١. المَمرَاتُ الهَمسِيَة. ،

١. المَمرَاتُ الهَمسِيَة. ،

31 0

\.\.\. كان هواء الخريف ثقيلاً برائحة الأوراق المتعفنة والفساد بينما غابت الشمس خلف الأفق، تاركةً ظلالاً طويلة تتراقص مثل الأشباح عبر الرصيف المتصدع لمدرسة كريست وود الثانوية\. تسللت قشعريرة إلى الداخل، تنخر في حواف الدفء الذي تبقى من اليوم\. كانت الليلة مثالية لقصص الأشباح، وقد اجتمع السِتة في المدرسة القديمة، وقلوبهم تتسارع بمزيج من الإثارة والرعب\. "هل أنتم متأكدون من هذا؟" سألت إليسا، صوتها بالكاد يعلو همساً\. كانت تشد حواف سويترها، وتنظر بقلق إلى ظل المدرسة المهيب\. كان المبنى، بطلائه المتقشر ونوافذه المحطمة، يقف مثل وحش نائم عملاق، ينتظر من يوقظه\. "هيا، سيكون ممتعاً\!" أجاب أندريا، شجاعته تخفي ارتجافة خفيفة في يديه\. رفع مصباحاً يدوياً، شعاعه يقطع الظلام المتزايد\. "لقد سمعنا كل القصص\. إنه مجرد مبنى قديم\. ما أسوأ ما يمكن أن يحدث؟" "كلمات مشهورة في النهاية" تمتمت جوليَا، وهي ترفع عينيها لكن لم تستطع كبح ابتسامتها\. لقد كانت دائماً المشككة، تلك التي ترفض أساطير الظهورات الشبحية والأصوات الهمسية\. لكن حتى هي شعرت بقشعريرة تسري على طول عمودها الفقري عندما عوى الريح عبر الشقوق في الجدران\. "دعونا ندخل قبل أن تزداد الظلمة" حث فابيو، متقدماً خطوة للأمام\. كانت قلبه ينبض بسرعة، ليس فقط من الخوف، ولكن من إثارة المجهول\. لقد كان دائماً مفتوناً بالمروع، وكانت هذه هي المغامرة النهائية، فرصة لاستكشاف المكان الذي، وفقاً للأسطورة المحلية؛ لا يزال روح طالب مفقود تتجول فيه\. بينما اقتربوا من المدخل، انفتح الباب الخشبي الثقيل كما لو كان يدعوهم للدخول\. كان الهواء داخل المدرسة رطباً، ثقيلًا برائحة العفن والذكريات\. كانت جزيئات الغبار تطفو في شعاع مصباح أندريا، وصدى خطواتهم يتردد بشكلٍ، في الممرات الفارغة\. "هل تسمعون ذلك؟" توقفت إمِيليا فجأة، عيناها تتسعان\. كان هناك صوت خافت، مثل همس بعيد، يبدو أنه يتدفق في الهواء، يلتف حولهم مثل ضباب بارد\. كان الأمر كما لو أن المدرسة نفسها كانت حية، تهمس بأسرار دفنت منذ زمن بعيد\. "ربما هو مجرد الريح" قال فابيو، رغم أن صوته اهتز\. حاول أن يتخلص من الانزعاج الذي استقر في معدته\. "دعونا نتفرق\. سنغطي المزيد من الأرض بهذه الطريقة\." "هل جننت؟" ردت جوليَا، مرتفعة الصوت\. "يجب أن نبقى معاً\. هذا المكان خطر\!" لكن كان قد فات الأوان\. كان فابيو قد استدار بالفعل، يقود الطريق أعمق في الظلال\. تبادل الآخرون نظرات عصبية، حيث أصبح الإثارة مغلفة بشعور من الخوف\. تبعوه، وزادت الهمسات، تتردد على الجدران، كما لو أن المدرسة نفسها كانت تحاول تحذيرهم من العودة\. لم يكن لديهم أدنى فكرة أن بعض الأبواب لا ينبغي فتحها، وأن بعض الهمسات لا ينبغي الرد عليها\. هَرولت إليسا للحاقِ بفابيو و تبعتهَا إميليا "لَا أعتقد أن فكرة التفرقة، ستكون جيدة" تمتمت إميليا بهمس\. "هَل سمِعتم هَذا؟" إلتفتت إميليا بسرعة، تجمد الدم في عروقها عندما أحست بيد باردة تلتمِس جلد كتفها العاري\. وقفت سَاكِنة تنظر للغبار عند رجلِها لتتنهد و تعِيد الإلتفات لفابيو و إليسا، فتحت عينيها بصدمَة طفِيفة، كان كلا من فابيو و إليسا واقفين أمامها مُباشرة، تعلو وجهيهمَا بسمَة غريبة "مَ \.\. مَا بكمَا؟" ٠هَذا ما إستطاعت أن تنطق به إميليا بعد دقائق من الصَمت و لكنهَا لم تتلقَى غَير الإبتِسام منهما\. لَم تكُن بمِثل تِلك الإبتسَامة الودودة بَل كأنها أرعَب إبتسامَة لمحتهَا\. إلتَفت بجسدهَا ناحِية الشمعَة المعلقة بالحائط القدِيم المُقشر و عندمَا عادت ببصرهَا لهما كَانت قد بَاتت وحِيدة هِي و تِلك الشَمعة\. إمتدت أبخاسها النحِيلة لتحمِل تلك الشمعَة، كآخر أمل لهَا، حولت بصرهَا للإتجَاه المعاكس لتبدأ بالتَقدم ببطئ\. دَقائق من المشي ليَلفت إنتباهها صَوت بكَاءٍ خافت إنبَعث من الغرفة المُقابلة\. قادتها أقدامهَا لتقِف أمام الغرفة، كَانت سَتكذب لو قَالت أنها غير خائفة عَلى الإطلَاق\. فُتح البَاب لوَحده و كأنه يُرحِب بهَا للدخُول\. بخطوات خافتة وثقيلة، دخلت إمِيليا الغرفة، وكأنها تخشى أن يكتشفها أحد\. الغرفة تبدو مهجورة، مليئة بالغبار، والهواء الثقيل يعكر صفوها\. السرير القديم المتهدم كان محاطًا بأغراض رثة، مهملة منذ زمن بعيد، تآكلت أطرافها وكأن الزمن قد ابتلعها\. جدران الغرفة كانت مغطاة ببقع داكنة، وكأنها تحمل في طياتها أسرارًا قديمة\. في زاوية الغرفة، جلست امرأة برداء أبيض ناصع، لكنه كان ملوثًا ببقع غير واضحة\. شعرها الأسود الكثيف كان منسابًا حول وجهها، تغطي ملامحها جزئيًا، لكن عيونها، إن كانت لا تزال تحتفظ ببريقها، كانت تومض في الظلام\. كانت تبكي بصمت، رأسها منخفض، يديها معلقتين في أحضانها كما لو أنها تحاول أن تحتفظ بنفسها، ولكن شيئًا غريبًا كان يتسرب من عيونها\. خطت إمِيليا خطوة أخرى، ويدها تمتد نحو كتف المرأة بحذر، محاولة أن تلامسها برقة\. "أ\-أنتِ بخير؟" همست بصوت مبحوح، كان ارتجافه واضحًا حتى في الظلام\. أُثير الصمت فجأة، وأصبح الهواء ثقيلًا بشكل لا يُطاق\. توقفت المرأة عن البكاء، وكأن الزمن نفسه قد جمد في تلك اللحظة\. كانت الغرفة تتنفس ببطء، وكأن شيئًا مفقودًا ينتظر لحظة العودة\. ثم، وبهدوءٍ غريب، رفعت المرأة رأسها ببطء\. كان وجهها شاحبًا، عيونها فارغة وكأنها لا ترى شيئًا\. نظرت إلى إمِيليا، لكن لم يكن هناك أي تعبير في وجهها\. فقط عيون زجاجية، بلا حياة\. "أمي؟" تجمدت إمِيليا في مكانها، كما لو أن الوقت توقف حولها\. قلبها بدأ ينبض بسرعة، أقدامها عاجزة عن الحركة\. نظرت إلى المرأة لثوانٍ، ثم تراجعت خطوة إلى الوراء، ولكن شعورًا غريبًا بدأ يتسلل إلى جسدها، وكأن الهواء أصبح ثقيلًا أكثر، وأن الجدران تقترب\. لفتت عينيها إلى الباب، وكان الظلام يلتهم المدى\. شيءٌ ما كان يحاصرها\. شعرت كما لو أن الجدران تتحرك حولها، وكل حركة في الغرفة تُرافقها بصمتٍ مريب\. "أمي؟" تكررت الكلمة، لكنها هذه المرة خرجت بصوت مرتجف، مختلطًا بالهلع\. ثم، وبينما كانت تستدير لتغادر، شعرت بشيء غريب يلمس ظهرها، خفيفًا في البداية، ثم أصبح أكثر ضغطًا\. قلبها توقف عن الخفقان للحظة\. هل كان هذا فقط خيالها؟ أم أن المرأة خلفها كَانت تقترب أكثر؟ "إنه عقلك، يجعله حقيقيا" هذا ما سمعته إميليا، كان الصوت خفيفا أقرب للهمس، جمعت شتات نفسها لتغلق عينيها و تلتفت بسرعة، لكنها لم تجد سوَى ذرَات الغبار على الفراش\. بدَا و كان الروح المهجورة التي تسكن المدرسة قد إكتشفت أعمق نقطة فيها، نقطة ضعفها، التي لازالت عالقة بها\. \.\.\. بينما كان فابيو وإليسا يمران بجانب حمام قديم في الطابق السفلي، شعرا بشيء غريب يحيط المكان\. الباب كان نصف مفتوح، وبينما كان الظلام يعم المكان، كان هناك بريق ضعيف يعكس في المرآة المكسورة داخل الحمام\. تتناثر شظايا الزجاج على الأرض، وعكست صورًا مشوهة لوجوه غير واضحة، كما لو أن المرآة كانت تحاول حفظ أسرار الماضي\. اقتربت إليسا بحذر، عيونها لا تفارق انعكاساتها في الزجاج المتناثر\. فجأة، سحبها فابيو بسرعة وقال بصوت خافت: "لا تقتربي\!" لكن إليسا، رغم قلقها، أصرّت على التحديق في المرآة المكسورة مرة أخرى\. كانت تلتقط صورًا غريبة في الشظايا المتناثرة، وجوه مبهمة تتداخل مع بعضها البعض، ومع مرور الوقت، بدأت المرآة تعكس صورًا مشوهة، كأنها تعكس شيئًا آخر بعيدًا عن الحقيقة\. وبينما كانت تراقب، بدأ شيء ما يتحرك داخل تلك الشظايا المكسورة\. ظل مظلم، يتحرك بين القطع الزجاجية، كأنما هو كائن حي يسكن داخل الزجاج\. فجأة، انتبهت إليسا إلى أن انعكاس وجهها في المرآة لم يكن كما هو في الواقع\. كان هناك شخص آخر يقف خلفها، كأنما هو جزء من الظلام نفسه\. شعرت بالقشعريرة تسري في جسدها، وعندما نظرت خلفها، لم تجد شيئًا\. أحست بثقل أنفاسها، وكان قلبها يدق بسرعة\. دفعتها تلك الرؤية إلى التراجع عن المرآة، ثم وقفت مقابلةً لفابيو، وقالت بصوت مرتجف: "لِ\-لنذهب"\. تشبثت بفابيو بخوف، وعيونها تتنقل بين أرجاء المكان في قلق\. أومأ فابيو برأسه، ثم قال بصوت ثابت رغم التوتر الذي يشعر به: "لنذهب إلى الطابق العلوي، هناك قد نجد مخرجًا\." تجاهلا أي حمامات قريبة، وحاولا الخروج من ذلك المكان بأسرع ما يمكن\. بينما كانا في الطابق العلوي المهدّم، شعرا بشيء آخر غريب يحيط بهم\. لاحظا ظلالًا تتحرك على الجدران رغم عدم وجود مصدر ضوء واضح\. كانت الظلال تتراقص بشكل غريب، وكأنها تحاكي حركاتهما\. "فابيو، هل ترى ذلك؟" همست إليسا، عيونها مليئة بالقلق، وقد تشبثت بذراعه بشكل أقوى\. فابيو أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما مجددًا ليحدق في الجدار المقابل\. كان هناك ظل طويل يتحرك ببطء على الجدار، يغير شكله مع مرور الوقت\. فجأة، أصبح الظل يتحرك بشكل موجه، كما لو أنه كان يتعقبهم\. بدأت المسافة بينهما وبين الكائنات التي تترصدهم تضيق\. مع كل خطوة يخطونها، كانت الظلال تقترب أكثر\. "لنذهب الآن\!" قال فابيو بصوت حاد، وهو يقود إليسا بسرعة نحو السلم\. لكن مع كل خطوة يخطونها نحو السلم، زاد شعورهم بأن الظلال تتبعهم\. كان الصوت الوحيد في المكان هو وقع أقدامهم المتسارعة، بينما كانت الجدران تهمس في صمتٍ رهيب\. \.\.\. بَعد رحِيل الثلَاثة بقِي أندريا و ميشيل و جوليَا لوحدهم عَلى عكس الباقِين قررو إكتِشاف الفناء الخلفِي للمدرسَة و التِي لطالما قالوا أنها مقبرة مهجورة\. تسلل الثلاثة بحذر عبر السياج المكسور المؤدي إلى الفناء الخلفي للمدرسة المهجورة\. كانت الرياح تعصف بأوراق الشجر المتناثرة، وصوت صرير بوابة المقبرة القديمة يكسر الصمت المخيف\. الأحجار القبرية المغطاة بالطحالب بدت وكأنها تروي قصصًا منسية، بينما كان ضوء القمر الخافت يعكس ظلالًا غامضة تثير الرعب في النفوس\. فجأة، سمعوا صوتًا غير مألوف، همس كأنه يأتي من بين القبور، فشعروا بقشعريرة تسري في أجسادهم\. و بمجرد أن خطو أول خطواتهم على التراب المنسي بدأ ضباب كثيف بالظهور مما شتت رؤياهم و زاد من توتر الأجواء\. كان السياج الصدئ يئن تحت وطأة الزمن، والضباب يلف المكان وكأنه يحاول إخفاء شيء\. اندفعت جوليا وهي تمسك بمصباحها الصغير، وقالت: "علينا التقدم سريعًا\. هذا المكان يبعث على القشعريرة\." أجاب ميشيل بنبرة ساخرة لإخفاء خوفه: "إنها مجرد مقبرة قديمة\. ماذا يمكن أن يحدث؟" لكن أندريا كانت صامتة\. عيناها تراقبان الظلال الطويلة التي تلعب على الأرض وكأنها حية\. اكتشاف القبور اقتربوا من أول مجموعة من القبور\. بدت الأحجار القديمة مغطاة بالطحالب، وبعضها محطم\. جوليا ركزت المصباح على أحد القبور وقرأت بصوت مرتجف: "Andrea Riccardi … ماذا؟" استدار الجميع إليها\. كان اسم أندريا محفورًا بوضوح على الحجر\. ارتجفت يد جوليا، وسلطت الضوء على قبر آخر بجانبه\. "Michele De Santo ?" نظر ميشيل برعب إلى الحجر، وكأن عينيه ترفض تصديق ما تراه\. ثم تحول الضوء إلى القبر الثالث\. "Giulia Marini \.\.\." تسمر الجميع في أماكنهم، لا أحد يستطيع النطق بكلمة\. كانت التواريخ محفورة أيضًا – تاريخ الميلاد مطابق لكل واحد منهم، وتاريخ الوفاة … "محذوف" سحب ميشيل المصباح ليركزه لباقي القبور، كلها أسماء غير طبيعية، معادا ثلاث قبور أخرى\. كَانت بأسماء أصدِقاءهم الباقِين\. "Emilia Veroni" "Fabio Mori" "Elisa De Lorenzo" و كَان ترتيب القبور من أكبرهم إلى أصغرهم\. بدأت الرياح تعصف بقوة أكبر، وتحمل معها أصواتًا غريبة، أشبه بصراخ مكتوم أو همسات قادمة من العدم\. كانت الأشجار تتمايل في رياحها العاتية، وكأنها تحاول الهروب من شيء غير مرئي\. فجأة، اهتزت الأرض أسفل أقدامهم، وأصبحت الأرضية تحتهم قابلة للاهتزاز كما لو كانت تستجيب لاكتشافهم، والأصوات التي كانوا يسمعونها بدأت تتعالى وكأنها أصداء لنبضات قلب جماعي قادم من الأعماق\. "ما هذا؟\! ما الذي يحدث هنا؟" صرخ ميشيل وهو يتراجع، رجلاه ترتجفان كما لو أن الأرض نفسها تتحرك تحته\. ردت جوليا بصوت مرتجف، وقد سكنت عينيها الصدمة والدهشة: "هذه ليست مقبرة عادية\.\.\. وهذا المكان ليس حقيقيًا\! إننا\.\.\. في مكان آخر، ليس هنا\!" في تلك اللحظة، تكاثف الضباب من حولهم، حتى أصبح الهواء خانقًا\. ثم ظهر فجأة كيانٌ غامض بين الضباب الكثيف، يحيط به شعاع ضوء باهت يبعث على الرعب\. كانت ملامحه مشوهة وغير واضحة، وكأن وجهه مصنوع من الظلال نفسها، يتغير مع كل خطوة يخطوها\. لكن رغم عدم وضوحه، كان هناك شيء مخيف في طبيعته؛ شعور بوجوده كان يملأ الفضاء\. تحدث الكائن بصوت خافت، مخيف، كأن الكلمات تأتي من مكان بعيد تحت الأرض، محملة بصدى متداخل: "أنتم لستم هنا لأنكم أردتم ذلك\. تذكَروا\.\.\. أنتم لستم حقيقين\." بينما كان الأصدقاء يتنقلون في المقبرة الضبابية، والأجواء مشحونة بالخوف والرعب، بدأ الضباب يزداد كثافة، والرياح تعصف حولهم بشكل أقوى، وكأن المكان نفسه يرفضهم\. فجأة، شعروا بحركة غريبة تحت أقدامهم، وكأن الأرض تتنفس\. كانت أصوات الهمسات المكتومة تزداد حولهم، بينما هم يحاولون فهم ما يحدث\. في تلك اللحظة، حدث شيء غير متوقع\. مع حركة مفاجئة في الظلال، ظهرت أمامهم أشكال غير واضحة، كأنها تخرج من العدم\. كانت هذه الأشكال تتحرك ببطء نحوهم، والضباب يتناثر من حولها\. ثم، في لحظة تجمّد تام، ظهر فابيو، إليسا، وإميليا فجأة، كما لو كانوا قد عادوا من عالم آخر\. كان وجه إميليا شاحبًا، عينيها نصف مغلقتين كما لو كانت لا تزال غائبة عن الوعي\. ولكنها كانت موجودة، واقفة أمامهم، ترتجف قليلاً لكنها تبدو وكأنها تجد راحتها في التجمع معهم\. أما فابيو، فقد كانت ملامحه مضطربة بعض الشيء، عينيه عميقتين وكأنما يبحث عن إجابة لما يحدث حوله\. كان يلهث، وكأن الوعي عاد إليه في لحظة واحدة، لكنه لم يتحدث\. إليسا كانت الأكثر هدوءًا من بينهم، لكن عيونها كانت تلمع بالحيرة والقلق، وكأنها كانت تتابع الآخرين بحذر، وعينها لا تفارق الأصدقاء الذين كانوا يتجمعون حولها\. "فابيو؟ إليسا؟ إميليا؟\!" صرخ ميشيل، وهو يركض نحوهم، عينيه تملؤها الدهشة والفرحة في الوقت نفسه\. "أنتم هنا\.\.\. لكن كيف؟ هل نحن في حلم؟" لم يردوا مباشرة، ولكنهم بدأوا يتحركون نحوهم، بخطوات غير واثقة\. إميليا كانت أول من تحدث، وهي تمسح رأسها وكأنها تستعيد وعيها تدريجيًا: "لا أعرف كيف\.\.\. لكننا هنا الآن\. نحن معكم\." قالت ذلك بنبرة هادئة، مع ابتسامة ضعيفة، وكأنها تكف عن التفكير في كل ما مرّوا به\. فابيو نظر حوله، شعر بشيء غريب يملأ المكان، لكنه قال بصوت متردد: "كان كل شيء مظلمًا\.\.\. ثم فجأة\.\.\. نحن هنا الآن، في هذا المكان\. كيف وصلنا إلى هنا؟ هل كنا نائمين؟" إليسا كانت تراقب الجميع بهدوء، ثم قالت بصوت ثابت: "كلنا هنا معًا الآن\. نحن معًا\.\.\. لكن هل هذا المكان حقيقي؟" وابتسمت بشكل غريب، وكأنها تجد في تجمعهم الراحة الوحيدة\. تراءت لمحة من الزمان والمكان ينهار حولهم في تلك اللحظة\. كانوا يركضون في ممرات مليئة بالعتمة، والذكريات الضبابية تلاحقهم\. كانت الأرض تتشقّق من تحت أقدامهم، وكأنها تُحاول ابتلاعهم\. كانت الأجواء تزداد غرابة\. الضباب الكثيف يعتم الأفق ويملأ الجو برائحة غريبة\. كل خطوة كانوا يخطونها كانت تزداد ثقلًا، كأن الأرض نفسها تحاول سحبهم نحو الأعماق\. الأصوات التي كانت تتسلل إلى آذانهم من بين الأشجار كانت مكتومة، مشوشة، وكأنها قادمة من مكان بعيد لا يمكن تحديده\. ميشيل كان يشعر بشيء غريب في صدره، وكأن قلبه بدأ ينبض بسرعة غير طبيعية\. "هل تشعرون بذلك؟" سأل وهو يحاول التنفس بعمق\. لكن جوليا لم ترد، كانت عيونها ضبابية، وكأنها تتابع شيئًا غير مرئي في المسافة\. فجأة، اهتزت الأرض تحتهم، اهتزازًا قويًا جعلهم يتمايلون\. كان الصوت الذي سمعوه يشبه الرعد في الجو، لكنه لم يكن صوتًا طبيعيًا\. إميليا أخذت خطوة إلى الوراء، وعينيها تضيء وكأنها سمعت شيئًا عميقًا من الأرض نفسها\. "ما هذا؟" همست\. ثم، في لحظة لا يتوقعها أحد، بدأت السماء تتساقط تدريجيًا إلى الأرض\. ليس مطرًا، بل ألوان تتساقط كما لو أن الزمان والمكان أصبحا يتداخلان\. كانت ألوانًا غريبة، تتماوج وتختلط حتى غمرتهم تمامًا\. كانوا يحاولون الهروب منها، ولكنها كانت أقوى منهم، تغلفهم، تأخذهم إلى مكان آخر\. عندما أدركوا أنهم عالقون في هذا الحلم الغريب، بدأت أطرافهم تتناثر بشكل بطيء\. كان الضباب يزداد كثافة، وبدأت الأرض تنقلب تحتهم\. فابيو تمسك بذراع إليسا، ولكنه شعر بشيء غريب ينسحب من جسده، وكأن قوة ما كانت تسحبه نحو الأسفل\. قبل أن يتمكن أي منهم من الهروب أو حتى الصراخ، شعروا فجأة بثقل غير طبيعي في رؤوسهم، وكأن عالمهم كله يدور حولهم بسرعة لا يمكن تحمّلها\. أغمضوا أعينهم، وبدأت رؤيتهم تتلاشى\. العتمة كانت تزداد، ومشاعرهم بالتشتت تملأهم\. "لا \.\.\. أرجوكم \.\.\. لا\!" صرخ ميشيل في اللحظة التي شعرت فيها نفسه تهتز، لكن صوته اختفى وسط الهمسات المخيفة التي كانت تحيط بهم، قبل أن يغمض عينيه فجأة\. ثم، كما لو أن كل شيء قد توقف، غرقوا في الظلام\. كانوا قد فقدوا الوعي، لكنهم لم يعلموا أنهم ليسوا في عالمهم الحقيقي بعد\. كانت عقولهم تائهة بين عالمين، عالقين بين الحياة والموت\. لا يدركون أن ما يرونه من حولهم ليس سوى مرآة مشوهة لما كان في الماضي\. وأنهم أصبحوا جزءًا من هذا المكان المظلم إلى الأبد\. \.\.\. أرآئكُم ؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝗣𝗛𝗔𝗦𝗠𝗢𝗣𝗛𝗢𝗕𝗜𝗔

المؤلف Rumuti
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة