جالسٌ بصمت على المقعد الخشبي، لا يدري كم مرّ من الوقت، تائهًا في سكون الليل الحالك، وضجيج الأفكار المرهقة.
السماء فوقه كانت معتمة، شاحبة، بلا نجوم.
وحدها الساعة، بإيقاعها المتتابع بانتظامٍ دقيق، ظلت تطرق أذنه كنبضٍ غريب، يربك عقله.
لم يكن يعلم من أين يأتي الصوت...
لكن كل دقّة كانت تنقص شيئًا من سكونه.
تلفحه النسائم الباردة، فتلامس وجهه برفق، وتضفي على المكان سكونًا أعمق.
انساب من صدره نفسٌ مثقلٌ بأعبائه الثقيلة، وفي ثنايا صمته أنينٌ لا يُسمع.
تأمّل السماء واجمًا في صخب أفكاره:
دائمًا أُزعج من أحب... أُفسد كل شيء دومًا.
أشعر أني ضائع في زوايا نفسي.
ربما... أكره نفسي.
تراكمت ديونه كظلالٍ قاتمة ترخي سدولها على جسده:
نفقات الأسرة، متطلبات أبنائه، نفقات والده، وشدائد الحياة ومشاكلها التي لا تهدأ.
– هل يُسمح لي أن أسير في دروب السلام بعيدًا عن صخب الدنيا وزحامها؟
تسللت لذكرياته مواقف كثيرة استقبح فيها ردة فعله، قائلًا لنفسه:
ترى، لماذا ينقبض صدري لمجرد صوتٍ عالٍ؟ هذا مُحرِج.
قاده خيط الذكرى لمشهدٍ آخر، كأن عقله يقلب صفحاتٍ أثقلت قلبه:
– يبدو أنك نسيت أن لك أبًا تسأل عليه. أتريدني أن أتوسل نقودك لتعطيني؟
– اعذرني أبي... تعلم، كنت مضغوطًا قليلًا بالالتزامات وطلبات الأولاد.
– بالطبع، الإنفاق على والدك لم يكن ضمن أولوياتك. ما هذا الجيل المدلل؟ جيل الشكوى والنكران.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.
قطع خيالاته صوت خطواتٍ تقترب ببطء.
طفلٌ لا يتجاوز العاشرة، توقف أمام الرجل ثم جلس بجواره، يرقب ما أمامه بهدوء، في حين لم يعره الرجل أيّ اهتمام.
فلا طاقة له بالتحدث أو السؤال عن أيّ شيء.
بعد دقائق من الصمت، التفت الطفل إليه قائلًا:
– يا عم، إذا كرهتُ أبي، هل أنا طفلٌ سيئ؟
رفع الرجل حاجبيه مصدومًا، واستدار ليكون مقابلاً للطفل متسائلًا:
– تكره والدك؟! هذا كلامٌ كبير، لا يجب أن تقوله يا بُنَيّ.
عبس الطفل وأطرق برأسه هامسًا بحزن:
– ولكني... أكرهه يا عم، أمقته بشدة. كيف أُجبر نفسي على غير ذلك؟
– ما الذي دفعك لتقول مثل هذا الكلام عن والدك؟
– لأنه يكرهني أيضًا. أنا رأيت ذلك، صدقني!
تنهد الرجل قائلًا بعتابٍ خفيف:
– يا فتى، ربما لم ترَ الصورة كاملة. أحيانًا يكون الأهل، أو الأب، قاسيًا لمصلحتك. ربما ما ظننته كرهًا كان لأجلك.
تجعّد حاجباه للحظة، ثم أرخاهما قائلًا بنبرةٍ حزينة:
– حتى أنت تحكم عليّ؟
– لا، لا، لم أقصد. أردتُ المساعدة، لكن... أخبرني أنت، لماذا تشعر بذلك؟ لن أحكم عليك. أعدك.
زفر أنفاسه، وكأنها تحمل عبء ما سيُقال، ثم نطق بصوتٍ ثابت:
– أبي... لم أشعر يومًا أنه أب. كان قاسيًا دومًا. أتعلم؟ لطالما أشعرني وجوده بالتوتر. أراقب انفعالاته ومزاجه، وأطمئن إن كان هادئًا.
أما حين يكون غاضبًا... أحاول تجنّبه، وعدم إغضابه، بلا فائدة.
لا بدّ أن يجد عذرًا لإفراغ غضبه بي.
توقف لحظاتٍ يفكر... ثم أردف كلامه مصاحبًا لضحكةٍ قصيرة خرجت من أعماق ألمه:
– أُصبح أخرقًا حين أراه. بالتحديد حين يكون منفعلاً، وهذا ما يستفزه أكثر بي.
أحيانًا أشعر أني لو اختفيت، لن يلاحظ أحد.
أمعن الرجل فيه بعطفٍ خفي، ثم تمتم بكلماته بحذر، خوفًا من أن يجرحه:
– بل سيلاحظ... سيلاحظ الكثير ممن يحبونك. لكنك ربما لم تنتبه لهم. أتفهم مشاعرك.
– ربما معك حق... لكن ليس أبي .
– اسمع، هل فكّرت أن ترى الأمور من وجهة نظره؟ ربما يقسو دون قصد. لا تسيء فهمي، لكني أبٌ أيضًا.
أحيانًا أصرخ على أولادي، وأنفعل عليهم، في لحظة غضبٍ وضعف... ثم أندم بشدة، وتكسرني دموعهم في الحقيقة.
– لكنك تندم، تحزن، تحاول أن تراضيهم.
أنت رغم ذلك حنونٌ عليهم، تلاعبهم وتهتم باحتياجاتهم، أليس كذلك؟
لا يا عمي، أنت لست مثله. قسوته غير مبررة.
هو يراني ندًّا لا ابنًا.
استأنف حديثه بنبرة ترتجف من الانفعال:
– أخبرني، لماذا يُعدّ الأذى جزءًا من التربية؟ لِمَ لا يكون الحنان هو القاعدة؟ أرجوك أن تخبرني بسبب.
انت هل ستكون مثله مع أبناءك؟
علقت الكلمات في حلقه، عاجزًا عن النطق بأي عزاء.
ورمقات الطفل تزيد توتره.
شيء ما في كلام الطفل لامس روحه، فقال بخفوتٍ متعاطفًا:
– هل... يبدو أنه يضربك كثيرًا؟
زفر بضيق، محاولًا تحصين نفسه أمام ما سيأتي من ردّ، وقال:
– لا، ليس كثيرًا، بل قليلًا ما كان يضربني.
وكما توقّع، قال الرجل مستنكرًا:
– إذًا لِمَ كل هذا الحزن؟ هذا يعني أنه لا يكرهك كما تقول.
انظر إلى الآباء الآخرين. منهم من يضرب أبناءه طوال الوقت، ضربًا مبرحًا. ومنهم من لا يملك أبًا أيضًا.
لأكون صريحًا معك، حتى أنا، في فترةٍ ما، كنت أشعر بالغضب من والدي. ولم أفهم سبب قسوته إلا حين كبرت، وأصبحتُ رجلاً، وفهمت أنه كان يقصد مصلحتنا، حتى لو لم نعرف.
– لكن يا عم، هل الأذى بالضرب فقط؟
– وماذا يكون الأذى بالنسبة لك إذًا؟
عاد الطفل يتأمل السماء المظلمة التي جمعتهما، كأنها تحميهما من ضجيج العالم، ثم تفوّه بكلماتٍ موجزة، بصوتٍ يشبه حكمة عجوزٍ تسلل الشيب لرأسه، وتلخص جرحًا لا يُفهم ولا يُشفى:
– هناك نوعٌ من القسوة لا يُحاكمها أحد... لأنها لا تترك كدمات... ولا يُعترف بها
تجمّد وجه الرجل للحظة، ونبض قلبه سريعًا قبل أن يقول بنبرةٍ شبه ساخرة:
– يا رجل! من أين تتعلمون هذا الكلام؟ ما هذا الجيل الغريب؟
أطال الطفل النظر إليه بصمتٍ يحمل ما عجزت الكلمات عن قوله، نظرات أحرجت الرجل دون أن يفهم السبب، ثم أنهى نظراته الثقيلة قائلًا شعراً:
– شَكوتُ وما الشكوى لمثلي عادةً
ولكن تفيضُ الكأسُ عند امتلائها
فهلّا سمحتَ لي أن أشكو دون وعظ؟
احمرّت وجنتا الرجل، وتضاعف حرجه، فابتلع لسانه مغتاظًا منه.
إلا أن الطفل لم يهتم، فرغبته بالكلام كانت أقوى.
تلفّظ بكلماته ببطء، كأنه يختبر وقعها:
– سمح لي ذلك اليوم أن أذهب لرحلة مدرسية، لأول مرة في حياتي، فقط لأنها مجانية لا تكلّفه شيئًا.
كنتُ متحمسًا وسعيدًا جدًا، لم أصبر، فجهّزت أنا وأصدقائي كل شيء قبل الرحلة بأيام.
كنتُ حريصًا ألا أغضبه، وأن أكون مهذبًا أكثر من المعتاد؛ كي لا يغيّر رأيه... هل هذا طبيعيّ؟
توسّعت عينا الرجل وابتلع غصة في حلقه، ارتجف قلبه تحت ضلوعه، شعر بشيءٍ مألوف...
ربما... هو يعرف باقي القصة.
نفس الذكرى.
تلك التي دفعها لأبعد نقطة في ذاكرته.
أكمل الطفل:
– قبل يومٍ واحد... ارتكبتُ خطأً بسيطًا، فغضب أبي وانفعل عليّ، عاقبني بقسوة، عاقبني بمنعي من الرحلة، و...
قاطعه الرجل بحدّةٍ غريبة، وقلبه ما فتئ يخفق تتاليًا:
– ماذا كان الخطأ؟ أجب.
– لا أذكر،
قالها بانكسار، ثم تابع:
كلّ ما أذكره هو ردّة فعله العنيفة... وأنه كان خطأً تافهًا لا يستحق.
ارتعشت نبرته بدموعٍ حبيسة تأبى النزول حين قال:
– كذبت، اتصلتُ بصديقي وقلت إنني مريض، وأخفيت حزني.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة، لا تخدع أحدًا.
_لم أبكِ حينها، أتدري؟
شعرت أني استنزفتُ كل دموعي في خيباتٍ سابقة...
هل تفهمني؟
نطق بها محدقًا بعينين ترتجفان بأمل خافت ورجاء.
بدأت ترتسم على وجه الرجل علامات الكآبة، واضطرابٌ شديد بمشاعره.
ابتسم لتلك العينين القلقتين وقال:
– أجل... أفهمك.
لكنّ ضجيج عقله لم يهدأ، فأضاف مجددًا:
– هل تصدقني؟
كانت شفتاه تهتزان بأنينٍ لا يُسمع، وعيناه لم تعودا تحتملان،
دمعة يتيمة تنحدر من عينيه وهو يشيح بوجهه،
بينما امتدت يده سريعًا ليمسحها، كأنها عارٌ لا يصحّ وجوده.
تفاجأ الرجل حين رآه، وشعور برغبةٍ ملحّة بأن يخفف عن هذا الطفل اجتاحه.
وتضاعف حزنه وإشفاقه حين رأى تلك المحاولات الحثيثة لإخفاء حزنه.
ارتعشت أصابعه وهو يمد يده بحذر، مربّتًا على كتفه بحنو، قال متلعثمًا:
– لستَ مضطرًّا لإخفائها.
أنت... أنت طفلٌ في النهاية.
سحب يده وافترّ ثغره عن ابتسامة رضا، حين لمح الصغير يبتسم وهو يمسح عبراته.
– هل هدأت الآن؟
أومأ الطفل بخجل.
– لا تحزن يا صغير... أبقِ هذا الثغر مبتسمًا.
اتسعت ابتسامة الطفل بامتنان، ثم أردف:
– أجبني يا عم... أنت أيضًا تعاني مثلي، أليس كذلك؟
قلت إن والدك قاسٍ... ألا تدرك أنه مؤذٍ؟
– لا، ما الذي تقوله؟ أبي ليس مؤذيًا، هو قاسٍ أحيانًا فقط... وكما قلتُ لك، قسوته نابعة من حرصه ولأجل مصلحتنا.
– هل الاعتراف بأن من يُفترض أن يكون مصدر الأمان والقوة، هو في الواقع مصدر الخوف والأذى، صعبٌ لهذه الدرجة؟
– أنت... ماذا تعرف عن والدي لتقول هذا؟
– وأنت، ماذا تعرف عن والدك؟
قل لي، متى آخر مرة كان لطيفًا معك؟ أو احتضنك؟ أو أيّ شيء؟
لا تذكر؟ لم يفعل قط؟ أعلم.
إذًا، متى آخر مرة لامك أو انتقدك أو بالغ في تفسير تصرفاتك؟ أمس؟ أعلم.
متى آخر مرة قلّل من إنجازاتك أو أهانك أمام الناس لأنك لم تفعل كما يريد؟ أعلم.
اندفعت الذكريات المؤلمة، تغزو عقله بلا رحمة، توقظ مشاعر قديمة.
تجعّد حاجباه غاضبًا، وارتفع صوته:
– يكفي، يكفي، فقط أَغلق فمك!
هذا هراء... هراء، أتفهم؟
لم يَخف الطفل من نبرته العالية، بل تابع:
– كم مرة حاولت الدفاع عنه لتحمي نفسك من الانهيار؟
كم مرة قلت: ربما أنا المخطئ... هو لم يقصد... هو لا يعرف كيف يعبّر؟
سمع شيئًا في أعماقه يتصدع كشرخٍ في الوجدان.
تضاءل وجهه، وتملّك الإرهاق كلّ ذرةٍ من جسده.
لم يَقوَ حتى على الصراخ مجددًا.
كلمات الصغير المزعجة لا تنفكّ تطرق عقله، حتى قاطعه الصغير ذاته قائلًا دون النظر إليه:
– تُحمَّل همّ الكبار وأنت لا زلتَ تتعثر بظلك،
فقط لأنك الرجل الصغير...
في بيتٍ لا يسأل من الأطفال سوى الخوف والطاعة...
هل جربت هذا الشعور؟
لا بدّ أنك جربته، وأنا أيضًا.
والآن... هل تُنكر عليّ كرهي لأبي؟
أردف ساخراً بصوت خفيض، مقتربًا من الرجل:
– أراهن أنك تكرهه أيضًا... ولكنك لا تجرؤ على الاعتراف.
– ليس من شأنك. اتركني.
– لكني لم أنتهِ بعد.
– ماذا تريد أيها المحترم؟
ابتسم الطفل بمرحٍ قائلًا:
– أنا أيضًا لا أعلم.
قاوم رغبةً عارمةً بضربه.
ساد المكان صمتٌ خانق، لا يكسره سوى صوت الساعة المتكرر.
دقات متواصلة بلا توقّف، كأنها تعدّ الثواني حتى الانهيار.
تخلّل الصمت صوت الرجل المحمّل بالسخط:
– ألم تفكر أن تبوح لوالدك بما يؤلمك بدلًا من إزعاجي؟
سكت لثوانٍ، قبل أن يطلق ضحكةً صاخبة، تملأ المكان بسخريةٍ مرّة، تتخلّلها دموعٌ مكبوتة:
– أبوح؟ أبي؟ هذا مضحك.
وأنت؟ هل سبق أن بُحتَ لوالدك؟
انعقد لسانه، واحمرّ وجهه غضبًا.
هذا الفتى يتصيّد الفرص للسخرية منه.
أشاح بوجهه متضايقًا وسأل:
– ألا ترى أنك تتهكّم عليّ؟ أليست تلك وقاحة؟
هزّ الطفل كتفيه بابتسامة مرحة، كأنه يستمتع بإغضابه.
– أتدري؟ من المضحك أنك تعجز عن فهمي، رغم أننا نتقاسم نفس الأذى... ونفس الأب.
– غير صحيح.
– بل صحيح دون شك. أنت تأذّيت مثلي.
– كفّ عن التحدث كأنك تعرفني أكثر من نفسي.
– كفّ عن التحدث كأنك تعافيت.
– بربك، كيف أصبح الحديث عني؟ أتجادل لمجرد الجدال فحسب؟
– بل أنت من لا يتوقف عن الوعظ... والتظاهر أنك بخير،انت محطم.
ضغط بسبابته على صدر الرجل برفق ،يشير الى ندبةٍ يعرفها جيداً مكمّلًا:
– بينما الجروح لا تزال محفورة في قلبك...
أنت لا تسمح لها بالالتئام، بل تُخفيها تحت مسمى "جعلني رجلًا".
ارتفع حاجباه وهو يُحدّق به بعجز، مدّ قدميه أمامه، وانزلق قليلًا في جلسته، مرخيًا عضلاته كمن يتنازل عن المقاومة أخيرًا.
لم يكن التعب في كتفيه فقط، بل في عمق صدره.
أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما ببطء، كأن جفونه تحمل كل ما لا يُرى.
مرهقًا من التفكير، من الهموم، من نفسه... ومن الجدال مع هذا الطفل.
تمتم بكلماتٍ واهنة:
– ماذا تريد مني، يا صغير؟
– لا شيء، أنت ماذا تريد مني؟
رمقه طويلًا، لم يقل شيئًا.
اعتدل بجلسته.
شيءٌ في صدره ارتجف، رجفةٌ صغيرة، لكنها كافية لتُربك أنفاسه.
رمش بعينيه، كأنه لم يسمع... أو لم يجرؤ على أن يُجيب.
تهرّب من عينيه، عبث بخاتمه، ثم همس بصوتٍ متكسّر:
– أنا... لا أدري...
مدّ الطفل يده الصغيرة، ووضعها برقةٍ على خدّ الرجل، وعيناه تلمعان بصدقٍ لا يتقنه الكبار.
قال بابتسامةٍ دافئة، وصوتٍ يفيض حنانًا:
– يا عم... لا تكذب على نفسك.
كان يغرس في قلبك القلق... يُورثك الخوف، ثم يُنكر عليك ارتجافك.
أعرف... وأعرف أنك لن تعامل أبناءك مثله أبدًا.
لو كان أبي مثلك... كنت سأتفهم.
وقف أمامه، ولم تزل ابتسامته العذبة تُزيّن وجهه.
أما هو، فبقي متجمّدًا في مكانه، وقد عبثت به تلك الكلمات، وأيقظت فيه مشاعر متضاربة:
ارتباكٌ وتوترٌ فظيع، ودفءٌ غريب.
نبضات قلبه تخفق سريعًا.
لم يفهم ما شعر به تمامًا، وبرغم غرابة ما قيل، لم يستطع أن يمنع نفسه من مبادلته الابتسامة...
في نفس اللحظة التي استدار فيها الطفل، وسار مبتعدًا بهدوء.
استوقفه الرجل سريعًا:
– انتظر!... ما اسمك؟
لكنه كان قد ابتعد، إلى أن اختفى.
هدوءٌ قاتل يلفّ المكان بخيوطٍ من الضيق.
هو لا يعرف كم بقي جالسًا بعد رحيل الطفل...
كل شيءٍ في المكان يبدو كما هو،
لكنّ شيئًا ما تغيّر فيه.
رفع كفّه ببطء، ووضعه على صدره...
كأنّ قلبه لم يتوقف عن الارتجاف منذ أن رحل.
حدّق في الفراغ، وهمس بصوتٍ واهن:
ـ كان مزعجًا... لم يتوقف قلبي عن الخفقان بوجوده...
فلماذا إذًا... شعرتُ نحوه بذلك الدفء؟
شيءٌ ما في حضوره يُربك اتزانه.
كان منزعجًا من وجوده... أو هكذا بدا.
لكن شيئًا دفينًا في أعماقه، شيءٌ لا يملك له اسمًا...
كان يتمنى لو يبقى.
كان يشتاق إلى أُلفةٍ لم يكن يعرفها، وإلى انتماءٍ خافت، يطرق أبواب قلبه... دون إذن.
تردّدت كلمات الطفل في ذاكرته، متتابعة كنبضٍ غير منتظم،
تحمل في وقعها شيئًا مقلقًا لا يُفهم:
"عاقبني بقسوة"
"أكرهه يا عم"
"يا عم... لا تكذب على نفسك"
تتسلّلت الكلمات إلى عقله كطنينٍ لا يتوقّف.
همس بكلماته المرتعشة ببطء،
كمن يختبر وقعها وهو لا يجرؤ على إطلاقها بصوتٍ عالٍ،
يخشى أن يسمعها هو، قبل أن يسمعها الآخرون:
_كان يراني نِدًّا... لا ابنًا
ندًّا... لا ابنًا...
ـ لا تترك كدمات؟ ماذا أعرف عن والدي؟!
شعر بنفسه يغرق في دوّامةٍ مرهقة.
عقله مشتّت، ضائع، تائه...
هل هناك ما هو أعقد من التوهان في دواخل النفس؟
راحت قدماه تهتزان بخفّةٍ متوتّرة،
في انسجامٍ غريب مع دقات الساعة،
كأنّ جسده يصغي للزمن... لا يفهمه،
لكنه يذوب في إيقاعه شيئًا فشيئًا.
ـ يكفي... تأخّر الوقت.
نطق بها ونهض.
سار مسرعًا، يهرب من أفكاره وتعبه.
ارتمى على سريره، لينام سريعًا،
أملًا أن ينتهي هذا اليوم الطويل.
كان مُجهدًا بشدّة، لا من العمل هذه المرّة،
بل من شيءٍ أعمق...
شيءٍ غائرٍ لا يُرى، لكنه يثقل القلب.
لم يشفَع شحوب وجهه، ولا إنهاكه، ولا عمله الطويل،
لعقله بأن يرحمه، ويسمح له بالنوم،
بل عذّبه بصراعٍ قاسٍ، وتساؤلاتٍ لا ترحم.
ـ مهلًا...
اعتدل جالسًا، والتقى حاجباه طويلًا حين تذكّر أمرًا:
ـ أنا لا أذكر ملامح الطفل أبدًا...
تلاشى من ذهني كأنه لم يكن.
تسلّلت يده لتلمس وجنته دون إدراك:
ـ لا يعلق في ذاكرتي سوى لمسته الحانية...
وابتسامته العذبة، ثم... ثم كلامه الحاد الذي لا يشبه براءته...
ما الذي يحدث لي؟
ما الذي يريده هذا الطفل مني؟
أمسك يده المهتزّة باضطراب، متمتمًا في داخله:
ـ أنا لستُ محطمًا... فقط مرهق... من العمل، ومن الحياة... فحسب.
"أنت مُحطّم"
"تتظاهر أنك بخير"
"محطّم" "محطّم" "محطّم" "محطّم"
"هل تصدّقني؟"
ـ لا، لا... أنا لا أصدقك!
أنا منهك... منهك فقط...
أنت لا تفهم شيئًا!
"متى آخر مرة قلّل من إنجازاتك، أو أهانك أمام الناس لأنك لم تفعل كما يريد؟ أعلم."
"كم مرّة حاولت الدفاع عنه لتحمي نفسك من الانهيار؟"
هزّ رأسه بعنف، ينفض تلك الأفكار من رأسه،
وشعورٌ بالحنق يجتاحه.
قبض على يده بشدّة، قائلًا:
ـ لا... لا تعرف شيئًا
أنت مجرد طفل... كيف تعرف؟
طفلٌ غبي!
"أراهن أنك تكرهه أيضًا... لكنك لا تجرؤ على الاعتراف."
ملامحه المشدودة ارتخت، كمن تعب من القتال.
وهبطت نظراته مستسلمة:
ـ دعني وشأني...
ـ كان أبي... صارمًا فقط.
لم يكن يؤذيني، بل... هكذا كانت التربية.
"لن تعامل أبناءك مثله أبدًا."
ـ كل الآباء كانوا كذلك... لم أكن الوحيد...
فلمَ كل هذا؟ هراء...
ـ أريد أن أنام، وحسب...
"لو كان أبي مثلك، كنتُ سأتفهم."
"لا يا عم، لستَ مثله."
ـ لكنه لم يكن سيئًا تمامًا...
ربما... لا أذكر... لا أريد أن أذكر...
"بينما الجروح محفورة في قلبك، أنت لا تسمح لها بالالتئام، بل تُخفيها تحت مسمّى جعلني رجلًا."
ـ جروح؟ التئام؟
عن أيّ جروحٍ يتحدّث؟
ـ أبنائي؟... لا أعلم، هو فرق الأجيال فقط...
هو أمرٌ مختلف... ربما...
"نِدًّا لا ابنًا"
"وأنت، هل سبق أن بُحتَ لوالدك؟"
"نِدًّا لا ابنًا"
امتدّت يده تلقائيًا ليمسح شيئًا ساخنًا على خدّه...
لم يُدرِك متى تسربت تلك الدمعة، ولا لِمَ.
كأنّ جسده بكى عنه، حين قرر ألا يفعل.
دمعةٌ ظلّت شاهدةً على ما لم يُقال.
تمّت بحمد الله.
رأيكم ؟هل وصلتكم رمزية القصة وعمقها؟
من هو هذا الطفل برأيكم ؟
لماذا يتحدث كأنه رجلٌ بالغ؟