مجلس السماء

مجلس السماء

7 0

كان القصر أكثر هدوءًا مما توقعته فيليرا.


لم يكن ذلك الهدوء مريحًا.


بعد سنوات من الحرب، اعتادت آذانها على الضجيج ؛ صليل الأسلحة، و أوامر الحراس، وصوت الأجنحة التي كانت تعبر السماء في كل لحظة.


أما الآن، فلم يبقَ سوى خطوات متقطعة في الممرات الطويلة.


كانت فيليرا تسير ببطء نحو قاعة المجلس.


لم يكن جسدها قد استعاد قوته بعد، لكنها رفضت أن تبقى في غرفتها أكثر.


كان على أفاراث أن يبدأ من جديد.


وعليها أن تكون أول من يبدأ.


حين فتحت أبواب القاعة، كانت الأنظار الستة متجهة نحوها.


وقف الجميع.


تقدّم سورِن أولًا.


— مولاتي.


أشارت بيدها.


— اجلسوا.


عاد الستة إلى أماكنهم.


كان لكل واحد منهم حضوره المختلف، رغم أنهم جميعًا جلسوا حول الطاولة ذاتها.


كايلِن كان أكثرهم صمتًا، يكتفي بالمراقبة.


إيريندور احتفظ بملامح جامدة لا تكشف ما يفكر فيه.


أما ليرايِن فكان يقلب بعض الأوراق أمامه، وكأنه لم ينتهِ من العمل رغم انتهاء الحرب.


جلس فيرون إلى جانبه، وبدت آثار المعركة لا تزال واضحة على درعه.


أما إليون فكان أصغرهم سنًا، والأكثر قلقًا.


وفي المقعد المقابل لها جلس سورِن.


كان كتفه لا يزال ملفوفًا بالضماد.


نظرت فيليرا إليه للحظة، ثم قالت:


— لنبدأ.


وضعت يديها على الطاولة.


— أريد تقريرًا كاملًا عن أفاراث.


بدأ ليرايِن يتحدث.


— معظم المناطق تحت سيطرتنا مجددًا. الحدود مستقرة، والاضطرابات داخل السماء محدودة، لكن...


توقف.


— لكن ماذا؟


— هناك مناطق تحتاج إلى وقت قبل أن تعود إلى ما كانت عليه.


قال فيرون:


— بعضها دُمّر بالكامل.


رفعت فيليرا عينيها إليه.


— وكم من أراضينا خسرنا؟


أجاب بعد لحظة:


— أكثر مما يمكن تعويضه سريعًا.


لم تُجب.


كانت تعرف أن الحرب لم تأخذ أرواحًا فقط.


لقد أخذت أجزاء من أفاراث معها.


قال كايلِن بهدوء:


— لكننا انتصرنا.


نظرت إليه فيليرا.


لم تكن الكلمة مفرحة كما كان يفترض أن تكون.


— نعم.


قالتها بهدوء.


— انتصرنا.


ثم ساد الصمت من جديد.


قطعت فيليرا الصمت بسؤال آخر:


— وماذا عن الأرض؟


نظر المستشارون إلى بعضهم.


أجاب إيريندور:


— الوضع هناك أسوأ.


— تحدث.


فتح ليرايِن إحدى الخرائط أمامه.


— مدن كاملة تضررت. هناك مناطق فقدت الاتصال بالممالك المجاورة، وبعضها لم تصل إليه أي أخبار منذ أيام.


وضعت فيليرا يدها على الخريطة.


كانت عيناها تتنقلان بين العلامات الموضوعة على الأرض.


تبدلت ملامح فيليرا.


— والفايريل؟


أجاب كايلِن:


— ما زال أثر الفايريل موجودًا. ليس كما كان أثناء الحرب، لكنه لم يختفِ بالكامل.


وضعت فيليرا يدها على الطاولة.


— لهذا السبب قلت إن علينا التأكد.


نظر إليها سورِن.


— سنرسل فرقًا إلى المناطق المتضررة.


— لا.


رفع الجميع أنظارهم إليها.


— لا أريد فرقًا عسكرية.


سأل إيريندور:


— إذًا ماذا تريدين؟


— أريد مراقبين.


تدخل سورِن:


— هذا قد يكون خطرًا.


نظرت إليه.


— نحن لسنا في حرب بعد الآن.


— وأنا أتمنى أن يظل الأمر كذلك.


ساد الصمت.


انتقلت فيليرا إلى موضوع آخر.


— ماذا عن القلعة؟


أجاب سورِن:


— الأضرار كبيرة، لكن يمكن إصلاحها.


— وطاقتها؟


سكت قليلًا قبل أن يقول:


— ستحتاج إلى وقت لتستعيد استقرارها.


— وكم من الوقت؟


— لا يمكن تحديده بعد.


تنهدت فيليرا.


كان هذا يعني أن آثار الحرب لم تنتهِ بانتهائها.


ثم قالت:


— سنبدأ بإعادة البناء فورًا.


رفع إليون رأسه.


— وماذا عن المناطق التي فقدت حمايتها؟


نظرت إليه.


— نرسل لهم الدعم.


— حتى لو كان ذلك على حساب أفاراث؟


كان السؤال صريحًا.


لم تجبه فورًا.


نظرت إلى الوجوه المحيطة بها.


كان هذا هو السؤال الذي سيحكم السنوات القادمة.


السماء أم الأرض؟


أمن الأفاريل أم حياة البشر؟


أغمضت عينيها للحظة.


ثم قالت:


— لا أريد أفاراث ينعم بالسلام بينما يموت البشر في الأسفل.


لم يعترض أحد.


قالت:


— سنعيد بناء الاثنين.


رفع سورِن عينيه إليها.


— مولاتي، قوتك...


قاطعته:


— قوتي ليست ما يقلقني الآن.


توقف.


ثم قالت:


— أفاراث هو ما يقلقني.


نظر إليها لثوانٍ.


ثم أومأ.


— كما تأمرين.


انتهى الاجتماع بعد وقت طويل.


غادر الجميع القاعة واحدًا تلو الآخر.


بقي سورِن في مكانه للحظات.


كان ينتظر أن يخرج الجميع.


لم يعد في القاعة سوى فيليرا وسورِن.


جلسا في طرفي الطاولة الطويلة.


حين أُغلقت الأبواب، نظر إلى فيليرا.


— يجب أن تستريحي.


ابتسمت.


— قلت لك ذلك من قبل. لا تعطِ حاكمتك الأوامر.


وقف.


— إذًا سأطلب منكِ.


ضحكت بخفة.


— لا أستطيع أن أعدك.


قالت فيليرا:


— سورِن.


رفع عينيه إليها.


— نعم؟


كان سورِن يقلب إحدى الصفحات ببطء.


— أخبرني.


— عن ماذا؟


رفعت عينيها إليه.


— لا تجعلني أكرر السؤال.


ابتسم ابتسامة خفيفة.


— بحث الفايريل.


سكتت لحظة.


— مر وقت طويل منذ طلبت منك هذا البحث.


— أعلم.


— وكنت أتوقع أن يكون لديك شيء الآن.


أخرج سورِن مخطوطته من جيبه.


— لدي شيء.


اعتدلت فيليرا في جلستها.


— ماذا؟


أخذ نفسًا هادئًا قبل أن يجيب.


— أعتقد أننا كنا نبحث عن السؤال الخطأ.


نظرت إليه باستغراب.


— ماذا تقصد؟


— طوال هذه السنوات، كنا نحاول أن نعرف كيف يسقط الأفاريل.


سكت لحظة.


— لكنني بدأت أعتقد أن السؤال الأهم هو... ماذا يحدث لهم بعد السقوط؟


— وما الفرق؟


رفع سورِن عينيه إليها.


— الفرق كبير.


دفع إحدى الصفحات نحوها، ثم قلب سورِن في الكتب التي كان يحملها.


— وجدت سجلات أقدم من الحرب الأخيرة بقرون. تتحدث عن حالات اختفاء لأفاريل، وعن تغيرات في طبيعتهم قبل أن يظهروا من جديد.


نظرت فيليرا إلى الصفحة.


كانت الكتابة قديمة، وبعض الكلمات بالكاد يمكن قراءتها.


— ولماذا لم أرَ هذه السجلات من قبل؟


— لأنها كانت محفوظة في أرشيف لا يُفتح إلا بإذن الحاكم.


رفعت عينيها إليه.


— وكيف حصلت عليها؟


ابتسم.


— أنا مستشارك الأول.


نظرت إليه للحظة، ثم عادت إلى الصفحة.


— وماذا تقول؟


سكت سورِن.


— تقول إن السقوط لا يبدأ بالظلام.


رفعت فيليرا رأسها.


— ماذا يعني ذلك؟


— لا أعرف بعد.


— سورِن.


— لكنني أعرف شيئًا واحدًا.


اقترب من الطاولة.


— كل حالة وجدتها بدأت بتغير في المشاعر.


بقيت فيليرا صامتة.


— الغضب؟


— ليس الغضب وحده.


— الكراهية؟


— أيضًا.


— إذًا ماذا؟


أجاب بعد لحظة:


— شيء أعمق.


نظرت إليه طويلًا.


— هل تعتقد أن أي أفاريل يمكن أن يتحول؟


— لا.


— إذًا هناك شرط.


— هذا ما أحاول الوصول إليه.


أخذت فيليرا الورقة من أمامه، وقلبتها.


— وهل وجدت شيئًا عن سبب اختلافهم بعد السقوط؟


تردد سورِن قبل أن يجيب.


— وجدت إشارات.


— إلى ماذا؟


— إلى أن أجسادهم نفسها تتغير.


ثم رفع عينيه إليها.


— وكأن القوة التي بداخل الأفاريل لا تختفي عندما يسقطون...


توقف سورن قليلا ثم اكمل:


— بل تتغير طريقة استخدامها.


ساد الصمت.


أغلقت فيليرا المخطوطة ببطء.


— هل هناك شيء آخر؟


ظل سورِن ينظر إليها لثوانٍ.


ثم قال:


— هناك جزء مفقود.


— من المخطوطة؟


— من كل السجلات التي وجدتها تقريبًا.


ضيقت عينيها.


— مصادفة؟


— لا أعتقد.


نهضت فيليرا من مكانها واتجهت نحو النافذة.


— منذ متى وأنت تعرف هذا؟


— منذ فترة.


— ولم تخبرني؟


سكت.


ثم قال:


— لم أكن أملك شيئًا يستحق أن أخبرك به.


التفتت إليه.


— والآن؟


نظر إلى المخطوطة أمامه.


— الآن أعتقد أننا نقترب من شيء لم يفهمه أحد قبلنا.


ظلّت فيليرا تنظر إليه.


ثم قالت:


— أكمل البحث.


أومأ سورِن.


— سأفعل.


— وأريد أن أعرف كل شيء تجده.


رفع عينيه إليها.


— كل شيء؟


— كل شيء.


ابتسم ابتسامة صغيرة.


— كما تأمرين.


عاد الصمت إلى القاعة.


جمعت فيليرا الأوراق أمامها، بينما وقف سورِن يحمل مخطوطاته.


وعندما غادر، بقيت كلماته الأخيرة عالقة في ذهنها.


"السقوط لا يبدأ بالظلام."


لم تكن تعرف بعد ماذا تعني.


لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا...


أن الحرب لم تترك وراءها جروحًا في أفاراث وحده.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Avarath:The Fallen

المؤلف Rowaida
2026/08/24 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة