جدران تستمع..
الأحداث التالية مستوحاة من قصة حقيقة، تم تغيير الأسماء والتواريخ والأماكن حفاظًا على الخصوصية."
لا أراه إلا يومًا مشؤومًا.
كنت أمشي تحت مطر منهمر، والرمادية تطبق على صدري بينما صرير القطار العلوي يمزّق الهواء المتجمد. رفعت يدي لأعدّل نظارتي، فوجدتها مغطاة تمامًا بقطرات الماء، لا تفعل شيئًا سوى تمويه أضواء الشارع الخافتة وتحويلها إلى بقع ذهبية مشوّهة. وما إن أعدتها إلى مكانها حتى أدركت أنني وصلت.
مكان عملي يلوح أمامي.
أو ربما ينبغي أن أسمّيه سجّاني. سمّه ما شئت؛ الأسماء لا تغيّر من حقيقة القضبان. ومع ذلك، رغم البرد القارس المنبعث من جدرانه، أحبه؛ لأنه المكان الوحيد الذي اخترت فيه أن أجلد نفسي بإرادتي. فضولي المرضي وحده يمنعني من الاستقالة كل صباح. فكل يوم جديد يعني حادثة جديدة، وعقلًا جديدًا ينتظر من يشرّحه.
قد يبدو الأمر للبعض خاليًا من الإثارة.
أما بالنسبة لي، فهو أكثر أشكال اللذة قسوة.
دفعت الباب الحديدي الثقيل لمكتب التحقيقات، مررت بجوار موظفة الاستقبال دون أن أبادلها نظرة، التقطت الملف الموضوع على الطاولة، واتجهت مباشرة إلى مكتبي.
لي طقوس لا أتنازل عنها. لا أقابل صاحب الملف أبدًا قبل أن أقرأه.
جلست، وفتحت الغلاف الرمادي.
في اللحظة التي وقعت عيناي على الصفحة الأولى، شعرت بنبضي يتسارع. لم يكن خوفًا. كان افتتانًا. تلك القشعريرة المألوفة عادت تزحف إلى أطراف أصابعي؛ لأنني كنت أعلم أن خلف ذلك الباب ينتظرني أحد مرضاي المفضلين... أو ضحاياي. لم أعد أعرف الفرق بين الاثنين.
رفعت رأسي نحو الساعة المعلّقة على الحائط. ستون دقيقة. ثم سيُحكم عليه بأحد مصيرين لا ثالث لهما: المشنقة، أو مصح عقلي حتى نهاية عمره.
وضعت القلم في جيبي، ونهضت.
في تلك اللحظة، لم أشعر أنني طبيبة شرعية على وشك كتابة تقرير قد يرسل رجلًا إلى حبل المشنقة، بل شعرت كطفلة تستعد لسماع حكاية ما قبل النوم، لكنها حكاية مغمسة بالدم.
دفعت الباب الحديدي. ارتدّت ثلاث طقطقات معدنية في الممر المعقّم، تزامنت مع اهتزاز خافت أحدثه قطار مرّ بالخارج.
كان يجلس هناك.
رفع رأسه ببطء، وثبّتت عيناه في عينيّ مباشرة. تحدٍّ صامت.
وأنا... أعيش من أجل مثل هذه النظرات.
لم أرمش. بادلته النظرة نفسها، بينما كنت أفتّش داخل هدوئه المصطنع عن أول صدع.
قلت بهدوء: "مثير للاهتمام."
أحب هذه الكلمة. إنها تزرع في الطرف الآخر يقينًا هادئًا بأنني لن أغادر الغرفة قبل أن أحصل على كل ما أريده.
كان يجلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى، يحتضن كوبًا خزفيًا بين يديه، يدير داخله سائلًا أحمر قانيًا بحركة رتيبة، كأنها طقس اعتاد أداءه.
اقتربت وجلست أمامه. أشرت للحارس خلف الباب أن يحضر لي قهوة.
قبل أن أنطق بأي كلمة، تحرّكت يده الشاحبة، سلسة غير متعجّلة، نحو جيبه الداخلي. أخرج منديلًا ورقيًا أبيض وألقاه على الطاولة، ثم دفعه نحوي.
قال بصوت هادئ: "امسحي نظارتك... إنها تشتّت انتباهي."
كان ذلك هجومًا استباقيًا بارعًا. لم تحمل نبرته أي أثر لرجل يواجه حكم الإعدام؛ بل حملت سلطة من اعتاد أن يُملي شروطه قبل أن يبدأ أحد بشيء.
ابتسمت ابتسامة صغيرة مصطنعة، وشكرته. التقطت المنديل، ومسحت عدستيّ ببطء. ومن خلال الزجاج الذي بدأ يستعيد صفاءه، انزلقت عيناي إلى يديه. ما زال يدير ذلك السائل الأحمر بالإيقاع الرتيب نفسه.
أعدت النظارة إلى وجهي، ونظرت إلى الكوب.
رائحة حامضة خفيفة، أقرب إلى نبتة مغليّة منها إلى أي شيء آخر، تسلّلت عبر بخار الكوب. كركديه، لا أكثر. تفصيل تافه، لكنه كفيل بأن يذكّرني بأن الرجل الجالس أمامي بارع في اختيار مشروبه كما هو بارع في اختيار كلماته؛ كلاهما مصمّم لإيهامي بشيء لم يقله بعد.
قلت: "يضخّ القلب البشري قرابة خمسة لترات من الدم كل دقيقة. بالنسبة لمعظم الناس، ذلك السائل هو الحياة."
تركت الكلمات تستقر بيننا.
ثم أضفت: "أما بالنسبة للرجل الجالس أمامي، فهو مجرد كركديه بارد."
رفع الكوب نحو شفتيه. توقفت يده قبل أن يلامسهما. نظر إليّ من فوق الحافة الخزفية، وابتسامة باردة بدأت ترتسم على شفتيه.
"أنت تنظرين إلى يديّ يا دكتورة إيفابيلا. تتساءلين ما الذي تعرفه هاتان اليدان غير هذا الكوب."
استندت إلى المقعد، وقلت بهدوء: "أنا لا أنظر إلى يديك."
أشرت بقلمي إلى ياقته.
"أنظر إلى ياقتك. هناك بقعة جافة على القماش."
ساد الصمت.
خفض الكوب ببطء شديد، ثم قال، بصوت منخفض بالكاد يتجاوز حدود الغرفة: "إذًا، دعيني آخذك إلى حيث بدأ النزيف."
قبضت على قلمي بقوة. راقبت وجهه.
وقبل أن يبدأ حكايته، قاطعته بكلمة واحدة.
"كليشيه."