الجزء 1 : البداية

الجزء 1 : البداية

11 0

في عصرٍ تحكمه قوانين الملوك وإتيكاتهم، تبدأ قصتنا.

كان الجو ربيعيًا ومشمسًا، والأشجار تتحرك بخفوت مع نسمات الهواء، بينما كانت الورود تتمايل بهدوء في أرجاء الحديقة الملكية. وفي تلك الأثناء، كانت تجلس فتاة ذات شعر أبيض تحت شجرة كبيرة، وبين يديها دفتر بسيط وقلم حبر.

كانت تبتسم بخفوت، وهي تُبدي كل تركيزها. تحمل قلم الحبر بين أصابعها، وتحركه بخفة فوق صفحات الدفتر، وكأنها غارقة تمامًا في العالم الذي تصنعه بين تلك السطور.

قاطع شرودها صوت صاحبة الغمازات، وهي تناديها من بعيد:

— "يا أميرة... والدكِ الحاكم يبحث عنكِ!"

كان من الواضح أنها كانت تركض من شدة استعجالها.

نظرت إليها الفتاة نظرة عتاب، ثم أغلقت الدفتر الذي كان بيدها، ومدّت يدها لتساعدها على الاستقامة. استقامت أوريليا من مكانها، ثم أردفت:

— "أوريليا... ألم أقل لكِ ألّا تناديني بالأميرة؟"

نظرت أوريليا إلى العشب الذي تحت قدميها، ثم إلى عينيها البنفسجيتين، متنهدةً بقلة حيلة:

— "ولكن يا أميرتي... لا أستطيع ذلك."

ابتسمت لها الفتاة وهي تقول بهدوء:

— "أوريليا... أنتِ أكثر من مساعدة شخصية بالنسبة لي. أنتِ صديقتي الوحيدة والمقرّبة... لذلك لا أريد أن يكون هناك فرق طبقات بيننا."

ابتسمت لها أوريليا:

— "حسنًا يا... أ... أ…"

نظرت إليها ذات الشعر الأبيض وهي تشجعها:

— "هيّا... هيّا، أكمليها... يمكنكِ ذلك."

أخذت الأخرى نفسًا عميقًا، ثم أكملت:

— "ف... فيونيلا!"

ضحكت ذات الشعر الأبيض من تصرفها، ثم قالت:

— "هكذا أريدكِ... ماذا يحتاج مني الحاكم؟"

حكّت أوريليا رقبتها بخفوت من خجلها، ثم ردّت:

— "إنه موعد الإفطار يا أميرتي."

تنهدت فيونيلا بتذمر:

— "آااخ... لا فائدة من المحاولة معكِ."

ابتسمت أوريليا وهي تكشّر عينيها بخجل، ثم أطلقت ضحكة خجولة:

— "ههه... آسفة."

نظرت إليها فيونيلا بحدة، وهي تضغط على شفتيها:

— "امشي يا ذات الشعر المجعّد... دعينا لا نتأخر عن الحاكم لأنني سأخذ بهدلة مرتبة "

دخلت فيونيلا برفقة أوريليا إلى بهو القصر، واتجهتا نحو غرفة الطعام.

كان البهو واسعًا وفخمًا، تتدلى من سقفه ثريّات زجاجية تلمع تحت ضوء الصباح، بينما تزيّنت الجدران بلوحاتٍ قديمة تعود لأفراد العائلة الحاكمة.

وعلى جانبي الممر، امتدت أعمدة رخامية تزيد المكان هيبةً، إطلالة وفخامة.

وصلت الاثنتان إلى غرفة الطعام، فدفعت فيونيلا الباب ودخلت، لتجد أن كل أفراد العائلة في انتظارها .

كانت الغرفة عبارة عن مائدة طويلة مزينة بأدوات فضية وأطباق مرتبة بعناية. كانت النوافذ العالية تسمح لأشعة الشمس بالتسلل إلى الغرفة، فتنعكس على الستائر الثقيلة والأثاث الخشبي الأنيق.

تقدمت فيونيلا ثم انحنت احترامًا للحاكم، لكنه قابلها بنظرة غاضبة.

اخفضت بصرها للأرض عندما لاحظت الغضب الذي يشع في عينيه ثم قالت في سرها متمتمة :

—" والآن… ستبدأ البهدلة"

— "كم مرة أقول لكِ ألّا تتأخري عن الإفطار؟"

قالها بنبرة حادة وغاضبة.

أجابت فيونيلا بصوت خافت، وهي خافضة رأسها نحو الأرض:

— "آسفة... سموّك... كنتُ في الحديقة الملكية."

نظر إليها لثانية، ثم استدار نحو المائدة الطويلة أمامه، حيث كانت تجلس كلٌّ من أخت فيونيلا والملكة، و بقيت العائلة الحاكمة وقال بصوت صارم، رافعًا إصبعه:

— "هذه آخر مرة سأسامحكِ فيها، وإذا تأخرتِ مرة أخرى... فلن يعجبكِ ما سأفعله."

صمت لثانية، وهو يضرب على الطاولة بأصابعه بقوة، ثم قال:

— "الكلام موجّه للجميع."

جلس الحاكم، ثم أمرهم بالبدء في تناول الطعام.

شرعت العائلة جميعها في الأكل بصمت، بينما أطلقت ذات العينين الخضراوين ضحكةً جانبية خافتة، وهي ترمق فيونيلا بنظرة غامضة.

انتهى الإفطار.

نظرت فيونيلا إلى الحاكم للحظة، متأملةً ملامحه. كان نسخةً طبق الأصل عن أختها، ولية العهد، والفرق الوحيد بينهما أن إحداهما فتاة والآخر رجل.

ثم قالت وهي تُشيح بنظرها عنه:

— "هل يمكنني النهوض؟ لقد انتهيت."

لم ينظر إليها الحاكم حتى، واكتفى برفع يده علامةً على السماح لها.

استقامت فيونيلا من مكانها، واتجهت نحو الباب، لكن أوقفها صوت الملكة ركسانة وهي تخاطبها بنبرة حنونة:

— "فيونيلا... حبيبتي، لا تنسي درس البيانو."

أغمضت فيونيلا عينيها وزفرت بضيق، ثم التفتت إليها:

— "أمرك... لن أنسى."

خرجت من الغرفة متجهةً نحو جناحها، وخلفها كانت أوريليا.

كانت منزعجةً إلى حدٍّ كبير. فأكثر ما كانت تكرهه في القصر، وفي كونها أميرةً لمملكة، هو أنها مُلزمة بتطبيق بروتوكولات وإتيكيت هذا القصر الممل .

صعدت إلى جناحها، ثم ألقت بنفسها فوق سريرها الواسع، وقالت لأوريليا بتذمر:

— "لو كنت أستطيع العيش مثل رواياتي فقط…"

وما إن أنهت جملتها، حتى تسلّل إلى مسامعها صوتٌ خافت قادم من جهة الرفوف.

التفتت فيونيلا نحو مصدر الصوت باستغراب، لكنها لم تجد شيئًا غريبًا؛ كل شيء كان في مكانه.

لم تكترث للأمر كثيرًا، واستقامت من فوق السرير متجهةً نحو مكتبها، وهي تمسك دفترها الذي كان معها في الحديقة.

جلست أمام المكتب، وفتحته لتكمل كتابتها، لكنها توقفت فجأة.

تجمدت عيناها على الصفحات.

لم تعد هناك أي صفحة فارغة .

عقدت حاجبيها باستغراب، وقلبت الصفحات واحدة تلو الأخرى لكن لا يوجد.

كانت متأكدة تمامًا... أنها تركت صفحاتٍ فارغة

فماذا حدث ؟ أين الصفحات؟

يتابع في الفصل القادم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سر الدفتر المخملي

المؤلف silou_Novels
2026/09/10 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة