جلس في مقعد القيادة فتىً أشقر يشد بقبضته على عصا التحكم، وقد تندى وجهه من التوتر وهو يقول بصوتٍ خفيضٍ منزعجٍ: ـ بعد كل هذا الكفاح سينتهي بنا الأمر بالموت اصطدامًا باليابسة! خفقت قلوب الخمسة الجالسين في المقاعد الخلفية وتسارع نبضها اضطرابًا، وعلا محياهم القلق والخوف، وصرخ أحدهم: ـ ألا يمكننا فعل شيء؟ ردت عليه فتاةٌ جالسةٌ بجواره بنبرةٍ متوترةٍ: ـ أيها الأحمق، ألم تسمع أن الطاقة نفدت؟! سرت رعشة في جسد ذات الشعر الأسود بينما تمتم باستياءٍ مكورةً قبضتها: ـ مخيف!! سنموت سحقًا على هذا المنوال! تناهى إلى سمعها صوتٌ خافتٌ مصدره من حقيبتها، لم ينتبه له أحدٌ سواها: ـ هوني عليك...على الأقل نحن نسقط بشكلٍ أفقيٍّ أسندت ذات الشعر القصير والوجه الشاحب رأسها إلى المقعد مغمضةً عينيها وغمغمت: ـ لقد كانت حياةً قصيرةً لكن...إنه القدر شد الأخير قبضته على شيءٍ شفافٍ مطرقًا رأسه يحدث نفسه: _متى وصلنا إلى هذا الوضع؟! لقد كنا في مجرد رحلةٍ مدرسيةٍ قبل يومين!! ... في المستقبل البعيد...تحديدا عام 3014 بزغت شمسٌ منيرةٌ من علومٍ مذهلةٍ، في سماءِ كونٍ باتَ يعجُّ بكل ما هو جديد! فقد صار السفر إلى الفضاء بسرعة الضوء ممكنًا، إلى درجة أنه أصبح موقعا لرحلةٍ مدرسيةٍ، وذلك بفضل التقدم العلمي في مجالات الجاذبية، حيث أصبحت المركبات تعتمد على محركاتٍ تتحكم بمجال الجاذبية في نقطة محددة. وحتى مشكلة الاحتباس الحراري قد حُلت بحَظر استخراج الوقود واستبداله بالطاقة الصديقة للبيئة، إضافة إلى الموازنة بين التطور العمراني والتطور الزراعي. وأما بالنسبة إلى مشكلة الحروب فقد وقع حظر عالمي على استخدام الأسلحة إلا لمنظمة الحماية العالمية، ويتم تزويدهم بالسلاح من قبل شركة واحدة متخصصة ومرخصة من الحكومة العالمية. واللغة العربية هي اللغة الموحدة عالميًا، وتستخدم الإنجليزية كلغة ثانية أحيانًا، ولم يتبقى من اللغات الأخرى إلا بعض الأهازيج والترانيم التي لا يكاد يعرف معناها إضافة إلى بعض الأسماء والمسميات. والإسلام هو الدين الرسمي في كل البقاع، ومعظم الناس يدينون به، وعلاوة على ذلك يدخل الكثير من الناس فيه سنويًا. البشر ذاتهم أصبحت أعمارهم أطول وشيخوختهم أبعد، وقد يصل عمر الإنسان المعمر إلى مئةٍ وبضعٍ وأربعين سنةً، وسُجلت حالاتٌ نادرةٌ بلغت المئة والخمسين. مما يعني أن مرحلة البلوغ أصبحت تبدأ من سن العشرين، وذلك يعود إلى تباطؤ النمو عند الإنسان.