الضو باق ما بانش، والبرد كيدخل من شرجم مكسور. وسط واحد البيت صغيّر بزاف، مافيهو لا زين لا أمان، كانت هند ناعسة، وجهها هادئ ولكن التعابير ديالو باينة فيهم التعب ديال حياة ما فيها رحمة.
كانت بيضا بحال الحليب، شعرها كحل وطويل حتى كتغطي بيه كتافها، وعينيها كحلين كبار فيهم قصة طويلة ما تقالاتش.
منين فاقت، بقاات شوية كتجبد فبلاصتها، بحال إلى ما بغاتش تواجه نهار جديد… ولكن الجوع والبرد ما كيرحموش.
مشات للحمّام، غسلات وجهها بماء بارد، وبقات كتشوف فالمراية:
"فين مشات ديك البنت اللي كانت كتضحك؟ فين مشاو والديّا؟"
تذكّرات كلشي...
النهار اللي مات فيه باها وامها فحادث غامض، واللي عمرها ما عرفات شكون كان السبب فيه.
ومن بعد... عمها اللي تكلف بيها، ولكن ما خلى فيها لا رحمة لا إنسانية.
كان كل مرة يطردها، وكانت كتبات في الزنقة، كتنقز من دار لدار، ومن خطر لخطر.
تذكّرات كيفاش كانت غادي تغتاصب، شحال من مرة، ولكن الله سترها.
تقطعات قرايتها، ما بقاتش كتقدر تصبر على نظرات الناس ولا على الجوع.
بقات كتقلب على خدمة، وخا كانت كتشوف الذل فكل بلاصة.
خدمت فـ قهوة، كتسربي، وكيتحرشوا بيها، ولكن كانت صابرة.
ومن بعد... ولات كتخدم نهار فـ دار الناس، كتغسل وتطيب وتربي ولادهم، وليل فالقهوة، كتحني ظهرها للخدمة، وتدير بحال ما سمعات والو.
الدار اللي كارية، ماشي دار… بيت صغير بزاف، ولكن كان كافي باش تحتمي فيه من الشارع.
في داك الصباح، سخنات ما، صوبات أتاي، خذات خبز حرفي بايت، وكلات بشوية بلا نفس.
غسلات الماعن، لبسات حوايج عاديين، سروال مفعفع وتريكو قديم، وخرجات متاجهة لعملها.
نهار طويل كيتسنى.
مع السبعة دالصباح دخلات عند ناس كخدامة فـ دارهم. طيبت، مسحات، وسمعات الصراخ والبكا والطلبات…
ومع الوحدة، خرجات متاجهة للقهوة، لبسات المريول، وبدا النهار الثاني.
خدمت حتى لليل. رجليها توجعوها، عينيها تقولو خاصهم يسدو.
لكن داكشي ما كانش نهاية اليوم…
فاش قربات توصل لدارها، عينها طاحت على واحد الراجل واقف قدام الباب.
حبسات خطواتها.
كان راجل فـ الخمسينات، ملامحو قاصحة ولكن عينيه فيهم شي حزن قديم.
هي قربات بشوية، ما بغاتش تهز الراس، ولكن فاش وصلت لعتبة الدار، سمعات صوت غليظ كينادي:
— هند...
تلفّتات بسرعة، وعينيها توسعو:
— عمي؟ واش كتعرفني؟
قال وهو كيشوف فيها مباشرة:
— آه، ابنتي، كنعرفك. أنا صديق الوالد ديالك. وبغيت نهضر معاك فواحد الهضرة مهمة.
شدات فالباب، وقلبها بدا يدق.
قالت ليه، بصوت متردد ولكن قوي:
— سمح ليا اعمي، ولكن أنا مكنعرفكش. ومنقدرش ندخل راجل غريب للدار.
هو قرب شوية، وقال بهدوء:
— عارفك خايفة... ولكن أنا ماشي عدو. أنا عندي معاك أمانة، وخاصني نقولها ليك.
هند حسات شي حاجة كتتحرك فداخلها… بحال إلى داك الباب اللي سداتو على الماضي، بدات مفاتيحو كتدور بوحدها...