صدفة!

صدفة!

14 0

تخيل أن تلتقي كل طرق العالم في روما .... ثم يحاول أحد إقناعك أن لا شيء مميزا بشأنها ... تلك هي "الصدفة" 03/09/3110 16:27 PM مكتب الجنرال بياتا دوغليس قطع صوت طرق الباب أحبال أفكار الجينيرال معلنا وصول ما كانت تنتظره منذ الصباح -ادخل تتقدم الضابط المساعد تيرا إلى الداخل بخطوات مضبوطة الإيقاع و تقول: -سيدتي أتيت بتقرير التحقيق في انتحار الطفلة ليزا برتريس الذ… -أعلم ذلك … تقاطع بياتا حديثها بنظرة توحي بنفاذ الصبر و شيئ من التوتر، و تمد يدها لتمسك بالمغلف البرتقالي من يد تيرا، لتسهب بعدها: -ماذا كان سبب انتحارها؟! ترد الشقراء بثبات: -لا سبب حرفيا سيادتك… -"نحن لا نعلم السبب و هذا لا ينفي وجوده ! "تقول الجينيرال بريبة تهز معها ثقة الضابط تيرا بجوابها السابق -كيف كانت حالتها قبل ذلك؟! تنزل الضابط بعينيها إلى الأسفل محاولة تذكر ما قاله الشهود بدقة ، ثم تجيب: -وصفها الجميع أنها …غريبة لم تكن تحدث أحدا و كانت تخرج من البيت و تهوم في الشوارع ليلا، أُلقي القبض عليها عدة مرات لمخالفة قانون حظر التجول، لكن أُطلق سراحها لكونها صغيرة … و الأغرب من ذلك … ترى الجينيرال التردد والإستغراب ينزل على عيني مساعدتها الخجولة تيرا ،فتحاول الضغط عليها لتقول ما لديها : -ما الأغرب من ذلك ؟؟! -حسنا …في الحقيقة ما يحدث مع مرضى الإكتئاب أنهم يفقدون شهيتهم …ولكن ليزا _وفق ما قيل_ كانت تصاب بالغثيان وتتقيأ في كل مرة ترى فيها طعاما حتى لو لم يكن لها ! كأنها …كأنها رأت شيئا مقززا جدا ! تقول القائدة بينما بينما ترفع كوب الماء من المكتب و تسوقه قريبا من وجهها: -لا يبدو غريبا إلى ذلك الحد رغم أنه… جديد. -ماذا إن أخبرتك أن الفتاة كانت تحب اللعب بالحشرات ؟! انقطع طريق كوب الماء و راح عائدا إلى المكتب حين تعجبت القائدة: -عفوا؟! - ليزا كانت شجاعة جدا …و ذات عصب شديد …لم يكن يقرفها النزول في بركة عفن لاسترجاع كرتها أو دخول مجاري الصرف لاستعادة عملة سقطت هناك … ما الذي قد يقرفها لهذا الحد في طبق من الفاصولياء باللحم ؟؟؟! تنكمش أحداق بياتا معلنة عن شكوك و اتهامات خطيرة، لتنزلق من بين شفاهها الكلمات دون ان تلاحظ : -الآن هذا غريب حقا ..! تسهب الضابط تيرا مونرو بشرر من الفضول و المسؤولية: -هل استفدتي شيئا من استجوابك لصديقها …ذلك ال …محبوس -لا شيئ يذكر ، الواضح أنها كانت تتجنبه هو أيضا مؤخرا تتابع الجينيرال بينما توضب الملف في الدرج الخفي على يسار المكتب: على كل لقد بدأ الناس بالهلع و النزوح من القطاع ، بما أنها أول حالة إنتحار في تاريخ بارادايس يفترض أن ترقص الحكومة رقصتها المعتادة و تلقي كذبة لتهدأتهم … ينتاب الضابط خليط من الضحك الممزوج بالتردد : -اههه …لقد سبق وفعلوا منذ ساعة ،لقد أعلنو أن الصبية كانت تعاني من شذوذ في نشاطها الإشعاعي الطبيعي مما أثر على قدرتها العقلية … أثار الخبر ضحكة مدوية نابعة من أعماق الجنيرال لتتمالك نفسها بعدها و تقول و الضحك لازال يهز حنجرتها و أكتافها: -هذه أجمل رقصة رقصوها حتى الآن ! و بهذا يقنعون الشعب بزيارة المصحة العامة ليجروا التجارب عليه باسم فحص السلامة …. ترد تيرا بعد أن صار ارتباكها مستحيل الإخفاء: -"اههه …تماما سيادتك …" تستقيم في وقفتها و تعدل خصلة شعرها الأشقر المنسدلة على يسار وجهها ، لطالما كانت صراحة الجينيرال الحادة مربكة جدا لها ، إذ لا يمكنها التحديد هل هي نابعة من ثقتها بها و بولائها ، أم أنها مجرد لامبالاة منها بعواقب ما تقوله إذا ما وصل إلى أسماع مجلس الرئاسة. تعتدل القائدة بجلستها و تعكف يديها قرب وجهها بينما تحدق في الطاولة ، ثم تردف: -على كل كبريائي لن يسمح لي بقطع التحقيق هنا ، سنستمر بالبحث في الموضوع خلسة -لكن…أليس هذا عمل الحرس ؟! نحن كشافة سياد… انقطعت حبال الضابط الصوتية حين انتبهت للنظرة الشرسة على وجه الجينيرال… إنها قد تأكل أحدهم حيا -أمرك سيدتي ..إسمحي لي بالانصراف . تهم الضابط تيرا بالانصراف ،و تسترق النظر للجينيرال و هي تحدق بالعقد الزجاجي المعلق في زاوية المكتب ،و تقول بصوت خافت : -وحدهم الأغبياء و الكسالى يؤمنون بالصدفة …لا وجود للصدف! كل هادئ كالليل … لا بد …. مبعثر كالنجوم. 03/09/3110 16:21 pm المقاطعة 3 (السوق) مرت ثلاث ساعات منذ جلس المجند كولينارد على الرصيف قرب بوابة السوق ،منتظرا مساعد قائد الحرس، ذلك الشاب فاتر الوجه داكن التفاصيل ، تنبعث من ابتسامة ثغره رائحة ليلة طويلة ماطرة. لطالما جلس هناك بانتظار مروره عائدا من رحلة مسح المتاجر من كل أنواع حبوب القهوة ، طبعا بأمر من القائد ؛مهووس الكافيين. أحب الجلوس بقربه، أحب الغرق في عمق أفكاره، أدمن الإستماع إليه و إلى نظرياته كيف تغطي الحكومة على أخطاء أصحاب المراكز العليا لأنها تخاف إفشائهم لأسرارها… كيف يتظاهر العمال بدفن جثث المتوفين، ثم يخرجونها ويرمونها في المحرقة للتقليل من ضرر الإشعاع على التربة… كيف تجند الحكومة نصف النساء إجباريا كل سنة كاستراتيجية لتقليل نسب المواليد ومنع التضخم السكاني… و جاءه في نهاية كل أسبوع محملا بوابل من الأسئلة، وفي المقابل أحب الآخر أن يكون لديه شخص يستمع إليه بذلك القدر من الإهتمام، ففضائح الحكومة ليست موضوعا يمكنك الثرثرة فيه مع أيا كان لكنه اليوم يحمل سؤالا واحدا … لأنه يعرفها جيدا لأنه واثق، أنها ما كانت لتنتحر _________________ ♤بارادايس♤ نتيجة للتعرض المستمر للإشعاع النووي … يبلغ متوسط عمر البشر الخاضعين للتطعيم حوالي خمسين سنة. و يولد كثير من الأطفال بعاهات خلقية غالبا تتسبب في وفاتهم في غضون أول سنة من حياتهم. تأمر الحكومة بإبادة الأطفال المولودين بعاهات تتطلب رعاية طبية نظرا لشح الموارد. _________________________ -هل إنتهت فترة حبسك أيها المجند…؟! يلتفت إيفان على إثر السؤال الذي طُرح بنبرة يشحنها هدوء مستفز، و يلقي بابتسامة أثقلته محاولة كبتها ، إنه الضابط بيلو شارب ،يقف أمامه بابتسامته فاترة على وجه داهية يكسوه التواضع المصطنع، يميل رأسه بلطف و يسأل: -أتساعدني في حمل الأكياس؟! تحولت ابتسامة ايفان الى ابتسامة صدمة بعد أن انتبه لعدد الأكياس التي يحملها يبلو! (هل يقيم ذلك العجوز مأدبة !؟؟) ♤______________________♤ يعيش سكان بارادايس على محاصيل زراعية ذاتية النمو ، تأتي من مستعمرات زراعية في الخارج. يعود ذلك إلى تأثير الإشعاع النووي المنبعث من أجساد البشر…و الذي يلحق ضررا كبيرا بخصوبة التربة و يقلل من المردود الزراعي. ♤_______________________♤ -أعلم أنها لم تنتحر يا سيد شارب ! يقول إيفان بوجه يكسوه العطش للحقيقة فيرد الضابط بهدوء : -و ماذا ترجح غير ذلك…؟ -لا شك أن أحدا ما قتلها ! يحتوي الضابط كلام إيفان محاولا تجاهل أسنانه التي تحتك و حواجبه الكثيفة المعقوفة ببعضها ثم يجيب: -لا أرجح أن أحدا من أصحاب المناصب العليا قد يخاطر بقتل طفلة بهذا الوضوح ، أمكنهم إصابتها بتسمم أو جرعة مخدر زائدة ، في كل الأحوال كانت في المشفى…. يضغط إيفان على أكياس القهوة في حضنه ثم يقول: - الانتحار …سلوك الجبناء… و ليزا ليست جبانة ….!! و بكل ثبات و موضوعية يخبره الضابط: -لا أظن أن الجبناء يملكون ما يكفي من العزيمة للإنتحار ، يتطلب الأمر بعض الشجاعة… ينتفض إيفان غضبا إذ نال كفاية من برود بيلو المستفز: -من لديه الشجاعة سيحارب أي شيء يقف في طريقة! لن يختار القفز من نافذة أيها الغبي!! بالتأكيد …لا عجب من انفعالاته فالأمر يتعلق بأعز أصدقائه ،كما أنه لا يكاد يفرقه عن أبيه شكلا فكيف يختلف عنه فعلا و طبعا فيضع بيلو يده الفاترة على كتف الصبي، كأنه يريد أن يشفط أكبر قدر من انتباهه لما سيقول تاليا: ما يتطلبه القتال هو القوة … وليس الشجاعة …. هناك ضعفاء شجعان ...وهناك أقوياء جبناء … الصنف الأول هم من تفتتح بمقتلهم الحروب… والصنف الثاني هم من تشن بأمرهم الحروب … وحدهم الأقوياء الشجعان يفعلون ما يريدون … و الضعفاء الجبناء هم دائما مجرد رعية… طالما تميز بين هؤلاء … يمكنك أن تختار من تكون… وليزا …سبق وإختارت …. تنزلق أكياس القهوة من يدي إيفان ببطئ و تهوي على الأرض ،كان يتمنى أن يكون بيلو هو من يصدقه و يخبره عن إحتمال آخر… أي شيء آخر …أي شيء إلا هذا…

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الجنة

المؤلف شيزوكانا آراشي
2024/10/09 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة