يقال إن البشر يخافون الوحوش…
لكن الحقيقة؟
أبشع الوحوش كانت دائمًا ترتدي وجوه البشر.
في عالمٍ امتلأ بالخداع والطمع،
كانت هناك بوابة مخفية لا يراها سوى من اختارتهم المأساة.
بوابة لا تقود إلى عالم آخر فقط…
بل إلى الحقيقة.
وحين فُتحت للمرة الأولى،
بدأت “أحلام بيضاء” بالتحطم.
البدايه: بدايه بيضاء -
فصل ألاول :
مع بداية صباحٍ مشرق، وسماءٍ صافية لا تشوبها شائبة، ملأت الضحكات والأحاديث والدروس والنقاشات أرجاء الجامعة في يومٍ حافل بالنشاط.
بين ضوضاء الحصة والطلاب، كانت هناك فتاة تبدو كلوحة مرسومة من الظلال والأطياف.
خصلات شعرها البنفسجية الداكنة تحجب نصف وجهها الشاحب، وكأنها تحاول الاختباء من العالم. أما عيناها الرماديتان فكانتا كبحيرتين ساكنتين في ليلة ضبابية، لا تعكسان أي ضوء، بل تغرقان في حزنٍ عميق وتساؤلٍ صامت لا يجرؤ أحد على فك شفرته.
كانت تنقل نظراتها بين الأستاذ والنافذة.
الأستاذ:
رايلي! انهضي وركزي! الدرس على السبورة وليس خارج النافذة!
انتبهت رايلي من شرودها، وتنهدت بعمق قبل أن تعيد تركيزها إلى الدرس حتى لا يبدأ الأستاذ بالتذمر مرة أخرى.
ومع ذلك، بقي عقلها شاردًا بين أفكاره.
استمرت رايلي بالخربشة على دفترها بهدوء، وتنظر إلى النافذة بين الحين والآخر، وكأنها تنتظر شخصًا أو شيئًا ما.
فجأة اهتز هاتفها بإشعار جديد، فأمسكته بسرعة خلسةً من الأستاذ وقرأت الرسالة بابتسامة خفيفة.
صديقها المقرب "مايكل"
مايكل:
أنتظر أمام الباب منذ ساعة، وقدماي تؤلمانني من الوقوف! متى تنتهي حصتك؟
رايلي:
ستنتهي بعد قليل، فقط اصبر بعض الوقت! يا إلهي، لا أعرف لماذا أنت متحمس هكذا.
مايكل:
سوف تعرفين.
نظرت رايلي بحيرة، ثم وضعت هاتفها جانبًا وهي تتمتم:
"إنه دائمًا ما يخفي أشياء."
عند أول رنين للجرس، جمعت أغراضها بسرعة وانطلقت نحو بوابة الجامعة، لتبتسم فور رؤيتها لمايكل ينتظرها.
رايلي:
مايكللللل!
أضاءت عينا مايكل عند رؤية ابتسامتها الدافئة، واقترب منها بخطوات ثابتة.
مايكل:
سررت بعودتك، كان الانتظار خانقًا للأنفاس.
أدارت عينيها، ثم اقتربت منه بابتسامة ساخرة وعقدت ذراعيها أمام صدرها.
رايلي:
إذن يا سيد الأسرار، لماذا لا تخبرني ما الذي كنت متحمسًا لرؤيته؟
ارتسمت على شفتي مايكل ابتسامة مغرورة، ورفع يديه في إشارة إلى الانتظار، ثم مال برأسه إلى مستواها قائلًا مازحًا:
مايكل:
لا تستعجلي يا ملكة نفاد الصبر، تعالي معي فقط وسوف تعرفين.
استقام مايكل، وتحولت ابتسامته المغرورة إلى أخرى أكثر دفئًا، ثم مد يده إليها.
رفعت رايلي حاجبها بشك، لكن بعد لحظة من التردد شبكت أصابعها بأصابعه موافقةً.
اتسعت ابتسامته بانتصار، وبدأ يقودها معه.
رايلي:
آمل أن يستحق هذا العناء.
أومأ مايكل برأسه بهدوء.
واصلا الحديث والثرثرة طوال الطريق، بينما كان مايكل ينصت لكل كلمة تقولها وينظر إلى ملامحها بين الحين والآخر.
ومع استمرار السير وصلا أخيرًا إلى زقاق ضيق.
لم يعجب رايلي المكان، فقد كان مظلمًا، لكنه طمأنها أن كل شيء سيكون بخير.
ثم وصلا إلى باب خشبي مكسور يستند إلى أحد الجدران.
أزاح مايكل الباب الخشبي جانبًا، فتوقفت رايلي في مكانها واتسعت عيناها بدهشة.
لم يكن ما خلفه مجرد حديقة صغيرة كما توقعت.
بل بدا كغرفةٍ سرية مفتوحة على السماء.
أحاطت بالمكان جدران حجرية مزخرفة تسلقت عليها النباتات الخضراء برفق، بينما انسكبت خيوط الضوء من الأعلى لتمنحه هالة هادئة أشبه بالحلم.
في المنتصف استقرت نافورة صغيرة، يتراقص صوت مياهها بخفة بين الجدران، وحولها أزهار بألوان بيضاء وبنفسجية ووردية امتزجت مع خضرة الأوراق في مشهدٍ مريح للعين.
وعلى امتداد أحد الجدران وُضع مقعد حجري عريض، كأنه صُمم لمن يبحث عن العزلة والسكينة.
كان المكان بأكمله هادئًا بصورة غريبة، وكأن ضوضاء العالم تتوقف عند حدوده ولا تجرؤ على الدخول.
للحظة قصيرة، شعرت رايلي وكأنها دخلت قطعة صغيرة من حلمٍ منسي.
بقعة لم تطأها الأقدام منذ زمن طويل.
ابتسم مايكل عند رؤية دهشتها.
مايكل:
أعرف كم تحبين هذه الأماكن، وقد عثرت على هذا المكان بالصدفة. قضيت وقتًا في تنظيفه وقص الأعشاب حتى يصبح مناسبًا للجلوس والرسم أو القراءة.
نظرت إليه رايلي باندهاش، ثم رقّت ملامحها وابتسمت.
رايلي:
أوه... مايكل... شكرًا لك حقًا. ويلومني الناس لأنك صديقي المفضل. أنت حقًا مثل الأخ الأكبر الذي تمنيت امتلاكه.
ابتسم بسعادة لرؤيتها سعيدة، لكن شيئًا من خيبة الأمل مر في عينيه.
مضت الساعات وهما يتحدثان، بينما كانت رايلي تكتب بعض الملاحظات في دفترها.
كانت لحظات هادئة لم يهتما خلالها بشيء سوى راحتهما بجوار بعضهما.
لكن مع مرور الوقت انتبهت رايلي إلى الساعة فجأة.
رايلي:
يا إلهي! الوقت! أخبرت أمي أنني سأكون في المنزل خلال ساعة... سوف تقتلني!
خرجت من مايكل ضحكة خافتة.
مايكل:
لا تقلقي، دعينا نغادر الآن. يمكنك إخبارها أنك كنتِ معي أو أن إحدى الحصص تأخرت.
وقف مايكل وتمدد قليلًا ثم مد يده ليساعدها على النهوض.
لكنها وقفت بمفردها ونظرت إليه.
رايلي:
لدي يدان وساقان، أستطيع الوقوف وحدي.
تمتم بضجر خفيف، ثم تبعها بينما كانت تجمع أغراضها.
غادرا المكان، وأعاد مايكل الباب الخشبي إلى موضعه.
وعندما وصلا إلى منزلها توقفت رايلي عند الباب واستدارت نحوه بابتسامة مشرقة.
رايلي:
شكرًا على هذا اليوم. لقد كان ما أحتاج إليه.
امتلأ قلب مايكل بالسعادة عند سماع كلماتها.
مايكل:
تصبحين على خير، أراكِ غدًا.
وبهذه الكلمات عادت رايلي إلى منزلها، تاركةً مايكل وحده مع أفكاره قبل أن يستدير أخيرًا عائدًا إلى منزله.