بينما كان كرم يصفّ مشترياته أمام البقال، الذي اعتاد أن يلقّبه بـ"مستر سلطع" بسبب بخله الشديد، أنهى الأخير الحساب بلهجة حازمة قائلاً: — الحساب: ثلاثمئة وسبعون. في تلك اللحظة، دخل فتى يحمل أخاه الأصغر على كتفيه، ليصرخ كرم محتجًا: — لااا! المفروش ثلاثمئة وخمسون فقط! من أين جاءت العشرون الزائدة؟! ردّ "سلطع" أو بالأحرى "السيد نور"، ببرود: — الأسعار ارتفعت. مدّ كرم ما كان يملكه من نقود ووضعها أمام السيد نور قائلاً بنبرة ساخرة: — لم أسمع بخبر علاء الأسعار، حين يخبرني جدي بذلك، سأصدّق! في الخلف، كان الفتى ذو الشعر الليلي والعيون الدعجاء يضع على الطاولة كيسين من رقائق البطاطا، وثلاث قطع بسكويت، وعلبتين من العصير. جمعها نور في كيس بلاستيكي، بينما انشغل كرم بتوضيب أغراضه داخل صندوق كرتوني ليسهل حملها. قال نور للفتى: — ثمنها: مئة وخمسة عشر. وقبل أن يمدّ الفتى النقود، سحبها كرم سريعًا من يده، ودفع مئة فقط، ثم ناوله الباقي بابتسامة. صرخ نور مستشيطًا: — كرم!!! انقلع من هنا أيها الأصهب! ردّ كرم وهو يحمل أغراضه ويغادر رفقة الفتى: — حين تتوقف عن البخل أولاً! على الطريق، شارك كرم العودة مع ذلك الفتى الذي يبدو أنه يراه للمرة الأولى، فنبهه ممازحًا: — احذر أن يخدعك سلطع. لو كان المال امرأة، لتزوّجها من فرط عشقه لها! لم يعلّق الفتى، ولكن قبل أن يفترقا، مدّ الطفل الذي كان على كتفيه قطعة بسكويت نحو كرم وهو يهتف بفرح: — كراميل! هذه لك! ضحك كرم بخفة، وبينما همّ برفضها، قال الفتى الأكبر بهدوء: — خذها، أنت تستحقها. سأله كرم : — ولكن أخبرني باسمك أولاً. — دانيال. ثم صاح الطفل مبتسمًا: — وأنا اسمي زين، كراميل! ابتسم كرم وقال: — تشرفت... ثم التفت مبتعدًا فجأة دون أن يأخذ البسكويت: — وداعًا، جدتي تنتظرني. وعندما تأكدت جدته من أنه أحضر كل ما طلبته، شرعت في إعداد الطعام، بينما بقي إلى جوارها يساعدها قدر ما يستطيع. لطالما كان يملأ وقته بخدمة جديه، كي لا يتعبهما الزمن. ما إن اقترب وقت وصول الضيوف، حتى دخل كرم إلى الحمّام ليستحمّ، ثم ارتدى بيجامته الصيفية، تاركًا خصلات شعره المبلّلة تقطر بلطف على جبينه. خرج بعدها على عجل ليبدأ بتجهيز أطباق الضيافة وترتيب ما يلزم لاستقبالهم. لم تمر سوى عشرون دقيقة، حتى دوّى جرس الباب. أسرع كرم نحو الباب، وخلفه جده وجدته يراقبان المشهد بابتسامة ترحيب. فتح الباب ليقابله رجل بدا في أواخر الأربعينات، يخلط الشيب خصلات شعره، وقد ألقى التحية بهدوء. بادره يمان، جد كرم، بالترحيب الحار، فقد كان هذا هو الضيف المنتظر: ابن أخيه، الذي انتقل للسكن في الحي حديثًا. خلفه كانت زوجته، تبتسم بلطف وتُظهر إعجابها الواضح بكرم واستلطافها له. ثم تلاها شاب في العشرينيات من عمره، حيّا كرم بهدوء وبشيء من التحفظ، قبل أن يظهر دانيال، يمسك بيد أخيه الصغير زين، يرافقهما شعور دافئ بالألفة. كانت السهرة دافئة، يسودها جو من المحبة والسكينة، خفيفة كنسيم صيفي هادئ. دانيال كان قليل الكلام، يتحدث عند الحاجة فقط، بنظراته أكثر من كلماته. على النقيض تمامًا من شقيقه الأكبر، زيد، الذي ملأ المكان بروحه المرحة وضحكاته المتدفقة. بدا وكأنه نسخة أكبر من زين — ذات الحيوية، ذات البريق في العينين، وكلاهما لم يترددا في مناداة كرم بلقبه الجديد: "كراميل".