💔👀- الأول والأخير

💔👀- الأول والأخير

17 0

لن أراه مجدداً، كنت قد ودعته للتو بعد نقاش عن موضوع لا أهتم به وتظاهرت حينها أنني استمع خوفاً من أن يزِّف موعد ابتعاده، بينما ذاب خيط الأمل الوحيد أردت تصديق أنه سرمدي\. استبقيته مرتين ولا ثالثة مقبولة بعدها\. كل دقيقة مرت هناك طرقت آلمتني، وأنذرتني بانزلاقه ببطء من بين يدي في آخر مكان جمعنا – وسيجمعنا\. خرجت من الباب بعد أن تقبلت تبعات الأسى تاركة الجمع ورائي، لم أستطع مشاركتهم في الحديث عن الغداء، انزلقت كزئبق حر من تلك الحكاية، هو ليس لي، ولا فائدة من البقاء في فصل كتاب قد انتهى\. الرحيل كان ما أبرع فيه، يمكنني كتابته في سيرتي الذاتية بعد مؤهلي الجامعي\. شمس ظهر الأربعاء حارقة، مقرفة، من النوع الذي يصيبك بالتعرق والصداع في آن واحد، تخترقك أنت وملابسك وجلدك وأفكارك وخلاياك فتشويها\. ولأن لا أحد في العالم قد يكون غبياً لمغادرة مكانه في هذه الساعة، فالحافلة التي وجدتها بأعجوبة كانت فارغة\. هل أراد السائق اختطافي وتفريغ أعضائي؟ لا يهم، كنت على بعد خطوة من الإصابة بضربة شمس، وخيارات الخوف بدت كرفاهية\. صعدت إلى الحافلة وتنهدت، حمام بارد سيكون جيداً لغسل رائحة كي الشمس لما أرتديه، قد يفيد الماء على شعري في التخلص من ترددات صوته الهادئ التي قبضت عليها بين أصابعي خشية من نسيانها، لوثتني العلة، أنا أصاب ببطءٍ بالجنون\. عليه لعنتي، صوته موجات، هادئة كخليج\. حين تنشأ حيث الصراخ أمر مفروغ منه، يثير الهدوء حنينك لوقت لم تعشه\. يحبس أنفاسك القليلة بين فضاءاته من يعامل روحك كزجاج يتوق للانكسار\. لكنني لم أكن شيئاً يوشك أن يكسر، بل حد سيف مسموم طُرق عنوة ألف مرة ثم رمي كخردة في أفران عدة\. لم يكن عليه أن يعرف كل هذا\. تخيل أن يعرف أحدهم هذا عنك؟ مصيبة\. صحيح؟ للأسف، أحببت صوته وقبضت عليه ما استطعت في رأسي، وإن كنت سأنساه بعد عدة ساعات على الأغلب لأن القلق قد احتل مساحة دماغي فلا مكان لذكرى شيء أو أحد، كأنني حاسوب خرِف\. أسندت رأسي على النافذة بعد أن استقريت في مقعدي، لا طاقة لي للمزيد من الحداد على ما أكونه\. يقلل الناس من أهمية كآبة الظهيرة، كأن الليل يحتكر السواد\. الحافلة تتحرك ببطء، كأنها سلحفاة بثلاثة أطراف\. هدوء موت السكينة الوحيدة وما بعدها أربكني وأصابني التعب\. ولكن هذه الحياة ابنة كلب، هذه الملهاة، تأخذ أعز أمانيك وتحولها إلى أداة تعذيب جديدة، كأنها تل أبيب آثمة كبيرة، كل من تجندهم حولك من بني قينقاع وأنت موحد أعزل\. شكراً للحياة لرمي أكثر رجل صحيح في العالم أمامي، في أسوأ توقيت على الإطلاق\. لم ننته من التعذيب بعد\. هل نصفق للحياة؟ هيا بنا\. رأيته من بعيد، يوقف الحافلة\. رائع، مريع مثير للاهتمام وجاذب للمشاهدات\. لو كان للحياة قناة على اليوتيوب بألاعيبها هذه لما اخذ الأمر يوم واحد ليصلها الدرع الماسي\. هذا ما ينقصني\. تشعرني الحياة أنني قتلت أمها مثلاً، أو أنني من عائلة عالية التحمل لدرجة أن سوبر مان هو زوج ابنة خالتي\. لِم يحصل هذا لشخص عادي مثلي؟\! لا أقو على قتل دجاجة\. كأن ممثلاً في سلسة تلفزيونية خرج من صندوقه بعد انتهاء المشهد، ما الذي يفعله هذا الأخر المحترم في مشهد العزاء الذي أقيمه؟ أنظروا إليه يتجاهل وجودي، بالطبع، هذا أغرب من أن يتم التعامل معه\. جلس في المقعد أمامي، اختفى الرجل الكبير الذي يحاول إخضاع العالم لزمجرته، وبدا ضئيلاً، من الداخل\. استطعت رؤيته كبشري ممل للحظة، مجرد إنسان لم تكن العادات تسمح لي برؤيته من هذا القرب، ولكن الشمس فعلت\. هل الشمس تدعمني لمرة؟ لو أنها فعلت فعلتها ليصلني القليل من المال لكان أفضل، ولكن لا بأس، يستحق قرص العسل هذا قليلاً من المساحة في ذاكرتي مجدداً\. هذه الشمس، لم تعطني كفايتي من فيتامين دال قبلاً، هل تترك لي من أحب لبضعة دقائق إضافية اليوم؟ أشعر بالخجل\. من الشمس طبعاً\. لنعد بهذا البث المباشر إلى الواقع: سيداتي، آنساتي، سادتي، نبدأ الشوط الإضافي لفريق الخيبة الآن\. حسناً، قد يبدو هذا مريباً \- ولا لا أدعي أنني لست مختلة \- ولكنني حدقت في رأسه قليلاً\. هل هذا قانوني؟ كان شعره قصيراً كأن أحدهم قد اهتم بحلاقة حدوده للتو، هل وددت لو أنني كنت أجمل؟ نعم، هل أردت هذا حقاً لأجله؟ لا، لا أريد أن أعود بلهاء كما كنت في الماضي، وإن كنت قد قابلته سابقاً لما أعجبني، ولرأيته متعجرفاً، ولكنني الآن \- لحسن الحظ \- كنت أعرف أن ذا القط الصغير الذي يجلس أمامي مرتدياً سماعات الأذن، خائف\. كما أن هناك شيء آخر أعجبني: دوامة منبت شعره استفزت ما تبقى من صبري، كانت لطيفة تنتظر مني لمسها وبشكل عام، أظن أنني كنت أنظر إلى رأس قط بشري فحسب\. أردت إيقاف الحافلة والترجل لشراء التونة، أردت أن يعود إلى منزله مع صدمة نفسية لا يخرج منها قبل سنوات وثلاث علب تونة من النوع الفاخر قليلاً\. ليته كان قطة حقيقية\. لاختطفته وأبقيته معي فلا يؤذيه أحد\. هَوَس\. ولكنه من النوع الذي لا ينطوي عليه أية أفعال، لم أكن أتخيل أنني قد أؤذيه، أو حتى أتفاعل معه\. لطيف وبعيد كأنه شخصية رئيسة في مسلسل أنمي رخيص، تحبه النساء ولكن لا واحدة منهن كانت قادرة على تحمله\. قط بري\. ها هو يجلس أمامي، عالق في فقاعتي الزمنية، معي، بسبب شمس الظهيرة، وجوعه على الأغلب\. إن فكرنا في الأمر، يبدو من النوع الذي سيلتهم أي شيء تعطيه إياه\. كم صحناً من الأرز سيستهلك؟ هل أجيد طهي ما يحبه؟ ما هذه الأفكار؟ جيد أن الله أخفى سريرة الواحد، لكنت وقعت في مصيبة لو استمع لهذا\. قط جائع\. ولكن الفرصة جيدة\. أي فرصة؟ هذه الدقائق الإضافية\. حسناً، لنقل أن هذه هي واحدة من المرات القليلة التي \- وفي داخلي \- أديت تحيتي العسكرية الخاصة للازدحام، لشيء غير الخير والمبدأ والعدل والكباب\. فعلتها\. تخلصت من انتماءاتي كلها في ثانية واحدة، مستعدة لإعطاء ولائي كله لأعوان الشمس، لحركة المرور الرديئة\. عاشت سيارات الخردة، والباعة المتجولين، الرجال الذين لا يملكون الفكة لتسديد الأجرة، الكلاب الضالة، درجة الحرارة، وأي كائن أو جماد، أي مشكلة زمكانية تحدث لجعله هنا، عاشت الدجاجات في أقفاص الحانوت في انتظار ذبحها، عاشت النساء عديمات المسؤولية يقطعن الشارع بطريقة خاطئة فيوقفن السير، عاشت أغاني الإذاعة الرديئة المسجلة في التسعينات، الهواء والسماء، والمجد \- إن وجدت \- لجغراسان\. إلام يستمع؟ فكرت\.\.، ولكنني لم أعرف، ولم أكن في مكان يسمح لي بالتلصص وإلا لفعلت\. أخذت نفساً عميقاً، حسناً\. لا يمكن فعل الكثير وأنت تحدق في رأس شخص من الخلف \- قد كان ليكون هذا رائعاً لو كنت قادراً على التخاطر معه مثلاً، أو بث أفكارك إلى أصدقائك مباشرة دون أن يسمع أحد في مجال أثيري مغلق \- ولكنه كان مجرد إنسان جائع في طريقه إلى المنزل\. مجرد شاب جائع في طريقه إلى المنزل ليطلب من والدته الطعام، لا يلقي بالاً لخيال مثلي، لا فائدة من هذه التحليلات فلن تنطوي على شيء مجزي، ولكن\.\. أليست مسلية؟ إنها تمنحني – أنا وإياك – فرصة\.\. مر الازدحام\. وامتلأت الحافلة بالركاب\. ها هو سائق الحافلة يلعن حظه بسبب كل العوائق التي مر بها في خلال قيادته \- العوائق التي كانت السبب في إبقاء القط أمامي \- بينما ضغط الرجل على دواسة الوقود ليزيد السرعة فلا عربات أمامه الآن\. أدفع القليل من المال لأعرف ما الذي يستمع إليه هذا القط\. يهرب مجدداً من بين يدي، لا أعرف وجهته ولكن وجهتي اقتربت\. الأشاوس الصغير يبتعد مجدداً\. بدا لي الأمر لإعادة للحلقة الأخيرة بسيناريو مختلف: لا يجب أن تكون النهاية هناك بل في حافلة في كبد الظهيرة بين الزحام\. ما هذه النهاية اللزجة؟ غريب\. زحام صغير آخر أمامنا، ابن الزحام الكبير خلفنا\. سرق السائق للحافلة من على اليمين الراكب، ولكن سائق حافلتنا لم يعلق\. لِم لا تقول شيئاً يا رجل؟ ألا تفتعل مشكلة؟ لِم هذا أكثر مشوار موفق أخوضه في حياتي؟ ألا يستغرق الطريق ساعة وربع كل يوم؟ نصف ساعة؟ أستحلفك بالله؟\! أنا أزعجني بلا سبب\. ثم أسرع السائق، فالجميع \- والقط من بينهم \- يحترق للوصول، بينما أنا أدعوا للانتظار\. حان وقت أداء واجب العزاء مجدداً، حان وقت رفع اليد \- الوهمية \- لإلقاء التحية قبل الإعدام\. ها هو الشوط الإضافي ينتهي لصالحه \- وهو لا يدري \-، يصب في مصلحة الأشرار، والصراصير وكل الأمور السيئة التي أنبتها العالم في الجزء المناقض للخير\. التعليق الختامي: مشاهدينا الكرام، ثوانٍ قليلة، ثوانٍ قليلة فقط تفصلنا عن نهاية الشوط الإضافي، نرى معاً أكثر شيء أحببته ينسل بعيداً عن فقاعتي ولا أستطيعه حبسه فيها\. اللعنة\. اللعنة مجدداً\. اللعنة في عشرة أس ثمانية\. ها أنا أقترب\. لم يبق على وصولي إلا مسيرة خمس دقائق\. أتخيل الأبنية، والشوارع، كيف تختفي وكيف تظهر كأنها رسمت في ورقة كمساقط في الخمس دقائق القادمة\. الشجاعة\. تلزمني الشجاعة\. ليس أنها المرة الأولى التي يُأخذ مني ما ليس لي فأغضب\. آخذ أكبر نفس وجد في تاريخ البشرية، هنا أحط راحلتي، والجنود القدامى لا يخافون، أُشجعني ملاحظة شرفة غرفتي من بعيد\. ثم أوقف الحافلة\. أدفع المال، أرفع رأسي إلى الشمس\. "شكراً"، أتمتم بينما ألملم جراحي كتمساح وحيد\. تؤلمني معدتي، أنظر إليه مرة أخيرة دون أن ينتبه، تسير الحافلة، أقنع نفسي بأن ما أمر به هو الجوع\. أدخل الدكان لشراء عصير مانجو، الدكان بارد\. "سأنساه بعد يومين" أُسكت قلبي، وأضيف الطعام إلى سلة المشتريات كأنني دون طبيب امتياز دون خبرة، يشخص الهوة  في معدتي لا قلبي\. المقرر مكتوب على جبيني: يومي ألم معدة، وبعض البكاء\. ثم كأنني أملك زمام أمور العالم، أضيف مثلجات المانجو الغالية أيضاً، أتظاهر أن القروش في محفظتي هي الفكة، وبقية أملاكي في سويسرا تحفظ عليها الأجانب لأنني أدعم حق أهل الأرض بالعودة\. لو أنني أكثر مالاً لأحبني القط\. أعطيت البائعة ما علي، ما لها، وأمسكت بي في لحظة حرجة أتحدث الإنجليزية دون داعٍ\. لو أنني لا أفرط التفكير لأحبني القط\. رائحة أفكاري السامة انتشرت في الهواء رغم حرارة الظهيرة، ستمطر غيومي علي بالخيبة بعد زوال شمس اليوم\.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

زِحام ε

المؤلف writnour|نوران™
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة