مطاردة

مطاردة

5 0

الفصل الثاني - الجزء الأول

---

انطلقت بكل سرعتي بين الأزقة الضيقة، أشق طريقي بصعوبة وسط الحشود المربكة، عيناي مثبتتان على ذلك اللص الذي يراوغ ببراعة. لم يكن مجرد سارق عادي، بل محترفًا، حركاته سريعة، دقيقة، وكأنه يعرف كل زاوية في هذه المدينة عن ظهر قلب.

رأيت كيف دفع بقدمه على صندوق خشبي، ثم قفز نحو أحد الأسطح بمرونة مدهشة، مستغلًا طاقته في القفز لمسافات أبعد مما يمكن للناس العاديين.

ليس لدي وقت لهذا...

فكرت بسرعة، ثم ركزت طاقتي في قدمي. مع دفعة قوية، قفزت نحو الجدار مباشرة، ثم انطلقت منه بخفة، وصلت إلى السطح بسهولة، وواصلت المطاردة.

توالت القفزات بين المباني، أصوات أقدامي ترتطم فوق الأسطح بسرعة. الهواء كان بارداً يلسع وجهي، لكنني لم أهتم. كل ما ركزت عليه هو المسافة التي تفصلني عنه. كنتُ أقلصها شيئًا فشيئًا.

أسرع منه... لو قفزت في اللحظة المناسبة، يمكنني الإمساك به-

ولكن قبل أن أنفذ خطتي، لاحظت أمرًا غريبًا... فجأة، بدأ ضباب رمادي كثيف ينبعث من جسد اللص، ينتشر بسرعة غير طبيعية، يلتف حوله ويبتلع المساحة بيننا.

توقفت للحظة.

الضباب لم يكن عاديًا... كان يتحرك كأنه كائن حي، يخفيه تمامًا عن أنظاري.

تبًا... لا أستطيع رؤيته. هل هذه قدرته؟

بقيت في وضع الاستعداد، حواسي مشدودة بالكامل. صوت خطواته اختفى تمامًا. لم يكن هناك سوى الصمت...

ثم-بشكل مباغت، شعرت بحركة خلفي! استدرت بسرعة، ولكن قبل أن أدافع، تلقيت ضربة مفاجئة على كتفي، دفعتني للوراء. لم أرَ حتى من أين جاءت!

متى-؟!

سمعت صوته يأتي من الضباب، هادئًا لكنه يحمل نبرة باردة:

"هل تعتقدين أن طفلة مثلك تستطيع الإمساك بي؟"

ضغطت على أسناني.

كان هذا أسوأ سيناريو ممكن... القتال داخل ضبابه يعني أنني لا أستطيع التنبؤ بهجماته.

"هيا تعال... ليڤي!"

أخذت نفسًا عميقًا، ثم من خلال تركيز الآنا استدعيت في يدي سيفي الأزرق البلوري.

غرزت سيفي في السطح بقوة. على الفور، انطلقت موجة مائية دائرية حولي، تلامس الضباب المحيط. وبمجرد أن فعلت ذلك، بدأت قطرات الماء تتكثف على جسده المخفي، مظهرة تحركاته بين الضباب.

ها أنتَ ذا.

لم أضيع ثانية.

انطلقت نحو مصدر الحركة، سيفي يتوهج بطاقة مائية زرقاء. وبضربة سريعة، وجهت هجومي نحو اللص المختبئ.

ولكنه تصدى لي في اللحظة الأخيرة، بسلاح ظهر من بين الضباب... خناجر رقيقة أشبه بشفرات الهواء المكثف.

التقت شفرة الماء مع شفرات الضباب، وتصاعد ضغط هائل بيننا، أرسل تموجات قوية عبر السطح.

ضاقت عيناي، ثبت قبضتي على السيف.

"لن أسمح لك بالهرب مجددًا."

نظر إلي، ثم ابتسم ببرود.

"سنرى ذلك."

ثبّت قدمي على السطح، وسيفي المغطى بالطاقة المائية يتوهج بين يديّ.

أمامي، اللص يحدق بي من داخل الضباب، شفراته الحادة تلمع بانعكاس الضوء الخافت.

لم أنتظر.

اندفعت للأمام، مستخدمة آنا الماء في قدمي لتسريع حركتي، ومع كل خطوة، تركت ورائي آثارًا رطبة على السطح المبلل.

اللص لم يتحرك، وكأنه ينتظر شيئًا.

لماذا لا يهاجم؟

وقبل أن أصل إليه، ظهر الجواب...

بشكل مباغت، تحرك الضباب حولي كأنه كائن حي. خيوط ضبابية انطلقت كالسياط، تحاصرني من جميع الاتجاهات، تحاول تقييدي.

شحذت تركيزي، رفعت يدي بسرعة وأطلقت نبضة مائية حولي، تكسرت قيود الضباب، ولكن جزءًا منها تمكن من الالتفاف حول ساقي، مما جعل توازني يختل للحظة.

هذا سيء!

استغل اللص تلك اللحظة، انطلق نحوي كظل قاتل، شفراته الحادة موجهة مباشرة إلى جانبي الأيسر، حيث انكشف دفاعي للحظة واحدة فقط.

لكن... هذا ما اريده.

ابتسمت.

بمجرد أن اقترب مني، ثنيت جسدي بمرونة مذهلة، سمحت له بالمرور بجانبي، بينما في نفس اللحظة، استدرت بسيفي المائي، موجهة ضربة سريعة نحو جانبه المكشوف.

"مستحيل...!"

لكن اللص كان سريعًا أيضًا، تمكن من صد الهجوم في اللحظة الأخيرة، ولكن القوة المائية في سيفي دفعته للخلف، ليهبط بقوة على سطح المبنى المقابل.

استقمت، رفعت رأسي بثقة، ثم لوّحت بسيفي بخفة، مما جعل قطرات الماء تتطاير منه.

"ليس ممتعًا عندما يكون دورك في الدفاع، أليس كذلك؟"

اللص لم يرد مباشرة، لكنه نهض، ومسح خده حيث ظهر خط دم صغير.

نظراته أصبحت أكثر جدية، وكأن هذه كانت المرة الأولى التي يأخذ فيها القتال بجدية.

ثم، دون أي تحذير، رفع يده للأعلى...

فجأة، بدأ الضباب يزداد كثافة بطريقة مخيفة، حتى غطى السماء فوقنا بالكامل. هذه المرة، لم يكن مجرد حاجز للرؤية... بل كان يتغير.

شعرت بالقشعريرة تسري في جسدي، شيء ما في هذا الضباب جعل الغريزة في داخلي تحذرني... هذا لم يكن مجرد تمويه بعد الآن.

ما هذا...؟

من داخل الظلام، ظهر صوت اللص بغضب:

"سأجعلكِ تندمين على محاولة خدشي أيتها الطفلة اللعينة."

الضباب الأسود كان يحيط بي من كل جانب، يلف الهواء حولي، ويكاد يعيق حركتي. لكن عيني لم تتوقفا عن البحث، لم تتوقفا عن محاولة تحديد موقعه بين الكتل الكثيفة من الظلام.

يجب أن أظل هادئة... إذا فقدت تركيزي الآن، ستكون المعركة قد انتهت.

توسعت شراييني، وكل حاسة لدي في حالة تأهب قصوى. لم أستطع رؤية اللص بوضوح، لكنه كان موجودًا، كنت أشعر بحركته في الهواء. حركاته كانت سريعة للغاية لدرجة أن الضباب أصبح جزءًا منه. اختفى تمامًا في هذه السحب، كما لو أنه أصبح واحدًا معها.

ما الذي يفترض بي فعله الآن...؟ لا أستطيع رؤيته، ولا حتى الشعور به...

صوت بارد تسلل من داخل الضباب، يسخر مني:

"هل خفتِ الآن؟ ما بك؟ لماذا تجمدتِ في مكانك؟"

فجأة، سمعت صوت شيء ينطلق من الأمام.

اتسعت عيناي، ورأيت أسرابًا من الخناجر تتجه نحوي من داخل الضباب كسهام سوداء. وفي نفس الوقت، انسلت خيوط ضبابية رفيعة من تحت قدمي، محاولة الالتفاف حول كاحلي لتقييد حركتي.

هذا...!

رفعت سيفي بسرعة، تصديت للخناجر المتتالية واحدًا، ثم آخر، ثم ثالث. لكن كان هناك أكثر مما أستطيع التعامل معه. اخترق خنجر دفاعي، مخدشًا خدي وترك خدشًا صغيرًا.

في نفس اللحظة، شعرت بالخيوط الضبابية تلتف حول كاحلي الأيسر، مجمدة حركتي للحظة.

"اللعنة!"

انحنيت بسرعة، فقطعت الخيوط بسيفي، لكن الخناجر ظلت تأتي. كلما صدت واحدًا، ظهر اثنان مكانه. الضباب حولي ازداد كثافة، والخيوط حاولت مرة أخرى الالتفاف حول ذراعي.

تراجعت إلى الخلف، وأنا ألهث، بدأ العرق يتشكل على جبيني.

لا أستطيع الاستمرار هكذا... كل مرة يهاجم، يجب أن أصد يدويًا، وهذا يستنزف طاقتي...

رفعت يدي الحرة للأمام، مركزة قوتي.

أحتاج إلى حماية نفسي أولاً.

"تشكيل: قبة الماء!"

من حولي، بدأ الماء يتجمع بسرعة، مشكلًا قبة مائية زرقاء غطت جسدي بالكامل. كانت رفيعة لكنها متماسكة، تعكس ضوء الخناجر القادمة.

جاء صوت اللص من الضباب، ساخرًا:

"قبة مائية؟ أتعتقدين أن هذا سيحميكِ؟"

لم أرد. كنت أعلم أن القبة لن تدوم طويلاً، لكنها ستعطيني وقتًا كافيًا لجمع أفكاري.

فجأة، انطلقت الخناجر مجددًا، أكبر هذه المرة، مصحوبة بخيوط ضبابية أكثر كثافة حاولت الالتفاف حول القبة من كل الاتجاهات.

اصطدمت الخناجر بالقبة المائية، كل خنجر اخترق قليلاً قبل أن تبطئ قوة الماء وتوقفه. ارتجفت القبة مع كل اصطدام، وتصدعت في بعض الأماكن، لكنها صمدت.

الخيوط الضبابية التفّت حول القبة، ضاغطة عليها من الخارج.

ثبّت نفسي داخل قبتي، وعيناي تبحثان عن ثغرة. القبة كانت تضعف، والشقوق تنتشر.

لا... لا أستطيع الاستمرار هكذا. كلما بقيت هنا أطول، ازداد الضباب كثافة، وهو يعرف تحركاتي وأنا عمياء.

خنجر آخر اخترق القبة تمامًا هذه المرة، مخدشًا كتفي وممزقًا كمي قليلاً.

إذا بقيت في مجاله، فسيستنزف الآنا خاصتي حتى أُهزم.

لكن... ماذا لو...

رفعت رأسي بسرعة، نظرت حولي.

لم أستطع رؤية أي شيء، لكنني تذكرت التخطيط قبل أن يغطيه الضباب. كنا على سطح مرتفع، والمباني من حولنا متقاربة.

لا أستطيع رؤيته، لكن هذا لا يعني أنني لا أستطيع ضربه...

عاد صوت اللص، ضاحكًا بشدة:

"بدأتِ تفهمين الآن؟ لا مفر!! هاهاهاها."

لم أرد.

أغمضت عيني للحظة، حررت القبة المائية من حولي، وشعرت بسيفي في يدي، طاقة الماء تتجمع فيه.

سأكتسح كل شيء دفعة واحدة.

غرزت سيفي في السطح بكل قوتي، صببت كل ذرة طاقة لدي، وصرخت:

"تسونامي!"

انطلقت موجة مائية هائلة من السطح. ليست واسعة مثل تسونامي البحر، لكنها عنيفة بما فيه الكفاية.

اندفع الماء في كل اتجاه كالفيضان، مكتسحًا الضباب الأسود بعنف، محطمًا الجدران الجانبية، وغارقًا السطح بأكمله.

"من أين أتى كل هذا؟!"

صرخ اللص محاولًا الهرب، لكن الموجة كانت أسرع.

قفز نحو السطح التالي، لكن الماء تفوق عليه، محطمًا إياه داخل المبنى المهجور أدناه.

في تلك اللحظة، توقفت الحركة. ظل اللص يحدق بي من داخل الضباب المتناثر.

نزلت إلى المبنى، وأصبحت أقف أمامه مباشرة.

"لقد خسرت."

قلت ذلك بصوت هادئ، بينما وجّهت سيفي نحوه.

"خسرت؟... آه، أعتقد أنني خسرت... هيهيهيهي..."

كانت ضحكته باردة وهادئة على نحو مريب. لم تكن ضحكة شخصٍ أدرك هزيمته.

شدّدت قبضتي على سيفي، واتخذت وضعية أكثر حذرًا، ثم قلت بهدوء:

"من الأفضل لك أن تستسلم، وتعيد الخريطة، وتسلّم نفسك إلى رجال الأمن. لن تجد أي حيلة تنفعك."

"أنتِ واثقة جدًا من ذلك."

"ما الذي تقصده؟"

لم يجب.

فجأة، هوى اللص إلى الأرض.

وفي اللحظة نفسها، اندفع الضباب حولنا، أكثر كثافةً من ذي قبل، حتى غطّى المبنى بأكمله وحجب الرؤية.

لم أدرك خطورة الأمر إلا بعدما استنشقت كميةً كبيرة منه.

توقف نفسي للحظة.

شعرت بثقلٍ غريب يضغط على صدري، وكأن الهواء من حولي أصبح أكثر كثافة، حتى إن كل نفسٍ بات يتطلب جهدًا هائلًا.

"ما ال...؟ كح... كح... كح... كحااااه!"

بدأت أسعل بعنف، وتراجعت خطواتي وأنا أحاول التقاط أنفاسي.

لكن جسدي لم يعد يستجيب كما ينبغي.

ترنحت، ثم سقطت على إحدى ركبتيّ، وضغطت يدي على صدري بينما حاولت بصعوبة أن أستعيد تنفسي.

أين اختفى؟! هل قال ذلك الهراء ثم فرَّ مجددًا...؟ كحّ... كحااه...

وقفت على قدميّ بصعوبة، ورفعت سيفي المائي إلى السماء، حيث لامس أشعة ضوء النهار، واختفى.

الخريطة!

تذكرت فجأة، وعيناي تتسارعان بحثًا في المكان حولي.

كانت الخريطة الضوئية لا تزال على الأرض في مكان قريب. اختفى اللص، ولكن الخريطة كانت على بعد خطوات مني. لم يكن هناك وقت أضيعه.

ركضت نحوها، التقطتها بسرعة، وأخذت نفسًا عميقًا آخر، لكنه كان مؤلمًا.

"الحمد لله، لم يحصل للخريطة ضرر... لكن... كحاااه... ما الذي استنشقته بالضبط؟"

"هل أنتِ بخير؟"

تجمّدت في مكاني.

نظرت إلى الخريطة، ثم إلى نفسي، وكأنني أحاول التأكد من أنني لم أتخيل الصوت.

...هل أنتِ من تحدثتِ الآن؟

أضاءت الخطوط الفضية المنقوشة على سطح الجهاز بخفوت.

"نعم. هل أنتِ بخير؟"

"أجل... سأكون بخير. فقط أحتاج للهواء النقي."

أمسكت الخريطة بعناية، ومسحت آثار القتال عن وجهي، ثم نظرت إلى السماء الزرقاء، وعيناي تتوهجان بعزم جديد.

خرجت من المبنى المهجور أتعثر بخطواتي، أتنفس بصعوبة. كنت أضغط بيدي على صدري.

"كح... كح... ما هذا...؟" سعلت مجددًا، هذه المرة بصوت عميق ومؤلم، كأن شيئًا ثقيلًا استقر داخل رئتيّ.

الهواء من حولي بدا خفيفًا، لكن داخل صدري... كأن الضباب لم يغادرني تمامًا.

صوت أنثوي متعب خرج من الخريطة:

"أوه، ممتاز... نُسرق، نُقاتل في الضباب، والآن أنتِ تختنقين؟ أرجوكِ، ليس وأنا في يدكِ، هذا لا يليق بموقعي."

تفاجأت من تغيّر سلوك الخريطة فجأة، لكنني سرعان ما ابتسمت وأجبتها ببساطة:

"أعتذر بشأن ذلك، أنا بخير... تقريبًا."

حاولت أن أتماسك، ثم استدرت بعزم استعدادًا للعودة إلى الساحة.

ما الذي يفعله نيرامارو-كن، يا تُرى؟ أخشى أن يكون قلقًا بسبب ابتعادي...

توقفت خطواتي فجأة.

شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي، فوضعت يدي على خدي بإحراج.

مهلًا... لماذا أقلق بشأنه أصلًا؟

تذكرت قبل قليل، عندما طلب مني نيرامارو أن أنتظره قليلًا حتى ينتهي من شراء الحلوى.

"لكن..."

توقفت أفكاري عند تلك اللحظة، وشعرت بالإحراج أكثر.

لماذا تذكرت هذا الآن؟!

هززت رأسي بسرعة، وكأنني أحاول طرد الفكرة من ذهني.

كفى! ما الذي أفكر فيه أصلًا؟ ليس الأمر وكأننا مقربان إلى هذه الدرجة!

ربما أشعر بالقلق لأنني خالفت وعدي له بالذهاب معه إلى مركز التسجيل لاختبارات الصيادين... أجل، هذا هو السبب.

توقفت للحظة.

لكن... هل وعدته حقًا؟

قطّبت حاجبيّ قليلًا، وكأنني أحاول استرجاع ما حدث في ذاكرتي.

لا أتذكر أنني وعدته بشيء...

خفضت يدي عن وجهي، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم تمتمت بضيق:

"اهدئي يا ميساكي... اهدئي، لا يحتاج الأمر إلى كل هذا التفكير."

لكن وجهي ظل محتقنًا قليلًا، وكأن عقلي قرر خوض معركة خاصة به دون إذن مني.

قبل أن أقترب من الزقاق، سمعت صوت خطوات قوية خلفي.

"أنتِ! توقفي هناك!"

صوتٌ صارم خرج من خلفي.

ظهر من بين الأزقة مع مجموعة خلفه، جميعهم يرتدون الزي الرسمي للصيادين، وشاراتهم تدل على أنهم من الأمن.

توقفت، نظراتي مليئة بالقلق والتعب.

ما الذي يريدونه مني رجال الأمن؟

اقترب القائد مني بصرامة:

"رُصدت انفجارات آنا في مبنى مهجور قبل دقائق. هناك آثار دمار وأضرار مائية. وضحي."

أشرت بيد مرتجفة إلى الخريطة:

"كان هناك لص... سرق هذه. حاولت فقط استعادتها. أنا لم أهاجم أحدًا."

نظر أحد الصيادين إلى الأرض المبتلة وحطام الجدران، وقال ببرود:

"قوة مائية واضحة... وبشكل مفرط. استخدام الآنا في الأماكن العامة ممنوع."

فجأة، ارتجت الخريطة في يدي ونطقت:

"أوه حقًا؟ وهل تفضلون أن يهرب السارق بي؟ هذه الفتاة أنقذتني! ألا يوجد في هذه المدينة من يُقدّر التضحية؟"

تجمّع الصيادون حولي بدهشة.

"هل... تتحدث الخريطة؟!"

رد القائد بجفاء:

"حتى لو تحدثت، لا تُعتبر شاهدًا معتمدًا. قد تكون مبرمجة على التستر على الجريمة."

الخريطة، بنبرة غاضبة غير معتادة:

"هؤلاء ليسوا صيادين... بل أوغاد يرتدون الشارات فقط!"

تجمع الصيادون حولي وأمسكوني.

"ستأتين معنا."

"دعوني! أنا لم أرتكب أي خطأ!"

صرخت، محاولة الدفاع عن نفسي بكل شجاعة.

"سنتأكد من ذلك عندما تأتين معنا."

قال القائد ببرود.

ما إن أُغلق القيد الأسود حول معصمي حتى انطفأ وهج الماء حولي بالكامل، وكأن شخصًا ألقى محيطًا كاملًا داخل قبرٍ حديدي.

شهقت بخفوت، وسقطت على ركبة واحدة.

هذا القيد... يختم الآنا؟

قال القائد ببرود:

"أخيرًا بدأتِ تفهمين وضعك."

الخريطة اهتزت داخل يدي بعصبية:

"أين العدل باعتقال فتاة بريئة؟!"

أحد الصيادين مدّ يده بعنف محاولًا انتزاع الخريطة مني:

"صادِروا القطعة."

لكن قبل أن تلمس أصابعه الخريطة ظهر صوت قادمًا من الزقاق:

"انتظروا."

التفتُ، ورجال الأمن إلى مصدر الصوت.

كانت المذيعة تقف عند مدخل الزقاق، تبتسم بهدوء وهي تخطو خطوة تلو الأخرى حتى أصبحت قريبة منا.

"اتركوا هذه الفتاة، فهي لم تفعل شيئًا."

حدّق القائد فيها لثوانٍ، ثم قال ببرود:

"وهل رأيتِ ما حدث منذ البداية؟"

"نعم."

أجابت دون تردد.

"رأيت اللص وهو يسرق الخريطة، ورأيت هذه الفتاة تطارده لاستعادتها. كما رأيت ما حدث داخل المبنى."

أشار القائد إلى آثار الدمار من حولنا.

"إذن رأيتِ أيضًا أنها استخدمت الآنا في مكان عام، وتسببت في هذه الأضرار."

رفعت المذيعة حاجبها.

"استخدمته للدفاع عن نفسها واستعادة ما سُرق منها. أم تريدون منها أن تقف مكتوفة اليدين بينما يهرب اللص؟"

تبادل رجال الأمن النظرات.

ثم قال أحدهم باستخفاف:

"ومن تكونين أنتِ حتى تعطينا الأوامر؟"

ثم ضحك الرجل بسخرية، وأكمل بنبرة متعجرفة:

"أيتها المهرجة، اذهبي إلى مسرحك ولا تتدخلي فيما لا يعنيك."

توقفت ابتسامتها.

"هوه؟"

ساد الصمت.

ثم رفعت إصبعها ببطء.

في اللحظة التالية، هبّت رياح قوية من تحت قدمي الرجل.

"ماذااا؟!"

ارتفع في الهواء.

"ما الذي يحدث...!"

حركت أصبعها إلى اليمين، فانطلق الرجل نحو اليمين بسرعة ليصطدم في الجدار.

"آك...!!!" تألم رجل الأمن بالاصطدام.

لكنها لم تتوقف. حرّكت إصبعها إلى اليسار، فاصطدم الرجل بالجدار المقابل.

"آيك...!!!"

ثم إلى اليمين.

دُووم!

"كف... كفى!"

إلى اليسار مجددًا.

دُووم!

تكرر الأمر عدة مرات، حتى بدأ رجال الأمن الآخرون يحدقون بالمشهد بوجوه شاحبة، غير قادرين على معرفة ما إذا كان عليهم التدخل أم التظاهر بأنهم لا يرون شيئًا.

أما أنا، فبقيت أحدّق في الرجل وهو ينتقل بين الجدارين ككرة تتقاذفها الرياح، وعيناي متسعتان من شدة الصدمة.

مـ... من تكون هذه المرأة؟! إنها تتعامل مع أحد رجال الأمن وكأنه لا شيء!

حركت سيريس إصبعها إلى الأعلى.

ارتفع الرجل فجأة نحو السماء.

"...النجدة!"

ثم حركت إصبعها إلى الأسفل.

بـــــووم!

هبط مباشرة إلى الأرض، قبل أن ترفعه الرياح مجددًا في اللحظة نفسها.

"رجاءً... سامحيني! أنا أعتذر عن كل شيء!"

ابتسمت المذيعة.

"يبدو أنك فهمت الدرس."

ثم أوقفت حركة إصبعها.

توقفت الرياح فجأة.

سقط رجل الأمن من الهواء وارتطم بالأرض، فاقدًا للوعي.

ساد الصمت في الزقاق.

تبادل رجال الأمن النظرات، وقد ارتسم الذهول والخوف على وجوههم.

أما أنا، فبقيت أحدق في المذيعة دون أن أنطق بكلمة.

ساد صمت قصير، قبل أن يتقدم القائد بحذر، وقد أصبحت نبرته أكثر جدية.

"من أنتِ؟"

ازدادت ابتسامة المذيعة، ثم رفعت يدها إلى وجهها ونزعت النظارة الشمسية التي أخفت عينيها طوال الوقت، وبعدها أمسكت بالشعر المستعار وسحبته عن رأسها.

انسدل شعرها الحقيقي خلف ظهرها، طويلًا وكثيفًا، بلون ذهبي داكن تتخلله خصلات سوداء، بينما ظهرت ملامحها الحقيقية التي كانت مختلفة تمامًا عن هيئة المذيعة التي عرفناها قبل قليل.

وفجأة، هبّت رياح عاتية من حولها، واجتاحت المكان بقوة هائلة، أجبرتنا على إغماض أعيننا ورفع أيدينا أمام وجوهنا، محاولين صدّ الرياح التي كادت تفقدنا توازننا.

وبعد لحظات، بدأت الرياح تهدأ تدريجيًا، وحين فتحنا أعيننا، كانت ملابسها قد تبدّلت بالكامل؛ ارتدت زيًا أسود أنيقًا تتخلله تفاصيل ذهبية، ينسدل حول جسدها بانسيابية، بينما زادت الزخارف الذهبية من هيبتها وأضفت عليها مظهرًا ملكيًا مميزًا.

تغيرت ملامح القائد ورجال الأمن فور رؤيتها.

"إنها...!"

"لا يمكن...!"

لم يصدقوا ما رأوا.

اتسعت عينا قائدهم، وتراجع خطوة إلى الخلف.

"مستحيل..."

نظرت إليه بهدوء.

"هل عرفت الآن؟"

حدق بها للحظات، قبل أن يخرج الاسم من بين شفتيه بصوت متردد:

"سيريس... فاليوس."

ثم اتسعت عيناه أكثر، وكأنه أدرك فجأة حجم الورطة التي وقع فيها.

"القائدة الأولى لنقابة شمس الليل..."

ابتلع ريقه، ثم قال باحترام واضح:

"سيدة الرياح... سيريس فاليوس-ساما."

تجمّدت في مكاني.

شمس الليل...؟

اتسعت عيناي وأنا أنظر إلى سيريس-سان.

كانت تلك هي النقابة التي لطالما حلمت بالانضمام إليها، النقابة التي كان أخي راين أحد قادتها.

أما الآن، فقد كنت أقف أمام إحدى أهم الشخصيات في تاريخها.

سيريس فاليوس نفسها.

رفعت سيريس-سان حاجبها قليلًا، ثم نظرت إلى القائد بابتسامة جانبية.

"يبدو أنك لم تنسني يا لوي-كن."

لم يجب لوي.

فقد كان لا يزال يحدق بها، عاجزًا عن استيعاب أنه كان يجادل أحد أقوى مستخدمي آنا الرياح عبر العصور، ومن القادة الأسطوريين لنقابة شمس الليل.

"وكيف لي أن أنساكِ يا فاليوس-ساما؟! بل إنّه لشرفٌ لي أنكِ ما زلتِ تتذكرين اسمي."

"هكذا إذن."

غيرت سيريس-سان نظرتها إليّ، أنا التي كنت أحدّق بها بعينين لامعتين، ثم وقعت عيناها على القيد الأسود المحكم حول معصمي.

"أزلوا القيد عن يدها."

تردد لوي للحظة، ثم التفت سريعًا إلى أحد رجاله.

"أنت! فكّ القيد عنها فورًا."

"حاضر!"

اندفع الصياد نحوي، وأخرج المفتاح بسرعة، ثم فتح القيد.

طَق!

سقط القيد على الأرض، وشعرت بعودة الآنا إلى جسدي.

تنفست بارتياح، ثم حرّكت أصابعي قليلًا وأنا أستعيد إحساسي الطبيعي.

نظرت سيريس إليّ، ثم ابتسمت بهدوء.

"هكذا أفضل."

رفعت عينيّ نحوها، وكان بريق واضح يملأهما.

أما سيريس، فقد حدقت بي للحظات قبل أن تقول:

"أنتِ ميساكي رينا، أليس كذلك؟"

اتسعت عيناي.

"أجل!"

أجبت بسرعة أكبر مما أردت، ثم تداركت نفسي وأخفضت صوتي.

"نعم... أنا ميساكي."

ابتسمت سيريس.

"لقد كبرتِ كثيرًا."

تجمّدت للحظة.

"...هل تعرفينني؟"

"بالطبع."

نظرت سيريس إلى الخريطة الضوئية التي كانت لا تزال بين يديّ، ثم عادت بعينيها إليّ.

"كنتُ أتساءل متى ستقرر أخت ذلك الأحمق، الذي لم يكن يكفّ عن الحديث عن أخته، أن تسير على خطاه أخيرًا."

شهقت بخفوت.

"أنتِ... تعرفين أخي؟"

ضحكت سيريس بخفة.

"راين؟ أعرفه جيدًا."

ارتجفت عيناي، وازداد بريقهما.

"كيف كان...؟"

توقفت للحظة، وكأنني أبحث عن الكلمات المناسبة.

"أخي... كيف كان عندما كان في شمس الليل؟"

ساد الصمت للحظة.

نظرت سيريس إليّ بنظرة مختلفة هذه المرة، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.

"يبدو أنك تحملين الكثير من الأسئلة."

خفضت رأسي قليلًا، ثم شدّت قبضتي حول الخريطة.

"أجل..."

رفعت عينيّ إليها مجددًا.

"لدي الكثير منها."

اتسعت ابتسامة سيريس-سان، وبدا أنها فهمت تمامًا ما يدور في ذهني.

"بالطبع سأجيب عن جميع أسئلتك، لكن ليس الآن."

رفعت رأسي بسرعة.

"هيه؟! لكن متى؟"

ضحكت بخفة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها.

"عندما تنضمين إلى نقابة شمس الليل."

تجمّدت في مكاني.

أتعنين...؟

"صحيح."

أومأت سيريس-سان بثقة.

"بمجرد أن تحصلي على رخصة الصياد الخاصة بكِ، سيكون باب نقابة شمس الليل مفتوحًا لكِ في أي وقت."

اتسعت عيناي، وبدا بريق حماسي واضحًا فيهما.

هذا يعني أنني أستطيع فعلًا الانضمام إلى شمس الليل...

ابتسمت سيريس-سان.

"إذا كنتِ لا تزالين ترغبين في ذلك، بالطبع."

شدّت قبضتي بحماس.

"بالطبع أريد!"

ثم أدركت أنني أجبت بسرعة، فاحمر وجهي قليلًا وخفضت صوتي.

"أعني... هذا هو حلمي منذ وقت طويل."

نظرت سيريس-سان إليّ للحظات، ثم ظهرت على وجهها ابتسامة أكثر دفئًا.

"تشبهين أخاكِ كثيرًا."

ابتسمت بخجل، وشعرت بدفء غريب في صدري.

"يسعدني سماع ذلك."

لكن ابتسامة سيريس-سان اختفت فجأة.

رفعت رأسها نحو السماء، وتغيرت ملامحها في لحظة. لم تعد تلك المرأة المرحة التي كانت تتحدث معي قبل قليل، بل أصبحت نظرتها حادة ومتيقظة.

"لوي."

التفت قائد الصيادين إليها.

"نعم، فاليوس-ساما؟"

"اجمع جميع رجالك، وانتشروا في المنطقة فورًا."

تغيرت نبرة صوتها، مما جعل لوي يدرك أن الأمر لم يكن عاديًا.

"ماذا يحدث؟"

"لا وقت للشرح."

نظرت سيريس-سان إلى السماء مرة أخرى.

"فقط افعل ما طلبته."

"سمعتموها! تحركوا!"

اندفع رجال الأمن في اتجاهات مختلفة، وانتشروا في الأزقة وعلى أسطح المباني، بينما بقيت واقفة في مكاني، أراقب سيريس بقلق.

"سيريس-سان... ما الذي يحدث؟"

لم تجبني سيريس-سان فورًا.

كانت تحدق في السماء وكأنها تنتظر شيئًا.

ثم قالت بهدوء:

"إنهم قادمون."

"من...؟"

وقبل أن أحصل على إجابة، ظهر خط أسود رفيع في السماء.

تجمّدت.

"ما هذا...؟"

بدأ الخط بالاتساع.

تشعبت حوله تشققات سوداء، امتدت عبر السماء الزرقاء كأنها شقوق في زجاج عملاق.

اتسعت التشققات أكثر فأكثر، ثم دوّى صوت هائل هزّ أرجاء المدينة.

بــــــووووووووم!!!

انفجرت السماء.

انفتح الصدع بالكامل، واندفعت منه كتلة هائلة من الظلام، تبعتها عشرات الأجساد، ثم مئات.

سقطت بعض المخلوقات من السماء، بينما اندفع بعضها الآخر مباشرة نحو أسطح المباني.

شياطين بأشكال مختلفة ظهرت من الصدع، بعضها ضخم ذو قرون، وبعضها نحيل بأطراف طويلة ومخالب حادة، وأخرى ذات أجنحة سوداء.

تراجعت خطوة، وعيناي متسعتان أمام هذا المشهد.

"هذا... مستحيل."

أما سيريس-سان، فكانت هادئة على نحو مخيف.

ثم التفتت إليّ.

"ميساكي."

رفعت رأسي.

"نعم؟"

اقتربت مني سيريس-سان، ثم نظرت إليّ بجدية.

"استمعي إليّ جيدًا. لا تتدخلي في هذا القتال."

"ماذا؟"

"اذهبي إلى مكان آمن واختبئي هناك حتى ينتهي الأمر."

نظرت إلى الشياطين المنتشرة في المدينة.

"لكنني أستطيع القتال."

"أعرف أنك تستطيعين."

أجابتني سيريس-سان دون تردد، ثم أشارت إلى صدري.

"لكن حالتك الآن مختلفة."

سكتّ.

"لقد خضتِ قتالين مرهقين اليوم، واستهلكتِ قدرًا كبيرًا من آناكِ، وفوق ذلك استنشقتِ كمية كبيرة من ضباب ذلك اللص."

ثم عقدت سيريس ذراعيها.

"جسدك لم يتعافَ بعد. إذا دخلتِ معركة أخرى الآن، فأنتِ تعرضين نفسك للخطر بلا داعٍ."

خفضت عيني.

لكن...

"لا يوجد لكن."

قالتها سيريس-سان بحزم، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.

"هذه المرة، اتركي الأمر للكبار."

استدارت نحو السماء، وبدأت الرياح تتجمع حول جسدها.

"سأتعامل معهم."

ثم ألقت نظرة أخيرة عليّ.

"وأنتِ... لا تتهوري."

أومأت ببطء.

"حسنًا."

ابتسمت سيريس-سان.

"جيد."

ثم ارتفعت الرياح حولها بعنف.

وووووش!

اندفعت سيريس نحو السماء بسرعة هائلة، تاركة خلفها دوامة من الهواء، واتجهت مباشرة نحو مجموعة من الشياطين التي كانت تقترب من المباني.

حدقت في ظهرها حتى اختفى بين سحب الغبار والرياح.

ثم نظرت إلى يدي.

شددت قبضتي.

اختبئي في مكان آمن...

عضضت شفتي.

لا أستطيع.

لا يمكنني أن أقف وأشاهدهم فقط.

فأنا... سأصبح صيادة!

استدعيت سيفي المائي، وأدرته في قبضتي حتى توهج مجددًا.

"هيا الآن... ليڤي!... كححح"

سعلت بعنف، وسقطت على ركبتيّ للحظة، ويدي مضغوطة على صدري، وأنفاسي متقطعة.

آه... هذا مؤلم...

أخذت نفسًا عميقًا طويلاً، وكأنني أجمع قوتي الأخيرة قبل الانطلاق.

وانطلقت، متعثرة في البداية، لكنني سرعان ما ثبّت نفسي، حيث بدأت الآنا تتدفق داخل جسدي مجددًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صياد الشياطين

المؤلف Abood Obidat
2026/08/23 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة