طُهورُ الرُّوحِ بِطُهورِ القلوب، والقلوبُ تَهْوَى النقاء\. إسبانيا، مدريد\. الأحد\.\.\. ذلك اليوم الوحيد الذي ترتفع فيه أصوات الدعاء، وتتردد فيه الصلوات \. اليوم الذي تُسدل فيه المدينة ستائر صخبها، وتمنح ساكنيها فسحةً صغيرة لالتقاط أنفاسهم، والاستراحة من زخم الحياة، علّهم يغسلون عن قلوبهم أوزار الأيام، ويهيّئون أرواحهم لاستقبال ما هو قادم بسلام\. يُقال عنه إنه الاجتماع المقدّس، لا لطقوسٍ بعينها، بل لأنه يومٌ تجتمع فيه الأرواح المبعثرة، وتلجأ إلى الكنائس كما يلجأ العطشى إلى الماء\. وفي خضم هذا السكون\.\.\. يظهر هو\. رجلٌ يفرض حضوره كأنّه أسطورة خالدة، تتماهى فيها القوة بالسلام، وتتمازج الحكمة بالكاريزما، ويتجلّى الإيمان فيها بنقاءٍ لا تسير خطواته على الأرض فحسب، بل تنساب كما ينساب النور عبر الزجاج النقي\. وجوده أشبه بتميمة مقدّسة تُبعد الظلمة وتطرد الشرّ\. ومن يراه، لا يلتفت لهيئته أو لباسه، بل لشيءٍ خفيٍّ يلامس النفس دون استئذان\. لم يختر لنفسه لقب "البابا الذهبي"، فالاسم أضخم من أن يكون اختيارًا شخصيًّا\. هو انعكاسٌ لصورةٍ صنعها عنه الآخرون، صورةٌ أحاطوها بالتبجيل، كما لو أن مدريد أنجبت فيه قديسها المعاصر\. عجوزٌ لا يشبه شيوخ الدين الذين اعتدنا رؤيتهم\. قصير القامة، فوضويُّ الهيئة، وجهه محفورٌ بتجاعيد لا نهاية لها، ولسانه حادّ لكنّه كان الاستثناء\.\.\. كأنما العمر لديه ليس أكثر من عدّادٍ للأيام، لا للضعف أو الانكسار\. أقرب في هيئته إلى رجال الأعمال الأثرياء في الأربعينيات والخمسينات، أولئك الذين تأسرهم المراهقات الهاربات من قسوة الحياة\. حتى ثراؤه لم يكن دنيويًّا\.\.\. بل جزءًا من قدسيته\. داخل الكنيسة، صمتٌ قاتل\. الجميعُ جالس في المقاعد الخشبية في انتظار بدء الصلاة\. كلُّ شيءٍ مرتبٌ وهادئ، تَغْلِفُ الرَّدهة الكبرى سكينةٌ، كَسَرَ صوته القويُّ هيبةَ المكان، ليستدير جميع الرهبان للنظر إليه، بينما كانوا للحظات مشغولين في توزيع الكتب\. توقّف كل من يعطّر المكان برائحة البخور، ومن يضع الشموع عند المدخل\. "من هم هؤلاء؟" خرجت كلماته بشكل بطيء ارتفعت رؤوس الرهبان المساعدين نحوه في ارتباكٍ، ثم نحو البوابة، حيث كان يصوب نظره بتعمُّق\. الكلماتُ ابتُلعت في حناجرهم، خوفًا من أن يتفوهوا بأيِّ شيءٍ يجعلهم يُعاقبون\. لم يكن هناك مجالٌ للرَّد أو التحرك، إذ إنَّ البوَّابة الكبرى بدأت تئنُّ تحت ثقل القادمين\. عند مدخل السَّاحة الكبرى، توقَّفت سيارةٌ رياضيَّةٌ حمراء\. فُتِحت الأبواب، وترجَّل منها خمسة رجال، لم يكن يعرفهم أحد من الموجودين\. غريب\.\.\. هو لا ينسى وجهًا يراه، يتذكَّرُ كلَّ من عبر أمامه، حتى الطُّيور التي تحطُّ على عتبة الباب، يتذكر شكلها وصوتها\. لكن هؤلاء؟ لم يكن لهم مكانٌ في ذاكرته\. أرجع يديه خلف ظهره، ورفع رأسه قليلًا إلى الأعلى في انتظار دخولهم وتجاوز العتبة\. نزلوا بخطواتٍ مبعثرة، يصطدمون ببعض، يضحكون بقوة، حيث إن تصرفاتهم أظهرت الطيش الذي هم فيه، وعدم احترامهم لقدسية المكان\. أحدهم يرتدي سروالًا قصيرًا، وقميصًا بأزرارٍ مفتوحة عند الصدر، وكأنَّه ذاهبٌ إلى الشاطئ أو أنه في رحلة سياحية لآثار معيّنة، فيما الآخرون لم يكونوا أكثر تحفظًا\. ملابسهم ممزقةٌ هنا وهناك، وأحاديثهم العالية وكلامهم البذيء تسرّب إلى مسامعه\. بمجرد أن وصلوا عند المدخل، توقَّفوا جميعًا ينظرون\. لاحظهم وهو يرد على المكالمة: رفع الهاتف بمجرد أن سمع صوت الأغنية الصاخبة التي يضعها\. أحسّ للحظة أن ذلك الإنسان الذي أرسلهم قد كان يحسب الدقائق قبل وصولهم عند العتبة\. لم يستطع حتى إلقاء التحية، فبمجرد أن وضع هاتفه عند مسمعه، باشر الطرف الآخر بالكلام بدون مقدمات أو رسميّات: "لوكاس، لا تنسَ، عليك أن تلهيه\. سأحاول ألَّا أتأخَّر بالقدوم\." أغلق الخط مباشرة، وأرجع الهاتف إلى جيبه بعد ملاحظته لأنظار رجال الكنيسة، ليتقدّم هو والمجموعة التي معه ممسكين المقاعد الأولى القريبة من المنصّة، حيث يقف البابا\. تحت المجسم الذهبي للصليب، وقف الوجه الصارم هناك يُراقبهم بصمتٍ قاتل\. لم يستطع أن ينزع عينيه عنهم، فلو غفل للحظة، قد يقومون بكارثة تهز السكون الذي يريده بساحته\. عيناه لم تتحركا كثيرًا، بل اكتفتا باختراق تفاصيلهم بدقة، غير أن تقاسيم وجهه كانت كفيلة بأن تُعلن رفضه التام لوجودهم\. في تلك اللحظة، انعقد حاجباه\. الرهبان المساعدون وقفوا في أماكنهم وكأنهم تماثيل حجرية، خوفًا من أن يخطئوا حتى بأنفاسهم\. "أيُّ وقاحةٍ هذه؟" كان السؤال منحوتًا بوضوح على ملامحه، شعر بأن المكان قد تدنَّس بتلك الملابس التي لا تليق إلا بطرقات العالم السفلي\. لم يستطع أن يَحِسَّ إلا أنهم مجرد رجال تائهين في متاهات الحياة، لكن الشيء الوحيد الذي جعله يبتسم هو تلك السلاسل التي كان يضعها كل واحد منهم، تحمل صليبًا فضيًّا على رقبتهم\. على الأقل، بذرة من الإيمان\. غمرت قلبه مشاعر متناقضة؛ مزيج من الغضب والشفقة\. رغم هيئاتهم التي تُشبه المتمردين، أحس أن في أعماقهم شيئًا ما يُشبه الصرخة المكتومة\. جاؤوا حاملين خطاياهم بين أيديهم، يبحثون عن خلاص لا يعرفونه\. لكنه الوحيد الذي يعلم تمامًا أن لا شيء يُغسل إلا إذا سُكب الدم أو الدموع\. بإيماءة خفيفة من يده، تحرك مساعده الذي فهم الإشارة دون أن يتحدث\. حمل المساعد نفسه متجهًا نحو الممر\. أعطى إشارة خفية بيده للفرقة الجالسة على المنصة، ليبدأ الترتيل\. في لحظة واحدة ساد الصمت، وبدأ المكان يتحوَّل من صمت قاتل إلى سيمفونية سماوية، تُلقي ظلالها على الجدران العالية\. صدى الأصوات الملائكية حرّك القليل من مشاعرهم، وجعل المجموعة تتوقف عن الحركة وإصدار الصرير فوق المقاعد\. أطراف أصابعه عبثت ببطء على غلاف الكتاب الذي بين يديه، ليغلقه بهدوء تام\. استدار ببطء، كمن يخشى أن تُخرج الأرض تحت قدميه صوتًا غير مقصود\. ثم تحرّك نحوهم\. جلس بينهم، وبدا كأن صمته وحده كافٍ ليُثقِل الهواء من حولهم\.\.\. عيناه تتنقّلان بينهم، تتفحّص وجوههم واحدًا تلو الآخر عن قرب\. بقي لوكاس ينظر إليه بابتسامة وصمت، بعدما تعرّف البابا عليه من النظرة الأولى، لكنّ أحد الشبان، قاطعه بسؤال لم يكن ليسأله أحد بجدية: "هل أنت ملاك،؟" قالها بوجهٍ مركز، ونظرة تملأها الدهشة ، وهو يحدّق في بشرته البيضاء الناصعة التي استعصت على التجاعيد، وكأن الزمن خشي أن يترك أثره فيها\. خياله لم يحتج إلى الكثير، فقد رسم في ذهنه صورة قريبة من مصّاصي الدماء المُسنّين\. ردّ عليه البابا بنبرة باردة، وهو يوجه أعينه نحو بوابة الممر منتظرًا خروج مساعده: "إن كنتُ أنا ملاكًا، فالجحيم مليء بالقديسين\." ثم التفت نحوه بنظرة صارمة، جعلت راؤول ينكمش في مكانه وكأن الحماس سُحب منه نهض من بينهم حين لمح مساعده واقفًا بالأقمشة، ينتظر منه إشارة أو أمرًا\. تقدّم نحوه بهدوء، تناول منه الاقمشة، ثم أشار له بالذهاب إلى المنصّة حيث يقف الرهبان الآخرون\. في تلك الأثناء، بدأ توزيع تنانير الراهبات ، بعدما تبيّن أن الأقمشة لم تعد تكفي الجميع\. "غطّوا أقدامكم\.\.\. المكان له قوانين\." تبادل الشباب نظرات سريعة فيما بينهم؛ تلك النظرات الصامتة التي تشبه اتفاقًا غير معلن، لا يفهمها إلا من تربطه بهم صداقة ضحك أورتيغا فجأة مخاطبًا البابا بعدم احترام "أريد الطقم كاملًا لأرتديه في الهالوين\." نهض بعدها في ثقة مبالغ فيها، وبدأ بارتداء التنورة السوداء تحت أنظار الجميع\. خلع سرواله القصير دون تردد بعد أن انتهى، ووضعه بجانبه بتلقائية تجمّدت ملامح البابا، كأن صاعقة نزلت في رأسه\. قال ببطء، وكأنّه يقاوم انفعالًا داخليًا: "كان المطلوب فقط أن تتغطّى\." وقف أورتيغا وقفة استعراضية، أشبه بمهرّج اعتلى خشبة مسرح لتوّه\. رفع ذقنه بشموخ، ومدّ يده ليقبض على طرف التنورة السوداء، ثم أدار جسده ببطء، كمن يستعرض حُلّة ملكية أو رداء أميرة\. بابتسامة عريضة، قال بفخر طفولي: "يليق بي، أليس كذلك؟" كانت كلماته تُحدث دوائر متتالية من الحرج والكبت في صدور البقية\. راؤول وأورتيغا، دائمًا ما يتصرفان بطريقة تدفع الآخرين لتمني أن تنشق الأرض وتبتلعهم\. حتى وإن كانت المهمة الأساسية هي تشتيت انتباه البابا وتعطيل الصلاة، فإن طاقتهما الزائدة يمكن أن تُشعل مدينة كاملة\. لا هدوء، لا صمت، حديث لا ينقطع، وحركة لا تهدأ\. ومع ذلك، لم يتفوّه أحد\. تبادلوا النظرات على استحياء، بعضهم عضّ على شفتيه محاولًا كتم ضحكة مرتجفة، وآخرون نكسوا رؤوسهم\. نسوا ما جاؤوا لأجله\.\.\. حيث تحولت الكنيسة فجأة إلى عرض هزلي\. أمسك البابا بالكتب المقدسة كما لو كان يُمسك بلجام غضبه، وزّعها عليهم بصمت مطبق، ثم أشار لهم بحزم أن يتبعوا الفرقة\. ارتفعت أصوات التراتيل\.\.\. لكنها خرجت مشوشة، ممزوجة بضحكات مكتومة\. كأنك تستمع إلى سمفونية عذبة مزجت عنوة بصراخ أطفال مشاغبين\. خليط مربك، ومثير للأعصاب\. استدار البابا فجأة نحوهم: "أنتم تنظرون لذلك الصليب؟ أقسم لكم، سأعلّق واحدًا فيكم اليوم\. هيا، لا أريد أن أسمع صوتًا\.\.\. ولا حتى تنهيدة\. من أخبركم أن تأتوا إليّ؟" رد أورتيغا ببرود متعمد، دون أن يرفع عينيه عن الكتاب الذي بين يديه، متجنبًا النظر المباشر: "بيتر سيلاس \." تجمّد الهواء في صدر لوكاس\. رفع عينيه إلى السماء، وكأنّه يستنجد بصبر ما\. منذ أسبوع وهو يحذرهم من ذكر اسمه أمام البابا لانه يعرفه\.\.\. ويعرف أكثر مما ينبغي\. لكن\.\.\. ماذا تنتظر من أورتيغا؟ في مكانٍ آخر، بعيد كل البعد عن صخب الكنيسة وضجيج الصلوات المتعثّرة، كان بيتر سيلاس يجلس في ركن هادئ من مقهى فاخر، مشيّد بطراز عصري الزجاج اللامع يُطوّق المكان، كأنه عازلٌ زجاجي يفصل الداخل عن صخب المدينة، فيما كانت نغمات البيانو تنساب بهدوء، تملأ الجوّ بسكينة صافية جلس بيتر في سكون، يحتضن فنجان قهوته يرتشف منه ببطء، كمن يستهلك الوقت بذات الهدوء الذي تُستهلك به الرشفة\. في يده هاتفه، يتصفّح من خلاله الرسائل بعينٍ حاضرة وجسدٍ غارق في الأفكار والتخطيطات الأفكار تتزاحم في رأسه، بحرٌ صامت من الاحتمالات والتحليلات\. رنّ تنبيه خافت، نغمة قصيرة لكنها أعادته إلى اللحظة\. رسالة\.\.\. كانت من صديقته، تخبره فيها أنها وصلت\. وضع الهاتف جانبًا بهدوء لا يشبهه، ثم رفع عينيه ببطء نحو الزجاج الشفاف الذي يفصل المقهى عن الشارع\. وفي تلك اللحظة، لمحها\. ابتسامة صغيرة، عفويّة، شقّت طريقها إلى شفتيه دون أن يشعر\. لم يستطع أن ينزع عينيه عنها، ولا عن الرجال الذين حاولوا بنظراتهم اختراق مشيتها صوت كعبها بدأيصبح اقرب، كأنما العالم بأسره رمى بساطًا من ذهب لتمشي عليه وحدها\. مشيتها مُتمايلة، كل خطوة تخطوها تصرخ بتناسق كل منحنى في جسدها\. هالتها الأنثوية جعلته ينسى أنها لم تعد له\. كل من مرّت بجانبهم، رفعوا أعينهم إليها كمن يُحاول التقاط جزء من سحرها الذي لا يُقاوَم\. دخلت، وبدأت عيناها تُفتشان بين الطاولات، غير قادرة على إيجاد ما تبحث عنه وسط الزحام\. وفور أن التقت عيناها بعينيه، أومأ لها بلطف ولوّح بيده بابتسامة صغيرة، رافعًا يده لسماء ليُلوّح لها\. اقتربت بخطوات هادئة، متجاوزة الطاولات والعمّال الذين في مهمة توزيع المشروبات على الحاضرين، لتجلس أمامه على الكرسي، واضحةٌ حقيبتها الجلدية على حافة الطاولة\. نظرت إليه بعدما عدّلت جلستها، قائلة بهدوء: "مضى وقت طويل\." "نعم، أكثر من أربعة أشهر لم أقابلك على انفراد\." قالها بيتر بابتسامة خفيفة، مركزًا في عالمٍ جعله يغرق في عينيها مرةً أخرى\. في المقابل، بدت هي مسترخية على مقعد المطعم تمامًا\. أخذت القائمة بين يديها برتابة، وبدأت تقرأ أصناف المشروبات ببطء، كمن يحاول أن يجعل الوقت يتلاشى وينتهي بسرعة\. "إذًا، هناك مشكلة ما؟" قالتها وهي ترفع حاجبها الأيسر بلا مبالاة مصطنعة، دون أن ترفع عينيها عن الورقة\. ثم أضافت، وكأنها تُبعد الحديث عن جديته المتوقعة: "قلها بسرعة، عليّ الذهاب إلى الكنيسة اليوم كما تعلم\. اليوم الأحد، وأنا أُجازف بمصروفي، أنت تعرف\.\.\. عليّ الذهاب للصلاة\." تظاهر بيتر بتجاهل نبرتها العابثة، وشرب رشفة طويلة من قهوته\. "لا تخافي، بعثتُ أصدقائي ليلهوا جدّك\. سأوصلك إلى هناك إذا أتيتِ وحدك\. أحتاج مساعدتك في أمرٍ ما\.\.\. وأنتِ الوحيدة التي تستطيعين تقديمه لي\." توقفت يدها عن تقليب القائمة، ورفعت عينيها ببطء نحوه\. تقلّصت عيناها قليلاً، حتى بدتا مغلقتين\. "هل تنوي الانفصال عن إيما؟" نطقت كلماتها بحدة مُفاجئة، وهي تضع القائمة جانبًا فجأة\. انعكست لمعة شرسة في عينيها جعلته متوتر "إذا كان هذا مبتغاك، سأكسر الكأس على رأسك\." أشاح بنظره عنها، هو حتمًا لن يفعل هذا، بل يفكر بشيء أفضل من الانفصال\. "لا، ليس هذا ما أفكر به يا كارلا\." قالها بصوت خفيف لا بالكاد يسمع، بينما كان يُدير الكوب بين يديه في حركة عفوية لم يستطع كبحها\. أكمل بنبرة هادئة، لكنها كانت تحمل ارتباكًا واضحًا: "أنا فقط\.\.\. أريد أن تكون إيما معي لحياة أطول\." انعقد حاجباها في استغراب واضح\. "وضح، لم أفهم\." أمالت رأسها قليلاً، تحاول قراءة ملامحه عن كثب\. شفتاها كانتا مزمومتين في تركيز حذر، وعيناها تتأمله بعدما بدأت جملته تتوضح في عقلها\. "أريد أن أتقدّم لإيما، وأحتاج منك أن تختاري الخاتم معي\. أنتِ الوحيدة التي تعرفين ذوقها\." خرجت كلماته كاعتراف هامس من قلب حائر وخائف من ردة فعل كارلا المجهولة\. هل ستفرح أو ستحزن أو تتحمس؟ احتمالات كثيرة لم يستطع تنظيمها\. بدا مُرتبكًا كطفل صغير يعترف بخطيئة لأخته\. وجهه هادئٌ ظاهريًا، لكن شحوبه الطفيف وتشنّج أصابعه على حافة الكوب كانا يفضحان توتره\. اتسعت عينا كارلا ببطء\. للحظة، بدا الزمن كأنه توقف\. المقهى الصاخب من حولها تلاشى إلى مجرد همسات باهتة، والكلمات التي ألقاها بيتر ارتطمت بأذنيها كصخرة \. أسئلة كثيرة اصطفت عند عقلها جعلتها مشوشة\. تحاول استيعاب ما قاله بصعوبة، عقلها أبى أن يتقبل ما قاله بسهولة\. فرحٌ غريب خالجها لصديق عمرها الذي قرر أخيرًا أن يخطو خطوة جديدة في حياته، لكن تداخلت المشاعر المريرة جاعلةً منها لا تعرف إن عليها أن تضحك أو تبكي\. هي تعلم منذ زمن ومتيقنة أن بيتر لم يعد لها ولن يستطيع، لكن رؤية الواقع يتجسد أمامها كانت أثقل مما تخيلت\. كانت تنتظر تلك اللحظة مسبقًا، لكن الأمر أتى فجأة مثل الصفعة\. ساد الصمت بينهما لدقائق، كان صمتًا مُربكًا\. وضع أمامها طلبها لتشربه بسرعة وتطلب الذهاب للحمام بعد أن أحسّت أن عينيها غمرتا بدموع فجأة\. انهمرت الدموع على وجنتيها ببطء وهي في طريقها للممر الذي يؤدي لدورة المياه، وضعت هاتفها جانبها وتركت دموعها تنزل فقط لتتخلص من الغصة\. الشيء الذي فكرت فيه أنه يومًا ما كان سببًا في جعلها تذهب لدير العقوبة تحت أمر من جدها، وبعد أن خانها مع صديقتها بحجة أنه لا يمكن أن يتقبل علاقتهما معًا\. مسحت دموعها المرتجفة بطرف أصابعها، محاولة أن تُبقي كبرياءها متماسكًا قدر المستطاع فهي بالاخير من قامت بإنهاء العلاقة وكلاهما متساوي تلك الدموع ليست سوى عرض مسرحي صغير، لتقنعه أنها لا تزال متألمة من الفراق، تمامًا كما يتمنى\.\.\.\.عدلت وقفتها و رفعت عينيها المحمرتين لتغسل وجهها، نظرت للمرآة قائلة بابتسامة جانبية: "نوع الماسكارا جيد، لم يَسِح بسبب الدموع\. سأحتفظ باسم الماركة لأضعها يوم جنازته\." بعد ذلك بدأت تضع القليل من مستحضرات التجميل لتُخفي الاحمرار الذي على خديها، لتعود للطاولة وكأن شيئًا لم يحدث\. وأول سؤال سألته كان يخص إيما، فبقاؤها في الحمام جعلها تفكر: هي أصلًا لم تعد تريده، وهذا يعني أن تلك الدموع كانت فقط بسبب تعلّقها به، ليس من أجل حبه، أو ربما فتح جرح مخفي في قلبها\. "هل حبك صادق لها؟" خرج السؤال بسهولة، حتى إنه لم يظهر لها إجابة تُشفي قلبها\. لا كلمة ولا إشارة، وهذا ما تريده، فقط تريد أن تختبر صلابته، وربما أن تعرف إلى أي مدى يستطيع تجاوزها\. نظر إليها بيتر للحظات، بدا عليه التردد، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه، ممسكًا يدها برفق، محاولًا تهدئتها\. ابتسم ابتسامة لم تفهم معناها، للحظة ظنّت أنه يفعل هذا عمدًا لإغاظتها، "كنتِ تبكين؟ هيا لنختار الخاتم، أنا لا أعرف سبب هذه الدموع\.\.\. ؟" نزعت يدها من قبضته، ثم لبثت بلهجة حذرة صافية كيانه المتغطرس: "أريد جوابًا على سؤالي\. ولا تلمسني مجددًا\." في تلك اللحظة، تغيّرت ملامح بيتر كليًا عند رؤيته ردّها العدواني\. عبس وجهه، وعقد حاجبيه بقوة، محاولًا إخفاء ارتباكه خلف جدار من الجدية\. شعر بشيء يشبه الانزعاج يتسلل إلى داخله، علاقتهما لم تكن من قبل سطحية، فرغم المشاكل بقيا أصدقاء\. جمع أغراضه بسرعة وهو يرمقها بنظرة صامتة، ثم ألقى بقشيشًا على الطاولة\. أمسك بمعصمها بقوة لم تُخفِ توتره، ثم همس بأذنها بينما يجرّها لبوابة الخروج: "أنا واثق من حبي لها، لنذهب كي لا نتأخر\." جرّها معه خارج المقهى، محاولًا الهروب من الأحاديث التي ربما ستُدخلهم في نقاش قد يُنهي علاقتهما إلى الأبد\. لم تكن تلك اليد القوية تُشبه لمسة بيتر المعتادة؛ لمسة هادئة ولطيفة\. كان في قبضته توتر وتردد، وفي نبرته محاولة بائسة لإقناع نفسه قبل إقناعها بأن كل شيء سيكون بخير\. وقفت كارلا أمام سيارتها للحظات، تُحدّق في انعكاس وجهها على المرآة الجانبية\. بدا وجهها شاحبًا كصفحة بيضاء\. عيناها تلمعان بالدموع التي لم تجف بعد، وأنفاسها متلاحقة تُحاول أن تلحق بما تبقى من كرامتها\. جلست خلف المقود، تُحاول أن تُلملم شتات أفكارها المُبعثرة\. كانت يداها ترتجفان قليلًا وهي تُدير مفتاح المحرك\. نظرت عبر الزجاج الأمامي، لترى بيتر يجلس في سيارته أيضًا، يتجنب النظر إليها، كلاهما اختار أن يهرب إلى عزلته الخاصة\. قادا السيارتين ببطء نحو متجر المجوهرات\. كارلا كانت ترى الطريق أمامها بوضوح، لكنها شعرت كأنها تقود في ضباب كثيف، ضباب من المشاعر التي تحسّ أنها تضغط على صدرها لقتلها\. كل ما حولها بدا باهتًا؛ السيارات المارة، أصوات الناس، وحتى صوت الراديو الخافت الذي ينبعث من مكبرات سيارتها\. أما بيتر، فكان يقود سيارته كآلة بلا مشاعر، عيناه مُثبتتان على الطريق، لكنه لم يكن يرى شيئًا حقًا\. كان صمته أكثر صخبًا من أي كلام يمكن قوله، فهو الآخر لم يكن متقبلًا لفكرة الخطبة، لأنه لا يزال يشعر بمشاعر لا يفهمها\. لا يعرف لماذا تظهر له كلما يحاول أن يُعطي إيما كل الاهتمام، قلبه يسرق جزءًا من ذلك الحب لكارلا، ولولا أن كلاهما أصدقاء، لكان حدث بينه وبين إيما كلام كثير، لكنها لا تهتم لأنها متأكدة أنه لن يخونها، وهو الآن يحاول أن يُقنع نفسه أنه اتخذ القرار الصحيح\. عندما وصلا إلى متجر المجوهرات، أوقفا سيارتيهما بجانب بعضهما، لكنهما لم يتحركا\. جلست كارلا في مكانها لثوانٍ إضافية، تُراقب أنفاسها المُرتجفة\. ألقت نظرة أخيرة على المرآة، محاولة أن تُرتب شعرها لتخرج\. "ربما حان الوقت لأن أتقبل أنني لست جزءًا من قصته القادمة\." همست لنفسها وهي تُغلق باب السيارة بهدوء، بينما الشمس كانت تغيب تدريجيًا، تاركة السماء تُلملم ما تبقى من نورها\. عند دخول بيتر وكارلا إلى المتجر، استقبلهما عالم مترف من البريق والأناقة\. الأحجار الكريمة والمعادن الغالية المُشكّلة على هيئة إكسسوارات لامعة توزعت على الرفوف كنجوم معلّقة في السماء\. الأضواء البيضاء الناعمة انعكست على أسطح المجوهرات\. كارلا وقفت عند المدخل، تنظر إلى المكان بعينين مضطربتين؛ كطفلة صغيرة أُخذت إلى معرض ساحر لا تعرف من أين تبدأ تأملها\. لكن سرعان ما جذبت، كأن سحرًا خفيًا جذبها نحو أحد القلادات المعلقة\. تلك القلادة كانت مختلفة، بدت لها كقطعة أُخذت من الماضي البعيد، مدّت يدها بتردد، تلمست سطح القلادة برقة، خائفة أن تُفسد جاذبيتها\. أصابعها تحركت عليها بنعومة\.\.\. بينما بيتر، كان يراقبها بصمت، لم يستطع تجاهل انعزالها عنه وذهابها المباشر للوقوف عند تلك القلادة وتركه يسأل العامل لوحده\. تقدّم نحوها بخطوات هادئة، صدى حذائه الخفيف يختلط بصمت العمال\. توقف بجانبها، وجعل عينيه تنتقل بين القلادة ووجهها، ثم قال بنبرة هادئة مملوءة بالفضول: "هل تعرفين ما هذا؟" لم تُجبه، لكنها أومأت برأسها برغبة في سماع الإجابة\. أشار بيتر إلى القلادة بحركة خفيفة: "إنها عقدة الحب الجزائرية\." توقفت كارلا للحظة، تُكرر العبارة في عقلها في محاولة أن تفهم ما يقصده\. فهم أنها لا تعرف تمامًا عن ماذا يتكلم، ليواصل حديثه: "في الماضي، كان البحارة يصنعونها من حبال الصيد كهدايا لحبيباتهم أو زوجاتهم\. تلك العقدة لم تكن مجرد حبال معقودة؛ بل كانت رسالة تحمل أعمق معاني الحب والوفاء\. إذا غرق البحّار أو اختفى، كانت المرأة تحتفظ بتلك العقدة كتذكار يُشبه نبضه الأخير، حبٌ خالد لا يغرق مع صاحبه\." صوته كان هادئًا لكنه يحمل قوة تُحيي الصور في عقل كارلا، تخيلت البحارة وهم يجلسون تحت ضوء القمر، يربطون تلك الحبال بيدين خشنتين، بينما في قلوبهم تُضاء شُعلة حب تُقاوم الغياب والابتعاد\. أضاف بيتر إكمال شرحه: "على مر السنين، تطورت تلك العقدة لتُصبح ما ترينه الآن، تصميمًا معقدًا كالحب نفسه، لا يستطيع أحد أن يُقلّده بنفس الدقة أو الشعور\." كارلا ظلت صامتة، عيناها كانتا تتحدثان بلغة أخرى\. شعرت وكأن القلادة تخاطبها بلغة غريبة لم تسمعها من قبل، لغة الحب الذي يصمد أمام الموت والغياب\. تملّكتها رغبة بأن تأخذ تلك القلادة وتحتفظ بها، تُريد أن تحتضن شيئًا من تلك الحكايات القديمة التي لا تعرف الفناء\. "جميلة، أليس كذلك؟" قالها بيتر وهو يبتسم، لكن كارلا لم تُجبه، ليمسكها من كتفها ويسحبها معه عند الطاولات الزجاجية: "هيا، دعينا نختار الخاتم\. تأخرنا\." تقدّم وسأل العامل بصوت خافت عن محابس الخطوبة\. بدأ العامل بإخراج مجموعة من الخواتم المعروضة للبيع\. وهكذا بدأت رحلة كارلا في البحث بين الخواتم كفراشة، يعتريها قلق خفي في صدرها\. لطالما آمنت أن اختيار الخاتم ليس مجرد شراء قطعة من دائرة مرصعة، بل هو ترجمة صامتة للمشاعر، ودليل على عهد يُبنى بين شخصين\. خرجت منها زفرات خفيفة وهي تتأمل تفاصيل الخواتم بعناية، حتى وقعت عيناها على خاتم بسيط تتوسطه ماسة متوسطة الحجم، كان يلمع بهدوء\. مدّت كارلا يدها ببطء، وحملت الخاتم برفق بين أصابعها، لتشعر ببرودة الذهب تُلامس بشرتها\. التفتت نحو بيتر وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها، وقالت بصوت أقرب إلى الهمس، كي لا يسمعها العامل: "إيما تحب كل ما هو بسيط وأنيق\." ثم تابعت وهي تتأمل الخاتم: "هذا الخاتم\.\.\. بهذه الماسة الصفراء، يُشبهها تمامًا\. رقيق، لكنه يلفت الأنظار بصدق دون أن يتعمّد ذلك\. أعتقد أنه سيعجبها، كما أن الأصفر هو لونها المفضل\." ابتلع بيتر ريقه وهو يحدّق في الخاتم بين يديها، ثم رفع بصره نحو كارلا\. كانت يدها ترتعش بخفة، لكنها أخفت ذلك بسرعة حين وضعت الخاتم فوق الطاولة\. غادرت كارلا المتجر بعد أن اختارت الخاتم لإيما، وطلبت الإذن بالمغادرة\. راقبها بيتر من خلف الزجاج وهو يتحدث مع العامل، شعر أن كل ما بُني بينهما سابقًا يتداعى بهدوء\. عاد إليه صوته الداخلي، يلومه على أشياء كثيرة، يعرف في قرارة نفسه أنه جرحها بها\. راح يتفقد الخواتم بتركيز، لكن عينيه لا تكفّان عن الهروب نحو باب الخروج، كما لو كان يخشى أن تغيب كارلا عنه إلى الأبد\. وعندما سأله العامل عمّا يبحث عنه، جاءت إجابته حاسمة كالحُكم: "أريد شيئًا بسيطًا، ثقيلًا، غاليًا، ويمكن نقش الاسم فيه من الداخل\." في الخارج، جلست كارلا في سيارته بعدما أخبرها أن تنتظره هناك\. وصل بيتر وهو يحمل الأكياس، خطواته واثقة\. وقف للحظة أمام باب السيارة، يتأمل انعكاس صورتها في زجاجها: امرأة قوية، لكن عينيها تفضحان هشاشتها\. جلس بجانبها، ولم يستطع أن يصمت أكثر: "كارلا، هل تعرفين ما الذي يُحزنني؟ أنك تتظاهرين دائمًا بأنك بخير، حتى حين تنهارين\." رفعت عينيها نحوه ببطء، حاولت أن ترد، لكن صوتها خذلها\. فوجوده وحده يوقظ مشاعر كان يجب أن تبقى في سباتها\. ولهذا السبب، تكره أن تلتقي به لوحدها\. واصل كلامه: "أتعلمين؟ أنتِ تحاولين الهروب من كل شيء، لكن الهروب من الحقيقة لا يلغيها انا متأكد انك لا تهتمين لي مشاعر الحب ذهبت انت فقط تشعرين بالغيرة\." ابتسمت كارلا ابتسامة تخفي وراءها أحاسيس المرارة التي تشعر بها الآن بأعماق بطنها، تريد البوح بالكثير، البكاء، وربما حتى ضرب بيتر\. تكره أن تحس بهذا النوع من المشاعر\. وأخيرًا رفعت عينها لتنظر مباشرة في خاصتيه، قالت بصوت مخنوق: "بيتر، لماذا تجعل كل شيء يبدو أبسط مما هو عليه؟" صمت للحظة، لم تفهم رسالته بسبب التفكير الكثير، أحس بالخيبة قليلًا، وهذا لا يعني أنه سيُبقي تلك الأفكار السيئة تجرح صورته في عقلها\. ليقطع حبل أفكارها\. ودموعها أيضًا "لأنني أحبك\.\.\. بطريقتي\. الأمر معقّد، حتى وإن لم أعد حبيبك، هذا لا يعني أنني أكرهك أو أريد إيذاءك\." صمتت للحظات، كلمات بيتر أربكتها\. لم تستطع فهم رسالته وسط زحام أفكارها\. همست أخيرًا بصوت منكسر: "بيتر، أنا فقط أريد أن أعيش\.\.\. بعيدًا عن كل هذا الألم\. بعيدًا عن الذكريات التي تحاصرني انت لا تعرف بما مررت به بسببك" أومأ برأسه،\. ثم فجأة، قال بنبرة مرحة زائفة: "حسنًا، هناك حل الآن أصبحتي حرة من قيود الكنيسة وهذا يجعلني استطيع البحث لك عن رجل يشبهك" ضحكت كارلا ضحكة خافتة وكأن كلماته استطاعت، ولو للحظات، أن تخترق جدار الألم الذي بنته حولها\. ثم نظرت إليه بامتنان خفي: "وأنت؟ ألا تبحث عن واحدة جديد؟" أجابها بهدوء، وعيناه تتأملان المدى البعيد: "لقد وجدتها عند غيابك عن ساحتي\." هكذا، عاد الصمت ليخيّم من جديد، ليخرج بيتر دفتره الصغير، ذلك الدفتر الذي يُشبه مذكرة: ثقيلٌ بما يحمل من أحلام مؤجلة وكلمات لم تُقال\. مدّه لكارلا، ترددت في البداية، يديها ارتجفتا بخفّة كما لو كانت تخشى أن تكتب امنياتها\. لكن في النهاية، بدأت خطّ كلماتها بخطّ عريض واضح، وكأنها تُسطر ما لم تُسطره طوال سنوات: رجل مثقف طويل القامة رياضي متدين غني يفهم مشاعري ويخاف عليّ كل كلمة كانت تنزل على الورقة شكلت جزءًا من صورة رجل مثالي، صورة لا توجد إلا في خيالها الحزين\. عندما انتهت، مسحت دمعة انزلقت خلسة على خدّها، ثم همست بصوت خافت يشبه نغمة كمان مكسور: "هذا يكفي\.\.\. لن أفسد يومك أكثر من هذا\. أنا حقًا سعيدة من أجلك\. لو كنت أريد إيذاءكما، لكان لدي ألف فرصة لفعل ذلك\. لكني هنا لأقف إلى جانبكما\." تنهد بيتر تنهيدة طويلة، محاولا طرد معها أطنانًا من الكلمات التي حُبست داخله\. أخرج من الكيس الخاتم الذي اختاره بعناية لها، وأعطاه لها كما لو كان يمدّ قلبه ليضعه بين يديها\. قال بصوت هادئ، خالٍ من الادّعاء: "هذه هدية مني لكِ\. آسف على كل شيء لم أستطع فعله من أجلك\. آسف لأنني لم أكن الشخص الذي تحتاجينه\." نظرة كارلا في الخاتم بذهول\. لم تتمالك نفسها، عانقته دون أن تقول شيئًا، وكأنها تحاول أن تحفظ شيئًا من دفئه قبل أن تبتعد عنه \. لبست الخاتم بخفة، دون أن تُلاحظ النقش الصغير على الجهة الداخلية: "بيتر لن ينساك"\. ذلك الفعل جعلها تنسى مل ذلك البكاء والحزن وهذا يبرون أن تكسب المرآة بالأفعال ليس بالكلام كلماته كانت تزيدها ألم وهدية واحدة انتهى ماضي سيء بأكمله لمست خاتمتها بسعادة لتمسك حقيبتها محاولة النزول من سيارته "علينا الآن الذهاب إلى الكنيسة\." غادرت سيارته، وهي تنظر للخاتم\. فتحت باب السيارة بحذر شديد، كانت تسوق ببطء، شاردة كأنها ترى صورتها المنعكسة في كل زجاج عاكس تمرّ به، صورة امرأة قررت أن تبتعد عن الرجل الذي أحبته من أجل صديقتها، وأن تتوارى خلف ابتسامة زائفة، لكن أهم شيء الخاتم، أنه أجمل من أي شيء\. حين وصلت إلى "كنيسة الصليب الذهبي"، كانت الشمس قد بدأت بالاختباء خلف غيوم المساء المتناثرة، مُلونة السماء بلونٍ قرمزيّ\. أخرجت كارلا غطاءً أبيض من حقيبتها، وغطّت به شعرها الأسود القصير\. تقدّم بيتر أولًا، ليُخفيها وراءه بطوله وحجمه\. لكنها تبعته كارلا بخطى هادئة، بالكاد تُسمع، لتبدو خلفه كظلّ قصير يتبع صاحبه\. اختارت مقعدًا قريبًا من الباب، تجلس فيه كالغريب بعدما لاحظت شرود جدها وفلوسه مع أصدقاء بيتر، ومن ضمنهم كان لوكاس\. جلوسه هناك جعلها تبتسم ابتسامة رضى\. أما بيتر فقد توجّه إلى البابا، الذي استقبله بابتسامة ودودة، لم تكن مجرد ابتسامة رجل دين، بل ابتسامة لابن صديق قديم يعرف ماضيه جيدًا\. بيتر جلس بعدها بين أصدقائه\. في المقابل، كان فرناندو كاستيلو صديقهم يُحدّق بكارلا من بعيد، بنظرة تعجب\. همس بفضول وهو يلتفت إلى المجموعة: "هل تلك الفتاة أتت معك؟" العبارة لم تُنهِ طريقها، حتى قاطعه بيتر بنبرة حادة: "نظرة واحدة وبعدها سأجعلك ترى الظلام\." ارتبك فرناندو، وهو يرمش بذهول، يُحاول استيعاب سبب الانفجار المفاجئ\. نظر إلى الباقين قائلًا: "ألم تكن حبيبتك شقراء؟ هل يخونها؟" تلك الكلمات كانت كافية لإزعاج بيتر\. رفع عينيه اللتين كانتا بدأتَا بالاشتعال بنار، ليس الغيرة، لكن شيء آخر\. في الجهة الأخرى، جلست كارلا تُتابع الحوار بصمت، عيناها تائهتان تُحدّقان في الصليب المُعلّق على الحائط الأمامي، بشرود\. في داخلها، كان قلبها يتمزق كصفحات كتاب قديم تُنتزع واحدة تلو الأخرى بدون رحمة\. بيتر سعيد، إيما تتهيأ لحياة جديدة، أما هي\.\.\. فتبقى على هامش الحكاية، تحاول أن تجمع شتات نفسها، ودورها الأساسي هو التصفيق والغناء تمامًا مثل المهرج\. رد لوكاس بحدة محاولًا تهدئة الوضع، خصوصًا بعد رؤيته أن بيتر بدأ يطرق أصابع يديه: "أصمت\. هذا ليس من شأنك\." لكن هل فرناندو سيسكت؟ لا، بالطبع لن يصمت\. "لكنها حقًا جميلة\. هل يمكنني الحصول على رقمها؟ أو حسابها عبر أي موقع؟ تكفيك فتاة واحدة، أليس كذلك؟ لوكاس، هل لديك رقمها؟ أعتقد أنها صديقتك المقربة\." بالنسبة لكل من لوكاس وبيتر، كلماته تحمل في طياتها إهانة خفية تنسج نفسها كالسم\. نظرته كانت مبتذلة ومتعالية، اتضح فيها تقليل من شأن صديقتهم وسط الرجال، وجعلها مجرد هدف يسعى إليه عديمو الشأن\. لم يستطع بيتر تمالك نفسه\. أمسك بالكتاب الذي كان يقرأ فيه لوكاس وبحركة مباغتة وسريعة، ضربه به في وجهه بقوة، قوةً كانت كافية لأن تُرجع رأسه إلى الخلف\. اندفع الدم من أنفه فجأة، كالينبوع، الضربة كانت شديدة ومباشرة\. في ثوانٍ قليلة، تقدم الرهبان بخطوات مسرعة ليمسكوا ببيتر، قلقين من تفاقم الوضع وخوفًا على الشاب المصاب\. لكن بيتر لم يكن قد انتهى بعد\. نظر إليه بنظرة جعلت فرناندو يحدّق به مذعورًا، كما لو كان قد رأى حاصد روحه\. "حاول التفكير فيها مجددًا، وسأجعل رأسك تحت عجلات سيارتي\." ابتسم بسخرية وهو يغمغم بصوت مختنق بينما يحاول مسح الدماء التي تنزل من أنفه: "أصبحت أحب الأجواء الدينية\." وبنفس الغضب الذي اندفع به بيتر، اقترب منه لوكاس، وقف أمامه مباشرة، اقترب منه حتى لم يعد بينهما سوى الأنفاس، ثم همس عند أذنه بصوت منخفض: "إذا فكرت للحظة أنها ستحصل عليها بسهولة، سأجعلك تتوسل لآخر نفس، لأنني سأحوّل كل لحظة في حياتك إلى دمار، وهذا إذا حاولت التقرب\." في الطرف الآخر، كارلا تابعت تلك الفوضى من مقعدها بصمت\. رأت كيف انفجر بيتر، وكيف تحول لوكاس إلى رجل آخر، لكن داخلها، هناك شعور آخر\. رغم كل شيء، ظلت هناك فكرة واحدة تتردد في عقلها: هؤلاء الرجال، بكل قسوتهم وجبروتهم، لم يُعاملوا قلبها يومًا كما لو كان شيئًا يُشترى أو يُباع\. 🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋🦋 بعد أن اضطررتُ لأرشفة الفصل، حان الوقت لإعادته إليكم بعد بعض التعديلات\. أعلم أن هناك ربما بعض الأخطاء، وسأحرص على تصحيحها قريبًا\. أعدكم بأني لن أتأخر في نشر الفصل الثاني، وسأبذل جهدي لجعل الأحداث أكثر تشويقًا\! أحبكم يا كيندولات ✨❤️
watt_niso