المدينة اللي بتحفظ الأسرار

المدينة اللي بتحفظ الأسرار

19 0

---

الفصل الأول

المدينة اللي بتحفظ الأسرار

الإسكندرية ما كانتش بتنام.

كده كان البحارة بيقولوا.

وكده كان الرجالة اللي بيشتغلوا في المينا لحد الفجر بيقولوا،

والباعة اللي بيجرّوا عربياتهم قبل ما الشمس تطلع،

والستات اللي بيفتحوا شبابيكهم مع أول خيط نور.

المدينة كانت بتصحى قبل أهلها.

البحر يصحى الأول.

وبعدين النوارس.

وبعدين تبدأ أصوات العربيات فوق الحجارة القديمة.

وبعدها بشوية...

تبدأ الحياة.

في صباح ساقع من صباحات الإسكندرية، من أكتر من مية سنة،

كانت السما رمادية والهوا شايل ريحة البحر والرطوبة.

وقف راجل عجوز قدام دكان صغير، وبدأ يرفع بابه الخشب التقيل.

وقف لحظة.

وبص للشارع.

وقال لنفسه:

— يوم جديد.

ما كانش يعرف إن اليوم الجديد ده شايل جواه سر قديم.

سر هيغيّر حياة مدينة كاملة.

---

الإسكندرية في الزمن ده كانت مدينة مليانة ناس وحكايات.

ناس جايين من الصعيد.

وناس جايين من القرى.

وتجار من بلاد بعيدة.

وبحارة حافظين أسماء الموانئ أكتر من أسماء الشوارع.

وكان الفقير عايش قريب من الغني، لكن ما بينهم كان فيه عالم كامل من الفرق.

في شارع واحد، ممكن تلاقي بيت كبير بباب واسع وشبابيك عالية.

وبعده بكام خطوة، تلاقي حارة ضيقة الشمس نفسها ما بتدخلهاش غير بالعافية.

الأحياء الشعبية كان ليها عالمها الخاص.

كل واحد عارف جاره.

أو على الأقل...

فاكر إنه عارفه.

وفي فرق كبير بين الاتنين.

لأن الناس ممكن تشوف بعض كل يوم...

لكن عمرهم ما يعرفوا إيه اللي بيحصل ورا الأبواب المقفولة.

---

في حارة من الحواري، كانت ست بتمسح الأرض قدام بيتها.

كان اسمها أم زينب.

ما كانتش صغيرة، بس كمان ما كانتش عجوز. كانت عدّت الأربعين بشوية، وابتدى الشعر الأبيض يبان من تحت غطا راسها.

كانت ست متعودة على الشغل.

تصحى بدري.

تحضر الأكل.

تنضف البيت.

وبعدين تقعد شوية قدام الباب تراقب الناس وهي رايحة وجاية.

ده كان جزء من يومها.

رفعت راسها لما شافت ست ماشية في الحارة.

— صباح الخير يا أمينة.

أمينة بصت لها.

— صباح النور يا أم زينب.

كانت أمينة شايلة كيس صغير في إيدها.

قالت أم زينب:

— رايحة فين بدري كده؟

ابتسمت أمينة.

— هخلصلي كام مشوار.

— كل يوم عندك مشاوير.

ضحكت أمينة.

— أعمل إيه بس؟ الحياة مش بتخلص.

قالت أم زينب:

— عندك حق.

وبصت للكيس اللي في إيدها.

— هترجعي قبل الضهر؟

هزت أمينة راسها.

— يمكن.

— أمك هتفضل تدور عليكي.

تنهدت أمينة وقالت:

— أمي بتدور عليا حتى وأنا قاعدة قدامها.

ضحكوا هما الاتنين.

كانت لحظة عادية.

قصيرة.

وبسيطة.

من اللحظات اللي الواحد ما بياخدش باله منها.

لكن أم زينب، بعد سنين، هتفتكر اللحظة دي.

هتفتكر ابتسامة أمينة.

وطريقة وقفتها.

والكيس الصغير اللي كان في إيدها.

وهتفتكر إنها قالت لها:

«رايحة فين بدري كده؟»

وهتتمنى لو كانت سألت سؤال تاني.

لو كانت قالت:

«ما تروحيش.»

بس الإنسان ما يعرفش المستقبل.

ولو كان يعرفه...

كانت حياة ناس كتير هتتغير.

---

مشت أمينة في الحارة.

كانت عارفة الطريق كويس.

عدّت جنب دكان البقال.

وبعدين جنب راجل بيبيع عيش.

كان فيه راجلين بيتكلموا بصوت عالي في آخر الشارع، فعدّت من جنبهم من غير ما تهتم.

وصلت لشارع أوسع شوية.

المدينة كانت بدأت تصحى.

عربية ماشية.

ست شايلة طفل.

راجل بيجري ورا حصان.

وصوت بياع جاي من بعيد:

— سمك طازة!

بصت أمينة ناحية البحر.

البحر ما كانش باين من مكانها، بس كانت حاساه.

البحر كان دايمًا قريب.

حتى لما ما كنتش بتشوفه.

ودي كانت واحدة من الحاجات اللي بتحبها في الإسكندرية.

ريحة البحر.

وصوته.

والهوا اللي ما يشبهش هوا أي مدينة تانية.

ما كانتش تعرف إن الصبح ده...

هيكون آخر صباح تشوف فيه المدينة بالشكل ده.

---

في مكان تاني، كانت ريا صاحية من بدري.

ما نامتش كويس بالليل.

كانت قاعدة قدام شباك صغير.

الشباك كان بيطل على جزء ضيق من الشارع.

ما كانتش بتشوف منه غير الناس وهي ماشية.

راجل.

ست.

طفل.

وبعدين...

ولا حاجة.

حطت كباية الشاي على الأرض.

ما شربتش منها.

دخل راجل الأوضة.

بصلها وقال:

— ما نمتيش؟

ما بصتلوش.

— نمت.

— مش باين عليكي.

قالت بهدوء:

— وإنت تعرف النوم بيبان إزاي؟

قرب منها.

— مالك؟

رفعت راسها.

عينيها كانت تعبانة.

لكن وشها ما كانش باين عليه خوف.

قالت:

— مفيش.

ابتسم الراجل.

— إنتِ ما بتقوليش «مفيش» إلا لما يكون فيه حاجة.

بصت تاني ناحية الشباك.

— يمكن تعبت.

قعد جنبها.

— من إيه؟

سكتت.

وبعدين قالت:

— من كل حاجة.

ما ردش عليها.

كان عارف إن فيه أسئلة...

الأحسن إنها ما تتسألش.

وفي البيت ده...

كان فيه أسئلة كتير محدش بيسألها.

---

ريا كانت عاشت حياة صعبة.

حياتها ما كانتش مستقيمة زي طريق طويل بيوصل من مكان لمكان.

كانت أقرب لحارة من حواري الإسكندرية.

متعرجة.

ضيقة.

ومليانة لفّات ومنعطفات.

كانت عارفة يعني إيه فقر.

وعارفة يعني إيه الواحد ينقل من مكان لمكان.

وعارفة يعني إيه تدور على الفلوس وما تلاقيهاش.

لكن الفقر، مهما كان قاسي، ما بيكتبش مصير الإنسان لوحده.

دايمًا فيه قرار.

وبعدين قرار تاني.

وبعدين خطوة.

والخطوات، مع الوقت، بتعمل طريق.

وساعات الإنسان ما بياخدش باله إنه ضل الطريق...

غير لما يكون مشي فيه مسافة كبيرة.

---

في بيت تاني، ما كانتش سكينة قاعدة بهدوء زي أختها.

كانت بتلف في الأوضة.

تفتح صندوق.

وتقفله.

تدور على حاجة.

وبعدين تنسى هي كانت بتدور على إيه.

قال الراجل اللي كان قاعد جنب الباب:

— اقعدي شوية يا ست.

لفتله.

— أقعد ليه؟

— عشان دوختيني.

قالت:

— يبقى ما تبصليش.

ضحك.

لكن هي ما ضحكتش.

كان في وشها حاجة غريبة.

حاجة شبه الغضب.

أو القلق.

قرب منها الراجل.

— حصل حاجة؟

— لأ.

— إنتِ كمان؟

وقفت.

— تقصد إيه؟

— ريا قالت نفس الكلام.

بصتله.

— وإنت شفت ريا إمتى؟

— امبارح.

رجعت تلف في الأوضة.

— يبقى روح اسأل ريا.

قال:

— أنا بسألك إنتِ.

فتحت الصندوق بعنف.

وصوت الخشب طلع في الأوضة.

قالت:

— قلتلك مفيش حاجة.

سكت الراجل.

سكينة ما كانتش بتحب حد يكرر عليها السؤال.

خصوصًا لما تكون مش عايزة تجاوب.

---

بره البيت، عدّت ست تعرفها.

وقفت قدام الباب ونادت:

— سكينة!

رفعت سكينة راسها.

— نعم؟

— إنتِ هنا؟

خرجت عند الباب وقالت:

— ما إنتِ شايفاني.

ابتسمت الست.

— تعالي بس.

خرجت سكينة وقفلت الباب وراها.

وقفوا في آخر الحارة.

قالت الست:

— الناس بتتكلم.

اتغير وش سكينة.

— بتتكلم عن إيه؟

— عن الستات.

بصتلها من غير كلام.

قالت الست:

— الستات اللي اختفوا.

قالت سكينة ببرود:

— وإحنا مالنا؟

— ما قلتش إن ليكم دعوة.

— أمال جاية تقوليلي ليه؟

اترددت الست.

وقربت منها.

ووطّت صوتها.

— سمعت إن البوليس بيسأل.

قالت سكينة:

— البوليس طول عمره بيسأل.

— بس...

قاطعتها:

— عندك حاجة تانية؟

سكتت الست.

بصلها سكينة وقالت:

— روحي بيتك.

— أنا بس كنت عايزة أحذرك.

ابتسمت سكينة.

بس الابتسامة ما وصلتش لعينيها.

— تحذريني من إيه؟

الست ما عرفتش ترد.

لفت سكينة ورجعت ناحية البيت.

لكن قبل ما تقفل الباب، بصت لآخر الحارة.

كان فيه راجل واقف بعيد.

ما قدرتش تشوف وشه كويس.

أو يمكن...

ما كانتش تعرفه أصلًا.

دخلت.

وقفلت الباب.

---

في الأيام دي، المدينة كانت بتسمع كلام كتير.

إشاعات.

وأخبار.

وحكايات عن ستات خرجوا من بيوتهم وما رجعوش.

لكن اختفاء حد ما كانش دايمًا حاجة غريبة.

الناس كانت بتسافر.

وتسيب بيوتها.

وتهرب من جوازات فاشلة.

وتنقل حياتها لمكان تاني.

والحياة نفسها كانت صعبة.

أصعب بكتير مما ناس كتير تقدر تتخيل.

علشان كده، لما ست تختفي، الناس كانت تقول:

«يمكن سافرت.»

أو:

«يمكن هربت.»

أو:

«يمكن ترجع.»

وكلمة «يمكن» كانت مريحة.

لأنها بتأجل الخوف.

لكن «يمكن»...

عمرها ما غيرت الحقيقة.

---

في آخر النهار، كانت أم أمينة قاعدة قدام باب البيت.

الشمس كانت غربت.

وأحد الجيران ولّع لمبة صغيرة قدام بيته.

الوقت عدى.

وأمينة ما رجعتش.

دخلت الأم البيت.

وبعدين خرجت تاني.

بصت للحارة.

ما فيش حد.

قالت لنفسها:

— هترجع.

دخلت.

واستنت.

بعد ساعة خرجت تاني.

— هترجع.

بعد ساعتين، ابتدى القلق يدخل قلبها.

سألت واحدة من الجيران:

— شوفتي أمينة؟

هزت الجارة راسها.

— لأ.

— خرجت من الصبح.

— يمكن راحت مشوار بعيد.

قالت الأم:

— راحت فين؟

— ما أعرفش.

رجعت الأم البيت.

قعدت.

وبعدين قامت.

وبعدين قعدت تاني.

الليل كان بيزيد.

وأمينة...

لسه ما رجعتش.

---

لما الوقت اتأخر أكتر، جه أخوها.

دخل البيت وقال:

— فين أمينة؟

بصتله الأم.

ما قالتش حاجة.

فهم لوحده.

— ما رجعتش؟

هزت راسها.

— لأ.

— راحت فين؟

— قالتلي هتخلص كام مشوار.

قعد الراجل.

— مشاوير إيه؟

— ما قالتليش.

سكت شوية.

وبعدين قام فجأة.

— هروح أدور عليها.

خرج.

لف في الشوارع.

وسأل في الأماكن اللي يعرفها.

وسأل الناس.

لكن محدش كان عارف حاجة.

كل واحد كان فاكر إنه شافها.

أو يمكن كان فاكر بس.

«يمكن عدّت من هنا.»

«يمكن راحت من الناحية دي.»

«لأ، ما شفتهاش النهارده.»

لما رجع، كان الفجر قرب.

كانت الأم قاعدة قدام الباب.

شافته جاي.

قامت بسرعة.

وبصت في وشه.

ما احتاجتش تسأل.

قال بهدوء:

— ما لقيتهاش.

قعدت الأم.

بالراحة.

وقالت:

— هترجع.

ما ردش.

وبص للحارة.

كانت فاضية.

---

عدّى يوم.

وبعدين كام يوم.

وبعدين أسبوع.

وابتدت الحقيقة تدخل البيت.

بالراحة.

زي الميه لما تتسرب من تحت الباب.

مهما حاولت تمنعها...

بتدخل.

أول يوم كانوا بيقولوا:

«هترجع.»

تالت يوم قالوا:

«يمكن حصل لها حاجة.»

وفي اليوم السابع...

ما بقاش حد عارف يقول إيه.

راحت الأم للبوليس.

وقدمت بلاغ.

قالت اسم بنتها.

ووصفها.

وحكت إمتى خرجت.

وآخر مرة اتشافَت فيها فين.

الموظف كتب كل حاجة.

وبعدين قال:

— هندور عليها.

بصتله الأم وقالت:

— دوروا كويس.

هز راسه.

— هنحاول.

خرجت الأم.

ما كانتش تعرف إن اسم بنتها هيبقى اسم وسط أسماء كتير.

أسماء ستات.

خرجوا من بيوتهم.

وبعدين...

اختفوا.

---

في مكان تاني من المدينة، كانت ريا قاعدة قدام نفس الشباك.

لكن المرة دي...

ما كانتش بتبص للشارع.

كانت بتسمع صوت ستين بره بيتكلموا.

قالت الأولى:

— سمعتي؟

قالت التانية:

— سمعت إيه؟

— ست اختفت.

اتجمدت ريا مكانها.

قالت الست التانية:

— تاني؟

— أيوه.

— منين؟

ريا ما سمعتش باقي الكلام.

قامت وقفلت الشباك.

المرة دي ما قفلتوش عشان البرد.

وقفت في نص الأوضة.

ساكتة.

دخلت سكينة.

بصتلها.

— قفلتي الشباك ليه؟

قالت ريا:

— مش بحب الدوشة.

سكينة بصت في وشها.

— ريا.

— نعم؟

— إنتِ خايفة؟

رفعت ريا راسها بسرعة.

— خايفة من إيه؟

ابتسمت سكينة.

لكن ابتسامتها ما كانتش مريحة.

— ما أعرفش.

قربت منها وقالت:

— إنتِ قوليلي.

بصت ريا لأختها وقت طويل.

وبعدين قالت:

— ما تخافيش من حاجة ما حصلتش.

ضحكت سكينة.

— ومين قال إنها ما حصلتش؟

نزل الصمت على الأوضة.

كام ثانية...

ولا واحدة فيهم اتحركت.

وبعدين ريا بعدت.

وقعدت.

وقالت:

— اقفلي الباب.

سكينة بصت للباب.

وبعدين...

قفلته.

طلع صوت بسيط.

صوت عادي.

صوت باب بيتقفل.

لكن في بعض الحكايات...

النهاية بتبدأ من اللحظة اللي الباب بيتقفل فيها.

---

وبره...

كانت الإسكندرية مكملة حياتها.

الناس بتشتغل.

والباعة بتنادي.

والعيال بتجري.

والبحر بيخبط في الشط.

ما كانش حد يعرف إيه اللي هيطلع من تحت الأرض.

وما كانش حد يعرف إن الأسماء اللي ابتدت تتقال همس في الحواري...

هتبقى بعد فترة من أشهر الأسماء في واحدة من أكتر القضايا غموضًا وإثارة في تاريخ مصر.

الحقيقة كانت لسه مستخبية.

مدفونة.

بالمعنى الحقيقي للكلمة.

مدفونة تحت الأرض.

لكن الأرض، مهما خبّت أسرار...

مش بتقدر تخبيها للأبد.

في يوم...

بتيجي إيد.

تشيل التراب.

فتظهر الحقيقة.

حتة...

حتة.

ولما الحقيقة تظهر...

ما بيبقاش فيه رجوع.

أما في الليلة دي، فما كانش حد عارف حاجة لسه.

كانت أم أمينة قاعدة قدام باب بيتها.

بتبص لآخر الحارة.

مستنية بنتها.

وريا كانت في بيتها.

وسكينة كانت في بيت تاني.

والمدينة كلها ماشية زي كل يوم.

لكن حاجة كانت ابتدت.

حاجة مش هتخلص بسهولة.

حاجة هتخرج من البيوت.

وتوصل للشوارع.

وبعدين لمكاتب البوليس.

وبعدين لقاعة المحكمة.

وبعدين...

لصفحات التاريخ.

وفي الليلة دي، قبل ما أم أمينة تنام، سابت الباب موارب.

يمكن بنتها ترجع.

كده قالت لنفسها.

يمكن ترجع.

لكن الليل عدى.

وبعدين جه الفجر.

ورجع البحر لصوته القديم.

أما أمينة...

فما رجعتش.

نهاية الفصل الأول

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ريا وسكينة|حين أغلقت البيوت أبوابها

المؤلف mohamed ayman
2026/09/15 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة