي؟ هل أستطيع أن أتحمل المسؤولية إذا لم أتمكن من مساعدتها؟ كيف لي أن أعرف ما تمر به هي الآن؟ هذه الأسئلة تتنقل في رأسي.

خرجت من الحمام، لم أشعر بالاسترخاء ، كنت على شفا حافة الجنون. فتحت خزانتي وارتديت ملابس خفيفة، لن أقف مكتوفة الأيدي وأنتظر تحرك الشرطة. سأجد هايلين بنفسي.

جلست أمام حاسوبي بسرعة، كتبت رقم السيارة السوداء التي رأيتها على الطريق، وتساءلت كيف يمكنني أن أبحث عنها؟ دخلت في شبكة الإنترنت وبدأت بالبحث في كل مكان، في المواقع، في البيانات المتاحة. ولكن لا شيء. لا أثر لتلك السيارة، لا شيء يمكن أن يساعدني في هذه اللحظة.

جففت يدي من الإحباط، وعيني كانت تغلق مع كل محاولة فاشلة.

أغلقت الكمبيوتر وجلست على سريري. كان المكان هادئًا جدًا، لكن عقلي لم يكن كذلك. استلقيت على ظهري وأغمضت عيني، لكن الأفكار كانت تهاجمني بشكل متسارع. أختي في خطر، لا أستطيع النوم وأنا لا أملك أدنى فكرة عن مكانها أو كيف سأحصل عليها.

كانت الساعة الواحدة ليلا وثلاث وخمسون دقيقة، نعم كنت أعد الدقائق الثقيلة أنتظر حلول الصباح، أمامي الكثير لأفعله.

بعد مرور تلك الساعات الثقيلة ودون أن يزورني النوم أو يفكر بانقاذي نهضت من السرير، وسرت نحو خزانتي بسرعة. ارتديت ملابس لأخرج و قد اخترت سروالا فالثوب يعيقني، على كل حال لم تكن أسوء ليلة خضتها بمفردي.

كنت بحاجة للخروج، للتحرك، لفعل شيء.

فتحت درج مكتبي أخذت شيك الخاص بي ووضعته في حقيبة ظهري لربما نسلك طريقا ملتويا من يدري، حدقت قليلا ثم سحبت الخنجر الموجود بجانب الأوراق احتياطا فقط، لطالما تدربت على استعماله وعلى بعض حركات الدفاع عن النفس.

في هذا العالم أكثر ما علينا أن نحذر منه كبشر.. هم البشر.. نعم البشر الفاسدون منا.

خرجت من الشقة ونزلت بسرعة ، مررت بالعجوز تيانا وأعطيتها مالا للطعام، لم أنتظر منها أن تقول شيئا.

أخذت سيارة أجرة وأعطيته العنوان، عنوان روبرت كيلمان.

أول شيء علي فعله هو إحضار سيارتي، لن أستطيع التحرك والبحث عن أختي من دونها.

دخلت سيارة الأجرة إلى ذلك الحي الذي يعرفه الجميع في مونتريال باسمٍ غير رسمي... حي السوابق العدلية. مكان منبوذ، بعيد عن وسط المدينة. كانت الأزقة ضيقة، جدران متشققة، والهواء ثقيلاً برائحة العفن والرطوبة.

أعرف هذا المكان جيدًا. هنا يعيش الخارجون عن القانون، خريجو السجون، أولئك الذين لا يسألك عنهم أحد.

توقفت السيارة أمام منزل يبدو كأنه سيتهاوى في أية لحظة. دفعت للسائق دون أن أنتظر الباقي، ونزلت. كنت أحمل حقيبتي على ظهري، وخنجري الصغير ما يزال في مكانه.

دقتان على الباب ثم دقة ثم ثلاث دقات، صوت شتم من الداخل. 

ابتعدت قليلا عن الباب. بعد ثوانٍ، انفتح .

فتحت لي امرأة تبدو في الثلاثينات، كانت بقعة زرقاء تلطخ حاجبها الأيسر، شعرها مشعث، وملابسها باهتة اضافة إلى الرائحة. عيناها لا تتجرآن على النظر في عيني.

قلت بهدوء:

_"أحتاج لرؤية السيد روبرت كيلمان."

ظهر خلفها رجل ضخم، في الأربعينات من عمره، ممتلئ الجسد، على رقبته وشم ثعبان يلتف حول سيف، وعيناه حمراوان... كنت أعلم أنه متعاطٍ.

_''رفع نظره نحوي تجهم وقال

_ "آه... هذه أنتِ. ماذا تريدين؟"

قلت بثبات وأنا أراقب كل حركة منه:

_"تبدو بخير. لا إصابات ولا خدوش. المهم... جئت لأعتذر عن حادث السيارة، وأعوضك مقابل سحبت شكواك."

رفع حاجبه، ثم وضع ذراعه الثقيلة على كتف المرأة بجانبه، وقال بفتور:

_"لا أحتاج أي تعويض. ارحلي."

أمسك مقبض الباب، وهمّ بإغلاقه، لكنني وضعت قدمي بين الباب والإطار، نظرت إليه بحدة وقلت:

_"نستطيع التفاهم على أي مبلغ تريده."

توقف. تفحصني بعين متسخة بالريبة، ثم قال:

_"ادخلي."

دخلت. الرائحة في الداخل كانت مقرفة، مزيج من المشروب الرخيص والرطوبة والعرق. جلست على كرسي خشبي مهترئ، بينما جلس هو أمامي على طاولة مليئة بالحفر والحروق.

أما المرأة، فظلت واقفة خلفه، لا تنظر لأي مكان سوى الأرض.

سألني:

_"ما الذي تستطيعين دفعه؟"

فكرت قليلاً، ثم قلت: "خمسة آلاف دولار."

ضحك ضحكة مليئة بالسخرية، ثم مال للأمام: "خمسة آلاف؟ هذا لن يعوضني حتى عن الصداع اللي سببتِه. اسمعي... المبلغ هو مليون دولار.

نظرت إليه وقلت بثبات:

_"  خمسمائة ألف دولار. "

رد علي:

_" تسعمائة ألف دولار وهذا آخر ما لدي اقبلي أو ارحلي. "

نظرت إلى المرأة الواقفة، ما تزال صامتة، وكأنها جزء من الجدار. تنهدت ببطء، ثم قلت: "حسنًا، سأرحل."

_"حسنًا، سأرحل."

قلتُها ببرود، دون كلمة زائدة. وقفت من على الكرسي كأن لا شيء يستحق أكثر من هذا الموقف، ثم استدرت بهدوء. الباب الخشبي كان لا يزال نصف مفتوح، وذراع ذلك البرميل الثقيلة لا تزال مُعلقة على كتف تلك المرأة المسكينة، التي لم ترفع عينيها منذ دخلتُ.

خرجت من المنزل، كانت الرائحة ما تزال عالقة في ملابسي. خطوت خطوة واحدة خارج العتبة، لكنه لم يتركني أذهب بصمت.

_"لا أريد رؤية وجهك مرة أخرى، أنتِ ودولاراتك القذرة!"

ثم التفت نحو المرأة، وقال لها بحدة:

_"أغلقي الباب، هيا!"

بدأت المرأة بالتحرك نحوي بتردد. يدها اليسرى أمسكت بمقبض الباب، بينما رفعت يدها اليمنى بخفة وقالت بصوت بالكاد يُسمع:

_"وداعًا..."

ثم، بينما يدها على وشك أن تغلق الباب، رأيت شيئًا صغيرًا... إشارتها. أصابعها الأربعة ثُنيت فجأة فوق إبهامها.

إشارة النجدة الصامتة.

لم أحتج حتى إلى التفكير،اقتحمت الباب . قدمي ارتفعت تلقائيًا، وانطلقتُ بركلة قوية استهدفت أنف الرجل مباشرة. ارتدّ للخلف مترنحًا، تفاجأ لكنه لم يسقط. ارتكز مجددًا، أنفاسه ثقيلة، عينيه تقدحان شررًا من الغضب.

_"أيتها الساقطة!" صرخ بها، ومد يده ينوي لكم وجهي.

أمسكت معصمه بحركة سريعة، ووجّهت له لكمة ثانية في أنفه، هذه المرة سمعت صوت الطقطقة. ارتج جسده بقوة، وسقط على ركبتيه شبه فاقد للوعي.

قلت ببرود:

_" برميل أحمق. "

نظرت للمرأة التي تجمدت على الجدار، جسدها يرتجف، نظراتها مذعورة.

قلت بهدوء:

_"أحضري لي حبلاً... بسرعة."

لم تتحرك. ظلّت مشدوهة.

اقتربتُ منها ببطء، عينيّ ثابتتان على وجهها:

_"هيا... سأخلصك منه."

هزّت رأسها بخفة، وركضت للطابق العلوي، خطواتها متعثّرة. عدتُ لأنظر إلى الرجل الجاثي على الأرض، الدم يسيل من أنفه، يهمّ بسبٍّ جديد بصوت ضعيف.

بعد دقائق، عادت المرأة، تحمل حبلاً مهترئًا بيدٍ مرتجفة. أخذته منها بصمت، وربطت به يدي روبرت خلف ظهره . لم يكن قويًا كفاية ليتحرّك لأن جسده مسموم بكمية المخدرات التي يتعاطاها وهذا ما جعل جسده بطيء الحركة أصلا.

رفعت رأسي نحو المرأة. كانت تراقبني... كأنها للمرة الأولى ترى شيئًا يشبه الأمان.

_"هل أنتِ زوجه؟"

سألتها وأنا أنظر مباشرة لعينيها الشاردتين.

أومأت برأسها، ببطء .

_"هل يعنّفك؟"

لم تأتِ أي إجابة. صمتٌ ثقيل، يحمل كل شيء ولا يقول شيئًا. لكنّ عينيها قالتا بما يكفي.

تنفست، ثم قلتُ بصوت هادئ :

_"لديك خيار. إما أن تظلي هنا، في هذه الحياة، تحت رحمته كذليلة، أو أن تتحركي الآن... وتنقذي ما تبقّى منك."

كانت كلماتي قاسية، أعلم ذلك. قاسية كصفعة كافية لجعلها تستيقظ . وجدت في عينيها وميض شيء يشبه الإدراك. تلك اللحظة التي يتيقظ فيها السجين أنه يستطيع كسر القيد.

_"هل لديكِ هاتف؟"

نظرت نحوي، ثم نحو زوجها الملقى على الأرض، جسده أشبه بكيس مهمل من الإسمنت المبلول، ثم حركت رأسها نفيًا. لم يكن لديها شيء. طبعًا لم يكن لديها شيء.

أخرجت هاتفي، وفتحت جهات الاتصال. اخترت رقم والدتي — لونا فايل— وأعطيتها الهاتف.

_"هذه محامية ممتازة. اتصلي بها الآن، أخبريها أنكِ بحاجة للمساعدة. إنها تعرف كيف تدخله السجن."

أمسكت المرأة الهاتف بيدين مرتجفتين كمن يمسك جواز عبوره إلى طريق الخلاص بعد سنوات من العذاب. ضغطت على زر الاتصال، ورفعت الهاتف لأذنها.

جاء صوت والدتي:

_"أنا مشغولة الآن، أرجو أن يكون الأمر ضروريًّا."

نظرت إليّ المرأة مترددة، فهززت رأسي لها بثقة:

_"تحدثي معها."

قالت بصوت خافت مرتجف:

_"صباح الخير... يا سيدة."

تأهبت والدتي، وكان صوتها أكثر حدة هذه المرة:

_"من معي؟"

_"أنا... أحتاج مساعدتك. زوجي... أنا أريد رفع قضية... أرجوكِ."

ثم انهارت. انفجرت بالبكاء، بحرقة مكبوتة منذ سنوات، ربما.

جاءها صوت والدتي حازمًا، كما أعرفه تمامًا:

_"حسنًا. فلنلتقِ في مركز الشرطة، سأتولى الأمر من هناك."

أنهت المكالمة، وراحت تبكي من جديد، بينما وضعت يدي على كتفها وقلت:

_"أحسنتِ. أنتِ شجاعة."

ثم سألتها حاولت أن أجعل نبرتي أكثر لينا:

_"هل لديه سيارة؟"

أومأت. نهضت دون أن تتكلم، ذهبت، ثم عادت بالمفتاح. ناولتني إياه، نظراتها ما تزال غارقة في خليط من الرعب والارتياح.

تعاونّا في جرّ جسده الثقيل خارج المنزل. لم يكن يقاوم، فقط يهذي. ساعدتني على رفعه للمقعد الأمامي. جلست خلف المقود، جلست هي خلفي، صامتة طوال الطريق.

وصلنا إلى مركز الشرطة.

دخلنا معًا. رائحة المكان، المكاتب الرمادية، صوت الهواتف… كل شيء فيه رتيب. لكن اليوم، المشهد لم يكن رتيبًا على الإطلاق.

كان روبرت كيلمان مقيد اليدين، شبه فاقد للوعي، ومشوه الأنف. جلسته على أحد الكراسي أمام مكتب الشرطية، تلك التي أعطتني عنوانه أول مرة.

رفعت نظرها نحونا… واندهشت.

_"ما...؟ من هذا؟"

قلت بثبات وأنا أشير له:

_"هذا روبرت كيلمان. أتى لسحب شكواه."

ثم أشرت إلى المرأة التي وقفت بخجل وخوف خلفي:

_"وهذه زوجته... جاءت لتقديم بلاغ رسمي ضده بتهمة العنف المنزلي."

لتضيف المرأة بصوت خافت:

_" ليس العنف فحسب. "

نظرت إلى الشرطية وقلت:

_"يبدو أنه لديها الكثير لتقوله فعلا."

حدّقت الشرطية في الرجل، ثم في المرأة، ثم بي.

_"هل لكَمتِ أنفه؟"

ابتسمتُ ببرود:

_"أراد مهاجمتي. كان مخمورًا، تعثر وسقط عليه."

رمشت عدة مرات، ثم حركت رأسها قليلًا، كما لو أنها لم تشأ أن تسأل أكثر.

سحبت الشرطية ملف الشكوى الأصلية على جهازها، نظرت فيه، ثم قالت:

_"سيد كيلمان... هل تؤكد أنك ترغب في سحب الشكوى المتعلقة بحادث السيارة؟"

لم يكن يقوى حتى على الرد. نظرت إليه بحدة فهز رأسه، يتمتم بموافقة.

الشرطية كتبت إقرارًا رسميًّا لسحب الشكوى، وطبعته، ثم دفعته أمامه ليوقّعه.

_"إنه يحتاج توقيعًا فقط... لكن لا تقلقي، لدينا شاهدان."

وقّع الرجل، ثم وضعت توقيعي كشاهد، ووقّعت زوجته أيضًا.

الشرطية قالت:

_ "الشكوى لُغيت رسميًّا. سيارتك الآن تُرفع عنها الحجز. يمكنكِ التوجه غدًا إلى مركز احتجاز المركبات، مع نسخة من هذا السحب."

ناولتني الورقة. شعرت بثقل كبير يخرج من صدري.

وقبل أن أخرج، نظرت للمرأة، واقتربت منها، ثم همست:

_"أنتِ خرجتِ من السجن، هنيئا لكِ"

نظرت إليّ، والدموع في عينيها، وهزّت رأسها بخفة.

خرجت من مركز الشرطة، والورقة في يدي، والخنجر لا يزال في الحقيبة، لأرى أمي تنزل من سيارتها وتتقدم نحو مركز الشرطة بسرعة.

قالت لي:

_" ماذا حدث. "

أجبت:

_"لديك قضية امرأة مظلومة بالداخل. "

نظرت إلى الداخل نظرة تحدٍّ ودخلت بخطوات ثابتة.

أعرف أن هذا الرجل سيقضي سنوات طويلة في السجن.

غادرت مركز الشرطة والورقة لا تزال في يدي. ركبت سيارة أجرة أخرى، وطلبت منه أن يأخذني إلى مركز احتجاز المركبات. لم أكن مرتاحة لركوب سيارة غير سيارتي، خصوصًا بعد ما حدث... لكن لا بأس. بعد دقائق، كنا نمر بأزقة رمادية، بنايات إسمنتية صامتة، حتى توقّفنا أمام مركز طويل ذي بوابة حديدية عريضة، وأجهزة مراقبة تتدلى من الزوايا كأعين لا تغفو.

دفعت الأجرة، ونزلت.

كان المركز هادئًا، رائحته تشبه ورشات السيارات القديمة، خليط من الزيت والمعادن الصدئة. تقدّمت نحو المكتب الأمامي، حيث يجلس رجل أصلع يقرأ جريدة.

رفعت الورقة ووضعتها على طاولته :

_"جئتُ لاسترجاع سيارتي. كُتب عليها أنها محتجزة هنا، وهذه نسخة من سحب الشكوى."

رفع عينيه نحو الورقة، ثم نحوي، مد يده ببطء وتناولها، قرأها بعين نصف مغلقة، ثم تنهد وقال:

_"الاسم؟"

_"إيلوين فايل."

كتب شيئًا على لوحة مفاتيحه البالية، ثم نهض وقال:

_"اتبعيني."

تبعت خطواته حتى الباحة الخلفية، وعندما فتحت البوابة الإلكترونية، كانت سيارتي الرمادية هناك... مركونة مع بعض الغبار.

اقتربت منها، مرّرت أصابعي على السطح المعدني البارد، ثم جلست خلف المقود. شعرت وكأنني أستعيد قطعة من نفسي.

أدخلت المفتاح وأدرت المحرك... اشتعل. أنفاسي تزامنت مع صوتها، وهذا ما كنت أحتاجه.

_علينا التحرك."

همستها لنفسي، وبدأت القيادة.

خلال الطريق، أمسكت الهاتف واتصلت.

رنّ مرتين، ثم جاءني صوتها النشيط كعادته، لكن هذه المرة كان مبحوحًا قليلًا:

_"مرحبا"

_"مايرا؟"

_"إيلوين! اشتقت إليكِ. كيف حالك؟"

_"بخير… وأنتِ؟"

_"أنا بخير، كنت نائمة .لم أذهب للعمل اليوم. "

سألتها:

_"لمَ. "

أجابت:

_" مرهقة قليلا. "

قلت و عيني على الطريق :

_"أحتاج مساعدتك. تقنية."

_"أنا مستعدة دائمًا، قولي فقط."

_"أحتاج معرفة معلومات عن سيارة... سأسرد لكِ رقم لوحتها، وأريد أن أعرف ماذا يمكن أن تستخرجي منها."

_"الرقم يكفي لأعرف نوع السيارة، اسم صاحبها إن كان مسجلاً باسمه، والموقع التقريبي لها عبر أنظمة المرور الذكية."

_"ممتاز، اكتبي: VKH 3985."

سمعت صوت نقرة لوحة مفاتيح، ثم همهمة قصيرة منها: _"سيارة من نوع شيفروليه سوبربان، لونها أسود. نموذج 2021. للأسف، لا يظهر اسم المالك... واضح أنه استعمل اسمًا مستعارًا أو شركة واجهة."

ضغطت شفتاي بإحكام:

_"والموقع؟"

_"لحظة... نعم، وُجدت تمرّ من نفق جاك كارتييه قبل 23 دقيقة، يبدو أنها الآن في حي ساينت- هنري ، خلف الجسر."

_"عليّ عبور الجسر إذًا..."

_"أعرف أنكِ لا تحبين أن يتدخل أحد في شؤونك، ولكن لم تبحثين عن هذه السيارة"

أجبتها:

_" تم اختطاف أختي. "

شهقة أتتني من الجانب الآخر، ثم قالت:

_"هل أخبرتِ الشرطة؟. "

أجبت:

_" أعطيتهم رقم لوحة السيارة لكن لا أظن الشرطة قادرة على إيجادها. "

سألت:

_" لماذا؟. "

أجبت:

_" لن يتحركوا قبل مضي أربع وعشرين ساعة."

 

_"هذا صحيح."

_"كوني حذرة، إيلوين. أنت لا تعرفين مع من تتعاملين لربما يكونون أشخاصا سيئين."

رددت عليها:

_"لا تقلقي سأجدها بأي ثمن. "

أنهيت المكالمة، ثم رميت الهاتف على المقعد المجاور.

قدتُ باتجاه الجسر، عقلي يتسابق مع صوت المحرك. خلف هذا الطريق، خلف الجسر، قد أجد طرف الخيط.

عبرتُ الجسر الحديدي، والسماء فوقي محايدة كصفيحة رمادية باردة. كان البحر تحت الجسر يموج بكسل، وأنا أتحرك بسرعة ثابتة، وكل نبضة في قلبي تتزامن مع صوت الإطارات على الحديد.

لطالما وثقت هيليان بي وأنا لم ولن أخذلها يوما.

“أوافق على مساعدتك… لكن بشرط: أن تتزوجيني.”

ضغطت على المقود أكثر. ليست هذه اللحظة المناسبة لهذا النوع من التفكير… لكن كيف أتحكم في عقلي حين تبدأ الزوايا الضيقة للذاكرة بالانهيار دفعة واحدة؟

رمشت ونظرت في المرآة الجانبية.

سيارة رمادية داكنة، تكاد تكون سوداء، كانت تسير خلفي منذ منتصف الجسر.

لم تُثر شكي في البداية... حتى حين لم تغير مسارها رغم كل الانعطافات التي اتخذتها. كلما تباطأت، تباطأت. كلما تسارعت، تسارعت.

بدأ الخطر يتسلل إلى جلدي كأنفاس باردة.

هل يتبعونني؟

أخذت نفسًا عميقًا، زدت من سرعة السيارة، وضغطت على الدواسة ببطء محسوب. نظرت مجددًا… كانت لا تزال هناك، ثابتة.

ابقِ هادئة، إيلوين.

تجاوزت دوارًا صغيرًا، اتجهت يمينًا نحو الطريق المؤدي إلى المزرعة التي حدّدت مايرا موقع السيارة فيها. وفجأة، في منتصف الطريق الترابي، توقفت تلك السيارة الداكنة... ثم انعطفت جهة أخرى، واختفت عن نظري.

تنهدت بصوت عالٍ.

_"أنتِ تبالغين. ليس كل من يقود خلفك قاتلًا."

قلت لنفسي، كمن يحاول إقناع عقله بأن لا يُجن. لكنّ يدي على المقود كانت لا تزال مشدودة.

اقتربت من المزرعة، التربة كانت رطبة ، وعبير البرتقال في الهواء جعل كل شيء يبدو... هادئًا جدا.

هناك، تحت ظلال الأشجار المتناثرة، كانت تقف سيارة شيفروليه سوداء. داكنة، نفسها التي كنت ألاحقها.

أبطأت سيارتي، هممت بالتوقف على بعد أمتار قليلة منها...

وفجـــــــــــــأة...

ضربة عنيفة من الخلف.

اندفعتُ للأمام، رأسي كاد يصطدم بالمقود. ضغطت على المكابح، واستدرت بسرعة لأرى...

نفس السيارة الرمادية الداكنة.

_"تبًا!"

قلتُها بين أسناني، ويدي تبحث عن ناقل الحركة بسرعة. حاولت الانعطاف، الانسحاب، الهرب بأي اتجاه، لكنهم اندفعوا مجددًا... بقوة هذه المرة.

الاصطدام الثاني جعل الإطارات تفقد توازنها.

السيارة التوت، ارتفعت إحدى العجلات، ثم...

اصطدام ثالث.

فقدت السيطرة.

كل ما شعرت به هو جسدي يُدفع بقوة... ثم شجرة... صدمة... صمت.

تكسّر الزجاج، اندفعت رأسي للخلف، وشيء ثقيل اصطدم بجانب وجهي. عيناي حاولتا البقاء مفتوحتين، لكن الضباب تمدد في بصري كغيمة رمادية كثيفة.

كل شيء بدأ يخفت... الصوت، الضوء...

هيليان...

ثم، لا شيء.

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

انتهى الفصل الثالث💜

ما رأيكم في ما حدث؟  الحفلة، اختطاف هيليان، شعور إيلوين بالمسؤولية

من هؤلاء الذي يستهدفون إيلوين وهل ينوون قتلها أم ماذا!؟

وهل سيصيب إيلوين مكروه بعد هذا الحادث!

اخبروني في التعليقات

تحمست للفصل القادم. 💜💜💜

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فِيرسَايرا

المؤلف دعاء (Lavender)
2025/07/28 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة