الفصل الأول \- في صباح السابع من يوليو، وتحت شمس بغداد الحارقة، وقف "منهل" أمام مستشفى القديس رفائيل مضطربًا، بينما كانت زوجته "براق" تتلوى من ألم الولادة داخل السيارة\. بحث عن مساعدة، وجاءت معه ممرضة بطيئة، نقلت "براق" على كرسي متحرك إلى الداخل\. في غرفة الاستقبال، سألت الممرضة: "هل هذا طفلكما الأول؟" فأجابت "براق": "لا\.\.\. السادس\." دخلت "براق" غرفة الولادة، وبقي "منهل" في الخارج، غارقًا في أفكاره\. رغم حبه لبناته الخمس، كان يشعر بفراغ بسبب حلمه في إنجاب ولد\. حاولت "براق" تهدئته سابقًا قائلة: "تزوج بأخرى إن أردت ولدًا\." لكنه رفض الفكرة وشعر بالذنب\. في صالة الانتظار الباردة، جلس محاولًا تهدئة أفكاره\. رغم راحته بذكر بناته، كانت رغبته بإنجاب ولد تزداد، كنداء لا يستطيع إسكاته\. بينما كان "منهل" غارقًا في أفكاره، شعر بتغير غريب في الجو، وكأن الهواء بات أثقل\. رفع رأسه ببطء ليجد أمامه رجلًا طويل القامة بشكل غير مألوف، ذو بنية قوية، يحيط به ثوب داكن يزيد من غموضه\. بشرته بيضاء شاحبة كأنها منحوتة من عاج، لكن عيناه هما ما أثار دهشة "منهل"؛ زرقاوان كوهج البرق في ليلة عاصفة، تشعان بنور مخيف يحمل في طياته طاقة لا يمكن تفسيرها، وكأنهما تحملان وعودًا أو تهديدات غير مرئية\. ظل الرجل يحدق في "منهل" بصمت، وكأن نظراته تخترق أعماقه، تدرس كل تفصيلة في روحه\. شعر "منهل" بأن الوقت يتباطأ، ودقات قلبه تتسارع مع كل لحظة تمر\. حاول أن يشيح بنظره، لكن شيئًا في حضور الرجل أبقاه مجبرًا على مواصلة التحديق، وكأن قوة غامضة تجذبه\. قطع الرجل الصمت بصوت عميق: "منهل\." ارتعش "منهل"، كيف يعرف هذا الغريب اسمه؟ همس بتوتر: "من أنت؟" ابتسم الرجل ببرود: "بازوزو، خادم الآلهة السبعة\. أنت تبحث عن أمنية\.\.\. ولد، أليس كذلك؟" شعر "منهل" بصدره يضيق\. كيف عرف هذا السر؟ بصعوبة، تلعثم: "كيف تعرف؟ نظر بازوزو إليه بلامبالاة مخيفة وقال: "ليس مهمًا كيف أعرف\. ما يهم هو أنني أستطيع أن أمنحك ما تريده\.\.\. الولد الذي لطالما حلمت به\." شعر "منهل" وكأن الهواء من حوله أصبح أثقل، كأنه يخنق أنفاسه\. همس بصعوبة: "كيف ستفعل ذلك؟" أجاب بازوزو بنبرة مفعمة باليقين، وكأن الأمر محسوم: "ابنك القادم سيكون ولدًا\. لكن\.\.\. هناك ثمن\." شعر "منهل" بالارتباك، وبدأ الخوف يتسلل إلى قلبه، يزداد ثقلاً مع كل كلمة\. سأل بصوت متقطع: "ثمن؟ ماذا تعني؟" تغيرت ملامح بازوزو فجأة، وعيناه أصبحتا صفراء لامعة كأنهما مشتعلة بنار داخلية\. ببرود قاطع، قال: "عليك أن تهبه لنا\." تسارعت أنفاس "منهل"، وصدره يضيق أكثر\. حاول أن يستوعب ما يسمعه، كلمات الرجل كأنها ضربات ثقيلة على روحه\. "تهبه لكم؟ من أنتم؟ ولماذا؟" اقترب بازوزو خطوة، وجهه أصبح قريبًا جدًا، وعيناه تلمعان بشكل مخيف: "ابنك هو الشعناذا الموعود\. هو الذي سيحرر أسيادي من سجونهم\. سيبقى معك ويعيش طفولته بشكل طبيعي، لكن مستقبله\.\.\. لن يكون بيديك\." في تلك اللحظة، شعر "منهل" وكأن العالم بأسره يتداعى من حوله\. الخوف أحكم قبضته على قلبه، لكنه في الوقت ذاته، كان هناك جزء صغير من نفسه يغريه بالقبول\. هل هذا هو الحل الذي كان يحلم به طوال حياته؟ مرت لحظة من الصمت، ثم سأل "منهل" بتردد واضح: "كيف أعرف أن هذا ليس خداعًا؟" ابتسم بازوزو ابتسامة غامضة، مليئة بالأسرار المخفية: "عندما يبلغ السابعة، ستعرف\. القرار الآن بيدك\. إذا كنت ترغب في الولد، عليك أن تقبل\." شعر "منهل" بصداع خفيف يتصاعد من رأسه، كأن عقله يغرق في دوامة من الأسئلة التي لا تنتهي\. هل هذا حقيقي؟ الآلهة؟ الشعناذا؟ كل شيء بدا وكأنه كابوس\. بعد لحظات من التردد، قال بصوت خافت: "وإذا رفضت؟" رد بازوزو ببرود لا يعرف الرحمة: "لن تحصل على الولد\. وساحرص بنفسي على ذلك فبعد كل شيء انا لي تأريخ في هذا الأمر فقط اسال ذلك الأحمق ايتانا\." توقف الزمن للحظة، وكأن الكون بأسره يترقب قراره\. شعر "منهل" بثقل الكلمات وهي تسقط عليه كصخور، تحطم كل شيء من حوله\. بعد لحظة طويلة من الصمت المليء بالصراع الداخلي، قال بتردد واضح: "سأفكر في الأمر\." ابتسم بازوزو مرة أخرى، ابتسامة شاحبة لكنها مليئة بقوة خفية\. قال بصوت خافت لكنه يحمل ثقلًا غامضًا: "إذا كنت جادًا، أمامك سبعة أيام\. عند بوابة الإله في برج إيتانا ببورسيبا، سيجدك الملك الطائر لوغال ساحر بابل العظيم\. قل له إنني أرسلتك\. هناك ستتخذ قرارك الأخير\." ثم، وبهدوء مخيف، تلاشى بازوزو في الظلال المحيطة، وكأنه لم يكن هناك من الأساس\. ترك خلفه صمتًا ثقيلًا يملأ المكان، يخنق الهواء\. وقف "منهل" مذهولًا، محاصرًا بقلقه، وكأن شبح التردد يلتف حوله، يسيطر على أنفاسه، ويغمره شعور عميق بالرهبة\. عاد "منهل" إلى مكانه في صالة الانتظار، جسده يتحرك بلا وعي بينما عقله غارق في كلمات "بازوزو" التي تتردد في ذهنه\. هل كان كل هذا حقيقيًا؟ هل سيتخذ القرار الذي سيغير حياته؟ قطع أفكاره صوت الممرضة وهي تقترب بابتسامة: "أنت الأستاذ منهل، صحيح؟" "نعم، صحيح\." ابتسمت قائلة: "مبروك، زوجتك وضعت الطفلة\. يمكنك رؤيتها بعد قليل\." سألها بلهفة: "ولد أم بنت؟" أجابته: "فتاة\. هل تريد رؤيتها؟" "نعم، من فضلك\." حملت الممرضة الرضيعة إلى منهل وفي تلك اللحظة، غمرته مشاعر مختلطة\. احتضن الطفلة وأجهش بالبكاء "سأسميها مريم\." وبين دموعه، شعر وكأنه يودع حلمه بانجاب ولد بعد سبعين دقيقة، حين افاقت براق من المخدر، دخل منهل غرفة "براق" التي كانت ممتلئة بالدموع\. نظرت إليه بحزن وقالت: "آسفة يا منهل\.\.\. لم أحقق حلمك بإنجاب الولد\." أمسك بيدها قائلاً بحنان: "لا تقولي هذا، مريم نعمة، وأنا سعيد بكم جميعاً\. المهم الآن أن ترتاحي\." عند وصولهم إلى المنزل في الحادية عشرة مساءً، استقبلتهم "سعادة" بابتسامة قائلة: "الحمد لله على سلامتكِ يا أمي\. أين مريم؟" شكرَتها "براق" على تحمل مسؤولية البيت طوال غيابهم، بينما أخذت "سعادة" الرضيعة بين ذراعيها\. لكن "منهل" لاحظ قلق "براق"، فاقترب منها وقال: "هناك شيء أريد أن أخبرك به\." سألته "براق" بتردد: "هل ستتزوج بأخرى؟" ابتسم "منهل" وقال: "لا، ظهر لي رجل غريب اليوم وقال إنه يستطيع منحنا ولدًا إذا ذهبت إلى مكان يسمى بوراسيبا واقابل ساحرات هناك\. ثم اختفى فجأة\." بدت "براق" مصدومة وسألته: "ماذا يعني هذا؟" أجاب "منهل": "لا أعرف، كل شيء غامض وغير منطقي، لكنه تحدث بثقة\." ردت "براق" بحذر: "إذا كان يمكنه منحنا الولد، لمَ لا تذهب؟" شعر "منهل" بصراع داخلي بين رغبته في الولد وخوفه من المجهول، لكنه أجاب: "ربما يجب أن أذهب\.\.\. وأرى ما سيحدث\." بدأ "منهل" بحثه عن الملك الطائر لوغال ساحر بابل العظيم و "بورسيبا" و"بوابة الإله"، فاكتشف أن بورسيبا هي نفسها محافظة بابل الحديثة، مدينة قديمة مزدهرة في حضارة بلاد ما بين النهرين\. كانت موطنًا لبرج بابل الأسطوري، أو "برج إيتانا"، الذي شُيد بعد الطوفان العظيم، وأن لوغال كان ملكا يلقب بالملك الطائر كمكافاة أعطته الالهه القوى السحرية للشفاء وتجديد جسده فأصبح خالدًا وفقا للاسطورة ورغم ما اكتشفه، لم يستطع "منهل" فهم سبب استخدام الرجل الغامض لهذه الأسماء القديمة وهذه الشخصية الاسطورية، مما زاد من غموض الموقف\. تساؤلات كثيرة حاصرته، ومع ذلك، كان قرار "منهل" قد حُسم\. صورة "براق" ودموعها ورغبتهما الشديدة في إنجاب ولد دفعاه لاتخاذ الخطوة التالية، رغم كل ما قد يحمله هذا القرار من عواقب مجهولة\. في اليوم السابع من ولادة "مريم"، استيقظ "منهل" و"براق" على صوت بكاء الطفلة\. نظر "منهل" إلى ابنته، ثم إلى "براق" التي بدت مرهقة وقلقة\. قال بصوت حازم: "سأذهب اليوم لمقابلة الرجل صاحب العيون الصفراء\. إذا لم أرسل شيئًا خلال ساعتين، اتصلي بالشرطة\." رفعت "براق" عينيها الممتلئتين بالدموع وقالت بخفوت: "استمع له جيدًا\.\.\. أريد الولد بقدر ما تريده\. لا تدع الفرصة تفوت\." أمسكت بيده، تبحث عن الطمأنينة وسط خوفها\. شعر "منهل" بثقل القرار وقال بهدوء: "سأستمع له وأفعل ما بوسعي\." كلماته كانت وعدًا مليئًا بالتردد، لكنه لم يكن لديه خيار آخر\. استقل "منهل" سيارة الأجرة متجهًا نحو بابل، مدينة يغلفها الغموض\. انطلق على الطريق السريع الذي يربط بغداد ببابل، تحيطه مزارع النخيل على يمينه وأراضٍ قاحلة على يساره\. الرياح الساخنة تسللت إلى السيارة، تحمل رائحة الأرض والمواشي، وأصوات المحرك تندمج مع همسات الطريق\. مع كل ميل تقطعه السيارة، كانت بغداد تتلاشى في ذاكرته، تاركة وراءها إحساسًا بأن بابل تخفي له سرًا غامضًا\. \.\.\. تذكر "منهل" أول مرة رأى فيها "براق"، كان ذلك في يوم ممطر مع بداية العام الجامعي\. كانت تمشي بسرعة تحت المطر بمعطفها الأحمر اللافت، خطواتها ثابتة وكأنها في مهمة\. عيناها السوداوان كانتا مركّزتين إلى الأمام، دون أن تلتفت لأحد\. بينما كان يتابعها بعينيه، لاحظ أنها على وشك الاصطدام بعامود إنارة\. نادى بصوت مرتفع: "احذري، عامود الإنارة\!" توقفت فجأة، والتفتت نحوه بعينين واسعتين للحظة، ثم قالت باقتضاب: "شكرًا\." حاول منهل كسر الجدية بابتسامة: "أنا منهل، طالب جديد\." لكنها لم ترد، نظرت إليه للحظة قبل أن تكمل طريقها دون التفات\. ضحك منهل وهو يتذكر تلك اللحظة، لم يكن يعلم حينها أن تلك الفتاة الصامتة، التي لم تتوقف لتبادل كلمة أخرى، ستصبح شريكة حياته وأم بناته الخمس\. قطع السائق أفكار "منهل" قائلاً: "وصلنا إلى بابل\." نزل من السيارة ببطء، وشعر بدفعة هواء جاف تغمره، وكأن المدينة تستقبله بشيء من التحذير\. كانت بابل أمامه، ليست مجرد موقع تاريخي، بل بوابة لشيء أعظم وأخطر\. ألقى "منهل" نظرة حوله، والشمس تحرق الأرض بينما الرمال الحمراء تتطاير بفعل الرياح\. كل شيء مغطى بالغبار، وكأن المدينة القديمة تراقب خطواته\. وقف "منهل" في ساحة السيارات وقال بصوت حازم: "أريد الوصول إلى برج بابل\." تقدم سائق نحيل وقال: "سأخذك\." انطلقت السيارة نحو البرج، بينما كان "منهل" يشعر بأن بابل تكشف له أسرارها شيئًا فشيئًا\. اقترب "منهل" من برج بابل المتصدع، شاهداً على زمن غابر\. لم تكن خطواته نحو البرج مجرد جولة، بل مواجهة لمصير مجهول\. أطلال البرج والرمال المحيطة بدت كأنها تحاول إخفاء أسرار الماضي\. شعر أن البرج يراقبه، يطرح أسئلة لا إجابات لها\. كلما اقترب، زاد إحساسه بالغموض\. البرج لم يكن مجرد موقع أثري، بل بوابة لعالم مليء بالأسرار والأساطير عندما اقترب "منهل" من البرج، شعر بيد خفيفة تُربت على كتفه\. استدار سريعًا ليجد أمامه رجلاً طويل القامة، ملامحه غامضة ونظراته حادة كأنها تخترق أعماقه\. كان الرجل يرتدي معطفًا أخضر داكنًا، متسخًا بعض الشيء من الرمال، ولكنه كان يضفي عليه هالة من الغموض\. المعطف بدا كأنه قطعة من الماضي، يتحرك مع الرياح الصحراوية المحيطة، ويغلف الرجل بجو من السحر والغرابة\. تحدث الرجل بصوت عميق، هادئ، وكأنه يعرف "منهل" منذ زمن: "هل أنت منهل الذي أرسله بازوزو؟" شعر "منهل" بتسارع نبضات قلبه\. هذه الكلمات التي خرجت من فم الرجل الغريب كانت تحمل ثقلًا، وكأنها تربط بينه وبين شيء أكبر مما تخيله\. تلعثم قليلاً ثم رد بارتباك: "نعم\.\.\. بازوزو هو من أرسلني\. هل أنت الملك الطائر لوغال ساحر بابل العظيم؟" اتسعت ابتسامة الرجل بهدوء، وعيناه الخضراوان اللامعتان لم تفارقا "منهل"\. قال بصوت مليء باليقين: "لم يدعوني احد بهذا الاسم لقرون، نعم أنا لوغال، الساحر الذي تبحث عنه لكن ادعوني ماجد الجميع هنا يعرفني بهذا الاسم\. بازوزو أخبرني عنك، وقال إنك ستأتي\. لقد كنت انتظرك\." ثم أشار بيده إلى برج إيتانا، الذي بدا وكأنه مموه بين الرمال الحمراء التي أحاطت به من كل جانب\. كان البرج يقف شامخًا في الأفق، وكأنه خرج من قلب الأرض نفسها، مطمورًا في الزمن مثل بقايا حضارة عظيمة\. لون جدرانه الداكنة ينسجم مع لون الصحراء المحيطة، فيغدو البرج وكأنه امتداد للطبيعة الصامتة التي تحيط به\. يتكون البرج من طوابق متعددة، تتناقص بشكل تدريجي نحو القمة، تمامًا كما كان يوصف برج بابل القديم في الأساطير\. كل طابق هو دائرة هائلة من الحجر المكسو بالآجر، تبدو متآكلة بفعل الرياح والعواصف التي مرت عليه عبر العصور\. النوافذ الصغيرة في الطوابق العليا كانت تشبه العيون الغامضة التي تراقب السماء بصمت، حارسة أسرارًا قديمة تعود إلى آلاف السنين\. البرج كان يلتف حول نفسه في حلقات متصاعدة، يشع بعظمة الحضارات البابلية التي بنيت عليه\. عند قاعدته، تقف بوابة ضخمة منحوتة من الحجر، تحمل نقوشًا قديمة، بالكاد تظل واضحة بفعل الزمن\. تلك النقوش تحكي قصص الملوك والكهنة الذين استخدموا البرج لمراقبة النجوم ولأداء طقوسهم المقدسة\. داخل البرج، كان الضوء خافتًا، يتسلل من النوافذ الضيقة ليخلق ظلالًا سحرية على الجدران المزينة بالنقوش\. في قمته التي بدت كأنها تطاول السماء، كانت المعابد القديمة ترتفع، بُنيت لتقرب الإنسان من الآلهة، وكأنها تجسيد لمحاولات البشر الطموحة لملامسة الحكمة والقوة من عوالم عليا\.  "ذاك المنزل الطيني الصغير\.\.\. هو بيتي"، قال وهو يشير إلى كوخ بسيط يختبئ بين كثبان الصحراء\. ثم أشار إلى البرج المهيب وقال: "وهناك\.\.\. برج إيتانا\. ستجد ما تبحث عنه هناك\. حين تصل إلى مدخل البرج، قل: 'تعال يا بازوزو'\." كانت كلماته تبدو وكأنها جزء من طقس قديم، وكأنها سر غامض محفور في الذاكرة العتيقة\. وأضاف بنبرة حذرة: "سيظهر لك حينها، كما فعل مع ملوك الزمن القديم\. ولكنه سيطلب منك الثمن\." توقف قليلًا، ثم نظر إلى منهل نظرة جادة، وقال ببطء: "تذكر، حتى الخلود له ثمن\." تردد "منهل" للحظة، وهو ينظر إلى لوغال، ثم إلى البرج المتصدع الذي بدا وكأنه يرمقه بترقب\. كان قلبه يضرب بقوة، وتدفق التوتر في جسده كتيار كهربائي\. كل شيء حوله بدا كأنه ينتمي لعالم آخر، عالم الأساطير والرموز القديمة\. \-\-\- عند وقوف "منهل" عند مدخل البرج، كان كل شيء أمامه يبدو وكأنه جزء من أسطورة حية\. الجدران الضخمة، المصنوعة من الآجر البني الداكن، تمتد أمامه وتحيط به، تحمل بين طياتها أسرارًا قديمة لم تمحها الرياح ولا الزمن\. كان الهواء مشبعًا برائحة التراب والحجر المتآكل، وكأن البرج نفسه يتنفس تاريخًا منسيًا\. على هذه الجدران كانت النقوش تروي قصة بابلية خالدة، شخصيات محفورة بدقة فائقة، كأنها تجسد مشاهد من العصور الغابرة\. أمام عينيه، ظهرت رسومات توثق أسطورة عظيمة: الإله نيرغال، الإله البابلي الذي كان يحكم العالم السفلي ويجلب الموت والخراب، يقف شامخًا في مواجهة التنين الأسطوري تيامات، ذلك الوحش العملاق الذي يمثل الشر والقوة غير المروّضة\. جسد تيامات يلتف حول الجدران في دوائر لا نهاية لها، وتبدو عيناها، المرصعتان بأحجار داكنة لامعة، وكأنهما تراقبان الداخلين إلى البرج، تقيّمهم بصمت\. نيرغال، بملامحه الجبارة وسلاحه المتألق، ينقض على تيامات في مشهد ملحمي\. تفاصيل المعركة محفورة بعناية، حتى أن تعابير الغضب والقوة في وجه نيرغال بدت وكأنها نابضة بالحياة، بينما التفاف جسد تيامات وأجنحتها الهائلة كان يوحي بالقوة الجامحة التي يحاول الإله السيطرة عليها\. هذه المعركة لم تكن مجرد قصة محفورة، بل رمزًا لانتصار النظام على الفوضى، والصراع الأبدي بين القوى السماوية والوحوش البدائية\. تحت هذا المشهد الأسطوري، امتدت نقوش كتابية بالخط المسماري، كانت الكلمات المحفورة قديمة جدًا، لدرجة أن بعض حوافها تآكلت بفعل الزمن\. كانت تتحدث عن قوة الآلهة وحكمتهم، وعن الأسرار التي أودعت في البرج، حيث استخدمه الملوك والكهنة لمناجاة الآلهة ورصد حركة النجوم\. كانت تلك الحروف تهمس بقصص قديمة، عن بداية الكون وخلق البشر، وعن الطقوس الغامضة التي كانت تقام داخل البرج في الأزمنة البعيدة\.  "منهل" كان يشعر وكأن الجدران تراقبه، تحكم عليه كما حكمت على آلاف الذين مروا من هنا قبله\. كل حجر وكل نقش كان يبدو وكأنه يحمل قصة، وكأن البرج بأسره ينتظر اللحظة المناسبة ليكشف له أسراره\. تردد الزمن من حوله، وكأنه دخل عالماً بين العوالم\. الكلمات التي عليه نطقها تكررت في ذهنه مرات عديدة، لكنه همس بها بصوت خافت: "تعال يا بازوزو\." مرّت لحظات صمت ثقيل، والشمس خفتت قليلاً خلف الغبار\. حاول "منهل" مرة أخرى، رفع صوته بقوة: "تعال يا بازوزو\!" لكن الرد لم يأتِ\. الخوف بدأ يتسلل إلى جسده، يملأه برعشة جديدة\. هل كان هذا كله وهمًا؟ هل أصبح وحيدًا أمام برج مليء بأسرار لا يفترض به اكتشافها؟ قبل أن تسيطر عليه أفكاره، تغيّر كل شيء\. الرياح اللطيفة تحولت فجأة إلى رياح حادة وباردة، محمّلة بأصوات خافتة وكأنها تأتي من أعماق الأرض\. شعرت الأرض والبرج وكأنهما ينبضان بالحياة، وكأن الماضي قد عاد لينبض في أحجار البرج\. ثم جاء الصوت، لم يكن بشريًا أو قادمًا من مكان محدد، بل كأن الكون نفسه ينطق: "لقد سمعتك من المرة الأولى\." استدار "منهل" ببطء، قلبه يخفق بشدة، والخوف يشلّ حواسه\. هناك، أمامه، وقف بازوزو\. لم يكن مجرد مخلوق من الأساطير، بل مزيج غريب من العالمين، بين البشر والظلام، بين الأساطير والآلهة\. بازوزو رجل عادي في الأربعينيات، طويل القامة، شعره البني الداكن مموج، وملامحه متناسقة مع لحية خفيفة\. لكن عيناه الزرقاوان، رغم صفائهما، كانتا تحملان عمقًا مخيفًا، وكأنهما تطلان على سر قديم\. معطفه الأخضر البالي تحرك بخفة مع الرياح، يضفي عليه هالة من الغموض، وكأن شيئًا أكبر بكثير يختبئ وراء هذه الهيئة العادية\. ثم تحدث بازوزو مرة أخرى، بصوت عميق، كأنما أتى من أعمق نقطة في الأرض: "لقد سمعتك من المرة الأولى\." توقف الزمن للحظة، وكأن الرياح حول "منهل" قد تجمدت\. كل شيء أصبح ابرد واكثر شرا، وأفكاره بدت وكأنها تهرب من مواجهة الرجل الذي يقف أمامه\. "بازوزو"، رغم هيئته البشرية، تجاوز الواقع\. عيناه الزرقاوان تحولتا تدريجيًا إلى لون أصفر ناري، وكأن وحشًا مخفيًا قد استيقظ بداخله\. قال "بازوزو" بصوت عميق وكأنه يأتي من زمن بعيد: "منهل لقد كنت في انتظارك\. أنا بازوزو، خادم الآلهة السبعة\. إن كنت تريد ولداً، فالأمر بسيط\.\.\. عليك فقط أن تهبه لنا\." ارتجف "منهل" داخليًا، لكنه تمكن من الرد بصوت مهزوز: "ابني؟ كيف يمكن أن أهبه؟ وماذا تقصد بخادم الآلهة السبعة؟" ابتسم "بازوزو" بابتسامة باردة، عينيه تشعان بالهدوء: "الآلهة السبعة تتحكم بما لا يمكنك فهمه، لقد كانو يحكمون العالم\. سنمنحك الولد الذي تريده، لكن بثمن\. ابنك سيحمل مصيرًا خاصًا، سيصبح الشعناذا الذي يحرر أسيادي من أغلالهم الأبدية\." شعر "منهل" بالقلق يتسلل داخله وقال بتردد: "الشعناذا؟ ما الذي تتحدث عنه؟ وكيف يمكن أن يكون ولدي جزءًا من ذلك؟" اقترب "بازوزو" خطوة وقال: "الشعناذا هو المفتاح لتحريرهم السابع بعد ست فتيات هكذا قالت نبوءة ادادا، السابع بعد ست فتيات\. ابنك سيحمل قوة الشعناذا القديمة، سيزيل الاغلال عن ايادي اسيادي، وسيفتح الأبواب المغلقة بين عالم البشر وعالمنا\. هذا هو مصيرك\.\.\. ومصيره\." ابتلع "منهل" ريقه بصعوبة وقال: "لا أستطيع قبول هذا\. لن أسمح لابني أن يكون أداة لشيء لا أفهمه\." تغيرت ملامح "بازوزو" في لحظة، كأن قناعًا انزاح ليكشف عن رعب حقيقي\. عيناه الزرقاوان تحوّلتا إلى بؤبؤين ناريين، يلمعان بلون أصفر كالبرق\. أطرافه تمددت بشكل غير طبيعي، وجسده تحول إلى مخلوق خشن بلون رمادي داكن\. انبثقت أجنحة جلدية مشوهة من ظهره، تصدر صوتًا حادًا كصرير الحديد\. وجهه أصبح شبيهًا برأس أسد مفترس، وفمه مليء بأسنان حادة، ينفث هواءً ساخنًا كجوف بركان\. أطرافه تحولت إلى مخالب، وقدماه إلى شكل يشبه أقدام النسور، وكأن الغضب المتراكم منذ آلاف السنين قد انفجر أخيرًا\. كان "منهل" يراقب هذا التحول البشع، جسده مشلول من الرعب، وكل ذرة في كيانه تدعوه للهروب، لكن قدميه رفضتا التحرك\. بعد لحظة بدت كأنها دهر، هدأ "بازوزو" وعادت ملامحه البشرية، بينما تحولت عيناه مرة أخرى إلى زرقة باردة\. رغم الهدوء الظاهري، كان هناك شيء خطير يتربص تحته\. تحدث بصوت عميق وكأنه قادم من اعتق العصور: "أنت تريد ولدًا، وأنا أستطيع أن أمنحك ذلك\. لكن لا شيء يأتي بلا ثمن اليس كذلك؟؟\. ابنك سيكون مميزًا، مليئًا بالقوة والمجد، لكنه يحمل قدرًا لا يمكن تغييره\. سيأتي تحقيق النبوءة اليوم الذي يكون فيه المفتاح لتحرير ملوك الآلهة السبعة من سجنهم\." ثم أضاف بغضب مفاجئ: "لا تكن ساذجًا مثل ذلك الملك الذي ضحى بكل شيء من أجل ماذا الشع\.\.\!" لكنه سرعان ما تمالك نفسه وقال بهدوء: "لا تخف، سيبقى بجانبك، يكبر في منزلك، لكن مصيره مرتبط بمصير أسيادي ساحرص على ذلك بنفسي\." كانت كلمات "بازوزو" ثقيلة على "منهل"، لكن جملة واحدة تمسك بها: "سيبقى بجانبي\." وبدون تفكير عميق أو تساؤل عن المستقبل، همس "منهل" بصوت مرتعش: "إذا كنت تستطيع إعطائي ولدًا\.\.\. فأنا أوافق\." ابتسم "بازوزو" بابتسامة غامضة، واقترب منه وهمس: "سنلتقي عندما يبلغ ولدك السابعة\." وفي ومضة، كما لو أن الظلال ابتلعته، اختفى "بازوزو" من المكان\. كل ما تبقى هو الصمت، و"منهل" الواقف في مكانه، مثقلًا بالقرار الذي اتخذه\. الآن، أدرك أن الصفقة تمت، وأن الحياة لن تعود كما كانت أبدًا\. بينما كان "منهل" في رحلته الغامضة، جلست "براق" في غرفتها، تحدق في الهاتف الصامت ودموعها تنهمر بصمت\. أصوات ضحكات البنات بالخارج بدت بعيدة وكأنها من عالم آخر، والسكون غمر الغرفة\. استعادت ذكريات لقائها الأول بـ"منهل" في الجامعة\. تذكرت نصيحة والدها: "أنت هنا لتدرسي، لا شيء آخر"\. لكن القدر كان له رأي آخر\. يومها، كادت أن تصطدم بعامود الإنارة، لولا صوت "منهل" ينبهها من بعيد: "احذري، يا فتاة المعطف الأحمر\!" في ذلك اليوم، كاد "منهل" أن يتركها تمر دون تعليق، لكنه قال بابتسامة خفيفة وصوت واثق: "يا فتاة المعطف الأحمر، لقد اختارك قلبي قبل أن تدرك عيناي وجودك\." ذلك الموقف ظل محفورًا في ذاكرتها، خصوصًا مظهره بقميصه المخطط بالأبيض والأسود الذي كانت تمازحه بشأنه: "لا أصدق أنني تزوجت صاحب قميص الحمار الوحشي\!" ماذا فعل لك هذا الحمار المسكين لترتديه وتنفجر ضاحكه قطع صوت الهاتف أفكار "براق"\. نظرت إلى الشاشة لترى رسالة من "منهل": "تم الأمر\." انقبض قلبها، وشعرت بموجة من القلق\. ماذا يعني؟ أسرعت بالاتصال، وانتظرت بقلق حتى جاء صوته المرتعش: "براق\.\.\. وافق على إعطائنا ولداً\." تجمدت للحظة، وكأن كلماته حملت معها رعبًا غامضًا\. سألت بصوت يملؤه الذعر: "ماذا تقصد؟" لكنه لم يرد سوى ببكاء مكتوم، وأضاف بصوت مكسور: "سنتحدث عندما أعود\." بعد انتهاء المكالمة، وضعت "براق" الهاتف جانبًا، وبدأ قلبها ينبض بسعادة غامرة\. نادت على "سعادة"، قائلة بحماس: "أحضري الفتيات\!"\. شعرت بأن ثقل القلق الذي كان يثقل روحها قد تلاشى، والآن، كل ما يملأ قلبها هو فرحٌ غير محدود\. رغم أنها لم تكن تفهم كل ما قاله "منهل"، إلا أن الكلمات "تم الأمر"، " لقد وافق ان يعطينا ولدا" كانت كافية لتغمرها بالطمأنينة\. احتضنت فتياتها الصغيرات وبدأت اللعب والرقص معهن، ضحكاتهن ملأت المنزل ببهجة غير عادية\. جسدها، الذي لم يتعافَ بالكامل بعد ولادة "مريم" قبل أسبوع، كان منهكًا، لكن سعادتها طغت على كل ألم، جعلتها تنسى الإرهاق\. كل حركة كانت كأنها احتفال بالحياة الجديدة التي تنتظرهم\. في تلك اللحظات، كان الفرح يعانقها كما تعانق هي بناتها، وكأن الكون نفسه يشاركها ابتهاجها\. ولكن وفي مكان بعيد في تلك الاثناء غادر "منهل" الساحة الخارجية للبرج بخطوات متعثرة، يبحث بيأس عن "لوغال"، ساحر بابل العظيم، لعله يعطيه بعض الاجوبة\. مر بجانب الجدران المتآكلة، يصرخ بصوت مملوء بالقلق: "لوغال\! أين أنت؟" لكن صدى صوته كان يتلاشى بلا إجابة\. حين أدرك أنه لا أثر له، تذكر أن "لوغال" أشار إلى بيته الطيني على أطراف المدينة\. انتعشت بداخله بارقة أمل، وقرر التوجه إلى هناك فورًا\. ركض باتجاه البيت الطيني، غير مبالٍ بالحرارة التي تخترق جسده تحت الشمس الحارقة\. كان كل نفس يأخذه يحترق في رئتيه، لكن عزيمته دفعت به للأمام\. حتى بعد أن انقطعت قطعة من حذائه بسبب الجري المستمر، لم يتوقف\. وأخيرًا، وصل إلى البيت الطيني\. وقف يلهث للحظة ثم صرخ بغضب: "لوغال\! اخرج الآن، وإلا دخلت وأخرجتك بنفسي\!" لم يكن هناك أي رد\. انحنى "منهل" ودخل من الباب الصغير المقوس، ليجد نفسه في بيت طيني قديم\. رائحة الطين الأحمر ممزوجة بعبق النباتات الجافة أعادته إلى زمن آخر\. رغم حرارة يوليو الحارقة في الخارج، شعر ببرودة مريحة داخل البيت، وكأن الجدران الطينية تحبس الهواء البارد\. الأرضية الطينية غير المستوية أصدرت صوتًا خافتًا مع كل خطوة، بينما النقوش العربية الغامضة على الجدران بدت له وكأنها شيفرة لا يفهمها\. في وسط الغرفة، وقفت سبعة أعمدة ضخمة من الطين، باردة الملمس رغم الحرارة\. حين لامس أحد الأعمدة، شعر برجفة خفيفة تسري في يده، وكأن العمود ينبض بحياة خفية\. الصمت في المكان كان عميقًا، ثقيلًا، وكأن البيت محجوب عن الزمن\. وبينما حاول "منهل" فهم النقوش على الجدران، شعر وكأنها تراقبه، وكأن شيئًا غير مرئي يحيط به من كل جانب\. التف منهل ليجد ورقة على الأرض ما مكتوب ادب الرعب في كيانه فقط كلمة واحد بخط احمر الدماء اهرررب هذا كل ما قالته تلك الورقة مشى منهل نحو الورقة وقام بالتتقاطها ويداه ترتجفان قام بقلب الورقة لرؤية ما مكتوب على ضهرها ليقرأ في عصورٍ غابرة، عندما كانت الأرض تتنفس تحت ظل الآلهة، سُطرت نبوءة قديمة على ألواح الطين في معابد سومر\. هذه النبوءة لم تُعلن إلا للكهنة والحكماء الذين يقرأون في النجوم، تتحدث عن مصير البشرية والعوالم السفلى\. نص النبوءة عندما تسقط سبع شهب من السماء، وحين تصمت الرياح في وادي سومر، سيولد الطفل الذي يحمل دماء البشر وقوة الشعناذا المنسية، اخ لست اخوات ليكمل السابع أسطورة الخلق\. في اليوم الذي تشرق فيه شمس بلا شعاع، وتذبل الورود في معابد إيتانا، سيقف الطفل على أعتاب أبواب العالم السفلي\. في البوابة السابعة من العالم السفلي، حيث ينام نيرغالو في ظلامه الأبدي، سيعود الملك القديم، ويحكم العوالم العليا والدنيا معًا\. احذروا يوم مجيئه، فالنيران ستشتعل في الأرض، والسماء ستغرق في بحر الموت\. وسيصبح العالم مملكة الالهه من جديد، إلا إذا وقف أحد أبناء البشر، ليواجه ابن الظلال، ويمنعه من تحطيم السلاسل القديمة\." وقف "منهل" وسط الغرفة مرعوبا بعد قراءة النبوءة عندما قطع السكون صوت غاضب: "من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟" التفت "منهل" ليجد شابًا قوي البنية، بثوب أبيض وعضلات بارزة، يلف رأسه بشماغ أحمر، وعيناه تشعان بالغضب والقلق\. قال الشاب بحدة: "هذا المكان ليس لك\. من سمح لك بالدخول؟" حاول منهل الحفاظ على هدوئه وقال: "أعتذر، لم أكن أعلم أن المكان مسكون\. أنا أبحث عن شخص يدعى لوغ\.\.\." تذكر فجأة أن لوغال أخبره أن الناس هنا يعرفونه باسم ماجد، فأضاف سريعًا: "أعني، أنا أبحث عن ماجد\. هل تعرفه؟" تغيرت ملامح الشاب إلى الحيرة وقال: "ماجد؟ لا يوجد هنا أحد بهذا الاسم\. هذا المكان ملعون\. أبي حذرني من الاقتراب منه\." شعر "منهل" بقلق يتصاعد داخله\. سأل: "ملعون؟ ماذا تقصد؟" أجاب الشاب، وقد بدا عليه التوتر: "لا أعرف التفاصيل، أبي يقول إنه مكان ملعون\. فقط لا يجب أن تكون هنا\." كانت كلمات "رحمن" تخرج بتردد، وكأن الحديث عن اللعنة يثير فيه خوفًا دفينًا\. شعر "منهل" باضطراب داخلي، لكنه تمتم بهدوء: "شكرًا لك\." ثم قال: "أنا اسمي منهل، ما اسمك؟" "رحمن\." "تشرفت بمعرفتك يا رحمن\. أبحث عن رجل يدعى ماجد\. رأيته قبل نصف ساعة، يرتدي معطفًا أخضر وعيونه خضراء، شعره بني فاتح ولحية قصيرة\." فكر "رحمن" قليلاً ثم قال: "لا أعرف أحدًا بهذه الأوصاف، لكن ربما والدي يعرف\. سأخذك إليه، فهو يعرف الجميع هنا\." \-\-\- بينما سار "منهل" بجانب "رحمن"، كانت عيناه تنجذب نحو برج بابل الضخم، الذي ارتفع أمامهما كعملاق قديم\. الطوب الأحمر المتشقق بفعل الزمن، والمبني على شكل حلزوني، بدا وكأنه يروي قصة حضارة عتيقة لا تزال صامدة رغم مرور القرون\. المنطقة حول البرج كانت مغطاة برمال ذهبية وقطع متناثرة من الحجارة، بقايا لمجد قديم\. الرياح الصحراوية تثير الرمال في الهواء، وتلال صغيرة تحيط بالبرج كحراس صامتين\. البرج نفسه، بعيونه الطوبية، بدا وكأنه يتحدى الزمن، شاهداً على ماضٍ عظيم\. سأل "منهل" بصوت قلق: "هل يمكنك أن تخبرني عن هذا البرج؟" كانت الأفكار تتصارع في ذهنه، يبحث عن إجابة واحدة: ما الذي ورط عائلته فيه؟ "رحمن" رد بصوت عميق، وهو ينظر إلى البرج: "هذا هو ما تبقى من برج بابل\. يُقال إن الملك إيتانا بناه\." توقف "منهل"، وقد أثار الاسم اهتمامه\. "إيتانا؟ لقد سمعت هذا الاسم من قبل\.\.\." تمتم لنفسه\. أومأ "رحمن" برأسه: "نعم، إيتانا كان ملكًا قديمًا، حكم هنا قبل آلاف السنين\. تقول الأسطورة إنه كان بلا وريث، وكان يتوق لولد\. فبنى هذا البرج ليصل إلى الآلهة، طالبًا منهم منحه ابنًا\." شعر "منهل" بقشعريرة تسري في جسده، القصة بدت وكأنها تعكس ما يعيشه الآن\. سأل بصوت منخفض، محاولًا السيطرة على مشاعره: "وماذا حدث بعد ذلك؟" ابتسم "رحمن" ابتسامة خفيفة وقال: "الأسطورة تقول إنه عندما وصل إلى قمة البرج، نزل طائر ضخم اسمه أنزو، وحمله إلى السماء\. أخذوه إلى الآلهة،وقد رائ زعيمهم نيرغالو، لكن لا أحد يعرف إن استجابوا لطلبها ام لا\." شعر "منهل" للحظة أن قدميه تخونانه، وكأن كلمات "رحمن" قد أصابته في الصميم\. كانت الأسطورة القديمة تحمل معنى أكبر، وكأنها تتحدث عن رحلته\. رغم الاضطراب داخله، أجبر نفسه على الهدوء، ونظر إلى "رحمن" بابتسامة متكلفة: "قصة مثيرة\." أومأ "رحمن" وهو يستمر في السير\. لكن "منهل" لم يكن قد تعافى بعد\. كانت الأسطورة عن صعود إيتانا تشبه ما يمر به، وكل خطوة نحو البرج زادت من ثقل الأمر عليه\. سأل "منهل" بفضول: "كيف تعرف كل هذا؟" ابتسم "رحمن" قائلاً: "من أبي\. هو خبير في تاريخ هذه المدينة\." اقترب "منهل" و"رحمن" بخطوات ثقيلة، والرمل يتطاير حول أقدامهما بفعل الرياح الساخنة التي تحمل معها ذرات الغبار\. حرارة الجو كانت تضربهما في وجهيهما، وكأن الهواء نفسه قد تحول إلى جدار غير مرئي\. رفع الرجل العجوز رأسه ببطء، وعيناه المرهقتان تراقبان القادمين\. ألقى "رحمن" التحية، بينما كانت نظرات الرجل العجوز تزداد حدة، وكأنه يحاول تقييم الشخص الغريب الذي يقف أمامه\. بنبرة مليئة بالفضول الحذر، سأل العجوز: "من هو ضيفك يا رحمن؟" شعر "منهل" بالتردد لوهلة، لكنه استجمع شجاعته وقال بصوت هادئ: "كنتُ أبحث عن رجل غريب\.\.\. قابلته مؤخرًا\. كان يرتدي معطفًا أخضر، وله عينان خضراوان لامعتان، وشعر فاتح اللون\. تحدث بطريقة غامضة، وكأنه ينتمي إلى زمن أو مكان مختلف\." بينما كان "منهل" يسرد قصته، شعر وكأن الكلمات تُثقل صدره مع كل جملة ينطقها\. كانت الرياح تهب من حين لآخر، جالبة معها أصوات بعيدة من الرمال التي تصطدم بالكشك\. كلما زاد عمق حديثه، كانت ملامح الرجل العجوز تزداد جمودًا، وكأن القصة تثير شيئًا دفينًا بداخله\. ثم، وبحركة بطيئة، لفت يد العجوز حول قارورة الماء الموضوعة أمامه على الطاولة\. كان يسحق القارورة بأصابعه حتى سُمِع صوت تكسر البلاستيك تحت قبضته\. الماء بدأ يتسرب ببطء، لكنه لم يلتفت إليه\. ارتفعت حدة أنفاسه ببطء مع كل لحظة تمر، قبل أن ينفجر فجأة بصوت خشن وممتلئ بالغضب: "هل تظنني أضحوكة؟ أنا رجل عجوز وليس لدي وقت لهذه الألاعيب\. ماجد الذي تتحدث عنه مات منذ اثنين وخمسين عامًا\! \-\-\- كانت كلمات الشيخ الأخيرة كالصاعقة على "منهل"\. جسده تجمد في مكانه، ولم يستطع استيعاب ما سمعه للتو\. ماجد\.\.\. مات منذ أكثر من نصف قرن؟