أن تعيش خائفاً ، كأنك لا تعيش .
.................
في الثالث و العشرين من يناير / غابات سويسرا .
يُقال إن أمان الإنسان وطنهُ و يُقال أيضا إنه عائلته أو بيته أو حتى ذكرياته الدافئة ...لكنها لم تملك أماناً يوماً .
في اللامكان و اللازمان ، كل ما لديها هو جسدها النحيل و ما يغلفة من ثياب خفيفة ، و قطرات الدم الساقطة على الأرض تلطخ الجليد الابيض ببقع حمراء وسط الظلام الدامس .
الثلج يتساقط بكثافة .. كانت السماء مستعجلة لتكسو الارض ببياضها أكثر .
السماء رمادية، والقمر شاحب بين الغيوم .
بينما تركض بِوَهن بين الاشجار المتخلية عن اوراقها ... و ذراعيها مليئة بالخدوش أثر اصطدامها بأغصانها المتيبسة ، بدأت تفقد توازنها ، تشعر بثقل برأسها بينما طنين أذنها يزداد .. تركض بصعوبة كما لو كانت أثقالاً مربوطة بقدميها ... النسيم البارد يضرب جسدها ، درجة الحرارة تحت الصفر المئوي ، لا تعرف هل هي ترتعش من قسوة البرد أم من شدة الألم ، حتى املها للنجاة بدأ يتلاشى .
الرصاصة التي تخترق كتفها .. كانت تشع بألمها ، تكاد تهوى على الارض الباردة و تستسلم لمصيرها البائس لكن لن تفعل ، ليست لانها بتلك القوة ... لكنها فقط لا تملك رفاهية الاستسلام ، لن تسمح لنفسها بالعودة لقبضتهم البائسة ليس عليها ان تخسر كل شي دائما ... بسببهم ، ليس هذه المرة .
تسمع اصوات اصتدام حوافر الخيول بالارض خلفها على مسافة قريبة .
قلبها يطرق صدرها بجنون ، حاولت الاستمرار ، لكن ساقيها خذلتها ، لتسقط ارضاً بقسوة ، زحفت على الجليد ، يداها وركبتاها تنزفان أثر الاحتكاك بالأرض الخشنة ، وبرودة الجليد تصعق عظامها ، وكأن تلك الغابة العملاقة كانت تجاهد لتبلعها .
استمرت تحبو بينما دمائها الحارة تتدفق من جسدها الهزيل لتنتهي الغابة و تجد امامها قصر ضخم كبير بثلاثة طوابق يحيطه مروج شاسعة و الكثير من الاكواخ و الحضائر .
زحفت نحو إحدى الحضائر ، ارتخت أطرافها ، وتسلل الضباب إلى عينيها ، أصبحت الرؤية غير واضحة .
ستموت هنا ، ستتجمد جثتها فوق هذا الثلج ولن يهمها شيء ، كل ما أرادته... أن لا يعيدوها إليهم حيّة.
شعرت بشخص يقترب ، لم تستطع رؤية وجهه لكن جسده الضخم، وقرفصته أمامها، جعلت همسها يخرج من بين أنينها.
" يجب ان لا يجدوني ارجوك "
لتغطي جفونها عيناها الزمردية الناعسة المحمرة و تغرق بالظلام .
ظل هو يراقبها بصمت فاغر الفم قليلا شعرها الاسود الطويل ، بشرتها الباهتة ، ثوبها الابيض الرقيق ، و تلك البقعة الحمراء الداكنة من جسدها المستمرة بالنزيف بغزارة تاركة بقعة كبيرة على الجليد الابيض .
لم يتحرك ظل شارد الذهن متأملا تفاصيلها ، اراد الاقتراب منها محاولاً اسعافها لكن قطع شروده صوت الضجيج القادم من ناحية الغابة ، تذكر همسها لينهض خالعاً معطفه الجلدي الطويل و يغطيها به جيدا ذاهباً باتجاه الصوت مجهز مسدسه الكولت ليخرج من بين الاشجار ثلاثة رجال مسلحين ضخام البنية بملامح قاسية و معاطف جلدية سميكة يمتطون صهوة احصنتهم ليتقدم باتجاههم بشموخ رافعا رأسه بغرور كرجل يعرف مكانته و حراسه خلفه .
أخذت الخيول أماكنناً و توقفت يخرج من أنوفها أنافساً كثيفة لشدة البرد لينزل اكبر خياليهم ، صاحب الندبة المخيفة على تحت عينه اليمنى من حصانه و يرفع قبعته امام الواقف امامهم ليفعلو المثل الاثنين الاخرين .
اردف صاحب الندبة محاولاً ان يبدو واثقاً :
" تحياتي نعتذر عن قدومنا بهذه الطريقة لكن نبحث عن شي يخصنا ، هناك فتاة هربت باتجاه مزرعتكم "
كان يظهر جزء عينيه القاتمة من تحت قبقته الجلدية الكبيرة ، نظرة واحدة جامدة، قاتلة، كانت كافية ، فسحب نفساً بطيئاً ، ثم قال بصوت منخفض، لكن فيه قوة تخترق الهواء :
" الجميع يعلم ذلك ... لا يوجد كائن يقوى على دخول اراضي داركمور دون اذن مني "
اردف صاحب الندبة بحذر شديد بنما بدأت تشكل سماته ملامح القلق و الذعر معاً :
" اذن انت رايدر داركمور ؟ "
همهم لهم ببرود و بثقة مخيفة ....مائلاً برأسه بيننا ينظر لهم بنظرات فارغة ..
أحد الثلاثة بلع ريقه ، و تردد صاحب الندبة ، نظراته التقت بنظر رايدر وفجأة خفّ وهج التحدي في عينيه .
تبادل الثلاثة نظرات يائسة في ما بينهم .. يعودو للوراء بإكراه ممتَعِض .. منتطين صهوة خيولهم ، راجعين خالين الوفاض .. متجاهلين اثار الدماء باتجاه المزرعة خائبين مواجهة من امامهم .
.
.
.
.
.
.
.
نهاية الفصل الاول
Hi everyone
مقدمة قصيرة افتتاحية لقصتنا .
اجعلو النجمة التحت تضيء باناملكم اللطيفة 🌟
🤍 دمتم بخير 🤍