تسلّل اللحن الجنائزي إلى القاعة الكبرى كنَفَسٍ أخير يخرج من صدر مملكةٍ تحتضر. لم تكن النغمة مجرد موسيقى؛ كانت ثِقلاً يسقط على الأكتاف، وبرودةً تتسلل عبر الحجر البارد للدير، حيث تجمّعت النخبة المكلومة حول جثمان الملك
كان النعش فاخراً إلى حدّ القسوة. خشب داكن محفورٌ بالذهب، وأقمشة أرجوانية تتدلى من جوانبه كدماءٍ متجمدة، وعلى غطائه تمثالٌ من الرخام الأبيض لرجلٍ في ريعان القوة، ووجهٌ نحتته يدُ نحّاتٍ أرادت أن تُبقي على ابتسامةِ القائد، لكن الرخام لا يبتسم. الرخام يجمّد. وهذا بالضبط ما فعله الموت بهنري الخامس.
وقف دوق بدفورد على رأس النعش. كان جسده متيبّساً لا من البرد، بل من محاولةٍ يائسة لإخفاء ارتجافه. عيناه الحمراوان لم ترفعا نظرهما عن وجه الملك الراقد.
إلى يمينه، وقف دوق كلوسستر. لم يبكِ. لم يكن من النوع الذي تبكي عيناه أمام العامة. لكن فكّه كان مشدوداً، وأصابعه تضغط على مقبض سيفه حتى بدت عروق يده كأنها ستحترق. كان يفكر. كان يفكر بسرعة، وهذا ما جعل الحزن عليه أصعب: رجلٌ لا يسمح لنفسه بالحزن حتى في جنازة جلالته.
أما دوق إكسيتر، فوقف صامتاً كتمثالٍ آخر. لم تكن الصمت عنده ضعفاً؛ كان صمت رجلٍ رأى الكثير، وعرف أن الكلمات في مثل هذه اللحظات تصبح ثقيلةً بلا معنى. نظر إلى النعش، ثم إلى الأبواب المغلقة للقاعة، ثم إلى الوجوه المحيطة، وقرأ فيها ما لم يُقَل: الخوف، الطمع، الحساب.
اقترب كونت ووريك من النعش بخطواتٍ بطيئة. كان الرجل الأكبر سناً بينهم، ووجهه المحفور بالتجاعيد يشبه خريطة معاركٍ خاضها في سبيل هذا الملك الذي يرقد الآن أمامه. رفع يده ووضعها على حافة النعش ليودّع ملكه المحبوب
وكان أسقف ونشستر واقفاً في الظل. لم يتقدم. كان يراقب. رجل الدين الذي عرف هنري الطفل، ثم هنري الأمير المتمرد، ثم هنري الملك المحارب. عرف أن الرجل الذي في النعش لم يكن قديساً، لكنه كان ملكاً عظيماً، وهذا وحده يكفي ليجعل الأسقف يرفع عينيه نحو السقف ويتمتم صلاةً قصيرة، لا للملك، بل لإنجلترا.
وأسقف هيريفورد، الأصغر بينهم، كان يرتجف. لم يكن يرتجف من الحزن فقط، بل من الإدراك. كان يرى ما لا يراه الآخرون بعد: أن هذا الجثمان المسجّى ليس نهاية قصة، بل بداية فوضى. أن هنري الخامس، بموته، لم يترك عرشاً فارغاً فحسب، بل ترك الفوضى
توقف اللحن الجنائزي ليتوقف مع صوت الحضور مرت عدة دقائق حتى كسر الصمت الاسقف ونشستر « كان ملكا مباركا من ملك الملوك » توقف لحظة كان يبدو انه سيبكي لكنه اكمل كلامه « كان يقاتل حروب رب الجنود، و صلوات الكنيسة هي التي جعلته يزدهر، ولآن فالتدعوا لجلالته ان يرقد بسلام حامي المملكة » رفع بصره الي رؤوس الحاضرين و استطرد « هنري الخامس يا من كنت تاج على جبين انجلترا لا التاج على رأسك» انخفض صوته حتى صار الي الهمس « كنت السيف الذي يشده احد سواك، و كنت الدرع الدرع التي احتمت خلفها هذه المملكة ».
أغمض عينيه. رأى خلف جفنيه وجه الملك الشاب، كما رآه أول مرة: واقفاً على في أزينكور، والمطر يغسل الدم عن درعه، والعلم الإنجليزي يمزّق الهواء خلفه. لم يكن ملكاً في ذلك اليوم. كان عاصفةً في هيئة رجل حينها خاطبه الملك: لقد انتصرنا أيها الأسقف فالتدعو لنا بالاكثير من الانتصارات.
بدأ صراع هنري الخامس مع فرنسا كصراع على شرعية العرش، مدفوعاً بطموح سياسي لا يلين وإرث عائلي يطالب بتاج فالوا. لم يكن يرى نفسه غازياً طماعاً، بل ملكاً شرعياً يسترد ملكه المسلوب. بعد معركة أزينكور، دخل فرنسا فاتحاً، لا بالسيف وحده بل بالدهاء السياسي أيضاً. استغل انقسامات البيت الملكي الفرنسي المتمثلة في الصراع الدموي بين الأرمنياك والبورغنديين، ليفرض شروطه قسراً على الملك الفرنسي العليل شارل السادس.
بلغ أوج مجده عام 1420 بتوقيع معاهدة تروا؛ حيث زُوج بالأميرة الفرنسية كاثرين، وأُقر ولياً لعهد فرنسا ووصياً على عرشها، متجاوزاً بذلك ولي العهد الفرنسي الشرعي الدوفان. بدا أن حلم توحيد التاجين الإنجليزي والفرنسي تحت راية واحدة قد صار حقيقة مجسدة.
لكن المرض اقعده ارضا. ففي خضم حملاته المستمرة لتثبيت أركان ملكه الجديد، وأثناء محاصرته لبلدة فنسان قرب باريس، باغته مرض الزحار الخبيث لينال من جسده المنهك.
فتح ونشستر عينيه نظر إلى النعش مباشرة، كأنه ينظر إلى وجه الملك من خلال الخشب والرخام « هزمتَ فرنسا وهي أكبر منك عدداً. هزمتَها وهي أكثر منك عدةً. أذلّلت كبرياءها حتى صار اسمها يُهمس في باريس كما يُهمس اسم الموت، نم يا ملكنا المحبوب نم في سلام أبدي».
لم يكن إبن الملك حاضرا في الجنازة كان خائفا ولا يحتمل رأيت ابيه ميتا و شاحب الوجه و صدمة وافته جعلته طريح الفراش. حُمل نعش الملك على اكتاف النبلاء الى قبره تاركا كل احلامه اللعينة ظائما ما يقول عن احللمه انها لعينة ، و كان الكثير يسألونه لماذا تقول عن احلامك انها لعينة فكان يجيبهم انه دائما يفكر فيها و لا تدعه يرتاح و لا ينام الاحلام و طموحات هي لعنة و تقودك دائما الى الجشع.
على تلة صغيرة بعيدة، حيث تنتهي الارض المزروعة و يبدأ الطريق التربي المؤدي الي طريق ونسمنستر وقف إدموند بلاجنتيه، كان يرتدي معطفاً طويلاً من الصوف الفاخر، لونه كستنائي داكن، تحته قميص حريري باهظ الثمن، وعلى كتفيه عباءة سوداء مبطّنة بالفرو. على إصبعه خاتم ذهبي ضخم، وفي يده اليمنى قفاز جلد ناعم لم يلبسه قط. عيناه رماديتان ورثهما من امه له بشرة بيضاء و شعر مجعد بني لون و فق كتفه غراب اطلق عليه إسم سابل
لم يكن أحد في الموكب قد لاحظه. كانوا مشغولين بالنعش، بالتراب، بالدعاء، بالفراغ الذي فتحه موت هنري الخامس في صدورهم. لكنه هو كان يراقبهم جميعاً. يراقب بدفورد وهو يلقي حفنة التراب ويده ترتجف. يراقب غلوستر وهو يطأطئ رأسه لكن عينيه تبحثان في الوجوه المحيطة. يراقب ونشستر وهو يرفع كفّيه، ويرى في رفعهما شيئاً آخر غير الدعاء. كما نه لاحظ عدم وجود إبن الملك
اخذ الغثيان يتصاعد الي فمه كان طعمه حامضا ممزوجا مع النبيذ العنب الارجواني اراد ان يبتلعه لكنه لم يستطع فتقيئ مسح فمه بظهر يده
« ملك احمق ربح المعارك بالحظ الجيد لطالمة كان حظه جيدا اليس كذلك سابل؟ » كان يخاطب غرابه و يعلم انه يجيبه بنعيق
شمأز إدموند. شمأز من النفاق الذي يراه. من الأسقف الذي يتلو صلاةً على رجلٍ كان يستخدم الكنيسة مطيّةً لملذاته. من النبلاء الذين ينحنون على قبره، ثم سيتقاتلون على ما تركه من غنائم قبل أن تجفّ دموعهم. من هذا الحشد الذي جاء ليبكي رجلاً لم يكن يحبه، بل كان يخافه. نعم. كانوا يخافونه. وهذا هو الفرق بين الملك العظيم والملك الطاغية، قال إدموند لنفسه: الأول يُحب، والثاني يُخشى. وهنري الخامس، في نظر إدموند، لم يكن إلا طاغيةً لبس عباءة البطل المحظوظ
قال ادموند « انتهى هنري الخامس، يجب استغل ابن الملك وإلا استغله الآخرين قبلي » و استدار نازلا من التلة متجها الي حصانه الاسود بدأ الغراب ينعق و يرفرف بجناحيه و كانه يعلم انه سيذهب الى القلعة « هل علي اغتيال الملك؟ لالا هذه الفكرة غبية جدا ما الذي سيحدث لو قمت بإغتياله؟» كان إدموند دائما يفكر بصوت مسموع و في اغلب الاحيان يتصارع مع نفسه « طبعا كل العائلات ستتصارع على تاج و ينتج عنها حرب اهلية طاحنة و تستغل فرنسا الحرب و تغزو انجلترا» امسك بلجام الحصان و صعد على ظهره توقف من صدمة ما فكر فيه « سحقا فرنسا ستستغل موت هنري الخامس علي ان انبه الملك الصغير سحقا سحقا سحقا سحقا» بدأ يضرب نفسه بشدة طار الغراب فزعا لكنه حط على رأس الحصان لم تكن او مرة يضرب فيها إدموند نفسه مسح وجهه بيديه ببطئ شديد و كأنه يريد ان يسلخه « علي ان اكون الاذكى في البلاط كي يكون الملك مصغيا الي» قبل ان ينكز حصانه القى نظرة اخيرة الي نبلاء و الحاضرين في مراسم دفن اطال النظر اليهم قال « وداعا هنري و اسف لما سأفعله بإبنك » نكز الحصان لينطلق مسرعا نوح القلعة
Salah Eddine