كان الشفق للجميع ، ولكنها كانت الغسق لنفسها
-----------------------------♧----------------------------
من هي فتاتي الجميلة؟ ها؟ إنها سيلي صغيرتي
الجميلة."
أخذت سيلي تُخبئ رأسها في صدري الصغير، تتظاهر بالخجل الطفولي، وهمست بمرح
"- نيفين!"
فزعتُ لذلك الصوت العالي المفاجئ، وكأنني أسمعه للمرة الأولى، رغم أنه يتردد في أرجاء المنزل كل يوم، كل ساعة، كل دقيقة. وضعتُ سيلي برفق في غرفتها أمام ألعابها الملونة، وخرجتُ مُسرعة نحو مصدر الصوت.
"- نعم أمي؟"
شهقتُ لِيدٍ حطت فجأة على وجهي، تصفعني بقوة حتى استدار رأسي. شعرتُ بلسعات حارقة على وجنتي. أردتُ أن أتكلم، أن أسأل عن سبب هذا الغضب العارم: "- أمي.. ما الـ.."
"- اصمتي ولا تُسمعيني صوتكِ يا ابنة الخطيئة! ليتكِ مُتِّ قبل مجيئكِ إلى هذا العالم المشؤوم! أين عقلكِ؟ ها؟ كيف تجرؤين على رفضه؟ أيتها الغبية!"
> استمرت والدتي في ضربي بوحشية، وأنا أتراجع بخوف، حتى تجمدتُ في مكاني، وكأن قوة خفية تثبت قدميّ. اختفى صوت صراخها تدريجيًا، وتلاشى شعوري بألم ضرباتها الجسدية، لكن أثرها ظلّ كامنًا في روحي، ألمًا خفيًا ينخر في أعماقي، جرحًا غائرًا في قلبي لن يلتئم أبدًا. شعرتُ وكأن كل ما عملتُ على دفنه من ذكريات مؤلمة قد عاد ليظهر من الظلام الدامس. هي تكرهني، لماذا أُنكر هذه الحقيقة وأوهم نفسي بعكسها
انتشلتني من أفكاري المُظلمة يدٌ قوية أمسكت بشعري بعنف، وتأوهتُ للألم الحاد.
"- كيف لكِ أن ترفضيه؟ ها؟ هو فرصتكِ الذهبية، أيتها الغبية، لنصبح أغنياء! أيتها الحمقاء! كيف ترفضينهُ؟"
"- أمي، ما الذي تقولينه؟ اتركي شعري أرجوكِ، أنتِ تؤلمينني!"
جرتني والدتي ورائها بعنف نحو باب المنزل، وقامت بدفعي بقسوة لأَسقط أرضًا. أخذت تصرخ وتشتمني، وأنا مُنكمشة على نفسي، لا أعلم كيف أحمي جسدي المُتعب وروحي المُنهكة، نفسي التي نهشتها كلماتها كوحش كاسر وجد فريسة بعد جوع طويل.
"- أمي أرجوكِ توقفي... أمي!"
"- لا أريد رؤية وجهكِ الكريه، أيتها المسخ! ليتني لم أُنجبكِ! ليتكِ مُتِّ منذ زمن بعيد وارتحتُ أنا منكِ! فلتذهبي إلى الجحيم! لا أتشرفُ بطفلةٍ مثلكِ، ترفض الزواج الشريف وتركضُ وراء من لا ينظر إليها! كم أنتِ رخيصة!"
"- تعلمين أنني لن أقبله، وفكرة الزواج لم تخطر ببالي أصلًا!" تمتمتُ بصوتٍ خافت مُحاولًا الدفاع عن نفسي.
أمسكت والدتي بمقبض الباب وقالت بحدة قبل أن تُطبقه:
"- إذن، إلى الخارج!"
>
> .
> .
> .
> .
> .
> .
> .
> .
> .
>
"ليتني لم أُنجبكِ... ليتكِ مُتِّ منذ زمن... لا أتشرفُ بكِ..."
كان صدى صوتها ينهش روحي من الداخل، لماذا كل هذا الكره لي؟ ألهذا السبب فقط أنني عصيتها لمرة واحدة؟ لماذا عليّ دائمًا الخضوع والاستسلام؟ أليس من حقي أن أستقل بحياتي؟ لماذا عليّ دائمًا أن أكون تلك الأرض المُستعمَرة المُدمرة؟ أريد أن أحيا بحرية!
"- هيا يا جاف، انطلق! هيا!"
كنتُ على ظهر الحصان، أصرخ به للإسراع، ربما لم يكن صراخي بدافع حثّ "جاف" على العدو، بل محاولة لإخفاء تلك الأصوات المُعذبة التي تدور في رأسي، وكأنني في متاهة لا نهاية لها، أدور حول نفسي والسهام تخترقني من حيث لا أعلم.
ليتني فقط أختفي من هذا الوجود... ليتني أموت لأرتاح من هذا العذاب...
"- نيفين!"
أخرجني من بؤرة أفكاري المُظلمة صوت العم لوينز الدافئ، الذي أشار إليّ بيده للذهاب إليه. أدرتُ الحصان وتوجهتُ نحوه بخطوات مُثقلة.
لم أكن أتوجه إلى العم لوينز فحسب، بل كنتُ أتجه نحو نعيمي الخاص، نحو الحضن الذي يحتويني، والدفء الذي يمنحني إياه. عجيبٌ كيف لشخص لا تربطني به صلة دم قوية أن يكون ملاذي الآمن؟ لم أره يومًا مجرد رجل عجوز، بل كان لي أبًا وسندًا وجدًا وأخًا. كم تمنيتُ لو أعود طفلة صغيرة، يضعها على قدميه ويُزيّن جدائل شعرها. كم تمنيتُ لو أُخبره بما يُخالجني تجاهه من مشاعر عميقة، لو أستطيع فقط أن أرتمي في أحضانه وأُخبره أنني مُتعبة من كل خطوة أخطوها. مع كل خطوة أتقدمها نحوه، كان خافقي يطمئن، وهواجسي تتلاشى، قربه كان سكينة حقيقية بالنسبة لي.
نزلتُ ببطء عن ظهر الحصان ووقفتُ أمام جدي، وقلتُ بابتسامة مُحبة
"- أرى أنك ازددتَ وسامةً أيها العجوز!"
منحني ابتسامته الدافئة التي أشعر وكأنها تمتد لتُزهر بساتين قلبي الذابلة، قائلًا بمرح
: "- آه منكِ يا فتاة! بالطبع ما زلتُ يافعًا، انظري إلى هذه العضلات!"
وأشار إليّ وهو يستعرض ذراعيه مفتولتي العضلات، فضحكتُ من قلبي على هذا المشهد العفوي.
أنا أحب العم لوينز... أحبه كثيرًا.
"- وإن أردتِ، هل تقبلين كوبًا من الشاي معي أيتها الحسناء؟"
مدّ لي يده بنبل وكأنه فارس من زمنٍ آخر، فابتسمتُ ومددتُ يدي ووضعتها بين يديه الدافئتين، ونبستُ برقة
"- بالتأكيد أيها الرجل النبيل."
كنتُ أسير بجانبه وأتمسك بذراعه، أُساعده على المشي بخطوات ثابتة، لم يكن هو من يتمسك بي خشية التعثر، بل أنا من كنتُ أتشبث به بقوة، كطوق نجاة في بحرٍ هائج، كأنه اللون المُفضل الذي أُزين به لوحتي السوداء التي دنّسها العالم، أتمسك به لأنه القطعة التي تُكمل روحي الناقصة.
انتشلني من أفكاري صوت العم لوينز وهو يُمثل دور الضحية بطريقة مُضحكة، يتحدث بدرامية مُبالغة:
"- لا تقولي أنكِ وقعتِ في الحب يا نيفين! هذا سيجرح مشاعري العجوزة!"
ضحكتُ على كلماته وتعابير وجهه المُتقنة. أنا لا أراه كمجرد إنسان، بل كَريشة حطت على قلبٍ مجروح فداوته برفق. نبستُ وأنا أمسك بيده وأُقلد نبرة صوته
"- كيف لي أن أتخلى عن حبك يا عزيزي؟ وهل يتخلى المرء عن روحه؟"
"- يا لكِ من طفلة! يا لهذه! من أين لكِ بهذا اللسان الرطب كالحرير في الكلام؟"
"- لديّ جدٌّ مثلكَ، وتسأل حقًا؟ لقد آلمتني!" ضحكنا سويًا على هذا الموقف العفوي، كنا نُمثل دور عاشقين،
وكنتُ أسترق النظرات إلى ابتسامته، أجد فيها ملاذي الآمن، وألجأ إليها من ظلم العالم، فتكون لي نجمة تُضيء عتمة أيامي. ليتك فقط تدوم لي يا جدي، ليت هذا النور لا ينطفئ أبدًا.
وضع يده بحنان على كتفي بعد أن جلستُ بجانبه على كرسي خشبي في دكانه الصغير، قائلًا بنبرة قلقة
"- ما الذي يجعل ابنتي شاردة الذهن؟ همم؟... حدثيني يا حبيبتي."
لا أعلم ما أقول، ولا أعرف ماذا أفعل. هل أشتكي له من عائلتي، أو بالأصح من جحيمي الخاص؟
ابتسمتُ لهُ قسرًا وقلتُ
"- فقط مجرد مشكلات صغيرة. أخبرني أنتَ، هل تناولتَ دوائكَ لهذا اليوم؟ أنتَ بالتأكيد لن تُحبّذ غضب مُمرضتكَ!"
أطلق العم لوينز ضحكة خفيفة ويده مستقرة على ظهري، قائلًا بحكمة
"- لا داعي لتغيير الموضوع يا ابنتي. أنا أقرأكِ كما تقرئين رواياتكِ الشيقة. لا عيب في الفشل أو الحزن يا نيفين، العيب في البقاء على الأرض وعدم النهوض، العيب في عدم المواجهة، العيب في الاستسلام. ليس كل مكان تتواجدين فيه وتشعرين فيه بالاطمئنان يعني أنكِ تنتمين إليه. لكل امرأة ثقب أسود، ولها الخيار في إغلاقه أو السقوط فيه. لا تكوني كورقة في فصل الخريف تحملها الرياح كيفما شاءت، بل كوني كشجرة في فصل الشتاء أثقلتها الثلوج، لكنها تبقى شامخة صامدة."
لم أجد ما أقوله، وكأن جدي أتى من بين الجميع ليكون لي منارة وسط بحرٍ واسع. جدي ليس مجرد شخص، بل هو صندوق يحمي أسراري، وسقف يحمل همومي، وملجأ أهرب إليه حتى من ذاتي. كنتُ دائمًا المريض وهو المنقذ، على عكس واقعي المُر.
رفعتُ نظري نحوه عندما فتح ذراعيه لي، لم أتردد ولو ثانية واحدة، وألقيتُ برأسي في حضنه الدافئ، آخذةً منه ما افتقدته لسنوات عديدة. أخذ يمسح على شعري بحنان وهو يقول
"- يا إلهي! لقد أصبحتِ عاطفية جدًا! إياكِ أن تقولي أنكِ وقعتِ في حب رجل كاذب! أخبريني يا جدتي، وسأقتل رأسه!"
ضحكتُ على كلماته المُضحكة، فهو دائمًا ما يُذكرني بخوفه عليّ ووقوعي بين يدي الشخص الخطأ. رفعتُ رأسي قليلًا وقلتُ بامتنان
"- إن وقعتُ في حب رجل، سيكون أنتَ يا جدي، لذلك لكَ مسؤولية عدم إبكائي."
"- أقسمُ إن سمعت جيفاني كلامنا هذا، فإنها ستطردني، وستضطرين حينها للمبيت معي في إسطبل الأحصنة، أيتها المشاغبة!"
ضحكتُ على كلماته وأنا لا زلتُ في حضنه، وهو يُربّت على شعري بحنان... لم يكن يُربّت على شعري فحسب، بل كان يُضمّد قلبي المسكين.
رفعتُ رأسي عنه وقلتُ بمودة
"- جدي، أتريد أن أُجهز لكَ الشاي أو شيئًا آخر؟ بالطبع قد اشتقتَ لشاي من صنع يدي، صحيح؟"
أطلق ضحكةً عفويةً وهو يناظرني
"- لن أكذب عليكِ يا ابنتي، مضى وقت طويل على آخر كوب شاي من يديكِ. أجل، أيتها النادلة اللطيفة، هل لي بكوب من الشاي من فضلكِ؟"
وقفتُ ومثلتُ دور النادلة ببراعة، ويدٌ خلف ظهري والأخرى أمام بطني، وانحنيتُ للأمام باحترام مصطنع وقلتُ بوقار
"- لكَ ذلك أيها السيد الشريف!"
قهقهنا كلينا بمرح بينما توجهتُ إلى المطبخ الصغير لأُجهز له الشاي.
يقطن جدي في هذا الكوخ الصغير المُحاط بالحقول الخضراء في هذه الحضيرة الكبيرة. أُحب المجيء إلى هنا، فالمكان بعيد عن ضجيج المدينة الصاخب، والطبيعة تُحيط بالمكان من كل جانب، والهدوء الطاغي لا يقطعه سوى صهيل الأحصنة العذب.
سكبتُ الشاي بعناية وحملته على صينية خشبية وتوجهتُ نحو المقعد الوثير حيث يجلس جدي، ووضعتُ الصينية على الطاولة الصغيرة وناولته فنجانًا مزخرفًا، وجلستُ أترقب رأيه بلهفة.
"- كيف مذاقه؟" سألتُ بفضول.
أغمض عينيه بتلذذ وهو يحتسي الشاي ببطء، ثم نظر إليّ بابتسامة رضا وقال
"- الشيء الوحيد الذي سأحسد عليه زوجكِ المستقبلي هو طعامكِ يا ابنتي."
بادلته الابتسامة، وكل ما يجول في خاطري هي كلمة "يا ابنتي".
عجيبٌ كيف لشخص لا تربطني به صلة دم أن يمنحني هذا اللقب الحنون، رغم أنني أرى أن هذه الكلمة تحمل ثقلًا لا يُضاهيه بقية الكلام. لقد تعودتُ على سماعها من أبي، ولكن ظلّ الشقاق الأسود قد طغى على هذه الذكرى السعيدة، وهي أمي...
> - ما أجمل الأمومة، وما أقبح الأمهات
انتشلني من أفكاري المُتضاربة صوت جدي
"- ابقي هنا يا حبيبتي، سأعود في الحال."
دلف هو إلى داخل الكوخ الصغير بينما انتظرتهُ، أتأمل الجو الساحر أمامي. أُحب فصل الربيع بألوانه الزاهية، لكن الشتاء يبقى الفصل المُفضل لقلبي.
عاد جدي يحمل كيسًا ورقيًا ووضعه أمامي بحنان، وحثّني على فتحه بابتسامة غامضة. توسعت عيناي دهشةً عندما رأيتُ ما بداخله.
هل هذه الكتب لي؟"
وجهت نظري نحو جدي، الذي ابتسم لردة فعلي العفوية، وقال بحنان
"رأيتُ كل أنواع المخدرات التي تُسكر عقل الإنسان، لكن الكتب هي المخدر الوحيد الذي يُثريه ويُغذيه."
أمسكتُ بالكتب بين يدي، أتلمس أغلفة كلماتها ككنز ثمين، وشعرتُ بطبقة رقيقة من الدموع تتكون في عيني. اندفعتُ أعانق جدي بعاطفة جياشة، وهمستُ: "تنطبق عليّ مقولة 'اهدني كتابًا، أحبك دهرًا'."
"شكرًا لك يا جدي، لا أعلم حقًا كيف أرد لك هذا الجميل."
قلتُها بصوت مرتعش بينما ابتعدتُ عنه، أمسح دموعي بطرف إصبعي. ربت على رأسي بحنان وهو يبتسم لي بمحبة
"مادمتِ تبتسمين، سأنقل لكِ جميع كتب المكتبات إلى منزلكِ."
كيف لي أن أشكره؟ هو لم يسألني عن مشاكلي، ولم يلمني على عاطفتي، ولم يسخر من طبيعتي الحساسة. هو فقط احتضنني، لم ينبش في ما يؤلمني، بل اكتفى باحتوائي...
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ألقيتُ برأسي على زجاج نافذة سيارة الأجرة وأنا في طريقي إلى المنزل، وكيس الكتب الثمين يستقر في حجري. أطلقتُ العنان لتنهيدة عميقة خرجت من بين شفتاي. بدا الطريق أطول من المعتاد. دفعتُ الأجرة للسائق ونزلتُ أقف أمام الباب. رفعتُ يدي لأفتحه، لكنني توقفتُ فجأة.
تملكني حينها خوفٌ لم أعرفه من قبل، شعرتُ وكأنني على وشك فتح بابٍ أختبئ خلفه من سنواتٍ من المعاناة... أليس من المفترض أن يكون المنزل هو الأمان؟ أليس من المفترض أن أهرب من ضجيج العالم إلى سكينة جدرانه؟
قبل أن أطرق الباب، فُتح من الداخل، واستقبلتني نارين بعناقٍ مفاجئ جعلني أتسمر مكاني. قالت بصوتٍ يغلبه القلق
"بحق نيفين، أين كنتِ؟ كدتُ أموت قلقًا عليكِ!"
عليّ أنا؟ بادلتها العناق محاولةً تصفية ذهني المشوش، وقلتُ
"كنتُ عند العم لوينز، لماذا كل هذا القلق؟"
دلفنا إلى الداخل معًا بعد أن وضعتُ الكتب على طاولة المكتب. جلست نارين على طرف سريري، ثم كسرت الصمت قائلة
"علمتُ بما حدث بينكِ وبين أمي في الصباح، لكن ما كان عليكِ الخروج وأنتِ غاضبة. إنها السابعة مساءً، بالتأكيد سأقلق عليكِ."
نارين... لطالما كانت لي سندًا وعونًا، رغم صغر سنها، فهي تصغرني بسنتين، إلا أن عقلها ناضج وحكيم. كنتُ بارعة في إخفاء حزني عن الجميع، إلا هي والجد لوينز.
صفيتُ حلقي واستدرتُ إليها قائلة
"مضى الأمر وانتهى يا نارين، لا داعي لإعادة ذكره."
وقفت أمامي وهي تمسك بيدي بحنان
"ليس عليكِ دائمًا التظاهر بالقوة يا نيفين، أنا أعلم أنها تثقل كاهلكِ. عليكِ منح نفسكِ استراحة، ولو قليلًا. يؤلمني رؤيتكِ منطفئة، وأنتِ التي تنيرين لي طريقي."
كوّبتُ وجهها بين يدي وابتسمتُ قائلة
: "لقد كبرتِ يا فتاة. ثم إنكِ تعلمين أن أختكِ قوية، من المستحيل أن أخذلكِ، سأكون دائمًا بجانبكِ."
عانقتني وهي تتمتم بكلماتٍ دافئة بنية مساعدتي. قد تلمسنا الكلمات أعمق من الأيادي، فوقع الكلمات يتخلل جوف القلب كترياق شافٍ.
دخلتُ للاستحمام وأنا أتجرد من ملابسي المثقلة بهموم اليوم
. فتحتُ صنبور المياه، فاندفعت قطراتها تنزلق على جسدي، تغسلني من الخارج.
يا ليت هذه المياه تستطيع الدخول إلى قلبي، لتنفض عنه غبار الحزن المتراكم! يا ليت كما يغسل جسدي من الأوساخ، يغسل قلبي من الهموم الثقيلة. كثرت عليّ التراكمات، أود أن أرتاح حقًا... ما هو ذنبي لأُجازى هكذا؟
ما زال على انتهاء عطلتي من العمل يومان على الأقل. أريد الاستمتاع بهما قبل العودة إلى الركض والتعب في المستشفى.
فتحتُ عيني على سيلي الصغيرة، التي تتوسط حضني نائمة، وأنا أمسح على شعرها الحريري الناعم. سيلي عمرها ثلاث سنوات فقط، ولا أعتبرها أختي فحسب، بل أنا من ربتها واعتنى بها.، لكن سيلي لها مكانة خاصة في قلبي، أشعر وكأنها أتت لتعوضني عما فاتني، أتت كتهويدة دافئة تتخلل مسامعي بصوتها البريء، أتت كضمادة شافية لروحي المتعبة...
تجهزتُ وارتديتُ فستانًا أبيض طويلًا بأكمام، ضيقًا عند الخصر مع ورود متناثرة عليه. لم أكلف نفسي عناء جمع شعري، فتركته منسدلًا يصل إلى أسفل ظهري.
وقفتُ أمام المرآة أعدل مظهري، ليس غرورًا أو جنون عظمة، فأنا فقط أحب ذاتي وجمالي. أعتبره أحيانًا نقمة، لأنني أتعرض لمضايقات بسببه، لكن الجميع ينبهر عند رؤية منحنيات جسدي وملامح وجهي الحادة التي ورثتها عن والدي.
حملتُ حقيبتي وارتديتُ كعبًا متوسط الارتفاع بعد أن غطيتُ سيلي جيدًا وأغلقتُ باب الغرفة خلفي بهدوء.
أحب الاستيقاظ قبل الجميع والاستمتاع بمنظر شروق الشمس، كإشراقة أمل جديد لحياتي. غادرتُ المنزل متجهةً إلى نازنين.
استقللتُ سيارة أجرة نحو المقهى وأنا متلهفة لرؤيتها، أردتُ مفاجأتها. نزلتُ أمام المقهى، ورائحة المخبوزات الطازجة تعبق في الأجواء. إنها لندن الصاخبة بالناس.
دفعتُ الباب، ورن الجرس معلنًا وصولي. يتوزع الناس على الطاولات، والابتسامات تملأ المكان. أحباء، أصدقاء، عائلات... للسعادة رائحة، وهي بالطبع رائحة مخبوزات أم نازنين، العمة جومانا.
فور أن تقدمتُ إلى منتصف المقهى، اتجهت الأنظار نحوي. لم أهتم، فقد استولت رائحة الطعام الشهي على عقلي، فشقت ابتسامة عفوية طريقي إلى ثغري.
تقدمتُ بهدوء لأقف خلف نازنين، التي كانت تجهز طلبات أحد الزبائن، وقرصتها بخفة من ذراعها، لتنطلق سلسلة من تذمرها المعتاد:
"اللعنة على حظي! هل اتفق الجميع على إزعا..."
ما إن التفتت إليّ حتى شقت ابتسامة واسعة طريقها إلى شفتيها، وانقضت عليّ بعناق كدتُ أن أسقط بسببه.
"أيتها الفاتنة! أين كنتِ؟ وهن قلبي شوقًا لكِ يا فتاة!"
مع كل كلمة تقولها، كانت تشد على عناقي أكثر. ربتتُ على ظهرها وقلتُ
"اشتقتُ لكِ يا كيس الهرمونات!"
ابتعدت عني وهي تضرب كتفي بخفة قائلة
"آه يا نيفين، متى ستتوقفين عن مناداتي بهذا الاسم؟"
اقتربتُ وضربتُ أرنبة أنفها بإصبعي وقلتُ
"عندما أتأكد أنكِ نضجتِ تمامًا."
"ننننن، على حسب كلامكِ، أنتِ هي العاقلة يا سيد سقراط!"
قالتها وهي تقلد طريقتي في الكلام، وكلانا يضحك على الآخر.
إن كانت الراحة بالنسبة لي شخصًا، فسيكون نازنين بلا منازع.
سحبتني من يدي وأجلستني على إحدى الطاولات وقالت:
"ابقي هنا ولا تغادري، سأنتهي من الزبائن وأعود إليكِ. لديّ لكِ مفاجأة."
أومأتُ لها بينما سحبتُ كتابًا وشرعتُ في قراءته وأنا أنتظرها.
^الحب سلاح ذو حدين، عملة بوجهين. إن حالفك الحظ مع الشخص الصحيح، ستعيش نعيمًا وأنت تغرق فيه. الحب المتبادل هو أساس سعادة الحياة، لذلك لا تنتظر الحب، ابحث عنه.^
^لكن للحب وجه آخر مظلم، لا يضاهي وجهه المشرق سوءًا، وهو الحب من طرف واحد. ما أثقل أن تحب بقلبين لوحدك، وكأنك تحمل ثقل مشاعر شخص لا يكترث لك... وكأنك تجري وراء من يهرب منك، تتودد له بالزهور فيغرك بالسموم.^
^ستعاني من الحب في كلتا الحالتين، سواء من المحاولات المضنية للحفاظ عليه... أو من مخلفات فراقه الموجعة.^
تنهدتُ وأغلقتُ الكتاب وأنا أنظر من النافذة بشرود. أغرقني الكتاب في بحر من التفكير... أريد خوض تجربة الحب، لكن ماذا لو خسرت؟ أنا خائفة.
خائفة من أن أخوض مشاعر تُبنى على الأمل والاستمرار من الطرفين، ماذا لو لم أحظَ بالطرف الصحيح؟ سأكون الخاسرة حينها، وسيذوي جهدي هباءً.
يقال ابحث عن الحب، ولكن ماذا لو أجهدتُ نفسي في البحث وفي الأخير أُكسر؟ لن أتحرك أو أبحث... سأنتظر. سأنتظر...
عادت نازنين، وفي يديها فطيرة تفاح شهية وكوب قهوة ساخن، وضعتهما أمامي قائلة بحماس
"أعلم أنكِ لم تأكلي في المنزل، لذلك أحضرتُ لكِ هذه الفطيرة، أنتِ تحبينها. هيا كلي! لو تعلمي يا نيفين ماذا حدث اليوم! سأخبركِ، هيا كلي! آخخخ يا قلبي، كدتُ أن أموت اليوم! هيا كلي لأخبركِ، أمي خبزتها خصيصًا لكِ، أقسم أنني لم ألمسها، إنها لكِ كلها، هيا كلي!"
رغم ثرثرتها المستمرة، إلا أن كلماتها كانت تنفض عني هالة الحزن التي تحيط بي. ابتسمتُ لها وأخذتُ الشوكة وبدأتُ أتناول الفطيرة وأحتسي القهوة، بينما شرعت هي في نشرتها الإخبارية اليومية، تحدثني عن مشاعرها تارة، وعن العمل تارة أخرى، ثم عن أظافرها، ثم عن الطقس.
واصلت الحديث، وأنا فقط أستمع بإنصات. كانت تحدثني عن كل ما يخالجها. أتمنى لو أنني أستطيع فعلها أيضًا...
"واليوم حدث ما لم يكن في الحسبان، لن تصدقي من قدم دعوة زفاف لوالدي!"
قلتُ بتساؤل."من؟"
ردت وهي تضع يدها على قلبها وكأنها ستذوب من الإثارة قائلة
"لن تصدقي إن أخبرتكِ... عائلة جينوفازي يا نيفين! جينوفازي! يا إلهي، سيغمى عليّ من الصدمة!"
آل جينوفازي؟ إنهم من أكبر وأثرى العائلات في إنجلترا بأكملها. قلتُ بتعجب
"ولكن ما دخل والدكِ ليتم إعطائه دعوة؟ ثم زفاف من؟"
فردت وهي تعدل جلستها أمامي
: "والدي يعمل في المصنع عندهم، وتجاوزت مدة عمله عندهم العشر سنوات، لذلك السيد بينجامين أمر بتوزيع الدعوات على جميع العمال في المصنع لحضور زفاف ابنه، السيد دانييل! آخخخ يا نيفين، قلبي سينفجر من السعادة! لا أصدق أنني سأرى عائلة جينوفازي وأحضر زواج أحدهم!"
لمستُ السعادة الصادقة في كلامها وهي تتحدث عنهم وكأنهم معجزة على الأرض.
"نيفين، كم تبقى على انتهاء إجازتكِ لتعودي للعمل؟"
"يومان، لماذا؟"
"لأنكِ ستذهبين معي للزفاف غدًا!"
ماذا؟!! ولكن قبل اعتراضي على كلامها، سبقتني وهي تتكلم بحماس
"لا للاعتراض يا نيفين! ما زال لديكِ يومان، والزواج سيقام غدًا، لذلك ستذهبين معي! سنتسوق معًا ونشتري ما يلزمنا، ثم إنه مضى وقت طويل ونحن لم نخرج معًا، أرجوكِ لا ترفضي يا نيفين، أرجوكِ!"
حسنًا، أنا أقاوم كل شيء في حياتي، لكن ليس نظرات نازنين الباكية. أستسلم. أومأتُ لها بالموافقة، فانتفضت تعانقني بحماس
"أنتِ الأروع يا نيفين! أقسم أننا سنستمتع!"
"أنتِ تخنقينني يا نازنين!"
ابتعدت عني وهي تتأسف لحماسها المفرط قائلة: "هيا انهي فطوركِ لنذهب للتسوق بسرعة!"
.
.
.
.
.
.
"انظري يا نيفين، سأشتري هذا الفستان، أحببته! ما رأيكِ أنتِ فيه؟"
كان فستانًا باللون الذهبي قصيرًا يصل إلى ركبتيها، مع شق في الظهر وعاري الكتفين. كان يتناسب تمامًا مع شكلها وطولها، فأجبتها
"إنه حقًا يلائمكِ!"
أومأت لي بابتسامة بعد أن نزعت الفستان لتغلفه لها الموظفة، بينما أنا كنت أنقل بصري بين الفساتين إلى أن اقتربت من فستان أسود من الحرير الخالص، فاردتُ أن أجربه.
كان الفستان يعانق خصري برقة، طويلًا مع شق أنيق على طول ساقي اليسرى. كان عاري الكتفين مع لفة قماش فاخرة تنسدل على الكتفين بنعومة.
خرجتُ من غرفة التغيير لأسأل نازنين عن رأيها، وما إن خرجتُ وناديتُ عليها حتى شهقت واضعةً يدها على فمها بدهشة.
ماذا؟ هل إلى هذه الدرجة يبدو بشعًا؟
ركضت نحوي تقلبني يمينًا ويسارًا وهي تشهق بصدمة، ثم نطقت بما يجول في خاطرها قائلة
"ما هذا الجمال يا فتاة! ستسرقين الأضواء من العروس!... آخخخ يا قلبي، أتعرفين؟ لو كنتُ رجلًا لتزوجتكِ يا فتاة!"
ضحكتُ على جملتها العفوية، واشترينا الفساتين بعد دفع الثمن.
انتهى اليوم بالتجول معًا واقتناء ما يلزم. روّحت نازنين عن روحي، ليس بالمال أو الشراء، إنما بثرثرتها وحماسها وأملها المتزايد. أحب نازنين، ليس لأنها صديقتي فحسب، إنما لأنها قطعة من نفسي المبعثرة، وهي القطعة الأحب إلى قلبي...
عدتُ إلى المنزل وانتهت الليلة على سلام، لأنني لم أقابل أمي. أمضيت بعض الوقت الهادئ مع سيلي الصغيرة إلى أن غطت في نوم عميق...
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
إذا كان للحزن والسعادة مزيج ،
ستكون نيفين
إن كان لليأس والأمل مزيج ،
ستكون نيفين
حتى الرمادي المخلوط من الأبيض والأسود يمثل نيفين
نيفين كالشمعدان يحترق ويحترق ويحترق ليذوب ويختفي فقط لينير لك ما حولك... ليقيك عتمة نفسك
بقدر ما تكون نيفين كأحد ليالي ديسمبر الباردة ،
هي أدفأ من حضن جدة أمام مدفئة في فصل الشتاء
ستكون نيفين لك نورًا في الآخر المطاف لتحثك على الاستمرار
وستكون لك الصفر الذي يدفع للتقدم
نيفين كنسمة البحر قد تشعرك بالبرد لكن هدوئها سيهدم أعاصيرك وستضمحل هواجسك
نيفين كمياه العيون العذبة صافية نقية
لكن ...
يقال أن الإنسان نصفين : نصف أبيض والآخر أسود
ولكن نيفين استُحوذها السواد وكأنها تركض في حياتها محاولة تلوينها بالأبيض فلا تزيدها إلا سوادًا
بقدر الأمل الذي تحمله إلا أن اليأس ثوبها
برغم ابتسامتها إلا أن الحزن مسكنها
بالرغم من نقائها إلا أن العالم دنسها
كانت دائمة ورقة بيضاء تقدم نفسها لكل من أراد الفضفضة فيخربش عليها
تتسارع الأفكار في رأسك وتتشابك الخيوط لكن
نيفين ستصنع لك من تلك الخيوط وشاحًا يقيك بردًا كنت تعاني ليالي منه
لتفسح لك المجال بيديها المجروحة فقط لأنك تهمها ستضمد قلبك رغم ضياع قطع قلبها
نيفين كنسمة الخريف في يوم معتدل تدخل حياتك صباحًا لتمر عليك لا صوت ولا رائحة ولكنها تنفض عنك غبارًا هي ليست صاحبته
لتكون لك 'الشفق'.....
.....
اتجهت لمنزل نيفين بعد أن جهزت نفسي وها أنا أجلس في سيارة والدي في الخلف
عندما وصلنا نزلت أطرق الباب إلا أنه عندما فتح قابلتني نيفين بحلتها وذاك الفستان يعانقها ولكن ...
نظراتها
أردت أن أسألها ما خطبها ولكن صراخ والدتها أوضح لي الأمور عندما سمعتها صارخة تقول
-"أنت لا شيء يا نيفين ، شكلك الخارجي لن يعكس ذاتك الداخلية لأنك نكرة ، أنت نكرة ، كل ما تفلحين فيه هو الهروب ، اهربي يا نيفين ، اهربي ، ليتك لم تُخلقي بتاتًا"
أنا بحد ذاتي آلمني كلامها ، لما هذه القسوة؟
عندما نظرت لنيفين لا تعبير لوجهها ، لوجه فقط أغلقت الباب خلفها ثم رسمت ابتسامة على ثغرها بمعنى 'أنا بخير'......
لكنها ليست بخير ، أنا أعرفها
تقف نيفين بشموخ رغم المعاناة
لم أرَ نيفين يومًا ضعيفة أو منكسرة ، أنا بذاتي أستمد قوتي منها
لكن .......
أليس من حقها أيضًا أن ترتاح؟
أليس من حقها العيش؟
قد يضحي الإنسان دائمًا فقط لأن الخصم عزيز عليه وهذا ما تفعله نيفين
انتشلتني من أفكاري عندما سحبتني وهي تحاول تجاهل الأمر
"سينتهي الزواج إن بقينا هنا ، هيا لنذهب"
أمسكت بيدها
كانت يدها دائمًا دافئة كحضنها ، وقلبها ، وكلماتها ، ولمستها
أنا أحبها لأنها قوتي وملجئي ودوائي
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كان كلامها خناجر تُغرس في ظهري من الخلف ، لم أرد النظر لها لأنني سأضعف وسأسقط ، لن أقاوم
لطالما رأتني أمي كمنفس عن غضبها أو كجسد تضربه كلما سنحت لها الفرصة ، كورقة إن ملت منها تقطعها وترميهاولكن ليس كابنة..
لما تستعلملني أمي كسجادة تمسح فيها قدميها بينما كان يجب أن أكون بين احظانها؟
رغم أنني أستطيع أيضًا أن أرمي كلامي كالسُم عليها ، يمكنني مواجهتها ومناقشتها ومعانيها ولكن
ذلك الوعد
لن أخلفه بمجرد أن تصرخ بي أو تضربني أو تهينني
أنا قوية ، أعلم أنني قوية وسأبقى قوية
لكن الخصم كان أمي ...
جلست في سيارة العم ماكس من الخلف بعد مدح العمة جومانا لي
-"أرى أنك زدتِ جمالًا يا ابنتي ، أنتن الاثنتين تكبران بسرعة"
فكلمت نازنين تتصنع الغرور متعبة استفزاز والدتها قائلة
-"إذن زوجيني واحصلي على صهر يا أمي"
التفتت لنا العمة جومانا وقالت
-"كبرتِ صحيح ولكنك لازلتِ بلا حياء أيتها المشاكسة ، تعالي إلى هنا"
كنت أستمع بكلامهم وضحك العم ماكس ونازلين واستفزازهم العمة جومانا
ما أجمل السعادة!
السعادة؟!
لطالما شعرت أن هذه الكلمة لا تنتمي لي وكأن حياتي حملت جميع المعاني والأحاسيس الأليمة ، فقد عرفت الحياة على أنها شقاء وتعب وأوقات عصيبة
ولكن السعادة ...
لازلت أبحث عنها
لعلي أعيشها
....
وصلنا لطريق انتشرت على جانبيه الأشجار المقصوصة بدقة ، والطريق السيارات تجاوزتنا بسرعة إلى أن وصلنا للمكان
منزل؟!
بل قصر بحد ذاته ، ووقفنا السيارة أمام الرجل الذي استلم المفتاح من العم ماكس ، بينما أمسكت العمة جومانا ذراعه وأنا أمسكت بذراع نازنين وتوجهنا للداخل ، إذ كانت الأضواء والمصابيح والورود تنتشر بكامل المكان ، كان راقيًا بطريقة حتى أن أدق التفاصيل تم الاهتمام بها ، اتجهنا للداخل بين تلك الحشود ، كانت الطاولات تتوزع في حديقة القصر والعائلة الراقية من هندامهم وطريقة كلامهم يبرز ثرائهم
بينما تبعنا العم ماكس الذي قابله رجل يجلس على كرسي متحرك ، رغم عمره إلا أن الشيب في رأسه ما زاد إلا وقارًا وهيبة ، وبذلته السوداء التي أحاطت جسده لتضيف له سحرًا والهالة المحيطة به تزيده
وقارًا وهيبة
اقترب العم ماكس منه بينما انحنى يصافحه قائلًا
-"أنا مسرور بقبول الدعوة ، وشرف لي الحضور معك اليوم سيد بينجامين"
باد له السيد بينجامين الابتسامة قائلًا
-"لولا وفائك لما كنت الآن تصافحني يا ماكس ، وأنا قد دعوتك لهنا لأنني أردت ذلك ، فأنت تعلم أن دانييل يعتبرك كوالده"
ليرد عليه العم ماكس وقد تملكه الخجل
-"دانييل مثل ابني سيد بينجامين ، لذلك بالطبع لن أفوت رؤية سعادته وهو يكبر بعد أن ترعرع على يدي"
التفت إلينا السيد بينجامين بعد أن قامت العمة جومانا بتحيته وكذلك نازنين ، أما أنا فكنت أقف في الخلف أنظر لهم إلى أن نطق السيد بينجامين موجهًا كلامه للسيد ماكس
"لم أكن أعلم أن لك ابنة أخرى يا ماكس"
إذ اقتربت مني نازنين تسحبني من يدي وأنا أقف أمامه وقلت
-"سيد بينجامين أقدم لك أختي التي لم تُعجبها أمي ، إنها صديقتي ، أردت أن أحضرها معنا الليلة ، لن يزعجك وجودها ، صحيح؟"
مد السيد بينجامين يده نحوي بعد تردد طويل فصافحته قائلًا
-"مرحبًا بك يا ابنتي ، لن يزعجني وجودك بالطبع ، مرحبًا بك ما دمتِ من طرف ماكس"
بادلته الابتسامة وقلت
-"شكرًا لك سيد بينجامين"
لا أعلم لما استمر بالتحديق في وجهي ويده في يدي إلى أن نطق
-"ما اسمك يا ابنتي؟"
-"نيفين .... نيفين كولفر"
الصدمة ...
احتلت وجهه الصدمة واتسعت عيناه بمجرد نطقي لاسمي ، هل يعرفني؟
قام بسحب يده وهو يحرك ربطة عنقه بتوتر ثم قال وهو يُشيح ببصره عني
-"سررت بالتعرف عليك ، استمتعوا بالحفل ، لدي بعض الظيوف للقائهم"
وجه كلامه للسيد ماكس ثم أدار أحد رجاله كرسيه وتجاوزنا
كانت ملامحه منصدمة ، لا أعلم لماذا
ربما شُبهت بشخص آخر ، لا أعلم
توجهنا لطاولة في الجهة اليمنى من الحديقة و انتقى كل مننا كأسًا من العصير بينما أخذ العم ماكس كأسًا من النبيذ
كنت أرتشف من كأسي بينما وجهت بصري على جهتي اليمنى حتى تقابلت نظراتي مع السيد بينجامين الذي كان يحدق نحوي مع عقدة بين حاجبيه وهو يحدث أحد رجاله المنحني حوله
أشحت بصري وأنا أتغاضى عن الأمر
نكزت نازنين ذراعي قائلة
-"انظري يا نيفين ، الرجال الوسيمون كثيرون هنا ، آاااااخ يا قلبي سأذوب من الجمال ، انظري لذلك هناك يا نيفين ، وذلك صاحب البذلة النبيذية ، وذاك الذي يرتدي الأزرق ، آاااااخ لكم هم جميلون جدًا حتى النادل وسيم هنا"
ضحكت على كلامها ، فنازنين حتى لو رأت كلبًا كبيرًا وجميلًا يشق الطريق ستقع في حبه بلا شك
-"توقفي يا نازنين ، لقد أحببتِ جميع رجال الحفل"
-"وما العيب في ذلك؟"
ثم ابتسمت لي تلك الابتسامة
الخبيثة....
ليس هنا وليس الآن
قد أطمئن لقرب إبليس ولكن ليس لابتسامة نازنين ، فقلت لها
-"ليس ذلك يا نازنين ، ليس هنا ... إياكِ"
-"هيا يا نيفين ، فقط دعينا نمرح ، كما أنني لم آتِ لهنا للوقوف والنظر من بعيد ، لقد أتيت للبحث عن رجل ، لذلك سأودعك يا عزيزة قلبي ، أنا قادمة يا زوجي المستقبلي"
ثم رمت لي قبلة هوائية وهي تتجه للنادل بابتسامتها الخبيثة ، بينما بقيت أقف هناك لوحدي بعد رحيل السيد ماكس والعمة جومانا لأحد طاولات معارفهم
مهما عم الحشود حولي ... سأبقى لوحدي
دائمًا لوحدي
كنت أمرر بصري بين الجميع والتقط المناقشات والابتسامات بين المدعوين
لكل منا واقعه
منا من قُدمت له السعادة على طبق
ومنا من ضُربت يده وهي تمتد لينتشل حصته فبقي ينظر من بعيد
مثلي .....
بقيت أقلب الكأس في يدي وقطع الثلج بداخله تدور وتدور وتدور
كدوراني حول ذاتي وضياعي ، كل ما أعلمه هو أنني ضائعة ، رغم معرفتي للطريق إلا أنني ضائعة ، ومهما مشيت في الطريق ازددت ضياعًا
إن توقفت فلن أتقدم ، وإن تقدمت سأزداد ضياعًا
فما الحل؟
مررت أصبعي على ذلك الوشم على معصمي (؛)
كلما نظرت إليه تشتت ذاتي وكأنني أُسحب لقاع البحر مرة ثانية
كنت جبانة حين فكرت في إنهاء ذاتي
كنت جبانة عندما لم أواجه ...
كنت جبانة عندما استمريت بالهرب.......
كنت جبانة حينما احتويت أشواكًا غُرست في جلدي ظنًا مني أنها ستلين بقربي .....
كنت جبانة ...
ولازلت كذلك
صحيح أنني أصبحت أتصدى وأواجه وأتقبل..
لكن بصمت
لا أبوح بكلمة ، ولا أكلف نفسي عناء إلقاء كلمة ، أبتلع الأشواك التي تنغرس في حنجرتي وأمضي قدمًا
رغم أنني تعبت ...
أثقل كاهلي
أهذه هي الحياة التي صارعت تسعة أشهر ببطن أمي لأعيشها؟
أمي....
رغم أنني أرى أنها لا تستحق كلمة أمي...
ليست حتى ندًا لها ...
هي حتى لا تليق بها
لطالما كانت أمي بجانبي ولكنها بعيدة بالقدر الذي أراها بالعمى وهي لا تراني ببصيرتها
أنا يتيمة الوالدين ولكن بطريقة مختلفة
والدي متوفى منذ سبع سنوات ، حملت ملامحه وطابعه وشخصيته ، كنت أول أميرة له وكأن أول حب لي ، رغم أنه وعدني بالبقاء بجانبي .....
إلا أنه تركني.....
أخلف بوعده .....
ولكنني أشتاق له ....
في حين أنني يتيمة الأم رغم أنها حية ......
وعيت على أنني شردت طويلًا عندما تقدم نحوي أحد الشباب المدعوين والذي كان بالحق وسيمًا لو كانت نازنين هنا لأعمى عليها
وقف أمامي مباشرة وكأن أطول مني قامة ، شعره مصففًا بعناية ، وعيناه البنيتان اللتان انعكس لونهما بفعل الضوء ، حتى أنه رفع الكأس يُحييني ومد يده قائلًا
-"لم أكن أعلم أن زواج أخي ستحضره الملكات"
حسنًا ، تم التعرف على الهدف : لعوب وزير نساء ، كما أن كلامه معسول جدًا وهذا النوع لا أطيقه
بادلته الابتسامة وصافحته وقلت
-"سمعت بوجود بعض الأمراء فلم أحرم ذاتي من التمتع بالجمال سيد؟"
-"جيفان ... جيفان جينوفازي"
اعتَرتني الصدمة فورًا ...
هذا يعني أنه ابن السيد بينجامين وأنا أصارحه الآن
ولكن رغم توتري إلا أنني قلت بثقة
-"تشرفت بمعرفتك سيد جيفان ، وأتمنى السعادة والحظ الطيب لأخيك"
سحبت يدي بينما هو وضع كأس النبيذ على الطاولة وقال
-"إذًا أنا أراكِ لأول مرة رغم معرفتي ببنات أصدقاء والدي من عائلتك؟"
ابتسمت له وقلت
-"أنا من ضمن استدعاء السيد ماكس ، لذلك لا أظن أنك تعرفني بتاتًا"
أومأ برأسه وعلى ثغره ابتسامة خبيثة بعض الشيء
-"سررت بمعرفتك ، ولكن أرى أنك تقفين وحدك"
-"السيد والسيدة ماكس منشغلان ، أنا فقط أنتظرهما"
مد يده نحوي مع اشتغال الموسيقى قائلًا
-"هل تسمحين لي بـ....."
قبل أن ينهي حديثه قاطعنا صوت الموسيقى المعلنة على وصول العرسان
سرعان ما سحب يده ووقف وغادر من أمامي عندما نادى عليه أحد رجال السيد بينجامين ، فبينما اجتمع تركيز الحشد على العرسان وهم يشقون طريقهم نحو طاولة القس ، والعروسة تمسك بيد والدها متجهة لخليل حياتها
ليت أبي كان موجودًا ....
السيد دانييل كان يقف بشموخ منتظرًا حبيبة عمره التي استوطنت قلبه ، وقد رأيت بريق دمعة في عينيه
فالرجل برغم صلابته وقوته إلا أنه يصبح طفلًا أمام محبوبته
وفجأة .....
علت أصوات إطلاق النار كتحية يؤدونها عند تسليم والد العروسة العروسة للعريس
ولكن ليس الآن
ليس الآن ..!
يقال أنه حظ سيء ، أنا أشك في أن لدي حظًا من الأساس
وضعت يداي على أذني أمنع صوت إطلاق النار ، ويدي اليسرى أخذت في الارتعاش
-"ليس الآن ... ليس وقتها .... ليس هنا!"
تمتمت وأنا أنسحب بعد أن حملت حقيبتي وأنا أتوجه لإحدى زوايا الحديقة بعيدًا عن الأنظار ، أحاول الهدوء لكن ما زاد ذلك إلا سوءًا.
كانت تلك الذكرى تعود وتتشكل في ذهني.
تلك الدماء على يدي وملابسي ، وأبي مُلقى على الأرض ، ثم أصوات الصراخ وإطلاق النار.
أنا السبب .....
منذ تلك اللحظة وأنا لست بخير.
الصراخ والأصوات العالية تشكل لي رهبة.
انحدرت لمكان فارغ وأنا أتعثر بخطواتي ، وأغمض عيناي وأتصدى للصوت بوضع يداي على أذني.
اللعنة على نوبات الهلع ....
بقيت فقط أمشي مع ترنح خطواتي إلى أبعد ما يمكنني ، إلى أن وصلت لمكان مُظلم ، سقطت على الأرض وقد تسارعت وتيرة أنفاسي وارتعاش يدي ، حتى أن رؤيتي أصبحت ضبابية ، رغم محاولاتي للهدوء ولكنني لم أنجح ، مع عُلو أصوات البارود تزداد شهقاتي وارتعاش جسدي ، وما كان بيدي سوى الالتجاء للحل البديل.
الحقنة ... المهدئة.
سحبت حقيبتي وأنا أصارع لفتح عيناي لتتوضح لي الرؤية ، وسحبت الحقنة مع القارورة الصغيرة وأنا أملأها بيد مرتعشة ، ثم رفعت الفستان عن كتفي قليلًا ...
وغرست الحقنة.
ربما تكون غُرْسة عادية ، لكنها تُعيدني آلاف الخطوات للخلف.
نوبات الهلع ليست عادة أو ما شابه ، إنما مرض لم ولن أستطيع تجاوزه .....
رميت الحقنة بعيدًا وأنا أسعى لتنظيم وتيرة أنفاسي ، وأنا أشعر بالدواء يسري في عروقي إلى أن ارتخيت واستلقيت على الأرض ويدي على قلبي بعد أن غطيت ذراعي بالفستان ..
لا أعلم كم بقيت على ذلك الحال ، ولكن عندما أدرت رأسي لليمين وقع نظري على زوج من الأعين الغرابية تنظر نحوي ...
توهج عيناه وامزاجها بالسواد هو ما ظهر لي ملامحه رجولية جدًا ، رغم عدم وضوحها إلا أن الأضواء الخافتة أضفت له سحرًا
كان رجلًا يرتدي الأسود بأكمله ، وهو يستنشق سموم السيجارة وينفثها في الهواء ، رغم أن عينيه علي ، لا أعلم منذ متى وهو هنا ..
مهلًا!
هل يعقل أنه رآني وأنا أمر بمصيبتي؟ لا أعتبر مرضي عيبًا ، لكنني....
لم أعتد أن أكون ضعيفة أمام الآخرين .. هذه أنا.
استندت بيدي أرفع جذعي العلوي لأقف بتروٍّ ، قبل أن أستقيم وأرتب فستاني وأحمل حقيبتي ، رميت نظري للأعلى ولكنني لم أره.
أيعقل أنني أتوهم؟!
بينما كنت أشق الطريق للعودة لحيث يقف الجميع ، حيث الموسيقى الهادئة والثنائي العروسان يرقصان ، وللحظة كدت أسقط عندما ارتمت عليّ نازنين تتفحصني.
-"أين كنتِ؟ كنت أبحث عنكِ ، أنتِ بخير ، صحيح؟ ركضت أبحث عنكِ عندما علت أصوات البارود ، هل أنتِ بخير؟ لا تعانين من شيء ، أليس كذلك؟ أخبريني أرجوكِ."
كانت تتكلم وهي على وشك البكاء.
أحطت وجهها بيد والأخرى أمسكت يدها اليمين وقلت:
-"أنا بخير يا نازنين ، لا تقلقي ، لما كل هذا الخوف؟"
-"توقفي عن الكذب يا نيفين ، أعلم أنكِ مررتِ بنوبة ، وأنا متأكدة من هذا ، منذ نصف ساعة وأنا أركض كالمجنونة بين المدعوين ، والرعب قد استكن قلبي."
نصف ساعة؟!!
كنت أصارع لنصف ساعة؟
ما لا أحبه هو عدم الوعي بالوقت أو المكان الذي أكون فيه.
سحبتها لحظني أضمها لي وأنا أمسح على شعرها قائلة:
-"أنا بخير ، أقسم إنها مجرد نوبة عادية ، لا تقلقي ، ثم هل حصلتِ على فارس أحلام أم ماذا؟"
انسحبت للخلف وهي تمسح دموعها قائلة:
-"آاااااخ يا نيفين ، لو حصلت على جلطة يومًا ما ستكون بسبب جمال الرجال ووسامتهم ، أكاد أذوب ، ولكنني قطعت لحظتي مع زوجي للبحث عنكِ ، لذلك عليك تعو..."
سكتت للحظة وقد برزت عقدة بين حاجبيها ، ثم أمسكت يدي وهمست:
-"كيف تجاوزتِ النوبة وأنتِ بمفردكِ؟"
كان تفحص وجهي بنظراتها وهي تنتظر إجابتي ، ولكن صمتي أكد شكها.
-"أنتِ تعلمين أن تلك الحقن تشكل خطرًا عليكِ ، كم مرة سأستمر في تنبيهكِ يا نيفين ، لما لا تستمعين لي؟"
قد تساعدني الحقن ، ولكنها تشكل على جسدي خطرًا ، فقد تصبح إدمانًا أتلقاها حتى خارج أوقات نوبات هلعي ، فهي كالمخدرات تعمل على الاسترخاء لكن لمدة معينة.
أخفضت رأسي وقلت:
-"ما من حل غيرها."
-"أنا هنا يا نيفين ، أخبرتكِ أن تأخذيني وجهة في متاهتكِ ، سأكون لكِ دائمًا ملجأ."
بادلتها العناق فقالت:
-"عليكِ العمل أكثر على تجاوزها يا نيفين ، فالحقن لن تكون لكِ مساعدًا."
أتجاوزها؟!
كنت دائمًا ما أتعايش ،
أتقبل ،
أواصل ،
لكن لا أتخطى ،
أنا أشفى بألمي لكنني لا أنسى أو أتخطى.
-"حسنًا أيتها السيدة الأم ، أي أوامر أخرى؟"
ضحكت على كلامي بينما اكتفيت أنا بالاستماع لثرثرتها وكلامها حول وسامة الرجال.
آآآآه هذه الفتاة لديها فندق وليس قلبًا.
رغم أنني أشعر بنظرات تترقبني إلا أنني كلما التفتت لا أرى شيئًا.
ذلك الإحساس لم يفارقني طوال الحفلة.
انتهت الحفل بتقبيل العروسان لبعضهما البعض.
كم كانت لحظة جميلة تولد فيها المشاعر الجياشة ، وتسقط فيها الأذرع ليختلط عصفورا الحب ليكونوا عشًا.
لم تنفك نازنين طوال الحفلة عن ملاحقة الرجال وأنا أحاول تغطية أعمالها أمام والديها ، هذه الفتاة ستسبب لهما جلطة حقًا.
أمضينا الحفلة بالتنمر والأكل والضحك.
رغم أنني كنت أتَصَنَّع السعادة ، لكنني كنت سعيدة نسبيًا ، فكلما أبصرت إحداهن مع والدتها أظلمت الدنيا أمام عيناي للحظة ، وكومة من القش تتكون في حنجرتي.
لكنني..
بخير ، سأتجاوز ، أنا قوية.
أنا أكذب .......
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
أمسينا ليلة كاملة ونحن نأكل ونتنمر على الناس والزواج ، حتى العم ماكس والعمة جومانا لم يسلما منا.
كيف لا أحبها وهي من تساعدني في التنمر؟
-"نيفين أظن أنني استنتجت لماذا لا نملك حبيبًا."
قطبت حاجِبَيَّ باستفهام بينما أردفت نازنين:
-"أظن أن التنمر هو ما يجعل حظنا نحسًا ، أظن أن من تنمرنا عليهم قد ردوا لنا الصاع صاعين."
انفجرنا ضحكًا ونحن نغادر القاعة عائدين للمنزل.
بعد أن أوصلني العم ماكس أمام منزلنا ودعت نازنين والعم جومانا وتوجهت نحو الباب بعد ذهاب السيارة ، كانت الساعة الأولى بعد منتصف الليل ، يعني أن الجميع نائم.
ولكن بالطبع جحيمي لا تزال مستيقظة ، فلن يطيب لها النوم دون تعذيبي.
ما وطأت رجلي قاعة الجلوس حتى وقفت أمامي ثم أشهرت بيدها وصفعتني.
لم أنبس بكلمة ، فقط أنظر لها في فراغ.
لِمَ عليّ الصمود والتقبل؟
رفعت يدها تصفعني مجددًا.
-"هذا لأنكِ عصيتِ كلامي!"
والكف الثاني:
-"وهذا لأنكِ عدتِ متأخرة أيتها العاقة!"
والثالث:
-"وهذا لأنكِ لم تفلحي في شيء!"
استمرت في رمي سمومها ويدها تحط على وجهي في كل مرة.
لم أتحرك ولن أتحرك ، سأكتفي بالصمت.
لكنني تعبت.
أقسم أنني تعبت.
مع صياحها انتشلني صوت سيلي وهي تبكي بينما تخطو داخل غرفة المعيشة ، لم أُعر كلام أمي اهتمامًا وتوجهت نحو سيلي وانحنيت لأحضنها.
لكنها انتشلتها من أمامي صارخة:
-"لم أُنهِ كلامي بعد ، ثم كيف تجرئين على مقاطعتي وأنا أتحدث!"
لم يزد صراخها لسيلي سوى خوفًا.
-"لا تصرخي ، إنها ترتعش خوفًا."
-"لا يهمني لا أمركِ ولا أمرها ، والآن سوف توقعين ذلك الشيك وتنقلعين من أمامي!"
نظرت لسيلي ثم إليها وقلت:
-"تعلمين أنني لا أوقع على ذلك الشيك ، وأن تلك الأموال لن نصرف منها ولو قرشًا واحدًا."
أخذت في الصراخ وهي تشد شعري.
-"كيف تتجرأين على عصياني ، هااا؟ إنه زوجي أنا ، ولكن لازلت لا أعلم لِمَ أمنكِ أنتِ على الورث! استيقظي ، لقد مر على وفاته سبع سنوات ، لا تزالين تحومين في أوهامكِ! لدي الحق في تلك الأموال ، ثم لا يهمني لا أنتِ ولا غيركِ ، هي أموال زوجي ، ولكن اللعنة عليه لأنه أمنكِ أنتِ عليها ، لذلك ستوقعين وتسلميني إياها!"
-"أخبرتكِ أنني لن أفعل!"
أفلتت شعري من بين يديها وصرخت بها:
-"لن أوقع على ذلك الشيك مهما حييت ، ثم ما دمت أنا المؤتمنة عليه لن أصرف منه ولو قرشًا واحدًا لا عليكِ ولا على غيركِ!"
انسحبت من أمامها أثناء صدمتها وحملت سيلي وأغلقت باب غرفتي خلفي.
ليس وكأنني لا أفهم المغزى من طلبها لكن لن اوافق
كم اشتقت لأبي....لكن
أنا من قتلته ، لكنني قتلت نفسي حينها ، مع أنه كان خطأ ، إلا أنني لازلت أدفع ثمن خطئي لحد هذه الساعة.
أنا السبب.....
بعدما وضعت سيلي على السرير و قمت بدثرها تحت الغطاء توجهت للحمام أتجرد من ملابسي.
ليتني أتجرد من حياتي أيضًا.
من نفسي...
من واقعي ....
أيعقل أن يدفع الطمع بالإنسان لحد رمي فلذة كبده للكلاب مقابل المال؟ أليس من المفترض أن أتبادل أنا وأمي الأدوار؟
لم أعد أرى نفسي صغيرة ، كبرت منذ اللحظة التي تلطخت فيها تلك الدماء جسدي وتوجهت أصابع اللوم نحوي.
ولكنني لست مجبورة أن أُبرر.
ولكن ما كُتم في قلبي ينهشني كمتوحش حظي بفريسة تغنيه عن جوعه.
أتعبتني ذاتي وأرهقتني.
عندما توجهت للسرير استلقيت بجانب سيلي التي دخلت حضني واستكانت فيه ، بينما لم يطرق النوم بابي.
بقيت أمسح على شعرها الأشقر عكس خاصتي.
سيلي ليست أختي.
إنما ابنة لصديقة قديمة لعبت الدنيا بها إلى أن أسقطتها في خطيئة كانت هذه الجميلة هي النتيجة ، رغم أن جينان أنهت حياتها إلا أن هذه الصغيرة لازالت تسعى لحياتها.
لم يكن الحق لي في تبنيها لأن عمري حينها كان عشرين سنة فقط ، لذلك قدمت رشوة لأمي على أن تتبناها لأستطيع أنا تربيتها
___________________♡__________________
ارجو من كل من مر أن يترك أثره بتعليق يشبهه💗
تنير الدارين بنجومكم✨️