أغبط أولئك الذين يلوذون بخيالاتهم، ينسجون لأنفسهم عوالم لا يطالها الواقع. لكن... ماذا لو كان الواقع هو من ينسج لك الكوابيس؟ حينها، من سينقذك من عقلك، يا مسكين؟
"أمي... أمي، أين أنتِ؟"
داخل غرفةٍ ابتلعها السواد، تردّد صوتٌ بعيد:
- أنا هنا.
التفتت يمينًا ويسارًا وهي تهتف بلهفة:
- أين أنتِ؟ لا أستطيع رؤيتك!
تتبعت الصوت حتى تعثرت قدماها بشيءٍ صلب، فسقطت أرضًا. امتدت يداها تتحسسان ما حولها، فإذا بشيءٍ لزج يلتصق بجلدها. رفعت كفيها ببطء، فتجمدت أنفاسها... كانتا مغطاتين بالدماء.
صرخت، وابتعدت تزحف إلى الخلف، وعندها وقعت عيناها على الجسد. الدم يتدفق منه كالسيل، يبتلع الأرض من حوله.
صرخت مرةً أخرى... لكن صرختها ابتلعها الظلام، كأن حتى الصدى رفض أن يواسيها.
خرجت امرأة من خلف الجثة، في عقدها الرابع، وقالت بصوتٍ هادئٍ مرعب:
- انظري يا ماريا... هذا هو أبوكِ.
اتسعت عيناها، واهتز جسدها بعنف.
- لا... لا! أخرجوني من هذا الكابوس... أخرجوني!
---
دوّى صوت المنبّه، ممزقًا سكون الغرفة، ومعلنًا نهاية الكابوس... وبداية يومٍ جديد.
انتفضت ماريان من نومها بأنفاسٍ متقطعة، تضغط على صدرها محاولةً تهدئة ضربات قلبها التي كادت تفرّ من بين ضلوعها. أخذت نفسًا عميقًا، ثم أغلقت المنبّه، وأرجعت خصلات شعرها إلى الخلف وهي تتمتم بضيق:
- اللعنة على هذه الكوابيس...
نهضت واتجهت إلى الحمام، علّ الماء يغسل عنها بقايا معركتها الليلية مع عدوّها الأبدي.
وما إن انتهت حتى أضاء هاتفها برسالةٍ جديدة:
- مهمة جديدة. أرسلت لكِ ملفها، لكنه لا يزال ناقصًا. تعالي بسرعة قبل أن يقتل هذان الأخرقان أحدهما الآخر.
ابتسمت ابتسامةً باهتة، ثم كتبت:
- أنا قادمة.
اطلعت سريعًا على الملف، ثم ارتدت معطفها وغادرت.
---
ما إن وضعت قدمها داخل المركز حتى التف الجميع حولها.
- ماريان، أريد مساعدتك!
- ماريان، ماذا عن الموعد الذي تحدثنا عنه؟
- ماريان، هل لديكِ دقيقة، رجاءً؟
لكن قبل أن تجيب أحدًا، ظهر مديرها في وجهها.
- أين كنتِ يا ماريان؟ ألم أخبركِ أنكِ ستتولين المناوبات الليلية ابتداءً من اليوم؟
ابتسمت ابتسامةً مستفزة.
- مديري العزيز... اطردني إن استطعت.
زمّ شفتيه بغضب.
- لا تكوني متغطرسة لأنكِ تنجزين عملك أفضل من الجميع.
هزت كتفيها بلا مبالاة.
- أتمنى لك التوفيق.
ازداد غضبه وكاد يرد، لولا أن تدخلت ريم بسرعة.
- ماري! أين كنتِ؟ نبحث عنك منذ الصباح.
ثم التفتت إلى المدير بابتسامة اعتذارية.
- أستأذنك، سيدي... سأختطفها لدقائق.
أمسكتها من ذراعها وسحبتها إلى مكتبها.
---
ما إن دخلت ماريان المكتب حتى سمعت صوت خالد يعلو:
- أقول لك إنها لم تنتحر! هناك من قتلها.
رد توم وهو يعقد ذراعيه:
- كفاك هراءً. كل الأدلة تشير إلى أنها انتحرت.
لوّح خالد بيده بضيق.
- وأين هي الأدلة التي تتحدث عنها؟
- تقرير الطبيب الشرعي، والحبل، وحالتها النفسية... أليست كافية؟
قهقه خالد بسخرية.
- يبدو أنك أصبحت محققًا بين ليلةٍ وضحاها.
رفع توم حاجبه وقال ببرود:
- وأنت لا تنسَ أنك شرطي، ولست محققًا يا خالد.
ابتسم خالد ابتسامةً مستفزة.
- ولا أنت أيضًا، يا عزيزي... أم نسيت؟
أجاب توم وهو يضحك باستخفاف:
- يكفيني أنني أؤدي عملي بإتقان في كل مرة.
اختفت ابتسامة خالد في الحال.
- علامَ تضحك أيها الغبي النتن؟ أقسم إنني سأقتلك الآن!
وكاد يندفع نحوه، لولا أن انفتح باب المكتب.
وقفت ماريان عند العتبة، تنظر إليهما بصمت.
ساد السكون لثوانٍ.
ثم قالت ببرود:
- هل انتهيتما؟
أشارت ريم إليهما بيأس، وقالت:
- وهذا بالضبط ما كان يدور منذ الصباح... لذلك راسلتكِ باكرًا، حتى ننهي العمل قبل أن ينهي أحدهما على الآخر.
تنهدت ماريان وهي تلقي بجسدها على المكتب.
- حسنًا... والآن أخبراني، ما الذي حدث؟
أجاب خالد بسرعة، وكأنه وجد من سينصفه:
- أرى أن الضحية قُتلت، ولم تنتحر.
وقبل أن يكمل، قاطعه توم:
- وأنا أرى أن الأمر واضح... لقد انتحرت.
عقدت ماريان حاجبيها لتقول دون أن تبالي بالذي قالاه:
- وما الذي تفعلاه في مكتبي إذًا؟
قال توم مبتسمًا :
- كنا في عجلة من أمرنا، وإلا لما دخلنا مكتبك الكئيب.
ابتسم خالد.
- أنا أراه جميلًا.
رمقه توم بنظرة ساخرة.
- أنت ترى كل شيء جميلًا، أيها الأبله.
رفع خالد حاجبه.
- لم أكن أخاطبك، بل ماريان... والأبله هنا لست أنا بل أنت.
نهض توم من مكانه.
- تعال إذًا...
تنهدت ريم.
- ها هما سيبدآن مجددًا...
لكن صوتًا قويًا ارتطم بالمكتب، فتجمد الاثنان في مكانيهما.
كانت ماريان تنظر إليهما بوجهٍ خالٍ من أي تعبير.
- إن لم تكفّا الآن... سأدفنكما بيدي، ولن يعثر عليكما أحد.
ساد الصمت لثوانٍ.
تنحنحت ريم وهي تمد إليها الملف.
- هذا ملف القضية الجديدة.
ثم التفتت إلى خالد.
- وأنت... أحضر لي قهوة.
جلست ماريان على كرسيها بإرهاق، وأغمضت عينيها للحظة، تفرك جبهتها بأطراف أصابعها.
اقتربت منها ريم بقلق.
- هل أنتِ بخير؟
فتحت عينيها.
- بخير... أعطني الملف.
دخل خالد يحمل كوب القهوة، فوضعه أمامها وغادر بصمت.
احتست رشفة، ثم بدأت تتصفح الصور والتقارير.
لم تكن تلك أول جثة تراها... ولا أبشعها. ففي القضية السابقة، كانت الجثة قد بدأت بالتحلل، والعينان متسعتين كأنهما رفضتا تصديق الموت حتى اللحظة الأخيرة.
ورغم ذلك... لم ترتجف ماريان يومًا.
قطع ريم شرودها.
- ما رأيك؟
رفعت رأسها.
- ماذا قال الطبيب الشرعي؟
- يرى أن الضحية انتحرت.
عقدت ماريان حاجبيها.
- ماذا؟
دفعت الصورة نحوهما.
- انظروا إلى مؤخرة العنق... هذه العلامات لا تتوافق مع الانتحار أبدًا.
قالت ريم:
- لكنه يقول إن الكدمات قد تكون من الحبل... أو من مقاومتها أثناء محاولتها الانتحار. الضحية كانت تعاني الاكتئاب، وكانت تقيم في مستشفى للأمراض النفسية.
هزت ماريان رأسها بحزم.
- لا... هناك شيء لا يخبرنا به هذا المشهد. أريد مقابلة الطبيب الشرعي الآن.
اعترض توم.
- لكنه ما يزال الصباح، وما زال الملف السابق بانتظارك.
التفتت إلى خالد.
- ألم أكلفك بإنهائه؟
كان منشغلًا بالدوران بقلمٍ بين أصابعه.
- خالد...
انتفض.
- نعم؟ ماذا حدث؟
- مهمة واحدة فقط أوكلتها إليك... ماذا أنجزت؟
حك مؤخرة رأسه.
- أنا شرطي... وما علاقتي بعمل المحققين؟
تنهدت.
- وهل نسيت أننا فريق؟
صمت.
ثم تمتمت وهي تتجه نحو الباب:
- انسَ الأمر... أنا المخطئة لأنني وثقت في معتوه مثلك.
رفع رأسه بسرعة.
- ماذا قلتِ؟
استدارت إليه بابتسامة باردة.
- قلت... إن لم تغادر الآن، فسأجعلك أسوأ جثة دخلت هذا المركز.
ابتلع ريقه، ثم اندفع خارج المكتب وسط ضحكات ريم وتوم.
هزت ماريان رأسها وهي تلتقط الملف.
- غبي... هيا بنا.
وقبل أن تغادر، اهتز هاتفها معلنًا اتصالًا جديدًا.
نظرت إلى الشاشة...
الطبيب الشرعي!!؟