تركض بكل قوتها ،في وسط ذلك الطين الذي لطخ فستانها بشكل خفيف ..والوجهة متجر خياطة القرية التي أوصتها على تعديل فساتينها التي أصبحت صغيرة عليها لكي تناسبها من جديد ...الجو كان مظلما بشكل مخيف والجميع مخزونون في منازلهم ينتظرون الامطار لكي تنزل ...تتمنى أن تجد السيدة كاسبر مزالت في الورشة ...وجدت نفسها و أخيرا أمام المتجر.....أخذت نفسا عميقا ودلفت لهناك ببطء ...كانت السيدة كاسبر المرأة الستينية جالسة أمام النافذة والملل كاد يقتلها من انتظار تلك الفتاة ....لمست شعرها ببطء واقتربت منها فورا إلتفت السيدة إليها بتعب واضح ... "....لقد تأخرتي كثيرا يا فتاة ،كنت سأنام من شدة التعب تفضلي اشيائك لقد قمت بما طلبته مني" "...أنا آسفة سيدة كاسبر ،لقد نظفت القصر بأكمله وأنت تعرفين كم يستغرق هذا خصوصا في مكان بذلك الحجم ....." "....يا ابنتي يجب عليك أن تجدي أحدا ليساعدك فيه ، قصر نبيل. ...بذلك الحجم لن تستطيعي إنهائه وحدك.." "...تمنيت هذا لكن الفيكونت شخص صعب قليلا ولا يحبذ وجود الناس في قصره ...أما بخصوصي فلقد إعتدت على العمل وحيدة " "...ربما معك حق ،النبلاء غريبون قليلا ،لكن لا تضيعي الفرص الآن. يجب عليك الزواج مثل فتيات القرية، وإلا سيغادر القطار وانت تعملين كخادمة لذلك النبيل للأبد..." ...إبتسمت بعمق ولطافة وتلك الأعين لمعت لوهلة ... " ...هههه مزلت صغيرة يا سيدة كاسبر ،انا في العشرين فقط ،وقطار الزواج مزال بعيدا في نظري ، لن أتزوج إلا عن حب مع شخص رومانسي ويحبني أيضا ...." "...أ ما زلت تؤمنين بالحب يا فتاة ؟ ،في وقتنا هذا الناس تتزوج لأسباب مجتمعية ...الفقراء يتزوجون الفقراء والاغنياء الزواج بالنسبة لهم هو صفقة للحفاظ على ثروات العائلة وملكيتها ...وبالنسبة لنا فنحن نحافظ على لقب العائلة ونسلها لكي لا ينقرض ...لا أحد في هذا الوقت يتزوج لمجرد الحب يا ابنتي ...لذا حاولي التفكير في الأمر بعقلانية " ...أومأت لها بهدوء بدون إجابة واضحة وودعتها مغادرة المكان بأكمله ...لن تنكر أن ذلك الكلام لم يغب عنها طول طريق عودتها ولكن إيمانها هي أقوى ...الحب أعظم من أي عقد في هذه الحياة ولن تفقد ذلك الإيمان مدامت حية ..... ....الليل حل وصوت المطر يسمع صداه من داخل القصر،جهزت طاولة العشاء الكبيرة وحاولت أن تزيد الكمية قليلا لكي لا يظهر نقص جودة ونوعية الوجبة ...ففي الأخير النبيل هنا ليس كمثله من النبلاء ....نبيل المكانة فقير الخزينة، فالقصر في حقيقة الأمر كان مهترئا قليلا وقديم ....ولا توجد أي نوع من مظاهر الرفاهية المطلقة التي يتمتع بها النبلاء ....وقفت بإستقامة تتنظر نزوله ، شاب عشريني هزيل الجسم طويل القامة ، شاحب ذو أعين زرقاء داكنة وشعر أسود قاتم ، وسيم بشكل غريب،أو لنقول لدرجة يمكن أن يجعل قلب الخادمة يقفز من مكانه ،لم يكلف نفسه النظر إليها حتى ، جلس في الطاولة بهدوء ،كانت تحاول التصرف بطبيعية تامة مخفية ذلك الهيام بسيدها القاسي ،هي لا تراه كثيرا وستستغل كل ثانية في هذه اللحظة لكي تتمعن فيه ، لا يليق الا به فهو ملك الجليد ، لقب تنعته به من الحين إلى الآخر سرعان ما نهض تاركا اياها حتى باغتته بالكلام... "...سيدي سأجلب التحلية انتظر للحظة ..." ...نظر إليها بطرف عينيه بدون إهتمام قائلا ... "...إذا كنت لن تشاركيني الأكل فلا فائدة من كل هذه الأطباق التي لن أستطيع إكمالها ...." ....صعد إلى فوق ،وهي تفكر في كيفية مشاركته الطاولة وهما لا ينتميان لنفس الطبقة الاجتماعية هذا خاطئ و محرم لديها ، جلست تتناول وجبتها وهي متأكدة أنها لن تراه الا غدا في نفس التوقيت....على عكسه هي تحب الأكل وتحب أن توزع الأكل المتبقي على أطفال القرية وسكانها ، لطالما أشعرها هذا بالرضا،....إنتهت من عملها لليوم ، غيرت ملابسها وذهبت لغرفتها لكي تنام ، غرفة صغيرة قريبة للمطبخ معمولة بشكل خاص للخدم هنا ،ضوء القمر كان قريبا ويطفي مظهرا شاعريا للمكان ، تلت دعواتها بشغف وبين أسطر تلك الجمل كان رجائها مخفي بالحب ، تريد الحب الذي يجعل كيانها مقدس ، تريد تلك النبضات التي تتوقف لمجرد رمشة أو كلمة من الذي تحبه ، تريد الحب بكل تفاصيله ...لكن الذي تحبه هو شخص بعيد المنال أو بالأحرى شخص لن يكون أبدا مكتوبا لها ، سيدها ونبيلها وربما الرجل الوحيد الذي عاشرته في حياتها كلها .... "...ألبرت برونتي...." ....خلدت للنوم بسرعة و براحة التي لطالما تمتعت بها في نومها وللأسف أنها غائبة عن بعض الناس ومنهم سيدها النبيل الذي يعاني من أرق شديد منذ فترة طويلة .... كانت تلك الأيام تشبه بعضها البعض ، كونت صداقات عديدة في قريتها...بالرغم عدم وجود أي نبلاء في قريتهم و القصر مكانه فوق هضبة عالية يبعد كيلومترات عن مركز القرية ....لكنها تأقلمت و أحبت المكان منذ صغرها وتعتبره مسقط رأسها .... كان اليوم التالي قد حل بسرعة ، و الشمس كانت حارة بشكل عجيب لم تحتمل فستانها وهي في المطبخ ، وهي الآن وحدها في هذا القصر ....السيد برونتي ذهب ليشتري الكتب لذا إستغلت الفرصة لتأخذ راحتها و تنزع الطبقة الخارجية للفستان ....أحست براحة شديدة وأكملت عملها بخصوص وجبة الغذاء ....مرت ساعتين بالضبط ، مسحت العرق من جبهتها بخفة و إتجهت لغرفتها لكي تغير فستانها و إذا بها تحس بوجود شخص في المنزل وصوت غريب عنها ...حملت سكينا ظنا منها أنه لص يريد السرقة متناسية منظرها ...خرجت من المطبخ إلى جهة الصوت بحذر وهدوء ولكن شكوكها كانت مخطئة، هو ساعي البريد لا أقل و لا أكثر .... ...عندما نظر إليها بطرف عينه قام بالسعال بشدة وتوتر حتى أيقظها من غيمة أفكارها بسرعة ....ولسوء حظها الفيكونت قد دخل أيضا من الباب و رآها بتلك الحالة مع رجل غريب ....لم تستطع تحمل الصدمة و الخجل ..و هربت بسرعة بدون أي كلمة ....تتذكر النظرات التي كانت متجهة إليها ..... من شدة الخجل والخوف لم تستطع مغادرة غرفتها حتى مرور نصف ساعة ....تنفست بهدوء و إتجهت إلى قاعة الجلوس أين وجدت الفيكونت ماسكا رسالة بين يديه بغضب و أعين محمرة ...من النادر أن تأتي بعض الرسائل إلى القصر ولكن الغريب هو ردة الفعل العنيفة الآتية منه، لم تفهم السبب أبدا ....هو يعتبر سرا كأسراره الكثيرة .... ...رفع رأسه بهدوء إليها ، تجمدت في مكانها لوهلة خصوصا بزيارة طيف ذلك الموقف المحرج خيالها ، حتى أتاها صوته العميق ... "....قبل قليل ...." باغتته بصوت عال متوتر ....كلامها كان سريعا .. "...أنا آسفة سيدي الفيكونت ، لم أكن واعية و ظننت أنه لص ...أنا ...أنا أعتذر لك على ذلك المنظر المخزي ، لا تحكم علي بشكل سيء سيدي أقسم لك أني لم أقصد ذلك فلتغفر غبائي ...." ...تنفست الصعداء و ووجها تلون بالأحمر كشعرها تماما ...لم تتوقع رده ذلك لكنه قال ببساطة ... "...أحرقي هاته الرسالة..." ...حملت الرسالة و إلتفت مغادرة المكان لكنه أوقفها بحزم .. "...لم أكمل كلامي بعد ..." ...بلعت ريقها بصعوبة، وابتسمت بتوتر.... "...تفضل سيدي أنا آسفة...." في هاته المرة كانت نظرته أقل حدة ...كانت عينيه الزرقاء تخاطب عينيها العشبية .... "...هل أنت مرتاحة معي ، أقصد هل أنت مرتاحة هنا في القصر ؟...إذا لم تكوني كذلك فلتخبريني..." لم تخفي صدمتها أو خوفها في هاته اللحظة ...ردت بسرعة "...نعم أنا جد مرتاحة سيدي ....تلك كانت مجرد غلطة ولن تعاد أبدا ....أعدك ..." قطع ذلك الاتصال البصري ونهض متجها نحو غرفته في الأعلى ...تاركا تلك العاشقة بقلب يكاد أن يتوقف ...أ يمكن أن يحب الشخص بهذا القدر ...هي تكاد أن يغمى عليها في هذا المكان ....وضعت يدها على قلبها بهدوء مخففة صدمة الأحداث التي عاشتها اليوم ...حقا الحب من طرف واحد أجمل حب لكنها ليست قادرة على تحمل ألمه فألمه أسوء بأضعاف ...