القَاعدة رقم صِفر

القَاعدة رقم صِفر

33 1

“كل القواعد تبدأ بعد الصفر…

1

أما الصفر نفسه؟

فهو حيث يقرر أحدهم أن يُخفي نفسه.”

1

_____________________________________

جامعة كامبردج – مبنى الفلسفة

الوقت: 8:12 صباحًا

لم يكن في الأمر شيء مميز.

الهواء كان ثابتًا، والأرض ما زالت مبتلة من مطر البارحة.

أثينا ماركوي جلست على نفس السور، بنفس الطريقة، بنفس الكتاب المغلق في حجرها.

كانت تشرب قهوتها ببطء، وهي تنظر للمارة ..

كانو جماعات ، من ينتمون للفن ومن ينتمون للبرمجة ، وهناك من ينتمون للتصميم والابتكار .

اما هي فتنتمي للفلسفة ، للأدب ، للشعر ، تنتمي لكل ما هو يلمس ثنايا الروح ..

كانت جميلة بشكل هادئ ..

لا تملك اعين ملونة

ولا شعر أشقر

ولا اى شىء يُلفت انتباه الجنس الآخر من وجهة نظر فتيات جامعتها ..

هيا فقط هكذا ، شعر بنى واعين بنية اضافة لنظارتها التى ترتديها دوما ..

كانت تنقل بصرها بينهم ، شعر أحمر داكن ، وشوم فى كامل الجسم ، كعب عالى يطرق الأرضيات يعلن التحذير للجميع ..

فتيات جامعتها كُن هكذا والحقيقة هيا لا تملك ادنى مشكلة مع ذلك ..

"أنت حر ما لم تضر .."

لو كانت مُلحدة لكانت الحرية ديانتها الأبدية وتلك الجملة مذهبها الأول والأخير ..

بالنسبه لها كلمة انسان هي مرادف للحرية ، إن سُلبت منه يُصبح كالطائر بلا جناحين..

قطع تفكيرها صوت جرس الجامعة يُعلن عن بداية محاضرتها المفضلة ..

الفلسفة ، علم النفس وعصور ما قبل التاريخ ..

مرت دقائق حتى دخلت الى قاعة المحاضرات فى صمت تسير ..

جلست في مقعدها تنظر لمكان البروفيسور بحزن داخلى ، كانت تحبه حقا لا تعلم لما غادر الجامعة بشكل مُفاجئ ..

هل الذين يرحلون دون تفسير يتركوننا نُكمل القصّة وحدنا حقا ، ام انهم اكملوها لنا بأفعالهم سابقا ، لكن بنهاية لا تشملنا ؟..

دخول البروفيسور لفت موضع نظرها …

هل هذا بروفيسور القسم الجديد ؟ ام طالب فى الجيل الرابع هرب من حفلة تخرجه قبل إتمامها ؟..

لا تملك أزمة مع صغر سنه ، تتمنى فقط أن يكون كفاءة مثل سابقه ..

مرر أعينه على القاعة ، جميعهم نفس الشكل بالنسبة له ..

حتما لن يتحملوا مثلما حدث فى الجامعات السابقة ..

"هل نحن نختار أفكارنا،

أم أن أفكارنا تختارنا؟…"

هذا ما كتبه على اللوح أمامه والتفت لهم دون اى كلمة اخرى ..

" هكذا فقط ألن يعرف بنفسه على الأقل ؟…"

هذا ما نطقت به طالبه لصديقتها وهيا تجلس خلف أثينا على اليسار..

سمعها البروفيسور لكن لم يجيبها بل أرسى موضع يديه خلف ظهره وهو ينظر لهم بهدوء..

مرت ثواني حتى نطق لأول مرة بهدوء يسمح لمسامعهم باستيعاب نبرته :

"السؤال يبدو بسيطًا… لكنه في الحقيقة سؤال خيانة.."

"لأنّكم لو أجبتم بـ 'نعم، نحن نختار أفكارنا فأنتم تتحدثون عن حرية… لم تثبت بعد.

وإن قلتم 'لا، الأفكار تختارنا'،

فأنتم تتنصّلون من المسؤولية… وتنكرون وعيكم.."

قطع كلامه رفع طالب يده وقال:

"أنا أؤمن إن الإنسان يملك حرية اختيار أفكاره بالكامل."

آريس رفع حاجبه قليلًا..

"جميل. إذًا، اختر أن تتوقف عن التفكير في التي تجلس أمامك.."

تحرك الجالس خلفها بتوتر يحك مؤخرة رأسه وهو يحدث نفسه ..

ما بال هذا البروفيسور ، كيف علم ، هو يحبها من عامين ولم تلاحظ ابدا كيف بعد نصف ساعة من المحاضرة فقط لاحظ هو ..

تحرّك البروفيسور خطوة للأمام، ثم تابع:

"فكّروا في آخر فكرة راودتكم قبل النوم…

هل دعيتموها؟

أم زحفت إليكم وحدها؟

هل أنتم من سأل السؤال؟

أم أن جرحًا قديمًا فتح بابه فجأة؟.."

"أليس من المفترض أن يتحكم الإنسان في عقله …"

نطق طالب بهذا وعلامات الاستفهام بادية على وجهه ..

أجابه آريس دون أن يقترب:

"العقل ليس غرفة مغلقة…

1

إنه أشبه بمحطة قطار، تمر فيها أفكار ليست كلها تذاكر  ، إن صعدت وتجاهلت حقيقة الأمر ذلك لن يكون فى صالحك ، كلما أصبح الطريق أبعد كلما أرتفعت  تذكرة الرجوع .."

ضحك البعض بخفه على التشبيه الغريب، لكن آريس ظل هادئًا، كأنّه لم يلاحظ..

في الخلف، أثينا مرّرت أصبعها على حافة ورقتها…

وكتبت بهدوء:

"إن كان الوعي ملكًا لي،

فلماذا أفكاري تمطر حين أكره المطر؟"

1

مرت نصف ساعة اخرى كان أريس يشرح فيها بهدوء ويتناول بعض الأفكار الفلسفية ..

بدأ يجمع أوراقه.

الطلاب ظنوا أن المحاضرة انتهت…

لكنّه، وقبل أن يخرج، وقف أمامهم ثانية ثم مسك قلمه ثانيا ثم كتب :

"هل الإنسان يختار ما يعتقد،

أم يعتقد ما يُريحه أن يختاره؟"

هذا ما كتبه ثم خرج مغادر القاعة فى صمت ...

بعضهم كتب السؤال  ليتذكره المحاضرة القادمة ..

بعضهم توتر من الهدوء المبالغ فيه ..

أما أثينا…

فأغلقت عينيها للحظة، ثم كتبت في دفترها:

"الفكرة الأكثر راحة… ليست دائمًا الأكثر صدقًا.."

________________________

كانت تجلس فى المكتبة تنجز بعض مشاريع تخرجها البدائية لهذا العام ، عامها الأخير في الجامعة ..

كان يفترض أن يكون عامًا احتفاليًّا، نهاية مطمئنة لرحلة طويلة من الاجتهاد واليقين.

لكن ما شعرت به كان العكس تمامًا..

هل من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالحزن لفقدان شيء… قبل أن يفقده فعلاً..

أم أن العقل فقط يُهيّئ نفسه تدريجيًا، كي لا يسقط فجأة عند النهاية؟ ..

لم تكن تملك إجابة.

كل ما تعرفه أن الخرائط التي رسمتها منذ الصغر… بدأت تُبهت.

خطّطت لكل شيء بإحكام، حتى آخر منعطف…

لكن الطريق الآن يبدو بلا نهاية، أو بأسوأ الأحوال: بلا اتجاه..

حين أفاقت من شرودها وجدت البروفيسور ينظر لها وهو يستند بكتفه على رف كتب الفلسفة

أدركت أنها أطالت النظر إليه أثناء شرودها ..

أخفضت موضع نظرها إلى كتابها تتجاهل وجوده ككل ..

صوته جاء بعدها هادئًا، دون أن يتحرك من مكانه:

"أتعرفين ما قاله شوبنهاور عن التخرّج؟"

رفعت رأسها قليلًا، دون أن تجيبه.

ابتسم ابتسامة بالكاد تُرى، ثم قال:

"قال: الإنسان لا يعرف إن كان على طريق الصواب ، إلا بعد أن يُكمله للنهاية، ويعود لينظر إليه من بعيد."

ثم أضاف، بنبرة أهدأ:

"لكننا لا نملك رفاهية العودة ، فنبقى على قيد التساؤل."

ثم مشى ببطء، واختفى بين الرفوف.

تركت آثينا القلم من يدها.

نظرت إلى الغلاف الذي كان يستند عليه منذ لحظات…

"فلسفة الحرب.."

"ألهذا السبب كان واقفًا هناك؟

أم أن الحرب الوحيدة التي يعرفها… كانت بداخله؟"..

مرت ساعات عليها وهي جالسة ف المكتبه تفكر فى ما ينتظرها بينما سؤاله يمر على تفكيرها بين كل حين وأخر ..

________________________

في المساء، كانت أثينا تجلس برفقة ماريان و يوشي في المقهى الجامعي المعتاد..

كانت ماريان تثرثر بحماسة عن محاضرة الأدب المقارن صباحًا،

تتحدث عن الحب التراجيدي في مسرحيات "شكسبير"،

وكيف أن "روميو" – في رأيها – لم يكن يحب "جولييت"، بل كان مفتونًا بفكرة الحب ذاتها..

قاطعها يوشي ضاحكًا:

"في الحقيقة، روميو كان واقعًا في الحب مع أي فتاة تصادفه مارى .."

1

ضحكت على أثر كلامه وهي ترد عليه بينما تنظر لأثينا :

"الحب في الأدب لا يشبهه في الفلسفة ، نحن نكتبه ونُجسّده، أما هي  فتحلّله حتى يتبخّر.."

1

نظرت إليهما المعنية بهدوء، ثم ابتسمت دون أن تقول شيئًا..

لكن ابتسامتها لم تكن امتدادًا للضحك…

بل كانت فاصلة بين عقلٍ مزدحم، وعالم لا يلتفت...

ثم تمتمت بهدوء:

"الحب الذي لا تُفكّكه… يبتلعك ، والذي تُفكّكه أكثر من اللازم… يذوب."

1

رمقتها "ماريان" قائلة:

"ما تمرّين به ليس حبًّا… بل تشريح فلسفي بلا مخدّر عزيزتى .."

ضحك الجميع… إلا أثينا ،

1

هي لم تكن حزينة، لكنها كانت هناك، وبعيدة في الوقت ذاته..

قال يوشي فجأة، وكأنّه يقرأ ما يدور في رأسها:

"أتعلمين يا آثينا… يبدو أنكِ لا تفكرين بقدر ما تُقاتلين شيئا ما داخل رأسك.."

1

رفعت عينيها نحوه، ثم قالت دون دفاع:

"أفكر كي لا أصرخ."

ساد صمت لحظيّ، قبل أن تُمسك "ماريان" بكوبها وتتمتم:

"الفلاسفة ، لا يصرخون فقط يكتبون ..."

ردّت أثينا بصوت خافت:

"أحيانًا، الكتابة لا تُنقذك ، هي فقط تمنحك طريقة أكثر تهذيبًا للغرق..."

1

لم يُعلّق أحد.

اكتفوا بالصمت… كأنهم احترموا المسافة التي تبنيها أثينا بهدوء..

ثم غادرت المقهى أولهم، دون أن تُودّعهم بكلمة..

في الخارج، كان الجو باردًا يُعلن عن بداية تشرين ..

وضعت سماعات الأذن، وشغّلت مقطعًا قديمًا لموسيقى بيانو..

كان كل نوتةٍ فيه تُشبه فكرة غير مكتملة لها …

هل هي حقا كما يرونها ام انها لم تكتشف نفسها بعد ..

كانت تمشي بخطى ثابتة، لكن في داخلها شيء ما يتحرك بلا اتجاه،

تسأل نفسها:

"هل يُمكن للمرء أن يعيش داخل فكرة لم يُفكّرها بعد؟

وهل تتشكّل هويتنا من اختياراتنا،

أم من الأشياء التي تردّدنا في اختيارها؟.."

مرت بجانب سور حجري قديم،

لم تُدخّن كعادتها… فقط مرّرت يدها على رقبتها بهدوء،

ثم رفعت عينيها نحو السماء الرمادية وقالت لنفسها:

"كل ما في الأمر… أنني أمتلك عقلًا لا ينام.."

حين وصلت إلى باب سكنها،

أمسكت بهاتفها وكتبت في مذكّراتها:

"الوحدة ليست صمتًا حولك…

بل ازدحامٌ لا يُجيد أحدٌ سماعه..."

ثم أغلقت الشاشة، ودخلت…

ولم تكن تدري أن اليوم التالي

سيحمل سؤالًا… لن يُطرح على الورق،

بل على مستوى نظرات تُفكّك أكثر مما تقول…

جلس آريس وحيدًا في الغرفة الرمادية، بين الكتب المصفوفة بعناية مَرَضية، وكوب الشاي الذي غفل عنه يبرد على المنضدة..

لم يكن يقرأ..

بل كان يُحدّق في نقطة ثابتة لا تحمل أي معنى.

وكأنّ الفراغ أحيانًا أكثر صدقًا من كل الفلسفات..

في داخله شيء لا يهدأ…

كأنه غريب عن كل مكان يدخله، مهما حاول أن ينتمي.

"هل الغُربة تبدأ من المكان؟

أم من اللحظة التي تفهم فيها الناس أكثر مما يجب؟"

سأل نفسه ذلك بصوتٍ لا يسمعه أحد..

هو لم يكن يبحث عن إجابات.

بل يكتب الأسئلة في رأسه… كمن يزرع ألغامًا تحت الأرض، ويتركها للوقت.

أشعل سيجارة.

لم يكن مدخّنًا شرهًا، لكنه يعرف متى يحتاج النار أكثر من الهواء ،كان يعلم أن الجامعة الجديدة لن تختلف كثيرًا...

الوجوه تتغيّر، لكن الأنماط لا تفعل.

أساتذة يتكلّمون أكثر مما يفهمون، وطلاب يبحثون عن درجات لا عن دهشة.

لكنه جاء.

ليس لأنه يؤمن بالتدريس،

بل لأن جزءًا منه ما زال يُراهن على فكرة واحدة:

"ربما… عقل واحد، لا يشبه الباقين،

قد يلتقط شرارة ما."

كان يؤمن بأن ذلك اليوم سيأتي ، شخص يفهمه ، يعلم ما يرهق وجدانه ..

يوما ما …

🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬

هل نحن حقا ما نريد أن نكون ، ام ما يريدون هم منا ان نكون ...؟

ألقاكم فى الفصل القادم بحول الله ❤️❤️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

" دِيونسِيوس "

المؤلف 𝓚𝓪𝓽𝓪𝓵𝓲𝓪
2025/07/23 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة