على مرّ العصور ظهرت مافيا لا تُشبه أحدًا… لا تعبث معهم فهم أحفاد الجنرال جاك ماسو أبناء الموت الصامت وورثة الخطيئة التي لم تُكفَّر بعد. الفصل الأول |اليد التي لم تلتقطني.  ما من وطن يخرج من حربٍ نظيفًا. وما من عائلة تحمل اسمًا قديمًا، إلا وكانت شاهدة على ذبحٍ ما... أو كانت السكين. لقد انتهت الحروب الكبرى على الورق، غادرت الجيوش، وسقطت الإمبراطوريات، لكنّ المافيا بقيت. اختبأت بين جدران القصور، غيرت أسماءها، بدّلت لغاتها، وعلّقت بدلاتها السوداء في خزائن لا تفتح إلا حين تصدر الرائحة الأولى للدم. في هذا العالم، لا يُعرَف الشقيق من العدو، لأن الدم وحده لا يصنع القرابة... بل اللعنة. وُلدوا من سلالة حطّمت الأوطان، وقسّمت الخرائط، وأحرقت القرى ثمّ نسيت أسماءها. أحفاد جنرالات بلا تماثيل، وسلالة فرنسية ما زالت تملك مفاتيح أبواب لا يجرؤ أحد على فتحها. لكنّ جهنم لا تنسى. حين عادوا إلى فرنسا، لم يحملوا أسلحة... بل عقود استثمار، وخطابات ثقافية، وملفّات "تاريخية" مزيفة. وحين وقّعوا أوراق التسامح، كانوا قد ختموها بأسماء آبائهم القتلة. هذه ليست رواية عن الحب، ولا عن الثورة، ولا عن الغفران. بل عن شيء آخر... عن الأشقاء الذين خرجوا من نفس الجحيم... وكل واحد منهم ما زال يحمل الجمر في راحتيه. بعضهم أحرق، وبعضهم احترق، والبعض... ما زال يبتسم وسط النار. "Massu - Archives privées" ويبدأ الجحيم... من جديد. ..... لم تكن سيرافينا تجلس، بل تتقلّص... على حافة الكرسي الخشبي، ترفع كتفيها نحوهما كمن يرتجف في حضرة قرارٍ لا يخصّه. أدارت خالتها وجهها نحوها، ووجهها مشقوق بخطوط التعب كأرضٍ تصدّعت بعد جفاف سنين. صوتها خرج من عمق الحلق، بلا دفء ولا قسوة، فقط حقيقة عارية "اسمعيني يا سيرافينا..." رفّت جفن الفتاة، لكنها لم تنظر، ظلّت تُحدّق في الموقد وكأن النار ستبلعها بدل أن تصغي. "منذ وفاة أنجيلو، كل شي تغيّر... صرت نحيفة حتى النخاع، أمشي خلف لقمة العيش وكأني ألاحق ظلّي، لا ظلّك." ثم التفتت نحوها بحدة لم تعهدها "أنت لستِ عالة، لا... لا تظني بي هذا، لكن... لم يعد بإمكاني كفالتك، لا جسدًا، لا جيبًا، لا وجدانًا. أفهمتِ؟" تلوّت الكلمات في الهواء كأفعى ميتة، ولكنها ظلّت تختنق في صدر سيرافينا. أردفت خالتها، تنفض يديها من الطحين ثم تمسح بهما مئزرًا متّسخًا "بينما عائلة والدك تنعم بالذهب، وتبتلع قارات، أنا أعجن الخبز بدمعي، وأنسج ثيابك من ذكرياتي..." سكتت، ثم ضيّقت عينيها وهي تتأمل مظهر الفتاة. "انظري إلى نفسك، إلى ملابسك... هذه السترة لبستها عندما كنت في السادسة عشرة! صارت خيوطها أوهن من عزيمتي. وفتيات في سنّك؟ يرتدين شانيل وڤالنتينو..." ضحكت ضحكة هشة، بلا فرح. "وأنت، ترتدين خيباتي..." وأخيرًا، رفعت سيرافينا رأسها. كانت عيناها باردتين، بعمق بئر نُسي في جبل مهجور. لا دموع. لا مقاومة. فقط فراغٌ ممتلئ بأسئلة لا تُقال. همست بشفاه شاحبة، صوتها كأنه طالع من كهف "أنتِ... سترسلينني إليهم؟" هزّت خالتها رأسها، كأنها توقّعت أن يُقال السؤال بلهجة اتهام، لكنها لم تجد فيه شيئًا. فتمتمت بصدق موجع "سيأخذونك، ليس حبًا فيكِ، بل لأن اسمك... يعيد لهم شيئًا نسوه، أو يخشون أن تذكّريهم به. آل ڨينتي... آل فالينتي... آل ريديلشي... لا يتركون دماءهم تتشرّد." ثم اقتربت منها، وضعت يدها على كتفها، لمسة مرتعشة كمن يودّع ميتًا قبل دفنه. "سامحيني يا صغيرتي... أنا لا أطردك. أنا فقط... أحررك." لكن الحرية كانت كصفعة. تسللت ذكريات الأسبوع الماضي خلسة من نافذة عقلها، كأنها صقيعٌ خفيف التصق بزجاج القطار، ثم اختفى مع أنفاسها. وجه خالتها وهي تدسّ تذكرة الرحلة في يدها المرتجفة... رائحة المطبخ البسيط، صوت الخبز اليابس وهو يُكسر كعظمٍ هشّ... ثم الصمت. ذلك الصمت الذي كان يخرج من عينيها كلما سُئلت عن شيء... أو عن أحد. لكنها الآن، وهي تحدّق في شاشة هاتف قديم ــ كانت تخفيه عن خالتها داخل جوربها ــ عاد إليها وعيها القاسي، بحدة الخريطة التي لا ترحم. "ميلانو - فيينا..." "فيينا - وارسو..." "وارسو - مينسك..." "مينسك - موسكو." رحلة ليست فقط بين مدن، بل بين أعمار. قطار ليلي بارد، يجرّ وراءه صوتًا مكبوتًا. حدود مهجورة، أسلاك صدئة، رجال بعيون رمادية لا تبتسم. قطارات خامدة كقبر، لا تصدر غير صريرٍ يذكّرك بأنك حيّ فقط لأنك تتألم. همست لنفسها وهي ترسم خط المسار بأصبع متجمدة: "إذاً... يجب عليّ الذهاب في كل هذا الطريق؟" غاص صوتها داخل صدرها كحجرٍ ألقي في بئر معطّلة. نظرت حولها، ولفّت جسدها بمعطف قديم، لم يعد يصل حتى إلى معصميها. حدقت عبر النافذة نحو زجاج المقهى المقابل، حيث كان الأغنياء يضحكون حول طاولات مشعّة بالدفء. أيدٍ مزينة بخواتم من ذهب، ترفع ملاعق من كريمة وسكّر، وتضحك... ضحكهم كان حادًا كالسكاكين. تشنّج بطنها فجأة. ولم تستطع كبح همسٍ مرير "أنا... جائعة." تخيلت رائحة الطعام تنساب من المقهى وتتسلل تحت جلدها، كما لو أن الجوع أصبح حاسة سادسة. وفي اللحظة التالية، ومن زاوية باردة من الشارع، ترنّح سكير، وعيناه تائهتان في لا شيء، ثم اقترب منها بلا نية، بلا وعي، بلا اكتراث... وألقى زجاجة كحول فارغة على الأرض، انزلقت، ارتطمت برجِلها. تحطمت. حرفيًا. هسهست بألم "آه...!" الزجاج شقّ طريقه إلى جلدها، خدشًا دقيقًا، لكنّه صاحَ في أعصابها بصوتٍ مرتفع. شعرت بالدم يدفأ ثم يبرد، كأنه يتجمّد قبل أن يخرج. لم تصرخ. لم تشتكِ. فقط نظرت إلى الشارع... وابتلعت الألم كما تبتلع الشتاء، دفعة واحدة. كانت الرياح تلفح وجهها كأصابع غريبة لا تعرف الحنان. وقفت قرب محطة الحافلات، ويدها ترتجف على أطراف شالٍ أحمر خشن، حاكته بأنامل مرتجفة في تلك الليلة الأخيرة قبل أن تودّع الريف... ذلك الشال لم يكن دافئًا، لكنه كان آخر ما تبقّى لها من معنى. اقتربت من رجل في الثلاثينات، كانت حركاته سريعة، عيناه تمسحان الشارع بحثًا عن شيء يشبه "الوصول". تقدّمت منه بخطى ثقيلة، تحاول أن تُخفي رثاثة مظهرها خلف صوتها المهذب "عذرًا سيدي... كم تستغرق الحافلة من الريف إلى نِسما؟" استدار نحوها. نظرة واحدة كانت كافية لتُعيدها ثلاث خطوات إلى الخلف دون أن تتحرك. رأى أمامه معطفًا مهترئًا، أكمامه لا تُغطي الرسغين، وبنطالًا واسعًا كأن صاحبه لم يختره بل وُجد فيه، وحذاءً قديماً يتآكل من الحواف، يلتف حوله الشال كأنها طفلة تُحاول ستر أقدامها بلعبة قماشية. رمقها بنظرة سريعة، ثم قال بنبرة جامدة، لا شفقة فيها ولا امتعاض... فقط لا مبالاة ـ"من إيطاليا إلى ميونيخ؟ عشر ساعات." لكن ما تبع إجابته كان أشرس من الصقيع. قلب عينيه ببطء، كأنها لطّخته بمجرد السؤال، كأن وجودها يُقلق النظام العام. نظرةٌ اختلط فيها الضيق بالاشمئزاز، تلك النظرة التي لا تُقال... بل تُرمى. قالت بهدوء "شكرًا سيدي." لكنها لم تمضِ فورًا. بقيت لحظة، فقط لحظة، علّ الزمن يتراجع ويأخذ معه تلك النظرة... لكنه لم يفعل. تألم قلبها. ليس لأنه رفضها، ولا لأنه تجاهلها، بل لأنّه رأى فيها ما كانت تحاول الهروب منه طوال الطريق: المتشرّدة. كانت كلمة صامتة، لكنها انفجرت في صدرها كصرخة في غرفة مغلقة. ضمت الشال إلى عنقها أكثر، كما لو كانت تخنق بها ألمها، لا تتدفأ. ثم مشت... كأنها تبتلع الطريق، لا تسلكه. [ فيينا - ليلًا] كانت الساعة تقترب من الثانية فجرًا. الثلج يتساقط ببطء، كما لو أنّ السماء ترفض أن تبكي دفعةً واحدة. سيرافينا جلست على الأرض الحجرية للمحطة، وظهرها مسنود إلى عمود حديدي تفوح منه رائحة بول قديم. الحقيبة عند قدميها، معطفها مفتوح لأن السحّاب قد كُسر منذ ميلانو، والشال الأحمر ملتفّ حول عنقها، وقد تشبّع بالرطوبة. مرّت سيدة أربعينية، ترتدي فراءً أبيض وحذاءً بكعب معدني، توقفت لحظة ونظرت إليها بحدة، ثم تقدّمت منها "أين والديكِ؟" رفعت سيرافينا بصرها بصعوبة، لا تعلم كيف يُشرح الغياب في جملة. ــ "لا ادري ... لقد... تخلوا عني ." قطّبت المرأة حاجبيها، ثم أخرجت من حقيبتها عملة نقدية ورمتها قرب قدمها كأنها تطعم كلبًا ضالًا. "اشتري بها شيئًا يسندكِ حتى الصباح. لن ينقذكِ أحد هنا." أرادت أن ترد، أن تعيد لها القطعة، أن تصرخ "أتيت من سلالة يُخشى ذكرها!" لكنها فقط همست في داخلها "بل أنا مجرد ورقة تائهة في عاصفة لا تسألني من أكون." [ داخل قطار - مينسك] القطار يتحرك ببطء شديد، كأنّه يجرّ تحته جثثًا بدل السكة. في العربة، الهواء مشبع بدخان سجائر وقهوة باردة. في الزاوية، جلس رجل يرتدي قبعة غامقة، يحدّق فيها منذ صعدت. لم يكن في نظرته شفقة، ولا إعجاب. كانت نظرة اختبار... كأنها مخلوق غريب دخل مزرعته. اقترب منها. وقف فوقها وقال بنبرة روسية إنجليزية مكسّرة: "من أين؟" أجابت بحذر "إيطاليا... الريف." ضحك ضحكة صغيرة، مملوءة بالسخرية "هذا ليس ريفًا. هذا قبر. أنتِ جثة تمشي." نظر إلى حذائها المبتل، ثم جلس قبالتها دون دعوة، وأخرج سيجارة، أشعلها، ونفث دخانها باتجاه وجهها. "لماذا تأتي فتاة فقيرة إلى موسكو؟ تظنين أنها ستستقبلك بالأحضان؟ موسكو تبتلع أمثالكِ... تبلعكم وتمضغ عظامكم." سكت لحظة، ثم أردف وهو يشير إلى وجهها "لك وجه من بقايا النبلاء... لكنه لا يناسبك." عندما ابتعد، لم ترفع عينيها. لكن قلبها صرخ: "أنا ابنة النار... لم يتركني النبلاء لأتسوّل، بل لأُحرَق باسمهم!" [ الحدود الروسية - التفتيش] على الحدود، وقف ضباط التفتيش بجانب طاولة خشبية باردة. أمروا الجميع بالنزول من الحافلة. سيرافينا كانت ترتجف، ليس فقط من البرد، بل من الكلمة التي ستُقال. "أنتِ... أفتحي الحقيبة." فتحتها. كان فيها فقط قميصان، دفتر رمادي، وشال إضافي محبوك بنمطٍ متقن. أمسك الضابط بالدفتر، قلّب صفحاته، ثم قال بنبرة وقحة ــ "ما هذا؟ مذكّرات انتحار؟" ضحك زميله. ثم قال ــ "بل ربما مذكّرات عاهرات صغيرة." تجمّع آخرون. بدؤوا يتهامسون، يضحكون. أحدهم قرأ بصوت مرتفع سطرًا من الدفتر: "اتمنى رؤية والداي...." سكت الجميع لحظة. ثم انفجر أحدهم ضاحكًا ــ "أوه! عاهرة متشردة!" أعادوا لها الحقيبة كما تُرمى القمامة في ساحة، وقال أحدهم ــ "ادخلي، لكن لا تبكي إن لم تخرجي." رفعت الحقيبة، ويدها ترتجف. ومشت. لكنه لم يكن عبورًا حدوديًا... كان عبورًا من الطفولة إلى القسوة. دخلت سيرافينا بخطًى مرتجفة إلى المخبز. البرد يُعري جلدها من آخر دفء، والمعدة تصرخ في داخلها بصمت. أمام الباب، قطعة خبز وحيدة على صينية معدنية. التفتت بسرعة، لا أحد يراها. امتدّت يدها، التقطت الخبز وهمّت بالانصراف، لكن صوتًا جهوريًّا مزّق السكون خلفها. "أيتها اللصة! إلى أين تظنين نفسك ذاهبة؟!" تجمّدت في مكانها. التفتت ببطء، فإذ برجل ضخم، وجهه مشدود بالحقد، يتقدم نحوها بخطى غاضبة. قال وهو يزمجر "أسرقتِ الخبز من دكاني؟! ألديكِ الجرأة أن تسرقي من أمام عينيّ؟" رفعت يدها المرتجفة، وأجابت " ما سرقت... كانت قطعة مرمية على الهامش... لم أمدّ يدي إلى الداخل." اقترب أكثر، رفع يده وصفعها بقوة جعلت رأسها يرتد إلى الخلف، ثم أمسكها من ذراعها وهو يزمجر "من سمح لكِ بلمس أي شيء؟! أتظنين نفسكِ فوق القانون؟ لستِ سوى متسوّلة وقحة!" شهقت، حاولت الإفلات، همست "لم أقصد إيذاءك، أقسم أنني جائعة... لم أذق طعامًا منذ يومين." ضحك ضحكة باردة، وقال بازدراء: "جائعة؟ وهل الجوع صار عذرًا للسرقة؟ وما شأنِي أنا إن كنتِ جائعة؟ لست مسؤولا عن كل نكرة تتجوّل في الشوارع كالقوارض!" قالت بصوت مكسور "أنا... لست نكرة... لي عائلة..." قاطعها بانفجار غضب "أية عائلة؟! هل هذا منظر فتاة من عائلة؟ وجهك أشبه بكيس قذر، وثيابك لا تصلح حتى لمسح الأرض!" قالت، وهي تئنّ من الألم "أتركني...انت تؤلمني ..." قهقه، ثم بصق بقربها، وقال "اخرسي! أنت لا تنتمين إلى شيء. لا اسم، لا كرامة، لا شكل، ولا رائحة تُحتمل!" ركلها بقدمه، فتهاوت على الأرض. الدم يقطر من شفتها، يدها تقبض على الخبز كما لو أنها تحرس قطعة من كرامتها. قال وهو يشير نحو الباب "خذي خبزكِ القذر، واختفي من هنا قبل أن أبلغ الشرطة. وإن عدتِ، أقسم أنني سأكسر عظامكِ علنًا!" نهضت ببطء، تجرّ جسدها المُنهك، وخرجت دون أن تلتفت. لكن الكلمات كانت تطاردها، تُقرَأ على ظهرها كوشمٍ خالد "سارقة! قذرة! لا أحد يريدكِ هنا!" جلست سيرافينا في الزاوية، وجهها متورم، خدّها مشقوق من ضربة، وشفتها دامية. أخرجت قطعة الخبز من جيبها، نظرت إليها طويلًا، ثم همست "أضربني من أجل لقمة؟... فقط لأنني جائعة؟" قضمت لقمة صغيرة، وكأنها تعتذر. تساقطت دموعها، ليس لأنها تبكي... بل لأنها لم تعد تملك غير البكاء. من خلفها، خرجت قطة صغيرة. تقدّمت بخطى مترددة، ثم جلست عند قدمها، ووضعت رأسها على ركبتها. رفعت سيرافينا رأسها، همست بدهشة مرّة "أنتِ لا تخافين؟... الجميع يخاف الاقتراب مني، حتى ظلي." مدّت يدها ببطء، ومرّرت أصابعها فوق فراء القطة. "ألم يضربك أحد يومًا؟... ألم يُبعدك عن طعامكِ لأنكِ من سلالة خاطئة؟" مواء خفيف، كان أشبه بإجابة. قطعت قطعة صغيرة من الخبز، ناولتها لها، وهمست "خذي، أنا لست بخيلة... ولا لصّة كما يقولون." تنهدت، ثم مالت برأسها على الجدار. "أتعلمين؟ أنا حفيدة رجل كانوا يهابون ذكر اسمه... واليوم، أتوسل لأجل فتات الخبز..." نظرت إلى القطة التي بدأت تلعق يديها. "لا أحد يلمسني بلطف منذ زمن... حتى أنتِ... لا تعرفينني، لكنكِ لم تشتميني، لم تضربيني، لم تقولي إنني قذرة." صمتت قليلًا، ثم أضافت بصوت أقرب للرجاء "ابقي معي الليلة... لا أريد أن أنام وحدي." حملت سيرافينا القطة إلى صدرها، كانت خفيفة، دافئة، تنظر إليها بعينين لا تسألان، لا تتهمان. بدأ الثلج بالتساقط... خفيفًا أول الأمر، ثم ثقيلاً، مندفعًا، حتى صارت المدينة كلها غيمةً بيضاء، تتوارى خلفها الوجوه، وتختفي الأرصفة. هرع الناس إلى بيوتهم، أغلقوا النوافذ، أسرعوا الخطى. وحدها سيرافينا بقيت تمشي، في صمت الشوارع وفي انكفاء الأرصفة، تسير كأنها تبحث عن شيء لن تعثر عليه. رفعت القطة قليلًا، قرّبت فمها من أذنها، وتمتمت بصوت خافت "أتدرين؟ ركبتُ قطارًا ليليًا من ميلانو إلى فيينا... كنت أبكي بصمت، وكان الرجل الجالس جواري يشخر طوال الطريق." سارت قليلاً، ثم أردفت، تبتسم بمرارة "ثم حافلة صغيرة من فيينا إلى وارسو... كانت رائحتها نتنة، والكرسي يؤلمني في ظهري، لكنني لم أكن أجرؤ على النهوض، خفت أن يسرق أحدهم حقيبتي، فيها صورة أمّي الوحيدة." رفعت يدها تمسح رقبة القطة، وقالت "ثم قطار آخر... طويل، صامت، بارد مثل الجنازات، من وارسو إلى مينسك. هناك رأيت امرأة تبكي، لكنها كانت تمسح دموعها بمنديل من الحرير، أما أنا... فكنت أمسح وجهي بكمي الممزق." توقفت عند زقاق ضيق، نظرت إلى السماء، والثلج يتهاوى على شعرها وكتفيها كستار خفيف من الذكريات، ثم قالت للقطة وهي تضمنها أكثر "ثم جاءت الحافلة الأخيرة... من مينسك إلى موسكو. ظننتُ أنني وصلت، أنني أنتمي... لكن أول ما نلتُه هنا كان خبزًا مسروقًا ووجهًا مشوهًا." أطرقت لحظة، ثم همست "كلهم كانوا يركضون إلى بيوتهم حين بدأ الثلج... أما أنا، فلا بيت أركض إليه... فقط أرصفة، وسماء، وقطة صغيرة لا تسألني من أكون." ضغطت على القطة برفق، كأنها تخشى أن تتبخّر إن غفلت عنها. "لا تتركيني، حسناً؟ حتى لو صرتُ أبرد من الشارع. لا تفعلي مثلهم." ومضت... وسط موسكو البيضاء... بصوتٍ يروي للثلج كم مرة داست قدماها البرد كي تصل إلى لا أحد. مشَت سيرافينا طويلًا، أكثر مما تحتمل قدماها، أكثر مما يسمح به قلبُها. لم تكن تعدّ الخطوات، بل كأنها كانت تهرب من جسدها نفسه. أزقة موسكو تكرّرت، مصابيحها انطفأت واحدًا تلو الآخر، حتى اختبأت الشمس خلف الأفق، خلف قمر خجلت منه، كأنها تعتذر عن ضعفها. عن عجزها، عن ترك فتاة مثل سيرافينا تتآكل في البرد دون ظلٍّ ولا سقف. نظرت إلى السماء، ثم همست بمرارة "حتى الشمس... لها من يسترها. أما أنا؟ لا جدار، لا اسم، لا وجه لم يلوثه أحد." ظهر القمر، بلونه الفضّي، بارداً، واقفًا هناك كأنّه حارس لليلٍ لا يعرف أحدًا فيه. حدّقت فيه بعينين مُنتفختين، وابتسمت ابتسامة خافتة "هل ستحميني أنت أيضاً؟ أم ستكتفي بالمراقبة؟" سعلت. لم تكن سعالًا عاديًا، بل سعال من تلك التي توقظ الألم الراقد في الأعماق. شعرت بحرارةٍ تصعد من صدرها، وراحت تسعل مرّة أخرى... ثم ثالثة. حين نظرت إلى كفّها... كان هناك دم. نقطة حمراء، صغيرة، لكنها أكثر فصاحة من كل الكلمات التي لم تَقُلها. حدّقت في الدم طويلاً، كأنها تحاول أن تُقنع نفسها بأنه ماء. ثم تمتمت بصوت مختنق "جميل... جسدي بدأ يتخلّى عنّي هو الآخر." في تلك اللحظة، صعدت القطة إلى ساقها، ثم إلى ركبتها، ثم مشت ببطء حتى وقفت على كفّها المفتوح، وشمّت موضع الدم بلطف، كأنها تُدرك. نظرَت إليها سيرافينا بعينٍ مرتجفة، وهمست "أرأيتِ؟ لستُ بخير... حتى الهواء صار ثقيلاً." لكن القطة، وبعد لحظةٍ من السكون، نزلت بهدوء، ومشت مبتعدة. لم تركض، لم تختفِ... لكنها ببساطة، اختارت أن تبتعد. راقبتها سيرافينا حتى غابت خلف زاوية، ثم نظرت إلى يدها مجددًا. لم تكن تبكي... فقط شعرت أن كل شيء فيها ينكمش، حتى قلبها صار صغيرًا بما يكفي ليتسع لبرودة الأرض فقط. قالت بخفوت "حتى أنتِ... تركتني." كانت خطواتها متكسّرة فوق الأرصفة المجمدة، قدماها تتعثّران لا بالحجارة، بل بثقل جسدٍ لم يعد يعرف ما الذي يجعله يقاتل. كتفاها منحنيتان تحت ثقل الوقت، والشتاء، والذكرى. وشفتاها شاحبتان تتهامسان مع الريح "لن أصل... أعلم... لن أصل..." الهواء كان أشرس من قبل، صار يقطع الجلد، والصدر، ويصيب القلب مباشرة كأنه طعنة حادة لا يُرى سلاحها، ولهذا حين وضعت يدها فجأة على صدرها، لم يكن رد فعل مدروس. بل انعكاس غريزي لما اشتعل داخلها، طعنةٌ خفية جعلت وجهها يعبس، وساقيها تتهاويان ببطء، كأنها تتفكك، تذوب، تنهار، كل شيء بدأ يدوخ أمام عينيها، الأصوات تتباعد. والضوء يتشتت، والمدينة بأكملها تنسحب خلفها كقشرة حلمٍ آيل للانطفاء. "آه... قلبي..." قالتها بخفّة من فقد الشعور بذاته، وهي تميل برأسها جهة الأرض، حينها فقط أحسّت بلمسة، يد واحدة فقط، لكنها كانت أشبه بالحياة تُزرع فيها من جديد، يد دافئة. كانت الحرارة تتسلّل منها إلى جسدها مباشرة، وكأنها تذكره كيف يكون الشعور بالوجود. تلك اليد أمسكت بخصرها، بقوة لكنها دون عنف، رفعتها بلطف، أسندتها إلى صدرٍ لا تعرفه لكنها شعرت أنّه لا يريد لها أن تسقط، لا يريد لهذا الجسد المرهق أن ينكسر فوق حجارة باردة لا ترحم. فتحت عينيها... بصعوبة، الرؤية مغبشة، ملامحه ضبابية، تتداخل مع الضوء، مع الثلج، مع الشوارع المهجورة خلفه، لكن هناك شيءٌ ما... مألوف... شيء يجعل النبض يتباطأ، والعقل يضطرب، والذاكرة تعود مهرولة إلى حافة موتٍ قديم. "نيكولاس؟" الاسم خرج منها خافتًا، مبحوحًا، لا تشك فيه لحظة، رغم ضباب الصورة. وضعت يدها الباردة على خده، لمسَته بخفة كما يلمس العاشق شبح محبوبه في الحلم، عينيها ترتعشان وصوتها يتكسر فوق شفتيها المزرقتين "أجئتَ الآن؟ بعد كل هذا؟ أهذا وعدك القديم يتحقّق؟ أن تعود إليّ إذا متّ قبل أن أقول لك إنني..." توقفت، ابتلعت شهقة غير مرئية، وتابعت بصوتٍ أكثر ضعفًا، وهي لا تزال تلامس وجنته بباطن كفها الصغير المرتجف "نيكولاس... كنت تحبّني... ولم أقل لك أبدًا إنني كنت أحبك أكثر من الحياة ذاتها... لكنك متّ... متّ في حضني... وأنا ظللت هنا، وحدي، أبكيك كلما لمحت عينيك في ظل رجل لا يشبهك." أغمضت عينيها لحظة، وأنفاسها صارت أقصر، كل عضلة في جسدها ترتجف من بردٍ لم يعد خارجيًا فقط. بل صار يسكن عظامها، تسند رأسها إلى صدره وتتمتم كأنها تكتب وصيتها الأخيرة "خذني معك... خذني بعيدًا عن الجوع، عن الصقيع، عن الشوارع التي لم تحفظ اسمي... خذني، حتى لو كنت لستَ نيكولاس... تظاهر فقط أنك هو... لا أريد أن أموت وحدي." لم يقل شيئًا، فقط أحاط يدها بكفّه، كان دافئًا بشكل غريب، صامدًا، لا يرتجف، يضغط على أصابعها برفق وكأنه يوصل لها وعدًا صامتًا... كأن كل شيء في جسده يقول "لن أدعك تسقطين". همست بشفاه بالكاد تتحرك "أشعر أنني أخفّ... وكأنني... أطير..." ثم... تلاشى صوتها، سقطت جفونها، جسدها ارتخى، وبقيت بين يديه مثل صفحة مبتلّة من كتابٍ نُسي تحت المطر، جميلة، متآكلة، لكنها لا تزال تقرأ الحب من أول نظرة. أما هو، فقد ظلّ صامتًا... يحملها، يحدّق في ملامحها الباهتة، وكأنه لا يعرف من تكون، لكنه يعرف تمامًا أنه لا يستطيع تركها هناك، في منتصف الطريق، حيث الموت ينتظرها باسم نيكولاس. *** رأيـكـم؟ مومنت مفضل؟ 
Catherine writer