وجهين لعملة واحدة

وجهين لعملة واحدة

15 0

🌒 قبل أن يبدأ كل شيء\.\.\. "قالوا إن القصص تبدأ من أول لقاء، لكن قصتنا بدأت من أول لعنة\.\.\." فهل أنتم مستعدّون\.\.\. أن تُحبوا من لا يُحب؟ أن تُصدقوا كاذبًا وتُعانقوا قاتلًا؟ أهلاً بكم في لعنة العاشق\.\.\. حيث النهايات تُكتب في أول فصول\. \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ صحراء الهقار \_ الجزائر الصباح لم يكن مشرقًا\.\.\. بل مشحونًا كأن السماء تتهيّأ لارتكاب ذنب عظيم تهمس للأرض بأن الخطيئة تقترب\. الرياح تسلّلت بخفّة تلسع الجبال كما لو كانت تُنذرها بدويّ قادم\. أما هي\.\.\. مروى فوقفت على حافة الجرف شعرها يتطاير بعناد كأن الجبل نفسه يرفض الاحتفاظ بظلها\. خطواته تقترب بثباتٍ خلفها\.\.\. خطوات بلا تردّد كأنها لا تسمع صدى الخوف الذي يرتجف في صدرها\. نعم كانت تخافه يرتجف قلبها بمجرد تذكر ملامحه لا لأنه رجل مافيا\.\.\. فالعالم بأسره يتهامس باسمه كأنه لعنة\. بل لأنها تعرف جيدًا أن هوسه بها\.\.\. لا يُشبه حبًا بل يشبه حصارًا\. لقد تبعها حتى صحراء بلادها إخترق متاهاتها كأنما يقودها من خريطته الخاصة\. ومن منّا لا يعرف العروس الجزائر؟ الصحراء الجزائر\.\.\. تلك العروس المتخفية بثوبٍ من ذهب تسحرك بجمالها الأخّاذ تُرِي الزائر وجهها الهادئ أولاً: رمالًا كالعسل، كثبانًا كالأمواج، وسماءً صافية ترقص فيها الشمس ببطء كأنها تتغزّل بالرمل\. هنا يتوقف الزمان وتَصمت الضوضاء فلا يبقى سوى هدير الريح وهمسات التاريخ\. لكن ما لا تراه العين أولاً أن تحت هذه الرمال الممتدة تختبئ كنوز لا تُقدّر بثمن :حقولٌ من البترول، وشرايين من المعادن الثمينة تَمنح الوطن ثراءً وتُثير الأطماع\. إلا أنّها ليست لطيفة كما تبدو إنها متاهةٌ عظيمة\.\.\.حقا متاهة تظل طريقك اذا لم تكن مع دليلك أو مرشدك\.\. هي امرأة لا تُروّض\.\. قاسية في صمتها\.\. غادرة في هدوئها تُجيد إخفاء ملامحها وتُجيد أكثر أن تُضلّ من لم يُحسن فهمها\.\.هي أرض العطش والمرآة الكاذبة والسراب الذي لا يروي\. من أحبّها حد الهوس هلك في عشقها ومن استهان بها التهمته قسوتها\.\.هي سيدة المكر والهيبة\.\.لا تفتح قلبها إلا لمن صبر عليها وفهم لغتها الخفية\.\.\.\.هي صحرائنا\.\.\.صحراء الجزائر\. حتى ليونارد أعرب عن إعجابه بها بقوله: "آه،صحراءهم\.\.\. يا لها من أرض عظيمة صامتة لكن تحتها ينام الذهب والبترول وكل ما يُشعل حروب العالم\.\.\.هنا لا قوانين لا شهود\.\.\. لا كاميرات مراقبة\.\.\. يمكنك قتل رجل ودفنه تحت طنّ من الرمال ولن يسألك أحد\.\.الأرض تبتلع الأسرار بشهية" إخترق سكونها صوته\.\.\. ذلك الصوت الذي يشبه السخرية مُغلّفة بهدوء القتلة: "إقفزي\." أردف بنبرة باردة وكأن القفز لعبة\.\.\. وكأن الموت دعوة إلى الرقص\. إستدارت نحوه بعينين بلون الجليد لكن نارًا تتراقص فيهما\. أردفت بصوت مكسور لكنه عنيد بصوت مرتجف نوعا ما ضغطت أظافرها على راحة يدها وقالت: "اقترب خطوة أخرى\.\.\. وأقسم أنني سأقفز\!" نظرت إلى الهاوية كأنها تناديها وتهمس: "تعالي\.\.\. فلا ملجأ لكِ من ظله سواي أنا نجاتك الوحيدة صدري الحنون وسكوني أبعد من عنفِه\." هي تتمنى الموت نعم\.\.\. الموت أهون من أن تُصبح عبدةً لرجلٍ مثله أن تختفي\.\.\. ولا تُسجَن في قفص من هوسه\. ضحك\.\.\. لكنها لم تكن ضحكة بشر بل كانت صوت الظلام وهو يسخر من الضوء\. ليونارد كريغ الرجل الذي علّموه كيف يُخضع العالم دون سلاح ملك الظلال\.\.\. الذي ارتكب مجزرة في الثامنة عشرة ثم تابع حياته كما لو كانت تجربة مخبرية\. وها هو يقف أمام فتاة تهدده بالسقوط\.\.\. ولا يعرف إن كان يريد إنقاذها\.\.\. أم مشاهدتها تهوي لينزل معها إلى الجحيم\. عيناه تقول عكس ما يفعل يرها بتعجب كل مرة تبهره بشيء ما وتصدمه أكثر\.\.\.يا لها من إمرأة \. معجب بقوتها التي لا تساوي شيئا أمامه\.\.بكبرياءها يرفع لها القبعة لتمردها الجامح الذي لا حدود له\. اقترب خطوة أخرى\.\. والهواء بينهما انكمش حتى كاد يختنق "أنتِ لن تجرئي\.\.\. لكنني أرجوكِ أن تفعليها لأراكِ تسقطين\.\.\. في أحضاني" لتمردها حدود ليست مجنونة لتلقي نفسها للهاوية\.\.لن تتهور لتلك الدرجة هذا ما كان يقنع نفسه\. تجمد وجهها\.\.\. وهمست في داخلها: "أهو مجنون؟ أم شيطان؟ يا رب\.\.\. ما الذي فعلته لأُبتلى به؟" ارتجف قلبها\.\.\. تشعر بأن نبضات قلبها إجتازت معدلها الطبيعي \.\.\.لكنها لم تتراجع هي ليست ضحية\.\.\. ليست اسمًا في قائمة أهدافه\. إنها مروى التي تعلّمت من الألم أن تتجمّد\.\.\. لا أن تبكي\. نظرت إلى الجبال ثم إلى ليونارد الذي يقترب منها كأنه يقيس خطواته على نبضها كانت تدرك أن لا مهرب\.\.\. لا مراوغة بعد الآن\. فإما مواجهة مباشرة\.\.\. أو سقوط يُنهيه\. الرياح صرخت في أذنها\. والجبال صمتت إجلالًا لهما\. ثم\.\.\. بعيونٍ يملؤها التحدي وقفت على الحافة\. و \.\.\. قفزت\. عينيها مغلقتان\.\.\. كأنها ترجو من السقوط أن يحررها\. لكن لحظة سقوطها لم تكن موتًا\. بل ولادة\. إلى أين؟ لا أحد يعلم\. لكن المؤكد أن هذا السقوط\.\.\. لن يكون الأخير\. Flash back \_قبل شهور عندما دنت عقارب الساعة من العاشرة صباحاً توقفت السماء فوق شبانداو عن زرقتها المعتادة وارتدت ثوبًا رماديًا كثيفًا كأنها تشارك الأرض حزنها كأنها تعلم ما سيحدث في أحشاء هذا الصباح الصامت\. في شارع "فرايهايت"حيث تتراصّ المصانع الصدئة والمستودعات المهجورة كقبور صناعية تخنق أنفاس الزمن زحفت ثلاث شاحنات ببطء يتبعها طيف أسود لسيارة فارهة تتقدم جميعها بهدوء قاتل\. لا شيء ينبض بالحياة هناك سوى صفير الريح وهو يعزف سيمفونية برد خفي يتسلل بين قضبان الحديد ويهمس: "من دخل هنا لن يخرج كما كان"\. في الركن الشمالي الغربي لشبانداو حيث يلتقي نهر هافل بقناة فيستهافن يقبع "رصيف الظلال" \- معقل تبادلٍ مظلم يتبع القسم الأسود على بعد دقائق من القلعة التاريخية وسط أرضٍ خربة تآكلها الزمن تطوّقها بقايا مصانع الحقبة النازية وآثار الحرب الباردة\. نزل ليونارد كريغ أولًا بخطى ثقيلة كأنها تُشعر الأرض بهيمنته كانت هالته سوداء لا تشبه شيئًا على هذه الأرض بجانبه ظهر ميشيل لافوازييه عابس الملامح لكن عينيه تشعّان بجنون متلصص كطفل وجد لعبته المفضّلة بين أنقاض حرب\. عندما نقول ليونارد لابد من وجود ميشيل كأنهما جسد بظله هكذا علاقتهم لهذه درجة لا يفترقان\.\.\. هل رأيتم أحدا ليس له ظله\.\.\.بتأكيد لا\.\.\.لا يعقل هذا \. لو هتف الموت باسم ليونارد لإبتسم له ميشيل كمن يعرف المآل وسار خلفه كظلٍّ أقسَم ألا يُفارق صاحبه ولو ابتلعته الجحيم ذات أنفاس\. لو إختصرنا علاقتهم في كلمتان لكانت "عملة بوجهين"\. تمَ التبادل بصمت صناديق معدنية مُحكمة محتواها: أسلحة بيولوجية مرمّزة وأخرى ذكية محظورة دوليًا كأنهم يبيعون فناً قاتلاً للعالم\. همس ميشيل ساخرًا وهو يراقب الأسلحة: "حين يُقتل شعبٌ كامل بأسلحتنا\.\.\. أشعر وكأننا نمنح العالم عرضًا فنياً يستحق التصفيق\." كم يحب الفوضى بل يعشقها لا يتنفس دون إحداث الخراب في أرجاء\. لكن اللحظة لم تكتمل\. صافرة قناص\.\.\. ارتطام حذاء ثقيل فوق السطح\.\.\. وصوت كالزلزال شقّ سكون الخراب: "FBI\! الجميع على الأرض" قنابل صوتية مزقت الهواء أعقبتها طائرات درون تقصف صمت السماء بضجيجها الحديدي\.\. كأن الجحيم قد فُتح بابُه\. اصطف رجال القسم الأسود خلف السيارات أصابعهم على الزناد أجسادهم متأهبة كحيوانات مفترسة\. نظرة واحدة تبادلوها لم تكن تساؤلًا بل تهديدًا: "هناك خائن\." ومن العتمة خرج رجال الإنتربول مدججون بالسلاح يتقدمهم رجل ذو ملامح جامدة كالثلج وابتسامة لا تشي بالحياة بل بالموت نفسه: فيكتور\. ثبّت عينيه على ميشيل وقال ببرودٍ ساخر: "ميشيل\.\.\. لم تتغيّر كنت أعلم أن كل أمرٍ ملطخ بالدم تكون أنت سيده\." ضحك ميشيل قهقهة مجنون وسط الرصاص وفتح ذراعيه وكأنه يعانق الدمار: "آه يا فيكتور\.\.\. ظننتك لا تزال غاضبًا لأني أرسلت لك رجالَك في تابوت فرنسي أنيق\.\.\. لمسة ذوق هدية لجهودك\.\!" ثم بدأت المذبحة\.\.\. كأن الشياطين انفجرت في الهواء\. تحرك ليونارد كأنفاس الموت صامتًا قاتلًا دقيقًا كأنه نصل يتسلل عبر الضباب بمسدسهHeckler & Koch VP9\. وميشيل؟ كان يطلق النار وكأنه يعزف سيمفونية جحيمية\.\.\. راقصًا بين الرصاص بمسدسان من نوع SIG Sauer\. الجثث تتهاوى كأوراق خريف ملعونة الرصاص يتطاير الدماء تتناثر والابتسامات لا تعرف للنهاية طريقًا\. ثم من نافذة عالية\.\.\. طلقة واحدة دقيقة كنبض قلب حاسمة كقدر اخترقت رأس قناص كاد يردي ليونارد\. سقط ميتًا ورائحة البارود تمزج الهواء برائحة الخيانة\. ظهرت ظلّها\.\.\. فتاة بشعر أسود كأحشاء الليل وعينان فولاذيتان لا تعرفان الرحمة\. إنها لورا\.\.\. إحدى السبعة من السود\. اخترق صوتها سماعاتهم: "ظننت أنكم ستحتاجون تغطية أيها الفوضويون\." ابتسم الثنائي بمتعة وعلّق ميشيل بعبوس مصطنع: "لورا\.\.\. متأخرة كعادتك\." ردّت بسخرية وهي تعيد تعبئة سلاحها: "لا تكن مملاً يا أخي\.\.\. الموت لا يتأخر لكنه دائمًا ما ينتظرني\." قال ليونارد بصرامة: "لورا\.\.\. لا تغادري قبل أن تتركي لفيكتور تذكارًا مفهوم؟" أومأت وهي تبتسم بشغف: "لك هذا يا زعيم\.\.\. سأترك له أثرًا لن ينساه أبدًا\." أضاف ميشيل بمسرحية حزينة: "لكن لا تسرقي روحه\.\.\. أريد أن أكون القاتل الرسمي\." اشتعلت المعركة من جديد وبدأت الكفة تميل لصالح القسم الأسود\. كل ثانية تسقط معها روح من رجال الـFBI والرصاص كأنما يُكتب بقلم جحيم\. صاح ليونارد بسخرية وسط تبادل النار: "فيكتور\.\.\. يبدو أن نهايتك قد حانت يا للأسف\." لكن قبل أن ينهي كلمته\.\.\. طلقة اخترقت كتف فيكتور دماؤه القرمزية نزفت كنافورة ألم على ذراعه\. صرخة شقت السماء: "بينچو\! في الهدف\!" ميشيل بحنق أخوي: "شبح\! قلت لك لا تصرخي هكذا\! سأجردك من شيطانتك\!" ضحكت، وأطلقت طلقة تحذيرية من قنّاصتها الدقيقة Heckler & Koch PSG1 قرب قدمه: "أوبس انزلقت مني حضرة الذئب\." بدأ رجال الإنتربول بالانسحاب بعد إصابة قائدهم\. صاح أحدهم: "لينسحب الجميع\.\.\. الآن\!" قهقه ميشيل وهو يراقبهم يفرّون: "لا تمُت الآن يا فيكتور\.\.\. لم أستمتع بعد\." وبعد انسحابهم تجمّع رجال القسم الأسود كاملين دون فقدان أحد\.\.\. صامدين\.\.\. قاتلين\.\.\. واقفين فوق أرضٍ كُتبت بلغة الدم\. 🔪🔪🔪🔪🔪🔪\.\.\.\.\.\.\.\. في الجهة المجاورة لبرلين أو حياة أخرى فيها \.\.\. تنفست المدينة على وقع المطر الخفيف قطراته كأنها نقرات أصابع باردة على زجاج النوافذ الغيوم تتسكع فوق المباني العتيقة ترفض الانقشاع وكأنها تؤجّل شمس الربيع عمدًا\. الهواء قارص يلسع الجلد بلطف لاذع والمدينة تكتسي بذلك الرماد الدائم الذي يُشعرك أن الحياة تمضي لكن ببطء وبصمت ثقيل\. داخل قاعة المحاضرات في جامعة "هومبولت" تنتشر المقاعد كما لو أنها تخشى الاقتراب من بعضها\. الطلبة متوزعون في صمت متقطع بعضهم يحدّق في شاشات هواتفهم وآخرون يتصفحون ملاحظات بائتة بحثًا عن تبريرٍ لهذا الصباح الباكر\. تمام العاشرة ونصف فُتحت الأبواب الخلفية للقاعة وعبر الأستاذ كارل ماير عتبتها بخطى ثابتة رجل خمسيني يحمل ملامح الزمن على جبهته وعينين قادرتين على الغوص في دواخل الطلبة قبل أن ينطقوا بكلمة صوته هادئ لكن فيه من الحزم ما يجعل الكلمات تُسمع حتى إن لم ترفع\. وقبل أن يبدأ فتحت الأبواب مجددًا بقوة خفيفة تحمل صخبًا مألوفًا\. مروى وريما دخلاتا معًا كما تفعلان كل صباح تضحكان بخفوت بين أيديهما أكواب قهوة دافئة تنبعث منها رائحة البندق ودفاترهما محتضنة بين الذراعين وكأنهما جزء من شخصٍ واحد له جسدان\. دون أن يرفع عينيه قال الأستاذ كارل بنبرة ساخرة مغمّسة بالعفوية: "ها قد دخل وجه العملة المزدوجة إن أردتَ ريما فابحث عن مروى\.\.\. وإن ضاعت منك مروى فستجد ريما تلوّح لك من الزاوية\.\.\.لا داعي للتفريق بينكما أنتما وحدة نفسية واحدة\." ضحكات خفيفة تتناثر بين الطلبة\. في الصف الثالث مقعداهما الدائم إتجهتا إليه بخفة العارفين بمكانهم وكأن مقاعد القاعة تحفظ وجوههم\. همست مروى وهي تضرب مرفق ريما بنعومة وبنبرة مشاكسة أردفت: "سمعتِ؟ حتى العلم يؤمن بنا" غمزت ريما وهي تفتح دفترها وإبتسامة لا تغادر ملامح وجهها: "أستاذ علم النفس قالها\.\.\. هذا تشخيص رسمي\." رفع كارل نظره إليهما عيناه لحظتها تشبهان عدسة كاميرا تُركز على مشهد يُكتب ليُخلد: "أحيانًا الرابط النفسي بين اثنين\.\.\. أقوى من الدم لكنه هشّ كخيط حرير تحت ثقل المطر\.\.\.\. النفس البشرية لا تعرف الاستقرار حتى أقرب الأرواح قد تتحوّل إلى خصوم حين يُخلط القدر بالاختبار\." أردفت مروى بجدية تحمل نوعا من المزاح: "جميل الكلام لكن لا ينطبق علينا" \. \. \. \. شارعٌ نابض بالحركة تعبره السيارات والدراجات كأنها أسرابُ نملٍ لا تكلُّ\.\.\. نهارٌ رماديّ تتسلّل فيه خيوط الشمس خجلة من بين الغيوم والبرد يلامس الوجوه كما لو كان أنفاس شبحٍ بارد\.\.\. الطلاب ينسحبون من الجامعة دفعاتٍ دفعات كأنهم أوراق خريفٍ تتطاير من شجرة المعرفة تحملهم الريح نحو يومٍ جديدٍ من الركض\. خرجت مروى وريما من قاعة المحاضرات وقد تثاقلَت خطواتهما تحت ثقل الكتب والأوراق وعلامات الإجهاد مرسومة على وجهيهما كأنّ الليل قد مرّ عليهما دون استئذان\. ريما تمطّ جسدها بأنينٍ متعب بينما خرجت كلماتها من فمها وكأنها شظايا سخرية: "يا لطيف\! دماغي طُحن طحنًا\.\.\. من اخترع مادة علم الأعصاب؟ كان يجب أن يُسجن بتهمة العبث بأدمغة الأبرياء\!" ضحكت مروى تلك الضحكة الخفيفة التي تُشبه حفيف نسيم في هدوء المقابر وردت بنبرةٍ هادئة فيها من الحِكمة ما يُثير الدهشة: "على الأقل علمنا أن الأعصاب تتعب\.\.\. مثلك تمامًا\." رفعت ريما حاجبيها وقالت بحدةٍ درامية لتذكرها العذاب القادم: "والآن ننتقل من طحن الدماغ إلى طحن الأقدام\! نادلات في مطعم مكتظ بالبشر الجائعين\.\.\. آه يا قدري ما أشقاك\!" هما يعملان في مطعم قبل أسبوعان تقريبا وهو مثل كابوس لا يأبى الزوال على ريما\.\.\.تعمل مجبرة لتلبية حاجياتها\.\.وإلا ماذا تفعله مع مجموعة متعجرفين\. مضيا في الشارع الرمادي حتى وقفا أمام مطعمٍ فخم يفوح منه الثراء الفاحش ممزوجًا بهمسات الزبائن وضحكاتهم مصطنعة وصوت الموسيقى الكلاسيكية التي تطغى على المكان وكأنّ المكان مسرحٌ تفاخر \. أردفت ريما بحنق: "ها نحن ذا مع عصبة متملقين ياللسخرية" لوح صاحب المطعم رجلٌ ألمانيّ في الخمسين من عمره عابس الوجه دائم التأفّف بدأ بصراخ كعادته من خلف منضدته: "لقد تأخرتما مجددًا\! عشر دقائق\! الوقت بمال يا آنساتي\!" رسمت ريما على وجهها ابتسامة مُجبرة ثم مالت برأسها نحو مروى وهمست بالعربية بنبرة ساخرة تقطر لؤمًا لطيفًا: "يا ابن الستين شيطان\! هل نطير\.\.\. وقتك هو فضيحة ليس مالا\.\.\. عشر دقائق وكأننا عطّلنا قطار برلين\!" إكتفت مروى برفع أكتافها بإستسلام \. إرتدت ريما مئزرها بتنهيدة عميقة وأضافت وهي تُجاهد لرفع معنوياتها: "قسَمًا بالله هذا العمل يجعلني أحنّ لرعي غنم جدي\!" ضحكت مروى وردت عليها بنبرةٍ هادئة تشوبها مسحة من التفلسف: "ريما\.\.\. فرويد قال: الإنسان يعمل ليتأقلم مع قسوته الداخلية والبيئة من حوله وأنتِ الآن\.\.\. تتأقلمين بسببه" أردفت وهي تنصب عيناها زرقاوتين على صاحب المطعم\. إنفجرت ريما ضاحكة تقبض على بطنها كأنها تمنع ضحكتها من الهروب: "فرويد كان يجب أن يعمل معنا ليومٍ واحد فقط\.\.\. لكان مزّق كتبه بيده وأعاد النظر في كل شيء\!" بدآ بالعمل\.\.\. ريما تتحرك كظلٍ مشاكسٍ بين الطاولات تحمل الأكواب وتوزّعها بسرعة تحاول رسم ابتسامة على وجهها رغم أن ملامحها تصرخ بلغةٍ لا يفهمها إلا من جرب الإنهاك: "أنقذوني"\. أما مروى فكانت نقيضها تماما تسير بخفة كأنها ترقص رقصة ناعمة على لحنٍ داخلي لا يسمعه سواها تحمل الصحون بأناقة تنحني برقة للزبائن وتعتذر بلغة مهذبة يختلط فيها خجلها الساحر برقة حضورها ، الزبائن المعتادون يلوّحون لهما وبعضهم يبتسم في صمت كأنما وجودهما صار جزءًا من ديكور الذاكرة\. همست ريما بعينين تلتمعان رغم التعب: "لو كانت هناك باكالوريا في خدمة المطاعم لحصلنا على معدل عشرين كاملة\!" إبتسمت مروى وهي تعدل أكواب في صينية وأجابت برقة: "والميدالية الذهبية تذهب لملكة الصراخ: ريما\!" تبادلا النظرات تلك النظرات التي تُختصر فيها صداقات العمر وتفاصيل القهر ثم ضحكتا رغم التعب رغم الإرهاق رغم كل ما يقف على أكتافهما من ثقل\. ضحكتا كمن قررتا التمرد على الواقع بقهقهة وأكملا العمل كما إعتادتا وكأن الضحك وحده هو الحصن الأخير في حربٍ لا نهاية لها\. 🔪🔪🔪🔪🔪\.\.\.\.\.\.\. الظلام كان كثيفًا لا يشبه الليل العادي بل ليلًا تشكّل من الغضب ذاته من لعنة لا تغفر\. أبواب القصر تُفتح على مصراعيها وعلى عتبتها وقف ليونارد كريغ\.\.\. الرجل الذي تهمس باسمه أقبية الجريمة وتنكمش له صدور الزعماء\. إلى جواره ميشيل لافوازييه الذئب الفضي الغامض المتقلب وشريكه في الموت والدم\. الهالة السوداء تحيط بهما كغلالة دخان شيطانية تتلوى حول أكتافهم تنبع من أعينهم لا من الظلال\. الرجال الواقفون على جانبي المدخل المحاربون المدربون على القتل تراجعوا بخوف لا إرادي كأن أجسادهم التقطت إشارة خفية تقول: اليوم ليس يومكم إن أخطأتم في النظرة\. صوت ميشيل شقّ الصمت مثل سيف على عنق: "نادوا للسود\.\.\. ولأفراد اللهب فورًا اجتماع طارئ في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل\." صرخته ارتدت في الجدران كأنها أمر إعدام لا يُلغى\. \. \. في مكان آخر \_ الساعة التاسعة والنصف مساءً في مقر "أفراد اللهب" برج أحمر يقع وسط المنطقة الثالثة جلست القائدة كارمن لا فيورا ذات العينين العسليتين اللتين لا ترمشان إلا حين تسقط الجثث\.\.سمراء البشرة ذات عشرينيات أصغر فرد في أفراد اللهب\. إلى جانبها كان القادة الأربعة: راينر "الرمح الحي": يترأس منطقة الأسلحة الثقيلة جسده كأنه من معدن لا يُكسر\.\.\.رجل عصبي بكل معنى الكلمة لا يحتمل أحد في ثلاثين من عمره\. فارو "ذو القناع": خبير التسلل والتفجير لا يُعرف وجهه\.\.\.مختل بحق يحب العبث بكل شيء يثير إنفجار\.\.\. أذنه يجب عليها سماع سيمفونية الموت تتداعى في الأرجاء\.\.\.يقولون أنه وسيم بدون قناعه لا أحد رأى ملامح وجهه إلا من كان يتلفظ أخر أنفاسه تحت قدميه بعمر يناهز 28 سنة\. سيرافينا "الجمرة الصامتة": محترفة السموم تتحدث مرة وتقتل ثلاثًا\.\.\. جمالها أخاذ العقول مثل سمومها شقراء بعمر يناهز 29 سنة \. إلياس "النصل المزدوج": قائد المناورات الميدانية قاتل دون رحمة\.\.\.\.عربي أصل ذات خصلات سوداء وعيون زرقاء اللون\.\.\.يقولون أنه ينام بمسدساته يشبهونه بعشقه لسلاحه بلورا بعمر يناهز 28\. رنّ جهاز الإنذار الفضي غير المعتاد\.\.\.الدال على طلب حظورهم إلى الإجتماع\. أردفت كارمن وهي تحدق في الرسالة المشفرة: "إنه ليس وقت اجتماع\.\.\. ما الذي حدث؟" تبادلوا نظرات ثقيلة فهموا فورًا: الأمر جاء من ليونارد كريغ نفسه لا أحد يستدعيهم في هذا الوقت دون سبب يمس وجودهم\. \. \. \. في الجهة الأخرى \- "السود " أو ما يلقبون بالسبعة في عمق المقر السري الواقع تحت الأرض في المنطقة رقم 0 اجتمع أفراد السود التنظيم الذي يدير العصب الحيوي للعالم السفلي\. كانوا سبعة\.\.\. أشباحًا بأسماء بشر يحكمون المال والاستخبارات والتهريب والشحن والاغتيالات والأنظمة السرية\. لورا لافوازييه: قناصة أسطورية بيضاء البشرة شعرها أسود كلون الرصاصة الأخيرة أخت ميشيل تدير وحدة الاغتيالات الخاصة لا تبتسم إلا بعد القتل\.\.\.يقولون عليها فاتنة وراء الجدران، أجمل من أخيها ذات عيون زرقاء\.\.\.تعشق قناصتها أو ما يسميها ميشيل شيطانتها\.\.\.ذات عمر يناهز 20سنة\. غابرييل "الخازن": الرجل الذي يعرف أين تُدفن الأموال وأين يُغسل الدم\.\.\.حاد الطباع ذو عيون زرقاء تميل أكثر الى رمادي بعمر 24 سنة \. نوا "الظل": سيد الاستخبارات يرى كل شيء ولا يُرى\.\.صاحب نظارات عيون بنية وشعر كثيف وبشرة بيضاء بعمر 22سنة\. إيزابيل "الرحّالة": مسؤولة الشحن والممرات الدولية باردة كثلج السويد\.\.بيضاء بشرة ذات عيون حادة سوداء بعمر 21سنة\. فريديك "العقرب": مسؤول السموم والتحقيقات السوداء\.\.يرهب كل من وقع بين يديه\.\.\. ذات عيون بنية بعمر 24\. أليكسندر "الخيط الأحمر": المتحكم في شبكات المعلومات الإلكترونية\.\.\.توأم حقيقي لنوا\. إيفا "الراصدة": تراقب الكل من بعيد ذات نظرات ثاقبة حتى ليونارد لا يثق تمامًا بنظراتها\.\.\.ذات خصلات برتقالية اللون وعيون خضراء ، بيضاء البشرة تزينها نمش خفيف\. بإختصار أفراد عصابة القسم الأسود كلهم بالعشرينات من عمرهم\. السبعة أصغر من أفراد اللهب من الفئة العمرية\. حين تلقوا الأمر لم يتكلم أحد\. كان الصمت نفسه يُصاب بالتوتر حين يجتمعون\. 🔪🔪🔪🔪🔪\.\.\.\.\.\.\. ليلة باردة \- شوارع المدينة غفت المدينة على وتر المطر يهمس فوق أرصفتها بقطرات رقيقة كالنداء\. أضواء المصابيح تنعكس على البلل ترسم على الأرض لوحات من ذهب وذكرى والهواء يحمل برودةً تشبه لمسة أم حانية\.\.\. أيقظها الحنين\. خرجت ريما أولًا من المطعم نزعت مئزرها الأبيض بعصبية وكأنها تخلع عن روحها عبء القيود رفعته بكسل وألقته في الحقيبة بعشوائية\. وتنهدت\.\.\. بعمق\. تبعتها مروى بخطى متثاقلة تمدّ رقبتها بحركة نصف آلية وكأن يومها سُحب من عمرها\. وفجأة\.\.\. توقفت ريما تحدّق في ساعتها كمن سمع نبأ النهاية\. جحظت عيناها وانفجرت قائلة: "يا مصيبتناااا\!\! الساعة الآن 22:55\! خمس دقائق ويُغلق باب السكن\!" أردفت مروى دون أن ترفع حاجبيها بنبرة تعبٍ مبلل بالسخرية: "نعم\.\.\. وسندخل التاريخ كثنائي نام فوق الرصيف لأجل باستا وزبونٍ لا يعرف الرحمة\." قهقهت ريما وأمسكت بيدها فجأة وصرخت: "اركضي يا امرأة\! الحلال في خطر\!" وانطلقتا\.\.\. ركضتا والضحك يتقافز بين أنفاسهما متعثرتان على الأرصفة المبللة تصرخان كطفلتين هاربتين من قيد الواقع\. الهواء يصفع وجوهيهما بلطافة قاسية أحذيتهما تنقر الأرض بإيقاعٍ يشبه قلبًا متسارعًا بعد نوبة حبٍ مفاجئة\. صرخت ريما وهي تلهث وتضحك: "لو تمرّنا قليلاً\.\.\. نلحق بالأولمبياد\!" أجابت مروى، تضحك رغم الإرهاق، ووجهها يضيء باللحظة: "أو نلحق بالسكن\.\.\. قبل أن نصبح خبراً في الصفحة الثالثة\!" ومع كل خطوة كانت الدنيا تبدو أقل قسوة\.\.\. كأن المطر يصفق لهما من فوق والليل يفسح لضحكاتهما الطريق\. وصلتا أخيرًا\.\.\. طرقتا باب السكن الجامعيّ كمن ينقذ نفسه من الغرق والثواني تتهاوى على عقارب الساعة كأنها تتآمر على مصيرهما\. الباب يُفتح قبيل أن يلفظه الزمن خارجًا\.\.\. دقيقة واحدة فقط فصلت بينهما وبين المبيت على أرصفة البلل\. انحنتا تلهثان صدورهما تصعد وتهبط كأنّ القلب يرقص فرحًا ونجاة\. ثم\.\.\. انفجرتا بالضحك ضحك خالص طازج يشبه دفقة ماءٍ باردة في وجه يومٍ متعب\. \. \. \. في الداخل الغرفة الصغيرة تستقبلهما بهدوئها المعتاد\. جدرانها تلوّنت بصورٍ ورسوماتٍ كأنها ذاكرة حيّة تنبض بالقصص\. الأضواء خافتة تهمس وتلقي ظلالًا ناعمة تتماوج فوق وجهين مرهقين لكن السعادة تسكن أعينهما كنجمة اختارت أن لا تغيب\. منتصف الليل ذلك الوقت الهشّ الذي تتشابك فيه الأنفاس المتعبة مع الأحلام الصغيرة\. جلست مروى على الأرض ساقاها متشابكتان وأمامها لوحة كبيرة تستند إلى الحائط\. تغمس فرشاتها في لون داكن تمرّرها بهدوء على سطح القماش وعيناها تسبحان في عوالم لا مرئية\. كأنها تهرب إلى مكان لا يعرف الصخب لا يعرف الضجيج بل يحتضنها بهدوءٍ يشبه حضن الغيم\. وفي الجانب الآخر فوق السرير كانت ريما تستلقي كقطةٍ وجدت أخيرًا دفء حضنها وسادة وراء ظهرها وكتاب مفتوح بين يديها\. عيناها تتلألآن بالحماس شفاه تهمس بالكلمات كمن يترنّم بأغنية خفية\. بصوتٍ حالِمٍ خفيف قرأت: "نظر إليها بعينين قاتلتين وقال: أنتِ لي حتى لو احترق العالم\." توقفت لوهلة و زفرت تنهيدة ثقيلة كأنها أفرغت في الهواء حلمًا دفينًا و قالت: "آه يا إلهي\.\.\. ليتني كنتُ حبيبة رجل مافيا\! على الأقل\.\.\. بدلًا من غسل الصحون كنتُ لأغسل الدماء عن بدلته الأنيقة\!" رفعت مروى بصرها من لوحتها وغمزت لها بخفة: "وترسلينه للقتل إن نسي الاعتذار بعد خصام بسيط؟ أنتن يا عاشقات الخطر\.\.\. مدرسة مستقلة في الانتقام\!" قهقهت ريما ولوّحت بالكتاب كمن يلوّح براية ثورة: "على الأقل الخطر معهم أنيق\! سيارة سوداء مسدس ذهبي نظرة تذيب الحديد\.\.\. أما نحن؟ خطرنا الوحيد هو مدير المطعم إذا كسرنا طبقًا دون قصد\!" عادت مروى إلى لوحتها تمسّد اللون كأنها تحاور الروح و همست بصوتٍ عميق: "أن تحبي رجل مافيا\.\.\. يعني أن تعيشي كل شهيق كأنه الأخير ليست رواية بل اختبار نفسيّ بوجهٍ وسيم وسكينٍ خلف الظهر\." تدحرجت ريما على السرير أسندت الكتاب فوق وجهها كمن يهرب من امتحانالحياة وقالت بصوتٍ مختنق بالضحك: "حتى اختبار الموت\.\.\. يبدو أرحم من اختبار الفيزياء القادم\!" ارتفع صوت ضحكاتهما مجددًا ليملأ الغرفة كعطرٍ شقيّ لا يعرف الحزن\. وضعت مروى اللمسة الأخيرة على لوحتها و التفتت نحو ريما وقالت بابتسامة مرهقة: "إذا أصبحتِ يومًا حبيبة رجل مافيا\.\.\. ارسميني بجانبه شهيدة صداقتك المجنونة\!" رفعت ريما الكتاب عن وجههاوانفجرت ضاحكة: "ولا يهمك\! فقط قولي لي تفضلين أن تموتي برصاصة في القلب أم بسمٍّ في كأس نبيذ مزيف؟" أمالت مروى رأسها بتأمل كأنها تُجرّب طعم الحكاية: "فنانة تموت بسمٍّ أنيق في كأس بلّوري\.\.\. نهاية درامية تليق بي تعجبني\! 🔪🔪🔪🔪🔪\.\.\.\.\.\.\. الساعة الواحدة بعد منتصف الليل \- قصر ليونارد القاعة الكبرى في القصر اتشحت بالسواد الكامل\. الجدران مزينة برسومات قديمة تعكس أهوال القرن المظلم والمصابيح تتوهج بلهب أحمر كأنها تتنفس الشر\. جلس ليونارد على كرسي بالكاد يحمله لا من وزنه بل من غضبه فمن تجرأ على نكث أحد قوانين ميثاق\. على كل حال سيباد إسمه وكأنه لم يكن على وجه الأرض\. عن يمينه ميشيل الذي لا يختلف عنه بتاتا يقسم إن كان خائن أحد رجاله سيرى الجحيم بأم عينيه\. يحمل ليونارد بكفه الأيسر خنجر لا يُكشف إلا حين يصدر الحكم\. دخل أفراد اللهب أولًا خطواتهم محسوبة يسبقهم دفء الموت\.\.\. مباشرةً بعدهم دخل السود بصمتٍ ثقيل خطواتهم لا تصدر صوتًا لكن الأرض تشعر بها\. الهواء تغيّر كأن شيئًا رهيبًا ينتظر أن يُقال\.\.\. أردف ليونارد بصوت كأنه قادم من قبر: "يوجد بيننا\.\.\. خائن\.\.\. وأحد من عائلتنا طعننا في ظهرنا " تعمد أن ينظر إليهم واحدا واحدا لا لأنهم مشكوكٌ فيهم طبعا لا هم لا يتجرئون على هذا هم أوفياء له لو قال لهم ضحوا من أجلي لفعلوا ذلك دون أن يرف لهم جفن بل أن يراقبوا\.\.\. الصيادون\.\.\.\. الجدد\.\.\. حتى عديمو الاسم\.\.\.\. عينا لورا التمعتا بإستمتاع ستتسلى كثيرا وهي تطارد فريستها\.\.\. هي لا تقل جنونا على أخوها ميشيل\.\.\.إنها جيناتهم، الجنون يسري في دمائهم\. كارمن شبكت ذراعيها أسفا على سيء الحظ الذي عبث مع ملك الظلام \. لنترحم عليه من الآن \.\.\. نوا أدار نظره للجميع يتفحصهم وكأنه يجردهم من حقائقهم\.\.\. هو دائما هكذا يشك بكل شيء حتى بنفسه، عمله يقتضي هذا فالإنسان بطبعه ماكر يعمل على مصلحته قبل آخرين فهو لا يؤمن بالولاء بتاتا يؤمن بحقيقة واحدة هي أنَّ الإنسان بطبعه يلوِّن الحقائق بما يخدم مصلحته يُجيد المراوغة حين يهدده الخطر ويُتقن التمثيل حين تلوح له فُرصة\. القلب داخل القاعة كان ينبض على هيئة سؤال: من؟ والموت\.\.\. كان ينتظر الإجابة\. نظر ليونارد مليا في إيفا وأردف بنوع من السخرية: "الراصدة هل تشكين في أحد فنظراتك لا تخطئ\." نظرت له لوهلة وأنزلت ناظريها للأرض: "لا يا زعيم لم أرى شيئا يثير الريبة " تأفّف ميشيل وهو ينهض من مقعده ببطء يشبه نهوض أسد ضجر يرتّب أكمام قميصه الرمادي ونظر بنظرة نافذة ثم قال بحدّةٍ هادئة: "كفاكم ثرثرة\.\.\.\.كل واحد منكم يراقب كلابه\.\.\. أي حركة مريبة يرسله لي وأنا أتكفّل بالباقي\." لم يكد يُتمّ جملته حتى دوّى صوت اختراق حادّ\. خنجر فضي انطلق من يد ليونارد كأنه سهم أزليّ واستقرّ في المقعد الخشبي\.\.\. يبعد عن قلب ميشيل سنتيمترات ثلاث فقط\. توقفت الأنفاس\.\.\. تفجّرت نصف ابتسامة على وجه ميشيل كما لو أنه استقبل تحدّيًا يعرف كيف يرد عليه\.\.\. أما لورا\.\.فخرجت منها ضحكة خافتة تشبه مواء قطة شاهدت فأرًا يقترب من المصيدة\. نظرات من حضروا انقسمت بين صدمة وذهول\.\.\. وشيء يشبه الرهبة\. حمحمت لورا و قالت بنبرة مغلفة بخبثٍ أنيق وهي تضع أناملها الرقيقة على شفتيها كأنها تحبس سرًا: "مجرد\.\.\. حساسية\.\.يا زعيم\.\.\. هل تأذن لي بالخروج؟" أومأ ليونارد بصمت\. هو يعلم كما يعلم الجميع أن الحساسية كذبة وأن خروج لورا لم يكن سوى انسحاب تكتيكي من رقصة لا يُجيدها سوى القتلة\. وبمجرد أن عبرت العتبة إنفجرت ضاحكة ضحكة ناعمة عذبة كسرت جمود الممر الرخامي الطويل كما لو أن الحرب لا تحدث خلفها\. جاءها صوته من الظلال بصوته الأجش المتعمّد المائل قليلاً: "هل أعجبكِ الموقف لهذه الدرجة؟" كان أليكسندر هناك مستندًا إلى الجدار وشرارة لامعة في عينيه\. ابتسم وأردف صوته كغمغمة نار تهمس: "لو كنت أعلم أن لحظة كهذه تسرق منكِ ضحكة بهذا الجمال\.\.\. لأوصيت نوا أن يصوّب كل سكاكينه ناحيتي فقط لأسمعها مرةً أخرى\." اتّسعت عيناها بدهشة صامتة كأنها لا تصدّق ما سمعته\.\. لكنها سرعان ما تداركت نفسها وحمحمت: "غدًا\.\.\. هناك صيد وفير\. هل تأتي؟ أو ستتظاهر بالنسيان كالعادة؟" رفع رأسه وكأن القائد ناداه فجأة وصاح بنبرة جندي: "سآتي طبعًا\!" لكنها أضافت وهي تدور حول نفسها بنعومة كأنها تلقي تعويذة: "لكن لا تأتِ من الفجر\.\.\. أنا لا أصطاد طيورًا\.\.\. بل وحوشًا تحتاج لليل كي تخرج\." ثم نظرت إليه من فوق كتفها عيناها تلمعان: "والآن\.\.\. إذهب إلى جحيمك أيها الوغد الوسيم\." وانسحبت من الممر تُخفي ضحكتها بين خصلات شعرها\. \. \. \. \. أشرقت الشمس بتردد، كما لو أنها تخشى النظر نحو القصر الذي يبيت تحته رجال لا يؤمنون إلا بالدم\. لورا كانت تمشط شعرها بإصبعها وهي تسير في الرواق تبحث عن وجه مألوف في هذا المكان الموبوء بالأسرار\. همست بملل: "أين اختفوا هؤلاء الأشباح؟" جاءها صوته من الخلف جهوريًا هادئًا مثل طلقة كاتمة: "لديهم مهام عاجلة\.\.\. تركونا نلعب وحدنا يا عصفورة الليل\." التفتت نحوه حدقت فيه بعينين لامعتين ثم رفعت حاجبها بسخرية متعمدة: " أولا ماهذا إسم هل تراني عصفورة يا هذا\.\.\.\.وأنت؟ ألم يرسلوك لتفجّر بنكًا مثلاً؟" ابتسم أليكسندر وهو يشد سحاب سترته الجلدية السوداء: " أولا إن هذا إسم يروقني عليك\.\.\.أنا؟ لديّ مهمّة أعظم\.\.\. مرافقة الجنون بذاته\." ضحكت\.\.\. ضحكة من يعرف أن العالم لا يستحق الجدية\. وأردفت: "هيا إذًا لنرَ ما الذي يمكن أن نعبث به اليوم\." \. \. \. الميناء القديم \_ قرب المستودع رقم 9 كانت رياح البحر تعوي كأنها تستنجد\. لورا ترتدي قميصًا أبيض وسلاحها المفضل: Beretta M9 سوداء محفور على مقبضها وردة دموية\. أما أليكسندر فكان يمسك Glock 19 Gen5، بكاتم صوت وسرعة إطلاق لا يُضاهى يحب أن يطلق النار بيد واحدة والأخرى في جيبه كأنه لا يبالي\. راحا يتسلّلان بين الحاويات يعبثان بالأقفال يفتشان عربات مهجورة يرسمان وجوهًا ساخرة على جدران صدئة كما لو أن المدينة ملعبهم والشرطة مجرد شائعة قديمة\. "هاهاها\! تخيلي هذا القفص كان يُهرّب فيه نساء من بولندا\!" قالها أليكسندر وهو يدقّ عليه وكأنه طبلة\. "دعني أخمّن\.\.\.ستدخل إليه وتتصرف كأنك عاهرة محاصرة؟" ردت لورا وهي تضحك وتفتح قفلًا بسكينها\. "فكرة مغرية\.\.\. لكنك تسرقين كل الأضواء ماريونيتا\." رد وهو ينظر إليها\. لكن\.\.\. في طرف الزقاق لم يكن كل شيء مرحًا\. من فوق الحاوية رقم 14 عيون تلمع\.\. أقنعة رمادية\.\. بزات تكتيكية\.\. شعار مرسوم على الأكمام: "Volk Sturm \- الذراع الروسي الأسود\." أشار القائد بصمت\. ثلاثة قناصة\. اثنان على الأرض\. الهجوم يبدأ\.\.\. الآن شعر أليكسندر بأن شيئا يحدث \. "انبطحي\!" صرخ أليكسندر وهو يرمي بجسده فوق لورا يدفعها أرضًا قبل أن تشق الرصاصة الهواء بمحاذاة رأسها\. دوّى المكان بطلقات نارية متتالية\. ارتطمت الرصاصات بالجدران المعدنية فتطايرت الشظايا كزخّات مطر من نار\. لهاث ثقيل أصوات عواء حديدي وصرير الموت\. استدارت لورا بسرعة وهي على الأرض سحبت مسدسها ثبّتت قدمها اليمنى وأطلقت طلقتين نحو الأعلى\. قناص سقط من الأعلى كدمية قُطعت خيوطها في منتصف الرقصة\. أليكسندر اندفع للحاوية الجانبية اختبأ خلفها ثم أطلق ثلاث رصاصات متتالية\. مسدسه Glock يهتز بين إصبعين واثقين رغم كل الفوضى\. صاح وهو يزأر: "تعالوا أيها الجبناء\! من يجرؤ على الموت أولًا؟\!" لكنهم لم يكونوا هواة\.\.\. بل كأنهم وُلدوا في الفوضى\. قنبلة دخان تدحرجت نحوهم\.\.رؤية شبه معدومة\. خرج فجأة منها ثلاثة أشباح بوجوه مغطاة بسرعة صاعقة اقتربوا من لورا\. رفعت مسدسها\.\.\. لكن أصدر صوتا دالا على نفاذ ذخيرتها\.\.\. الفراغ يصرخ في زنادها\. "سحقا\.\.\.\.أليكس\! ذخيرتي\!\!" صرخت تستنجد به\. ركض نحوها بلا تردّد\. أمسك أحد المهاجمين من الكتف ورماه أرضًا بقوة\.\.\. لكن الثاني كان أسرع طلقتان\.\.\. إحداهما اخترقت فخذه\. والأخرى إنغرست في بطنه\. تجمّدت اللحظة\.\.\.\. ثم تهشّم كل شيء\. انهار أليكسندر على ركبتيه\.\.\. لكن جسده رفض الاستسلام\.\.\. زحف على الأرض يجرّ ساقه المصابة صرخ وهو يضغط على الجرح\.\.\. لكنه لم يتوقف\. رآهم يلفّون جسد لورا بالحبل بينما كانت تقاوم كأنها شيطانة صغيرة: ركلت، بصقت، مزقت قناع أحدهم بأظافرها لكنهم أحكموا قبضتهم وسحبوها بعيدًا\. "أليكسندرررر\!\!" صرختها الأخيرة لم تكن مجرد نداء، بل نزيفًا صوتيًا حارقًا، انفجر من أعماقها كعويل قلب يُنتزع من بين أضلعه\. كانت صرخة أنثى تُسلَب من برّها الوحيد، صرخة امرأة تقاوم، ثم تنكسر على حافة الفقد\. تردّد صوتها في صدره قبل أن يتردد في الأرجاء، كأن الزمن توقّف ليمنحها وحدها الحق في النطق، وصدى الاسم الذي نادته به، كان سكينًا ناعمة تمرّ على جلده ثم تنغرز ببطء في قلبه\. "أليكسندر"\.\.\. نطقته بأسى، بضعفٍ مرّ، بتمسّكٍ أخير كأنها تستودعه روحها\. ورغم الألم الذي يعصف بأحشائه، ورغم الدم الذي لوّث الأرض من تحته، إلا أن تلك الصرخة هي ما أفقده قوته، هي ما أجهز على ما تبقى فيه من حياة\. كانت تلك الصرخة\.\.\. أثقل من الرصاص\. "سأُعيدك\.\.\. ولو كان الثمن أن أُشعل ليلهم جحيمًا\." نطقها بصوتٍ مبحوح صوت رجل يتنفس من جرح لا يُرى\.\.\. بل يُنزف\. كانت كلماته تخرج من بين أسنانه كقسم دمويّ مغلفة بالغضب مغروسة بالحزن كأن كل حرف منها يُكمل نبضًا توقف بعد صرختها\. هو لا يتكلم\.\.\. هو يزأر من الداخل\.\. يُهدد الموت نفسه أن يجرؤ على لمسه أكثر\. "سأُعيدك" لم تكن وعدًا\.\.\. بل كانت نية قتل ووعد حياة في آنٍ معًا\. وعيناه حينها\.\.\. لم تكن تنظر بل تحترق\. كأن خلف بؤبؤيه بركانًا صامتًا يستعد لابتلاع كل شيء\. الدماء تتدفّق من ساقه وبطنه لكنه لم يلمحها لم يشعر بها\.\.\. لأن الألم الحقيقي لم يكن في الجسد بل في أنفاسها التي سُلبت من جانبه\. "ولو كان الثمن أن أُشعل ليلهم جحيمًا\.\.\." قالها وكأنه يوقّع عهدًا مع الشيطان\. ولو كانت روحه هي الثمن\.\.\. لأعطاها وهو يبتسم\.\. ففي قلب ألكسندر لا شيء أغلى من لورا\. 🎞️🎞️🎞️🎞️🎞️🎞️🎞️🎞️🎞️🎞️🎞️🎞️🎞️🎞️ هكذا كانت البداية\.\.\. رصاصٌ يتطاير ودماءٌ تُسفك وصرخةٌ تمزّق قلب رجلٍ لا يعرف الرحمة\.\.\. لكن لا تخدعكم هذه الفوضى فالذي سيأتي أدهى وأبشع وأقسى\. فإن كنتم تظنون أن ما عشتموه الآن كان ذروة الألم فأنصحكم أن تُعيدوا ترتيب أعصابكم\.\.\. لأن القادم لن يرحم\. أضفت لكم بعض طرافة لرواية من عمل شخصيتين ريما ومروى\. رأيكم بالفصل ؟ أحتاجه \. رأيكم بالسود ؟ وأفراد اللهب ؟ هل نخصص لهم فصل نعرفهم بتفصيل ونضع لهم صور لتوضح الشخصية\. نلتقي في الفصل القادم\.\.\. حين يُفتح باب الجحيم على مصراعيه ويبدأ العد التنازلي للهلاك \. استعدوا\.\.\. فنحن لم نبدأ بعد\. تصويت \+ تعليق = إذن عبور للفصل القادم \*تقديرا لمجهودي يا كرزاتي 🍒\. أحبكم واحدا واحدا\.\.\. إعتنوا بأنفسكم بأمان الله وحفظه\. بتوقيع: كاتبة Elrya\_vayne ✒️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

The Lover's Curse

المؤلف Elryavayne
2025/07/10 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة