رائحةُ الكلور و المعقّمات تجتاح أنفي، أصوات أناسٍ يتحدّثون حولي و أصواتهم تزعج مرقدي، أخبرت الجميع أنّني أكره الضّجيج الذي يصدره الآخرون، لمَ عليهم جعلي أعيد كلامي، رأسي يشتعل بالألم و لا أستطيع تذكّر أي شيء
آخر ما أتذكّره هو الألم و أصوات الرّصاص، هل أنا في الجنّة؟ حسناً، إن كنت كذلك فآخر ما توقّعته أن تكون رائحة الجنّة كالكحول الطّبّي، ما الذي أقوله حتى؟ أكافح لفتح عينيَّ لأبصر الوسط حولي
-إنَّـهَـا تَـسـتَـيْـقِظ!
لا أرى لكنّني أسمع صوتَاً مألوفاً، صوت شقيقتي إلايزا، أوه ليزي لا أصدّق أنّني اشتقتُ لصوتك
-هـل أنا فـي الجَنّـة؟
تمتمت بوهن بينما يتبدّد الضّباب في عينيّ، اشعر أنّ لساني مخدّر لكن تزامن قولي مع دخول ذلك الأحمق
جابرييل، كان زميل ليزي في الجامعة و الآن سمحتْ له بالعمل معها في الجناح الطّبّيّ للوحدة بعدما تقدّم لخطبتها، سأضطرّ لرؤيته كلّ يوم تقريباً و الأمر يستفزّني بشدة! يشاهدني أعاني مبتسماً، مغفّل
-لا، حتـماً فـي الجـحيم
رميت رأسي بكسل على الوسادة الغير مريحة بتاتاً، أشبه بالصّخرة أسفل رأسي
-لسـانٌ حـادٌّ بالنّـسبة لفـتاة نـجـتْ مـن المـوتِ بأعـجـوبة
علّق بسخرية، مضحك جدّاً يا أخي في القانون، مازلت أذكر اللّيلة التي عادت فيها ليزي من موعدها بوجه محمرّ كمن تلقّت صفعة، أرتنا الخاتم الألماسي الذي أهداها إيّاه كمن تتفاخر بكنز وجدته
-بَـل و حـطّمتِ الـرَّقم القياسيّ، هذه أختي
أكملت ليزي النّكتة بينما تتفقَّد نبضي للمرّة... لم أعد أعدّ حتّى
-بـدأت أكـره المـعـجـزات التـي تجـبرني علـى رؤيتـه فـور فـتحي لعينـيّ، أبعـدي هذه السّــمّاعـات عنّـي، ألم تملّي من فحصي؟
شكوت بقلّة صبر، لا أدري لما مزاجي معكّر حتّى، لكن بعدما راجعت ما قالته بعقلي
-عن أيّ رقمٍ تتحدّثان؟
سألت بفضول، لم أسمع عن أيّ منافسة منذ فترة
-لا شـيء مـهم، إنّـه أمـر نـقوم بـه مـن بـاب التّـسـلية
أجابني جابرييل أثناء جمعه لسلك جهاز قياس ضغط الدّم، ثمّ ذهب إلى مكان آخر، الى الجحيم بلا رجعة يا أخي في القانون
-نـقوم بقـياس المـدّة الـتي يـنامـها المجـنَّدون الجـدد بـعد مـهمَّـتهم الأولـى، و أنتِ حطَّمتِ الـرّقم القـياسيّ الـذي كـان إثـنا عـشرةَ سـاعة نـومٍ بـلا تـوقّف
أيسجّلون هذه الأمور؟ ألهذه الدّرجة يمكن للطّبّ أن يكون مملّاً؟
-إذن... و إلـى أيّ رقـمٍ وصـلت؟
-سـبْـعةَ عـشرَ سـاعة
أجابت ليزي بلا اكتراث و لم تنظر إليّ حتّى، حسناً هذا غريـب، شعرت أنّني نائمة منذ الأزل... مهلاً لحظة
-سـبعـة عـشـر سـاعـة؟!
تباً، في أيّ تاريخٍ نحن؟!
-هـل... فَـوَّتُّ عـيدَ مِـيلادي؟
حاولت ليزي كتم ضحكها لكنّها فشلت ككلّ مرّة، فليخبرها أحد أنّ لديّ مشاعر يمكن جرحها
-هـل بحـقِّ الـسََّـماء تفـكّريـن في عِـيد مـيلادكِ الآن؟!
...
سأشتم، أقسم أنّني سأشتم
-مـاذا تـتوقّعين عـندما يـعدكِ أحـدهـم بـرحـلة تـسـوّق في مـتجر كـتب، و لا تـتوقّـعي مـنّي غضّ بـصري عـن الـنّسـخ الـمـحدودة كـعيد ميـلادي المـاضـي
ضحكت بسخرية، تضع كرسياً بجانب سريري و تجلس عليه براحة، أعتقد أنّه أكثر راحة من السّرير الصدئ الذي أستلقي عليه، فلنبدل
-أعـرف فيـما تـفـكِّريـن، لم أصـرف أيَّ سـنت و مـازالـت الـرِّحـلة قـائِـمة
زفرت براحة، الآن انا متحمسة للنّهوض من هنا اكثر من السابق
لكن فجأة، تغيرت معالم وجهها، لماذا تنظر إليّ كأنني في جلسة تحقيق؟
-مـا... مـا الـخطـب؟
تمتمت بتلعثم أجلس باستقامة، أصبح الأمر مخيفاً
لم تردّ حتى، مازالت تنظر لي بريبة، أنجدوني!
-آسـفة لأنَّـني أحـرقْتُ مِـكواة شـعرك
رفعت حاجبها الأيسر، لم تكن تعرف بشأن المكواة حتى! تباً للساني الزلق
-لـم أقـصد إفـساد هـديّة جـابـريـيل لـعيد الـحب
بل قصدت، و لن أندم حتى أموت، كان وجهها لا يُنسى وقتها
معالم الصدمة على وجهها ارتسمت، ولا هذه أيضاً؟!
-أنـتِ مَـن... سـنتـحدّث عـن هـذا لاحـقاً
يكفي! نفد صبري
-لـماذا تـناظـرينني هـكذا إذن؟!
صحت بنفاد صبر، عمّا تتحدّثين يَــ مرأة؟!
-كـنت أتـسائـل عـمَّا حـدث فِـي مهـمّـتك!
اوه... حسناً، لم اتوقع هذا، لكن مازال عليّ تبرير موقفي، أليس كذلك؟
-لا... لا تــلوميـني!، نـظراتكِ مـخيفة
تنهّدت بضجر بينما تطالعني من رأسي حتّى أخمص قدميّ، تتوقّع منّي الكفّ عن المراوغة و قصّ ما حدث عليها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4:31 AM..
The Amazons
South America
أصوات الطّيور و الحيوانات المفترسة حولي لا تكاد تُسمَع، أركض بأقصى ما يمكنني طلباً لحياتي القصيرة جدّاً، ماذا أقول؟ آخر ما يتوقّعه المرء أن يموت مقتولاً كفريسةٍ لنمر أمريكي أو بطلقة من تجّار السّلاح
أستطيع سماع أصواتهم و رجالهم يصرخون و يطلقون النّار بعشوائية فتصيب طلقاتهم كلّ شيء، من أشجار، و حيوانات، و ساقي
الدّماء تتدفّق بغزارة و بالكاد عرجت عليها لعدّة أمتار حتى تعثّرت بجذر نافر في الأرض و وقعت من أعلى المنحدر، لكن كثافة الأعشاب و أوراق الشّجر المتساقطة خفّفت من وقع الضّربة قليلا، يا لحظّي المثالي، لم أقم بإصابة قلب القائد حتّى، على الأقلّ أصبْتُ كتفه
صوت صفير في أذني و دموع في عينيّ أفقدتاني الإدراك بما حولي تماماً
تمدّدت على التّراب المبلّل منتظرةً حتفي إمّا بوجبة فطور لأيّ مفترس في الأمازون أو ربّما بطلقا من بعض الحمقى الذين يكسبون ثرواتهم من أرواح النّاس
على أيّ حال، أريد أن تقام جنازة مشرّفة لي، مع ورود حمراء و سوداء يتمّ تجديدها كلّ أسبوع و سيتم توريث هذه المهمّة حتّى ينتهي نسل عائلة ميلر تماماً
هاتفي لن يُورّث لأحد -خاصة إلايزا-، بل سيُثَبّت على هدث ثمّ يُرَشّ بالرّصاص حتّى يفرغ مخزون الطّلقات، ثمّ يُجمَع فتاته و يوضع في خلّاط و يُفرَم و يُدفَن معي، فلتكن وصيّتي الأخيرة
بالكاد أسمع عجلات شاحناتهم تهرس كلّ ما تحتها مقتربة نحو موقعي، صوت مشوّش و بعيد لكنّه مسموس بصعوبة بالغة
لم أحتفل بعيد ميلادي حتّى، يالي من مسكينة، فليسلّم أحد جثّتي لوالداي قبل ان يلتهمها أيّ نمر أو أي شيء آخر
بخصوص النّمر، ألم يكن هناك نمر أمريكي يلاحقني؟ أين هو عندما أريده؟ الموت فريسة لنمر أشرف من الموت بطلقةٍ اعتدت تصويبها على علب الكولا المعدنيّة
الأصوات تقترب، أسمعهم يتحدّثون بعدّة لغات، أحدها الرّوسيّة، ما الذي يفعله الرّوس في أمريكا الجنوبيّة حتّى؟! لكن عليّ أن أكون صريحة، لكنتهم جذّابة بحق
مهلاً! أصوات الرّصاص تعلو، صراخهم يزداد، و هناك كلمات إنكليزية أفهمها بصعوبة بسبب الصّراخ و الأصوات المتداخلة، هناك من اشتبك معهم
و لمَ أهتم؟ سأموت بنزيف ساقي، ربّما بعد ساعة، اثنتين، يوم، يومين، و ربّما أموت في هذه اللّحظة برصاصة طائشة، و يُداس عليّ بأحذيتهم
لكنّ هناك من يحملني، أشعر بنفسي أرتفع و يتلاشى شعور التّراب و القذارة عن وجهي و جسدي، لا بدّ انّه ملاك جاء ليحمل روحي للجنّة، أو للجحيم -أيّهما أقرب- أحاول فتح عينيّ لرؤية الوسط حولي فلا أجد سوى سقف حديدي، هل يتمّ إيصال الأرواح بمقصورة مصفّحة؟، لم أعد أقوى على تحريك أجفاني و أكاد أجزم أنّ دمّي تصفّى تماماً
-سـيـسـيـلـيـنـا! افـتـحي عـيـنـيـكِ، ابـقَي معي قـليـلاً!
هل هذا أبي؟ هل مات أيضاً؟ أمّي ستجنّ حتماً، كيف لها أن تتحمّل فقد زوجها و ابنتها في يوم واحد
ألم حارق اخترق ساقي، أكزّ على أسناني بقوّة و أئنّ بتعب
-ألـم يـعـمـل الـمـخـدّر بـعـد؟!
-مـن المـفـتـرض أنّ مـفـعـولـه بـدأ مـنـذ... دقـيـقـتـيـن
إبرة أخرى لكن في عنقي هذه المرّة، تخدير عام، أجل رجاءً، أحتاج لقيلولة، أشعر بالخدر يتسلّل بين أوصالي، يهدّء سيّالتي العصبيّة تدريجياً حتى أفقد الإحساس تماماً ثمّ الوعي...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-وَ لَا أذكُـر بـعـدها مَـا حـدث
هززت كتفاي بعدم اكتراث، ليس و كأنّني نجوت من الموت بأعجوبة منذ أقل من أربعً و عشرينَ ساعة
نظرت إليّ إلايزا و عيناها جاحظتان من محجريهما، ما خطبها؟ إنّها ليست أوّل مرّة أوشك على الموت خلال إثنين و عشرينَ عاماً، أليس كذلك؟ و مع ذلك، لا أنكر أنّ نظراتها أفزعتني
-مَـا الخـطـب؟ لِمـا تـناظـريـنـني بِـهَذا الـشَّـكل؟
سألتها بشكّ و بعض الخوف من عينيها الموجّهتين نحوي كَاللّيزر الموجود في Glock19
لكن بعد ثوانٍ من التّحديق أخيراً تحدّثت
-صَـوَّبْـتِ قَـنّـاصةَ Barrett M105__
-107
قاطعت جملتها مصحّحة، و أعتقد أنّ مقاطعة حديث إلايزا و هي غاضبة سيُضاف لأكبر خطاياي حتّى الآن، لأنّ صراخها بعد ذلك فقأ طبلة أذني
-لا أعـطي لـعـنـةً لِـنوعـها! صَـوَّبتِ عـلى تـاجرِ أسـلِـحَةٍ لَعـينٍ وَ خـالَـفْتِ الـتَّـعـلِـيماتِ فِـي مُـهـمَّـتِـكِ الأولـى؟! سَـيُجَـنُّ أبِـي حِـيـنَ يَـعـرِف!
لا أدري لما ضرب بطني الذّنب عند كلامها، لكنّها ليست غلطتي، كان ذلك السّافل على وشك قتْلِ عائلةٍ أمام طفلٍ صغير!!
لكن بالحديث عن أبي، أين هو؟ كان من المفترض أن يكون هنا بحلولــ...
قاطع أفكاري صوت السّتائر البيضاء تتحرّك، ها هو ذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفصل الأول من روايتي الأولى جاهز
مبدأياً مازلت لا أصدق أنني تمكّنت من كتابة هذا الفصل حتّى
لذا أعتقد أنني أحتاج إجازة لعام كامل قبل البدء بالفصل التالي
أمزح أمزح، لست بتلك البلادة🌚
روايتي الأولى، أعطوها كل الحب
أتقبّل النقد البنّاء فحسب، فمن لديه ملاحظة فلا يبخل علي بها لأتفادى الأخطاء القادمة
Take care✨🦋