مَا قَبل العَاصِفه

مَا قَبل العَاصِفه

11 0

دائمًا ما يتساءلون عن تلك المرأة، لأنها ليست كأي امرأة. المرأة تُعرَف بكرامتها، بعزة نفسها، وبمزاجها المتقلّب... أما هي، فمعروفة بـ "وجه الأفعى". لحدّة لسانها ونظراتها القاطعة. يقولون في المثل: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، أما عنها، فيقولون: "هي السيف ذاته... إن اقتربت، قطعتك." ___ في ظلام الليل وسُكونه القاتل، لا يُسمع سوى نعيق البومة. تجلس على طرف السرير، شاردة. عيناها ثابتتان في نقطة وهمية، تفكّر... لا تعلم ما الذي سيحدث غدًا، لكن شيئًا ما بداخلها يهمس: "هناك كارثة تقترب." وذاك الإحساس... لم يخطئ يومًا. تنهدت - لا خوفًا، بل استعدادًا. قاطع شرودها صوت أخيها الأكبر، بصوته الساخر المعتاد: "أيتها الأفعى... هل تُكرميننا بحضورك للحظات؟" زفرت أنجلينا بضيق، وقامت ببطء. خطواتها ثابتة، باردة، كأنها لا تسير بل تقتحم المكان. نزلت السُّلم كأن كل درجة فيه تُعلن عن اقتراب الخطر... حتى وقفت أمام أمها، التي ابتسمت وقالت بنعومة زائفة: "ها هي ابنتي الجميلة." أنجلينا... ذات الجسد الرياضي المنحوت، بشعرها الأسود كسواد الليل، وعيونها الرمادية الحادّة، لا تنتمي لمشهد العائلة هذا. حضورها وحده يكفي ليُربك المكان. جلست أنجلينا بجانب والدها، تقاطع ساقيها، ووضعت كفّها على فخذها بهدوء قاتل. نظرت إليه وقالت بصوت بارد كالجليد: "ما الأمر؟" تنحنح والدها قليلًا، ثم قال بنبرة رسمية: "استمعي إلينا جيدًا." التفتت إليه، دون أن تغيّر تعبير وجهها. "أخوكِ سيتولى إدارة جميع فروع الشركات... ما عدا الفرع الذي تعملين فيه." مرّت كلماتُه كطعنة بطيئة. شعرت بوخز في صدرها... لكنه لم يظهر على ملامحها. اكتفت أنجلينا بأن رفعت حاجبها قليلًا، ثم قالت بنغمة لاذعة: "هل هذا فقط ما كنتم تريدون إخباري به؟" قال والدها وهو يشبك يديه بثبات ويضع ساقاً فوق أخرى: "أما الشركة التي ستبقين فيها... فلن تتخذي أي قرار إلا بعد الرجوع لأخيك. أما الأرباح، فـ٧٥% منها ستذهب إليه، والباقي لكِ." لم ينتظر أن تُجيب، لكن أنجلينا لم تمنحه الفرصة لإكمال الجملة. قالت بصوت منخفض... لكن كلماته اخترقت الغرفة كالخنجر: "أعترض." رفعت عينيها إليه، نظرة صلبة، لا أثر فيها للخضوع: "إذا كان القرار ليس بيدي، وإن كنتُ مجرد ظِلٌ لأخي، فلماذا أُوجد من الأساس؟ سبع سنوات وأنا من أقف خلف هذه الجدران... من أبتكر، وأخطط، وأسهر، وأنال ربع ما بنيت؟ أي عدل هذا؟" اخترق صوت الأم الغرفة بنبرة حادة كالسيف: "ليس لكِ الحق أن تعترضي! يجب أن تشكري أننا لم نُقصِكِ تمامًا. أنتِ فتاة، والفتاة قد تخطئ بسهولة وتجرّ الشركة إلى الهاوية... أما هو، فرجل. يعرف كيف يُفكر بعقل." رفّت عينا أنجلينا للحظة، ثم التفتت نحو أمها ببطء. لم يكن في ملامحها سوى الهدوء... لكن كلماتها خرجت كالرصاص: "هل تحاولين إقناعي أن أخي ملاك وأنني الشيطان؟ لأنه رجل؟ هل قلتُ إنه ضفدع مثلاً؟ هو بشر... يخطئ كما يخطئ أي إنسان. لا تتحدثي عن الذكاء، فأنا من بنت هذه الشركة من لا شيء. ولا تتحدثي عن النقص... فأنتم مَن اخترتم ألا تروا إلا الضعف في النساء. ولا تقلقي، لستُ بحاجة لهذه الشركة... أنا قادرة على أن أبني إمبراطوريتي الخاصة، من دون ظلّكم." وما إن استدارت لتغادر، حتى دوّى صوته في المكان بثقل تهديد لا يُحتمل: "أقسم يا أنجلينا... إن لم يُسمع كلامي، لن تعلمِ طعم الأمان مرةً أخرى. لا تنسي من أنتِ... ابنة من، وأخت من. لا تتوهّمي القوة، فالنساء خُلِقن للظل، لا للنور... والدتك حين وطأت هذا العالم، سحبتها منه بقوة. وأنتِ... ستسيرين على نفس الدرب، شئتِ أم أبيتِ." توقفت أنجلينا في منتصف الطريق. استدارت ببطء، بعيون باردة كالجليد، خالية من أي رجاء أو خوف. قالت بصوت ثابت يخترق الضمائر: "هل انتهيتَ من العرض المسرحي؟" عروق والدها انتفخت من شدة الغضب. صرخ كالثور الهائج: "كيف تجرؤين على مخاطبتي بهذه النبرة؟!" في خطوة واحدة، كان أمامها... وصفعها بقوة جعلتها تتراجع. لم تصرخ. لم تدمع. لم تتحرك حتى. فقط رفعت وجهها، نظرت في عينيه مباشرة، وقالت بهدوء: "الصفعات لا تُخيف من تربّى وسط الذئاب... لكنها تفضح خوف الذئب من الأفعى." نظرت إليه نظرة أخيرة كان يكسوها شيءٌ من الانكسار، ثم أدارت ظهرها وانصرفت إلى غرفتها. لم تكن صفعة والدها هي ما آلمها، بل الألم الحقيقي كان في قلبها، الذي بدا وكأنه ينزف صمتًا. شعرت وكأن العالم بأسره قد قرر أن يقف ضدها. حاولت أن تكفّ عن التفكير، أن تستسلم للنوم، وقد فعلتها... بمعجزة. استيقظت في تمام السادسة، حدّقت في سقف غرفتها وهمست لنفسها: "لو كنتُ وُلدتُ ذكرًا، هل كان سيتغير كل شيء؟ لماذا يعاملونني بهذا الجفاء؟ أتراني ارتكبت ذنبًا لم يُغتفر؟ لكن... كيف؟ لم أؤذِ أحدًا، ولم أعرف سواهم." تنهدت بضيق ومرارة، نهضت من فراشها ببطء، غسلت وجهها، لكن الماء لم يُطفئ نيران الأسئلة المتأججة في صدرها. كانت دائمًا منبوذة، بلا أصدقاء، ضحية للتنمّر منذ صغرها، بينما والدتها لم تكن سوى امتداد للقسوة، تضربها كلما رأتها ضعيفة أو متّسخة من آثار التنمّر، بدلًا من أن تحتضنها. أصبحت أنجلينا أكثر الناس كتمانًا، فتاة خالية من المشاعر. لم تكن تعلم هل هي مريضة نفسيًا أم مجرّد روح مهشّمة؟ تمنت لو أن أحدًا أحبّها، أو أنها استطاعت أن تُحب أحدًا، لكنها كانت تكره البشر، وتظنّ أن الجميع يشبه والدها وأمها وأخيها. لم تدرك بعد أن الحياة ليست كلها جحيمًا. ارتدت ملابسها بهدوء تام، وكانت جميعها سوداء، كأنها تواسي سواد ما في قلبها. رفعت شعرها في ذيل حصان، تاركة خصلتين تسقطان على وجهها، ونظرة باردة تكسو ملامحها. عيناها الحادتان كالسيف، نظرة واحدة منهما كافية لإرباك أيّ شخص. *** هبطت أنجلينا إلى الطابق السفلي بخطوات ثابتة متزنة، لا يتسلل إليها تردد أو ارتباك. وقعت عيناها على والدها واقفًا في الرُدهة، لكنّها تجاهلت وجوده وهمّت بالخروج، لولا أن أوقفها صوته بنبرة غير معتادة، ناعمة على نحوٍ غريب: "أنجلي... هل يمكنكِ أن تأتي للحظة؟" توقفت، لم تجب، لكنّها التفتت وتقدّمت نحوه بخطى واثقة ونظرة باردة. وقفت أمامه بظهرٍ مستقيم وعينين تفتقران إلى أيّ دفء. كان في عينيه شيءٌ غريب... هل هو ندم؟ ألم؟ ضعف؟ لم تعتد أن تراه هكذا. قال بصوت متهدّج خافت: "أنجلينا... أعتذر عمّا بدر منّي بالأمس. لا أعلم كيف سمحتُ لنفسي بذلك... أرجوكِ، سامحيني. لقد أخطأتُ في حقّك، وقلبي يئنّ من الندم. أرجوكِ، اغفري لي." كانت الكلمات تتردد في أذنيها، لكنها لم تهزّ فيها شيئًا. رغبت في أن تصرخ به: "هل يعاد الزجاج بعد أن يُكسر؟ هل يُنسى الذلّ حين يُغرس في العظم؟" لكنها لم تقل شيئًا من هذا. اكتفت بأن همست بصوت هادئ، خالٍ من أي عاطفة: "سأذهب إلى العمل." واستدارت لتغادر، لكنّه أمسك معصمها. نظرت إليه ببرود، فوجدته يقول: "الفرع الذي تعملين فيه... ستكون لكِ فيه نسبة ٧٥٪، وأخوكِ ٢٥٪ فقط." رفعت حاجبها قليلًا، ونظرت إليه قائلة بنبرة ثابتة: "حسنًا... هل هذا كل شيء؟" أومأ برأسه موافقًا، ثم ترك يدها. سارت بخطى واثقة نحو الباب، فتحته، وغادرت البيت دون أن تلتفت. حين وطأت قدماها الأرض خارج الجدران، تنهدت بارتياح... كأنها تخلّصت من سجن مؤقت. تقدّمت إلى سيارتها ذات الهيبة، "بي إم دبليو" سوداء لامعة، تُشبهها في صلابتها. جلست خلف المقود بهدوء، وأدارت المحرك بانسيابية، لتنطلق في طريقها. وبعد نحو عشر دقائق، كانت تقف أمام مقر شركتها، الوجهة الوحيدة التي تمنحها شعورًا بأنها تنتمي إلى مكان ما. وقفت أنجلينا أمام بوابة الشركة، حدّقت للحظات في المبنى الذي لطالما كان شاهداً على اجتهادها، قوتها، بل وحتى وحدتها. ثم سارت بخطواتٍ متزنة، تعلوها الهيبة، كأن الأرض تفسح لها الطريق احترامًا. ما إن دخلت حتى عمّ المكان صمتٌ غريب، كأنّ حضورها كفيلٌ بإسكات الهمسات. تبادل الموظفون نظرات سريعة دون أن يجرؤ أحدهم على النطق، فالكل يعلم من تكون: "الأفعى السوداء" - تلك التي لا تعبث ولا تتهاون. صعدت إلى الطابق الأخير، إلى مكتبها الخاص. فتحته ودخلت، ثم أغلقت الباب خلفها بهدوء. خلعت معطفها الأسود ووضعته على شماعة جانبية، ثم جلست خلف مكتبها الجلديّ الفخم. فتحت الحاسوب، وبدأت في مراجعة بعض الملفات، متجاهلة تمامًا ما حدث صباحًا، كأنّه لا يستحق البقاء في ذاكرتها. مرّ الوقت ببطء. ساعتان انقضتا، لا صوت في المكتب سوى تقليب الصفحات، ونقر خافت على الأزرار. حتى قُطع هذا السكون بصوت طرقات خفيفة على الباب، ثم دخل مساعدها الخاص، "إيدن"، وهو شاب في أواخر العشرينات، وجهه شاحبٌ بعض الشيء وعيناه تخفيان قلقًا واضحًا. نظر إليها وتردد للحظة قبل أن يقول بصوتٍ متوتر: "آنسة أنجلينا... الشرطة بالخارج، يطلبون مقابلتك فورًا." رفعت أنجلينا عيناها إليه، بلا أيّ تعبير، قبل أن تسأل بهدوءٍ قاتل: "هل ذكروا السبب؟" بلع إيدن ريقه وقال بتوتر: "لم يُفصحوا عن شيء، فقط أصرّوا على رؤيتكِ فورًا... ويبدون جادّين للغاية." صمتت أنجلينا لثوانٍ، ثم أغلقت الحاسوب ببطء، وقامت من مكانها بثقة لا تزعزعها الظروف. "حسنًا، دَعْهم يدخلون." قالتها بنبرة هادئة، لكنّها تحمل خلفها عاصفة... عاصفة لا يعلم أحد سواها مدى قوتها. كانت واقفة بثبات، لا تهتز. دلف رجال الشرطة إلى بهو الشركة، يتقدمهم ضابط بزيه الرسمي اللامع، شارته تُعلن رتبته: "ملازم أول"، يرافقه ملازم آخر يرمقها بنظرات حذرة. رفعت أنجلينا رأسها، أخفت ملامح البرود خلف قناعٍ هادئ. اقترب الملازم الأول منها بخطوات محسوبة وقال بصوتٍ رسمي: - الآنسة أنجلينا... أنتِ رهن الاعتقال بتهمة التهرب الضريبي وتهريب المخدرات. انعقد حاجباها، نظرت لهما بدهشة خافتة، قبل أن ترد بنبرة ثابتة كصقيع: - هل بلغكم أحد بهذه التهم؟ أجابها بنفس الجمود: - نعم، لكننا غير مخولين بالكشف عن اسمه حاليًا. لكِ الحق في التزام الصمت، أو طلب محامٍ إن رغبتِ. لم تُعلق. الشرطي اقترب منها وكبّل معصميها بالأصفاد. نظرات الموظفين شابها الذهول. "الأفعى السوداء" تُقتاد بالأغلال؟ لم يصدق أحد ما يرى. أنجلينا لم تنطق. عيناها فقط كانت تتساءل: تهريب مخدرات؟ عدم دفع ضرائب؟ كيف؟ وهي التي تدير كل شيء بدقة! ركبت سيارة الشرطة بصمت. وفي رأسها كانت الجملة تتكرر: "لقد بدأ الأمر... حدسي لم يُخطئ." بعد مرور ربع ساعة تقريبًا، توقفت السيارة أمام مركز الشرطة. وفي مقدمتها، استرقت السمع إلى حديثٍ بين رجلي الشرطة: - هل سمعت؟ اللواء ألكسندر قادم اليوم لتفتيش المقر. الكل في حالة استنفار. - ماذا؟ اللعنة! ملفاتي في فوضى... إن رآها سأُفصل فورًا. - هذه مشكلتك، أنت تعلم أنه لا يُخبر أحدًا بمواعيده. سكت الحديث، فُتح باب السيارة، نزلت أنجلينا بخطوات هادئة، متماسكة، تتقدم نحو المجهول. دخلت أنجلينا قسم الشرطة تحيط بها نظرات لا تعرف سوى الشك، وجوه متحفزة، وعيون تبحث عن خطأ واحد لتُدين. الملازم إدريان وزميله يسيران بجانبها، وكل خطوة لها صدى، كأن المكان بأكمله توقف ليراقب دخولها. في نهاية البهو، وقف اللواء ألكسندر... طوله، هيبته، ونظراته التي لا تعرف المزاح جعلت الجميع يتخشب في مكانه. كان يتحدث مع أحد الضباط قبل أن تقع عيناه عليها. توقف عن الكلام فجأة. نظراته ارتفعت نحوها. لم تكن أنجلينا كأي مجرمة تُؤخذ للتحقيق... بل كانت واقفة كأنها لم تُكبل قبل دقائق. ملابسها السوداء الأنيقة، شعرها المنسدل بدقة، نظرتها التي تخترق الجدران، وثبات خطواتها... كل ذلك جعله يرمقها بتمعّن. نظرت له بدورها، ببرود ناري، كأن عيناها تقولان "أنا لست كما تظن". شيء ما فيها جذبه، شيء لا يمكن تفسيره... مزيج من الغموض والكبرياء، وكأنها لم تُخلق لتُعامل كمتهمة. اقترب بخطوات ثقيلة وسأل إدريان بنبرة صارمة: - من هذه؟ تردد إدريان لثوانٍ، ثم قال: - المتهمة أنجلينا... تهريب مخدرات وتهرب ضريبي. ألكسندر رفع حاجبه باستهجان، لم يبدُ مقتنعًا للحظة. - من المسؤول عن التحقيق؟ سكت إدريان، نظراته ارتبكت للحظة، لكن قبل أن يتكلم، قال ألكسندر بحدةٍ قاطعة: - أنا سأتولى التحقيق. ثم أشار إليهم: - فكوا أصفادها. ستدخل مكتبي. اندهش الجميع، لكن لم يعترض أحد. أُزيلت القيود من معصميها، فتحت أنجلينا يديها ببطء وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة. تبعت ألكسندر بخطوات ثابتة إلى مكتبه، صمت ثقيل يسير بينهما، كأن صراعًا خفيًا بدأ من النظرة الأولى. دلفت أنجلينا إلى مكتب ألكسندر، خطواتها لا تحمل ترددًا، وكأنها صاحبة المكان. جلس هو خلف مكتبه، وأشار لها بالجلوس دون أن ينبس بكلمة. جلست بهدوء، قدماها متشابكتان، ظهرها مستقيم، ويديها فوق ركبتيها. نظرت إليه نظرة ثابتة، دون تحدٍّ... لكنها تقول الكثير. - هل تعلمين لمَ أنتِ هنا؟ قالها ألكسندر وهو يراقب ملامحها، يبحث عن أيّ ارتباك... لم يجد. أجابته بصوت هادئ، مقتضب، لكن حاد كحد السيف: - تهمة تهريب مخدرات... وتَهرُّب ضريبي. - وهل هي صحيحة؟ رفعت حاجبها، ثم قالت بنفس النبرة: - إن كانت كذلك، ما كنتُ لأجلس هنا. صمت للحظة، ثم مال للأمام، ملامحه ما بين الحذر والفضول: - ملفك نظيف... أكثر من اللازم. نشاطك القانوني واضح، ومراقب. ولكن فجأة، بلاغٌ مجهول، وتحقيق لم يُفتح بعد... كيف تفسّرين هذا؟ نظرت له بهدوء قاتل، وقالت: - شخص ما خائف... ويريد التخلص مني. - ولِمَ يخاف منكِ؟ أجابت بعد برهة، وهي تسحب نفسًا عميقًا: - اسأله... حين تصل إليه. حدّق بها طويلًا. لأول مرة، لم يجد شخصًا يستطيع كسره بالصمت. تلك المرأة أمامه... ليست ككل من مرّوا على مكتبه. - هل تعلمين أن تهمتكِ قد تدمّركِ؟ قالت بابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل لعينيها: - أنا مدمّرة بالفعل... منذ زمن. صمت ألكسندر، ثم اعتدل في جلسته، وأغلق الملف أمامه. - سأتولى هذا بنفسي. انصرفي الآن... ولكن لا تغادري المدينة. أومأت برأسها، وقبل أن تخرج، قالت دون أن تلتفت: - لم أكن لأهرب... أنا لا أهرب، أنا أواجه. ثم خرجت. تركها خلفه، وهو يحدّق في الباب المغلق، وفي داخله سؤال واحد يتكرر: من تكون أنجلينا حقًا؟ خرجت أنجلينا من مكتب اللواء ألكسندر بنفس الثبات، نفس البرود... لكنها من الداخل، كانت أشبه ببركان تحت قشرة جليد. سارت في الممر، عيناها ترصدان كل شيء... الحذر لا يفارقها، والخطة بدأت تتكون في رأسها. صعدت إلى مكتب المحامي الخاص بها، داخل القسم، وطلبت منه مراجعة كل التحركات البنكية الخاصة بالشركة خلال الثلاثة أشهر الماضية، ثم طلبت تواصلاً مباشرًا مع مدير الحسابات... وكل هذا بنبرة ثابتة لا تحتمل جدالًا. في المساء، عادت إلى قصرها، وجلست في غرفتها المظلمة، لا ضوء سوى شُعلة شمعة أمامها. كان الصمت مخيفًا... لكنه لم يكن غريبًا عنها. أخرجت هاتفها، وكتبت رسالة واحدة فقط، وأرسلتها إلى رقمٍ لا يحمل اسمًا، فقط أول حرف من الاسم مسجَّل: R. "بدأوا اللعب، وأظن أن وقت النهاية قد اقترب... جهّز كل شيء." أغلقت الهاتف، رفعت عينيها إلى المرآة أمامها، نظرت لنفسها طويلاً، ثم قالت بصوت خافت: - فلتبدأ الحرب. نهاية الفصل الأول.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وَريثه النَار

المؤلف Viollet
2025/06/17 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة