نفحات الخريف

نفحات الخريف

11 0

أوراقُ الخريفِ تُراقص الرّياح كأحلامٍ ضائعةٍ."

استحضار الماضي:

قبل أن أدرك ما حدث، ذكرياتي سحبتني إلى بئر عقدي حينما بدأ كل شيء.

كانَ الليلُ قد بدأَ يَزحَفُ على المَدينةِ، وتَسَلَّلَ البَردُ إلى عِظامِ المَكانِ، حيثُ لا صَوتَ سوى هَمَسَاتِ الرِّياحِ التي كَانَتْ تُدَاعِبُ أَوْرَاقَ الأشجَارِ المُتَنَاثِرَةِ في المَقْبَرةِ القَدِيمَةِ. هُنَاكَ، في الزَّوَايَا المُظْلِمَةِ، كَانَتِ المَقَابِرُ تَغْرَقُ في ظِلالِ الحُزْنِ، وكُلُّ قَبرٍ يَحْمِلُ قِصَّةً قَدِيمَةً تَنْتَظِرُ أن تُرْوَى.

مِنْ بَيْنِ تِلكَ القُبُورِ المُهِيبَةِ، كَانَ رَجُلٌ يَزُورُ أَحَدَهَا، يَخْطُو بِخُطُوَاتٍ بَطِيئَةٍ، وكَأنَّ الزَّمَنَ قَدْ جَمَّدَ حَولَهُ. كَانَ يَرْتَدِي مِعْطَفًا طَوِيلًا يُلَامِسُ الأَرْضَ، وعَيْنَاهُ غَارِقَتَانِ في الصَّمْتِ العَمِيقِ، مُحَاطًا بِنَظْرَةٍ مِنَ الوَحْدَةِ وَالانْعِزَالِ. وَقَفَ لَحْظَةً عِندَ القَبرِ، لا حَدِيثَ يَخْرُجُ مِنْ شَفَتَيْهِ، ولا حَرَكَةَ تُميِّزُ جَسَدَهُ عَنْ تِلكَ التَّمَاثِيلِ الحَجَرِيَّةِ التي تُحِيطُ بِهِ. كَانَتْ قَبْضَتُهُ مُشَدَّدَةً حَوْلَ شَيءٍ مَا في يَدِهِ، شَيءٍ صَغِيرٍ، لَكِنَّهُ كَانَ أَهَمَّ مِنَ الحَيَاةِ نَفْسِهَا بالنِّسْبَةِ لَهُ.

ثُمَّ، كَمَا لَوْ أنَّ الزَّمَنَ قَدْ تَوَقَّفَ، سَارَ بَعِيدًا عَنِ القَبرِ، وتَلَاشَى بَيْنَ الظِّلَالِ المُتَقَلِّبَةِ التي تَمِيلُهَا الرِّيَاحُ.

في تِلكَ اللَّحْظَةِ، ظَهَرَتِ امْرَأَةٌ، كَأنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ جَحِيمِ اللَّيْلِ نَفْسِهِ. كَانَتْ خُطُوَاتُهَا خَفِيفَةً، لَكِنَّهَا ثَابِتَةٌ، وعَيْنَاهَا تَغْرَقَانِ في الظَّلَامِ كَمَا لَوْ أنَّهَا تَعْرِفُ كُلَّ شَيءٍ في هَذَا العَالَمِ المَيِّتِ. اقْتَرَبَتْ مِنَ القَبرِ الذي تَوَقَّفَ عِندَهُ الرَّجُلُ، وعَيْنَاهَا تَبْحَثَانِ في المَكَانِ كَأنَّهَا تُعْلِنُ عَنْ سِرٍّ قَدِيمٍ.

دُونَ أنْ تَلْمَسَ الأَرْضَ بِأَصَابِعِهَا، أَخْرَجَتْ مِنْ حَقِيبَتِهَا زُهُورًا مِنْ نَوْعٍ خَطِرٍ - زَهْرَةٌ غَرِيبَةٌ، قَاتِلَةٌ في جَمَالِهَا، كَأنَّهَا تَحْمِلُ بَيْنَ بَتَلَاتِهَا أَسْرَارًا مُظْلِمَةً. وَضَعَتْهَا بِعِنَايَةٍ عَلَى القَبرِ، وكَأنَّهَا تَهْمِسُ لِلمَيِّتِ بِشَيءٍ لا يُمْكِنُ لِلعَقْلِ أنْ يُدْرِكَهُ. ثُمَّ، بَعْدَ أنْ أَكْمَلَتْ فِعْلَتَهَا، تَنَهَّدَتْ بِصَمْتٍ، ومَضَتْ في طَرِيقِهَا دُونَ أنْ تَتْرُكَ أَيَّ أَثَرٍ.

لَكِنَّ عُيُونَهَا، المَمْلُوءَةَ بِالظِّلَالِ، كَانَتْ تَعْلَمُ شَيئًا لا يُمْكِنُ أنْ يَفْهَمَهُ أَحَدٌ، وكَأنَّهَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ هَذَا المَكَانِ القَدِيمِ، غَارِقَةً في أَسْرَارٍ أَبَدِيَّةٍ، مُعْلِنَةً أنَّ الزُّهُورَ لَيْسَتْ سِوَى رَمْزٍ، وأنَّ القَبرَ لَيْسَ سِوَى بَدَايَةٍ.

.

.

.

.

.

استَفَقتُ في صَباحٍ هادِئٍ، حَيثُ ضَوءُ الشَّمسِ يَتَسَلَّلُ مِن بَينِ السَّتائِرِ بِرِفقٍ، يُبعَثُ دِفْئًا في المَكانِ.

أَعدَدتُ الفُطورَ بِعِنايَةٍ، كَما أَفعَلُ كُلَّ صَباحٍ، لِأَنَّني أَعلَمُ كَم يُحِبُّ كاسِيانُ أَن يَبدَأَ يَومَهُ بِوَجبَةٍ شَهِيَّةٍ.

جَلَسَ أَمامِي عَلَى الطّاوِلَةِ، وَرَفَعَ عَينَيهِ عَن صَحيفَتِهِ، اِبتَسَمَ لِي اِبتِسامَةً هادِئَةً:

"صَباحُ الخَيرِ، إيزِيلُ."

فَابتَسَمتُ بِدَورِي، وَقُلتُ بِصَوتٍ خافِتٍ:

"صَباحُكَ أَكثَرُ إِشراقًا، كاسِيانُ".

بَدَأنا بِتَناوُلِ الطَّعامِ بِبُطءٍ، نَظَرتُ إِلَيهِ، وَهُوَ يَنظُرُ إِلَى الوَرَاءِ بِتَمَعُّنٍ، ثُمَّ سَأَلتُهُ:

"هَل سَيَكونُ يَومُكَ طَوِيلًا فِي العَمَلِ؟"

أَجابَ وَهُوَ يَرفَعُ نَظَرَهُ عَن طَعامِهِ، وَتِلكَ اللَّمعَةُ فِي عَينَيهِ تَحكِي رِوايَةً عَنِ التَّعَبِ وَالالتِزامِ:

"لَيسَ طَوِيلًا."

سَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ لِيَأخُذَ فِنجانَ قَهوَتِهِ:

"سَأَعُودُ بِسُرعَةٍ، لَا تَقلَقِي، كَما أَنِّي سَأَصطَحِبُكِ لِلذِّهَابِ إِلَى حَدِيقَةِ الزُّهُورِ، كَما تَعلَمِينَ، إِنَّهُ فَصلُ الخَرِيفِ، فَصلُ تَفَتُّحِ الزُّهُورِ الأُقحُوانِيَّةِ".

اِبتَسَمتُ فِي سِرِّي، أَنَا لَن أَكذِبَ عَلَى نَفسِي أَو عَلَيهِ، بِالتَّأكِيدِ أُرِيدُ الذِّهَابَ، خَاصَّةً وَإِن كَانَ شَيءٌ يَتَعَلَّقُ بِالوُرُودِ:

"حَسَنًا، يَسعَدُنِي أَن أَذهَبَ مَعَكَ ".

قَامَ مِن مَكانِهِ، وَحَمَلَ حَقِيبَةَ عَمَلِهِ:

"سَآتي لِإِصطِحَابِكِ عَلَى السَّاعَةِ الخَامِسَةِ مَسَاءً فَانتَظِرِينِي!"

نَبَسَ بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ، ثُمَّ ذَهَبَ مُتَّجِهًا إِلَى عَمَلِهِ.

لَم تَمُرَّ إِلَّا بَضعَةُ دَقَائِقَ، ثُمَّ نَهَضتُ بِبُطءٍ، وَذَهَبتُ إِلَى الحَمَّامِ.

هُنَاكَ، وَجَدتُ نَفسِي أَمَامَ المِرآةِ، أَتَأَمَّلُ مَلَامِحِي الَّتِي تَعَوَّدتُ عَلَيهَا وَلَكِنَّهَا دَائِمًا تَحمِلُ شَيئًا جَدِيدًا.

مَرَّرتُ يَدِي عَلَى شَعرِي الطَّوِيلِ، وَقَرَّرتُ أَن أَترُكَهُ يَنسَابُ بِحُرِّيَّةٍ عَلَى كَتِفِي، لَكِنَّنِي جَمَعتُ بَعضَ الخُصلَاتِ الأَمَامِيَّةِ فِي تَسَرِيحَةٍ بَسِيطَةٍ، لِتَبقَى مَلَامِحِي وَاضِحَةً.

اِنتَقَيتُ مَلَابِسِي بِعِنَايَةٍ، رَغمَ أَنَّنِي لَم أَكُن أَحتَاجُ لِأَكُونَ أَكثَرَ مِن أَنَا فِي يَومِي العَادِي.

فُستَانٌ بُنِّيٌّ بَسِيطٌ، مُزَخرَفٌ بِأَلوانِ الخَرِيفِ الدَّافِئَةِ، كَانَ الخِيَارَ المُثَالِيّ.

اِرتَدَيتُ سُترَةً مِن الصُّوفِ النَّاعِمِ، تَمنَحُنِي شُعُورًا بِالرَّاحَةِ وَالدِّفءِ مَعَ قُدُومِ الجَوِّ البَارِدِ.

أَضَفتُ حِذَائِي المُفَضَّلَ لِيُكَمِّلَ الإِطلالَةَ بِأَنَاقَةٍ بَسِيطَةٍ.

ثُمَّ مَرَرتُ عَلَى طَاوِلَتِي الصَّغِيرَةِ، حَيثُ وَضَعتُ عِطرَ الزُّهُورِ الَّذِي أُحِبُّ.

كُنتُ أَعرِفُ تَمَامًا كَيفَ يُمكِنُ لِرَائِحَتِهِ أَن تُعَبِّرَ عَن شَيءٍ خَفِيٍّ دَاخِلَ رُوحِي، شَيءٍ يُعَبِّرُ عَنِ الزُّهُورِ الَّتِي أَعيِشُ فِي عَالَمِهَا كُلَّ يَومٍ.

بَعدَ أَن تَأَكَّدتُ مِن أَنَّنِي جَاهِزَةٌ، نَظَرتُ إِلَى نَفسِي فِي المِرآةِ بِاِبتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ، وَتَأَكَّدتُ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ فِي مَكانِهِ.

قَبلَ مُغَادَرَتِي، أَمسَكتُ بِحَقِيبَتِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَحتَوِي عَلَى كُلِّ مَا أَحتاجُهُ لِيَومٍ طَوِيلٍ فِي الوَرْشَةِ.

وَضَعتُ مَفَاتِيحَ الوَرْشَةِ، وَبَعضَ الأَورَاقِ الَّتِي سَأَحتاجُهَا.

نَظَرتُ إِلَى السَّاعَةِ، ثُمَّ تَنَهَّدتُ بِصَمتٍ، وَأَنَا أَتَّجِهُ نَحوَ البَابِ.

كَانَ لَدَيَّ شُعُورٌ أَنَّ هَذَا اليَومَ سَيَكُونُ مُختَلِفًا، كَمَا أَنَّنِي شَعَرتُ بِشَيءٍ مَا يَربِطُنِي بِالعَالَمِ الَّذِي سَأَعُودُ إِلَيهِ بَعدَ سَاعَاتٍ.

"صَباحُ الخَيرِ، إيزيل!"

قالَها بِصَوتٍ مَفعَمٍ بِالحَيَوِيَّةِ. أَجَبتُهُ بِابتِسامَةٍ دافِئَةٍ:

"صَباحُ الخَيرِ! ما الَّذي تَبحَثُ عَنهُ اليَومَ؟"

كانتِ الطَّلَباتُ تَتَنَوَّعُ.

أَحَدُهُم أَرادَ باقَةً لِعِيدِ مِيلادٍ، وَآخَرُ باقَةً لِتَزيينِ طاوِلَةِ عَشاءٍ. كانَ الجَميعُ يَحمِلُ قِصَصَهُمُ الخَاصَّةَ، وَكانَ عَلَيَّ أَن أَجِدَ الزُّهورَ الَّتي تُعَبِّرُ عَن تِلكَ القِصَصِ.

كُنتُ أَلتَقِطُ الزُّهورَ وَأَصِفُها أَمامَهُم، وَأَشرَحُ لِكُلِّ زَبُونٍ كَيفَ أَنَّ اختِيارَ زَهرَةٍ مُعَيَّنَةٍ يُمكِنُ أَن يُعَبِّرَ عَن مَشاعِرَ مُعَيَّنَةٍ.

الورشةُ امتَلَأَت تَدريجِيًّا بِصَوتِ الأحادِيثِ، وَرائِحَةِ الزُّهورِ الفَوَّاحَةِ، وَحَرَكَةِ النَّاسِ الَّتي تُضفِي عَلَى المَكانِ طاقَةً جَمِيلَةً.

شَعَرتُ حِينَها أَنَّنِي جُزءٌ مِن قِصَصٍ كَثِيرَةٍ، حَتَّى لَو لَم أَكُن أَعرِفُ نِهايَاتِها.

مَرَّ الوَقتُ سَريعًا، وَحانَ وَقتُ الغَداءِ.

تَرَكتُ الوَرشةَ لِبِضعِ ساعَاتٍ، ذَهَبتُ إِلى مَقهًى صَغِيرٍ لِتَناوُلِ وَجبَتِي، وَلَكِنَّ فِكرِي كانَ دائِمًا مَعَ الزُّهورِ، وَكَاسيان الَّذي أَفتَقِدُهُ كُلَّما ابتَعَدتُ.

بَعدَ أَنِ انتَهَيتُ مِن وَجبَةِ الغَداءِ، شَعَرتُ بِنَوعٍ مِنَ السَّكِينَةِ يُحِيطُ بِي، كَأَنَّ تِلكَ اللَّحظاتِ الصَّغِيرَةَ مِنَ الرَّاحَةِ مَنَحَتْنِي طاقَةً جَدِيدَةً.

عُدتُ إِلى الوَرشةِ بِخُطُواتٍ هادِئَةٍ، أُمسِكُ بِحَقِيبَتِي الصَّغِيرَةِ، وَأُفَكِّرُ فِي الزُّهورِ الَّتي تَنتَظِرُنِي.

كُنتُ أَستَعِدُّ لِاستِكمَالِ يَومِي كَالمُعتَادِ، وَلَكِنْ حِينَما فَتَحتُ البابَ، فُوجِئتُ بِمَشهَدٍ لَم أَتَوَقَّعهُ.

كانتْ إِلِينُورُ تَقِفُ وَسَطَ الوَرْشَةِ، بِكَامِلِ أَنَاقَتِهَا الَّتِي تَحْمِلُ طَابِعَهَا الفَرِيدَ.

شَعْرُهَا البُنِّيُّ المُجَعَّدُ يَتَأَلَّقُ تَحْتَ الضَّوْءِ الخَافِتِ، وَعَيْنَاهَا البُنِّيَّتَانِ تَلْمَعَانِ كَشَفَقٍ فِي ظَلامٍ حَالِكٍ.

نَظَرَتْ إِلَيَّ بِابْتِسَامَةٍ وَاسِعَةٍ، وَكَأَنَّهَا تَحْمِلُ خَبَرًا مُشْرِقًا بَيْنَ شَفَتَيْهَا.

"إِيزِيل!"

نَادَتْ بِاسْمِي بِحَمَاسٍ بَيْنَمَا أَغْلَقْتُ البَابَ خَلْفِي.

كَانَ صَوْتُهَا مَمْلُوءًَا بِالدِّفْءِ، وَكَأَنَّهَا شَمْسٌ تَسَلَّلَتْ فَجْأَةً إِلَى يَوْمِي.

تَوَقَّفْتُ لِلَحْظَةٍ، مُذْهُولَةً مِنْ حُضُورِهَا المُفَاجِئِ.

"إِلِينُور؟ مَاذَا تَفْعَلِينَ هُنَا؟ ظَنَنْتُكِ مَشْغُولَةً بِالتَّحْضِيرِ لِمَهْرَجَانِكِ القَادِمِ!"

قُلْتُ وَأَنَا أَتَقَدَّمُ نَحْوَهَا، أَضَعُ حَقِيبَتِي عَلَى الطَّاوِلَةِ بِجَانِبِ الزُّهُورِ.

ضَحِكَتْ ضِحْكَتَهَا الَّتِي تَحْمِلُ دَائِمًا نَغْمَةً مِنَ الثِّقَةِ، ثُمَّ قَالَتْ:

"وَكَأَنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَمُرَّ بِهَ دُونَ أَنْ أَزُورَ وَرْشَتَكِ، إِيزِيل. لَا أَحَدَ يُنَسِّقُ الزُّهُورَ كَمَا تَفْعَلِينَ، حَتَّى فِي أَشْهَرِ المَهْرَجَانَاتِ."

ابْتَسَمْتُ بِخَجَلٍ، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ وَرَاءَ زِيَارَتِهَا شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ مُجَامَلَةٍ.

جَلَسْتُ عَلَى أَحَدِ الكَرَاسِي القَرِيبَةِ، وَأَشَرْتُ لَهَا لِتَجْلِسَ بِجَانِبِي.

"لَا أُصَدِّقُ أَنَّكِ هُنَا. مَاذَا يَجْلِبُكِ اليَوْمَ؟ هَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ مُهِمٌّ؟"

وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى طَاوِلَةِ الوَرْشَةِ، تَنْظُرُ حَوْلَهَا إِلَى الزُّهُورِ المُتَنَاثِرَةِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.

"هُنَاكَ دَائِمًا شَيْءٌ مُهِمٌّ عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِكِ، إِيزِيل. أُرِيدُ أَنْ أَتَحَدَّثَ عَنْ مَهْرَجَانِي القَادِمِ. أَحْتَاجُ لَمَسَاتِكِ الخَاصَّةِ."

شَعَرْتُ بِالفَخْرِ، وَلَكِنْ أَيْضًا بِمَزِيجٍ مِنَ الحَمَاسِ وَالتَّوَتُّرِ.

إِلِينُور، صَاحِبَةُ أَشْهَرِ مَهْرَجَانَاتِ الوُرُودِ فِي العَالَمِ، تَطْلُبُ مُسَاعَدَتِي؟ كَانَتْ تِلْكَ لَحْظَةً تَتَجَاوَزُ الكَلِمَاتِ.

"بِالطَّبْعِ، سَأَكُونُ سَعِيدَةً بِمُسَاعَدَتِكِ. وَلَكِنْ أَخْبِرِينِي، كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أُضِيفَ شَيْئًا إِلَى عَمَلِكِ البَاهِرِ؟"

ابْتَسَمَتْ بِخُبْثٍ طَفِيفٍ، ثُمَّ قَالَتْ:

"لِأَنَّكِ أَنْتِ يَا عَزِيزَتِي، لَدَيْكِ سِحْرٌ خَاصٌّ بِالزُّهُورِ، شَيْءٌ لَا يُمْكِنُنِي تَفْسِيرُهُ، وَلَكِنَّنِي أَرَاهُ فِي كُلِّ بَاقَةٍ تَلْمِسِينَهَا."

تِلْكَ الكَلِمَاتُ جَعَلَتْنِي أَشْعُرُ بِأَنَّ يَوْمِي العَادِيَّ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى بَدَايَةٍ لِشَيْءٍ اِسْتِثْنَائِيٍّ.

جَلَسَتْ إِلِينُورُ أَمَامِي، مُتَّكِئَةً عَلَى الطَّاوِلَةِ بِيَدِهَا، وَأَخَذَتْ تَنْظُرُ حَوْلَهَا بِتِلْكَ النَّظْرَةِ الَّتِي كَانَتْ دَائِمًا مَا تُخْفِي خَلْفَهَا شَيْئًا أَكْبَرَ مِمَّا تَقُولُهُ الكَلِمَاتُ.

حَاوَلْتُ أَنْ أَبْقَى هَادِئَةً، وَلَكِنَّ الفُضُولَ بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَى دَاخِلِي، خَاصَّةً عِنْدَمَا رَأَيْتُهَا تَتَرَدَّدُ لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ تَتَحَدَّثَ.

"إِيزِيل،"

بَدَأَتْ كَلَامَهَا بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِلُ قِيَاسَ رَدَّةِ فِعْلِي.

"أَعْلَمُ أَنَّنِي جِئْتُ فَجْأَةً، وَرُبَّمَا أَزْعَجْتُكِ، وَلَكِنْ هُنَاكَ أَمْرًا أَحْتَاجُ أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَكِ عَنْهُ."

شَعَرْتُ أَنَّ حَدِيثَهَا لَمْ يَكُنْ عَادِيًّا، فَإِلِينُورُ لَمْ تَكُنْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي الحَدِيثِ أَوْ يَتَجَنَّبُ النَّظَرَ فِي عَيْنَيَّ.

"تَفَضَّلِي، إِلِينُور. نَحْنُ صَدِيقَتَانِ، وَأَنْتِ تَعْرِفِينَ أَنَّنِي هُنَا لِأَيِّ شَيْءٍ تَحْتَاجِينه."

تلاعَبَتْ بِخَاتِمِهَا الذَّهَبِيِّ لَحْظَةً، ثُمَّ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا نَحْوِي.

"الأَمرُ يَتَعَلَّقُ بِمَهرَجَانِي القَادِم... وَبِشَخصِيَّةٍ مُهِمَّةٍ جِدًّا تَنُوِي الحُضُورَ."

ابتَسَمتُ بِرِفقٍ، مُحَاوِلَةً تَخْفِيفَ التَّوَتُّرِ الذِي بَدَأَ يُحِيطُ بِالمَكَانِ.

"هَذَا رَائِعٌ! إِذَا كُنتِ بِحَاجَةٍ إِلَى زُهُورٍ إِضَافِيَّةٍ أَو تَصْمِيمٍ خَاصٍّ، أَنَا مُستَعِدَّةٌ لِتَقدِيمِ كُلِّ مَا بِوُسْعِي."

لَكِنَّهَا هَزَّتْ رَأْسَهَا بِبُطْءٍ.

"الأَمرُ لَيسَ مُجَرَّدَ زُهُورٍ، إِيزِيل. هُنَاكَ شَيءٌ آخَرُ... شَيءٌ لَا أَستَطِيعُ الوُثُوقَ بِهِ سِوَى لِشَخصٍ مُـمَيَّزٍ مِثْلَكِ."

صَمَتَتْ لَحْظَةً، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِلُ صِيَاغَةَ كَلِمَاتِهَا بِعِنَايَةٍ.

"هَذِهِ الشَّخصِيَّةُ... طَلَبَتْ شَيئًا غَرِيبًا. إِنَّهَا تُرِيدُ زُهُورًا نَادِرَةً جِدًّا، زُهُورًا لَيسَتْ مُتَوَفِّرَةً فِي أَيِّ مَكَانٍ... وَأَعرِفُ أَنَّ لَدَيْكِ طُرُقَكِ الخَاصَّةَ لِلحُصُولِ عَلَى مَا لَا يُمكِنُ العُثُورُ عَلَيهِ."

بَدَأَ قَلْبِي يَنبِضُ بِسُرْعَةٍ. لَمْ أَكُنْ أَعرِفُ إِنْ كَانَتْ تَتَحَدَّثُ عَنْ شَيءٍ عَادِيٍّ أَمْ أَنَّ هُنَاكَ خَلْفِيَّةً أَعمَقَ لِهَذَا الطَّلَبِ.

"مَا هِيَ هَذِهِ الزُّهُورُ؟ وَلِمَاذَا تَشْعُرِينَ بِالقَلَقِ حِيَالَ الأَمرِ؟"

سَأَلتُهَا بِصَوْتٍ هَادِئٍ، لَكِنَّ دَاخِلِي كَانَ يَمُوجُ بِالأَسْئِلَةِ.

نَظَرَتْ إِلَى الوُرُودِ التِي أَمَامَنَا وَكَأَنَّهَا تَبحَثُ عَنِ الإِجَابَةِ بَيْنَ أَورَاقِهَا.

"إِنَّهَا تُرِيدُ زَهْرَةَ الدَّاتُورَا، إِيزِيل. تِلْكَ الزَّهْرَةُ التِي يُقَالُ إِنَّهَا تَحْمِلُ أَسْرَارًا خَطِيرَةً. وَأَنَا... لَا أَعرِفُ إِذَا كَانَ مِنَ الصَّوَابِ أَنْ أَطلُبَهَا مِنْكِ."

أَخفَيتُ ارْتِبَاكِي بِمَهَارَةٍ.

"الدَّاتُورَا؟ هَذَا طَلَبٌ غَيرُ مَأْلُوفٍ. لَكِنْ لِمَاذَا تَحْتَاجُهَا هَذِهِ الشَّخْصِيَّةُ؟"

أَجَابَتْ بِصَوْتٍ مُنخَفِضٍ، وَكَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ يَسمَعَهَا أَحَدٌ.

"قَالَتْ إِنَّهَا تَبحَثُ عَنْ شَيءٍ يُمَثِّلُ الغُمُوضَ وَالخَطَرَ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَهِيَ تَعرِفُ أَنَّكِ الوَحِيدَةُ التِي تَستَطِيعُ أَنْ تَجِدَهَا."

ابتَسَمتُ بِهُدُوءٍ وَأَنَا أُحَاوِلُ إِخفَاءَ تِلكَ المَوْجَةِ مِنَ الأَفْكَارِ التِي اندَفَعَتْ فِي رَأْسِي عِندَمَا سَمِعتُ طَلَبَهَا.

نَظَرتُ إِلَى إِلِينُور، وَأَجَبتُ بِنَبرَةٍ وَاثِقَةٍ، لَكِنَّ دَاخِلِي كَانَ يُخْفِي تَوَتُّرًا صَغِيرًا:

"لَدَيَّ الدَّاتُورَا، إِلِينُور. إِنَّهَا زَهْرَةٌ أَحْتَفِظُ بِهَا فَقَطْ لِضُيُوفِي المُـمَيَّزِينَ، وَمِنَ الوَاضِحِ أَنَّكِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ."

اتَّسَعَتْ عَيْنَاهَا بِدَهْشَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالفَرَحِ، وَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُ أَنْ أُوَافِقَ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ.

"أَنتِ حَقًّا مُذْهِلَةٌ، إِيزِيل. كُنتُ أَعْلَمُ أَنَّكِ الوَحِيدَةُ التِي يُمكِنُهَا مُسَاعَدَتِي."

وَقَفْتُ وَتَوَجَّهْتُ نَحْوَ الزَّاوِيَةِ الخَلْفِيَّةِ مِنَ الوِرْشَةِ، حَيْثُ كُنتُ أَحْتَفِظُ بِزُهُورِ الدَّاتُورَا فِي وِعَاءٍ زُجَاجِيٍّ مُغْلَقٍ بِإِحْكَامٍ.

كَانَتْ تِلْكَ الزُّهُورُ بَيْضَاءَ مُشِعَّةً، تُلَامِسُ حُدُودَ الأُسْطُورَةِ فِي جَمَالِهَا وَغُمُوضِهَا.

أَخْرَجْتُهَا بِحَذَرٍ، وَكَأَنَّهَا قِطْعَةٌ أَثَرِيَّةٌ ثَمِينَةٌ، وَوَضَعْتُهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ أَمَامَنَا.

"هَا هِيَ،"

قُلْتُ وَأَنَا أَتَنَاوَلُ مِقَصَّ الزُّهُورِ وَأَبْدَأُ بِقَصِّ الأَوْرَاقِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ.

"هَذِهِ الزَّهْرَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ زِينَةٍ، إِنَّهَا تَحْمِلُ قِصَّةً وَحُضُورًا. لِذَا، يَجِبُ أَنْ تُستَخْدَمَ بِعِنَايَةٍ."

إِلِينُورْ كَانَتْ تُرَاقِبُنِي بِانْبِهَارٍ.

"كَيْفَ اسْتَطَعْتِ الحِفَاظَ عَلَيْهَا بِهَذِهِ الحَالَةِ المُثَالِيَّةِ؟ لَقَدْ قَرَأْتُ الكَثِيرَ عَنْ صُعُوبَةِ العِنَايَةِ بِهَا."

ابْتَسَمْتُ وَأَنَا أَضَعُ الزُّهُورَ فِي بَاقَةٍ صَغِيرَةٍ وَأَلُفُّهَا بِوَرَقٍ حَرِيرِيٍّ بَسِيطٍ.

"إِنَّهَا تَتَطَلَّبُ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ عِنَايَةٍ، إِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى فَهْمٍ. الدَّاتُورَا لَا تُعْطِي جَمَالَهَا إِلَّا لِمَنْ يَعْرِفُ قِيمَتَهَا الحَقِيقِيَّةِ."

أَخَذْتُ نَفَسًا عَمِيقًا، ثُمَّ سَلَّمْتُهَا البَاقَةَ الأُولَى.

"هَذَا جُزْءٌ مِمَّا تَحْتَاجِينَهُ. سَأُجَهِّزُ لَكِ المَزِيدَ لَاحِقًا. يُمْكِنُكِ العَوْدَةُ الأُسْبُوعَ المُقْبِلَ لِلحُصُولِ عَلَى الكَمِّيَّةِ المُتَبَقِّيَةِ. لَا يُمْكِنُنِي تَقْدِيمُهَا كُلَّهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ فَهِيَ تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تُعَامَلَ بِبُطْءٍ، كَمَا تَسْتَحِقُّ."

نَظَرَتْ إِلَيَّ بِإِعْجَابٍ وَشُكْرٍ عَمِيقٍ.

"أَنْتِ لَا تَفْعَلِينَ هَذَا فَقَطْ مِنْ أَجْلِ الوُرُودِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ أَشْعُرُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا أَعْمَقَ بَيْنَكِ وَبَيْنَهَا."

ابْتَسَمْتُ بِخُفُوتٍ، وَلَمْ أُجِبْ مُبَاشَرَةً. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، قُلْتُ:

"الزُّهُورُ لَدَيْهَا طَرِيقَةٌ غَرِيبَةٌ فِي الحَدِيثِ، إِلِينُورْ. أَحْيَانًا، تَحْمِلُ كَلِمَاتٍ أَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَهُ."

بَيْنَمَا كُنْتُ أَقُصُّ أَوْرَاقَ الدَّاتُورَا بِحَذَرٍ، عَيْنَايَ تُرَكِّزَانِ عَلَى كُلِّ تَفْصِيلٍ فِي الزَّهْرَةِ، سَمِعْتُ صَوْتَ إِلِينُورْ وَهِيَ تَتَحَدَّثُ، وَلَكِنْ نَبْرَتُهَا حَمَلَتْ شَيْئًا مُخْتَلِفًا.

رَفَعْتُ رَأْسِي نَحْوَهَا، لِأَجِدَهَا مُبْتَسِمَةً وَهِيَ تُحَدِّقُ فِي الأُفُقِ، وَكَأَنَّهَا تَسْتَرْجِعُ صُورَةً مَا فِي ذِهْنِهَا.

"إِيزِيلْ، زَوْجُكِ... لَدَيْهِ مَلَامِحُ مُمَيَّزَةٌ جِدًّا. تِلْكَ العُيُونُ العَسَلِيَّةُ الَّتِي تَبْدُو كَأَنَّهَا تُخْفِي عَاصِفَةً. وَطَرِيقَتُهُ فِي التَّحَدُّثِ، كَأَنَّ كَلِمَاتِهِ تَنْسَابُ بِرِفْقٍ وَلَكِنَّهَا تَتْرُكُ أَثَرًا عَمِيقًا. لَا عَجَبَ أَنَّكِ وَقَعْتِ فِي حُبِّهِ."

ابْتَسَمْتُ بِخِفَّةٍ وَأَنَا أُتَابِعُ قَصَّ الزَّهْرَةِ، وَلَكِنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ مُقَاوَمَةَ التَّعْلِيقِ. نَظَرْتُ إِلَيْهَا بِنَظْرَةٍ مَاكِرَةٍ وَقُلْتُ:

"إِلِينُورْ، هَلْ تُحَاوِلِينَ أَخْذَ زَوْجِي مِنِّي؟"

شَهِقَتْ إِلِينُورْ خَجَلًا، وَوَجْنَتَاهَا تَحَوَّلَتَا إِلَى لَوْنٍ وَرْدِيٍّ. رَفَعَتْ يَدَيْهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ تُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهَا.

"بِالطَّبْعِ لَا! لَا تَفْهَمِينِي خَطَأً، إِيزِيلْ! أَنَا فَقَطْ... أَعْنِي، مِنَ الصَّعْبِ أَلَّا تُلَاحِظِي كَمْ هُوَ جَذَّابٌ."

ضَحِكْتُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَاضِعَةً الزَّهْرَةَ الَّتِي كُنْتُ أَقُصُّهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ.

"لَا تَقْلَقِي، إِلِينُورْ. إِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، فَأَنَا لَسْتُ مُنْزَعِجَةً. فِي الوَاقِعِ، هَذَا يَعْنِي أَنَّ ذَوْقِي رَائِعٌ."

ضَحِكَتْ هِيَ الأُخْرَى، وَلَكِنَّ خَجَلَهَا لَمْ يَخْتَفِ تَمَامًا. بَعْدَ لَحَظَاتٍ، نَظَرَتْ إِلَيَّ بِجِدِّيَّةٍ أَكْبَرَ وَقَالَتْ:

"إِيزِيلْ، أَنْتِ حَقًّا مَحْظُوظَةٌ. كَاسِيَانْ لَيْسَ فَقَطْ وَسِيمًا، لَكِنَّهُ يَبْدُو كَرَجُلٍ يَمْلِكُ قَلْبًا كَبِيرًا أَيْضًا. أَعْتَرِفُ أَنَّنِي أَحْسُدُكِ. لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ العُثُورُ عَلَى رَجُلٍ مِثْلَهُ."

توقَّفتُ للحظةٍ وأنا أنظرُ إليها، ثمَّ ابتسمتُ برِفقٍ وقلتُ:

"أَعلَمُ أنَّني مَحظوظةٌ، إلينور. لكنَّهُ ليسَ فقط وَسامَتُهُ أو قَلبُهُ الكَبير. إنَّهُ ذلكَ الإحساسُ بالاطمئنانِ الذي أشعُرُ بهِ عندما أكونُ معه، وكأنَّ العالَمَ كُلَّهُ يتلاشَى ونحنُ معًا."

أومأَتْ إلينور برأسِها، وعَيناها تَحمِلانِ مَزيجًا مِن الإعجابِ والحَنينِ، ثمَّ أضافَتْ بهُدوءٍ:

"هذا ما يجعلُ قِصَّتَكُما معًا مُمَيَّزةً جِدًّا، إيزيل. لا تَخسَري ذلكَ أبدًا."

استأنفتُ عَمَلي بصَمتٍ، لكنَّ حديثَها تَرَكَ أَثَرًا لَطيفًا في داخِلي.

ربَّما بالفعلِ، كُنتُ أملِكُ أكثرَ مِمَّا يُمكِنُ للآخَرينَ أن يَحلُموا بهِ.

نظَرَتْ إليَّ إلينور بابتِسامَةٍ خَفيفةٍ وسألَتْ، وكأنَّها لم تَعُدْ قادِرَةً على كَبحِ فُضولِها:

"إيزيل، أَخبِريني... كيفَ قابلتِ كاسيان؟ لا بُدَّ أنَّ وراءَكُما قِصَّةً مُمَيَّزةً."

توقَّفتُ للحظةٍ عن قَصِّ الزُّهورِ، وابتَسَمتُ لنَفسي وأنا أتَذَكَّرُ تِلكَ اللَّحظاتِ الأُولى. وَضَعتُ المِقصَّ جانِبًا، ثمَّ رَفَعتُ عَينَيَّ إليها وقلتُ:

"آه، كاسيان... قِصَّتُنا بَدَأَتْ في مَهرَجانِ الوُرودِ، حيثُ لم تَكُنِ الأُمورُ تَسيرُ كما هو مُتَوَقَّع."

ضحِكتُ قليلًا وتابَعتُ:

"في ذلكَ اليومِ، كُنتُ مَشغولةً بترتيبِ الزُّهورِ في جَناحي بالمَهرَجانِ، ووَسطَ الزِّحامِ، اصطَدَمتُ بِشَخصٍ دونَ أن أُلاحِظَ. رَفَعتُ رأسي لأجِدَ رَجُلًا طَويلَ القامَةِ، بعَينَينِ عَسَليَّتَينِ مُذهِلَتَينِ، يَنظُرُ إليَّ بِدَهشَةٍ مَمزُوجَةٍ بابتِسامَةٍ صَغيرةٍ."

ابتَسَمَتْ إلينور وقالَتْ:

"وكيفَ كانَ رَدُّ فِعلِكِ؟"

تابَعتُ وأنا أُحاوِلُ كَتمَ ضِحكتي:

"بالطَّبعِ، اعتَذَرتُ بِشَكلٍ مُتَوتِّرٍ، لكنْ قَبلَ أن أستَطيعَ الهُروبَ مِنَ المَوقِفِ، بَدَأَ بالحديثِ. كانَ فُضوليًّا بشأنِ الزُّهورِ التي أبيعُها، وسألَني عن مَعانيها. تَبادَلنا الحديثَ قليلًا، ثمَّ افتَرَقنا."

نظَرْتُ إلى إلينور بابتِسامَةٍ حَنينِيَّةٍ وأضَفتُ:

"لكنَّ القَدَرَ لم يَترُكِ الأُمورَ عندَ هذا الحَدِّ. بعدَ ساعاتٍ، دَخَلتُ إلى مَقهًى صَغيرٍ لأستَريحَ، وهناكَ وَجَدتُهُ جالِسًا عندَ إحدَى الطَّاولاتِ. لم أستَطِعْ تَجاهُلَهُ، وهو أيضًا بَدا وكأنَّهُ سَعيدٌ برُؤيتي مُجَدَّدًا. جَلَسنا وتَحَدَّثنا طَويلًا، وشَيئًا فَشيئًا بَدَأنا نَكتَشِفُ أنَّ هُناكَ شَيئًا خاصًّا بَينَنا."

إلينور كانَتْ تَستَمِعُ بكُلِّ انتِباهٍ، ثمَّ قالَتْ:

"هذا يَبدو وكأنَّهُ قِصَّةٌ مِن رِوايَةٍ. وماذا حَدَثَ بَعدَها؟"

أجَبتُها بابتِسامَةٍ عَريضَةٍ:

"بَعدَ ذلكَ، أصبَحَ كاسيان زَبُونِي المُخلِصَ. كانَ يَأتي إلى وَرشَتي كُلَّ أُسبوعٍ لِيَشتَرِيَ النَّرجِسَ، لكِنَّهُ كانَ يَجِدُ دائمًا عُذرًا لِلبَقاءِ أَطوَلَ قَليلًا، لِيَتَحَدَّثَ معي. بَعدَ شَهرَينِ، فاجَأَني بِطَلَبِ الزَّواجِ، ولم أستَطِعْ إلَّا أنْ أُوافِقَ. وبعدَها، بَدَأَتْ رِحلَتُنا مَعًا وانتَقَلْنا مِن لَندَنَ إلى مانشستر."

إلينور نَظَرَتْ إليَّ بإعجابٍ وقالَتْ:

"قِصَّتُكُما تَحمِلُ طابِعًا ساحِرًا، إيزيل. لا عَجَبَ أنَّكُما تَبدُوانِ وكأنَّكُما خُلِقتُما لِبَعضِكُما البَعضِ."

أجَبتُها بابتِسامَةٍ هادِئَةٍ:

"أحيانًا، تَأتي أجمَلُ اللَّحظاتِ مِنَ الصُّدَفِ التي لا نَتَوَقَّعُها."

بينَما كُنتُ أضَعُ آخِرَ لَمساتي عَلى زُهورِ الدّاتورا، نَظَرَت إِلَيَّ إِلينورُ بِشَيءٍ مِنَ التَّساؤُلِ وَقالَتْ:

"إِيزيل، أَخبِريني بِصَراحَةٍ... كَيفَ كانَ حُبُّكُما؟ هَل كانَ حُبًّا عاديًّا مُنذُ البِدايَةِ؟"

تَوَقَّفتُ لِلحَظَةٍ، أُرتِّبُ أَفكاري، ثُمَّ وَضَعتُ الزُّهورَ جَانِبًا وَجَلَستُ أَمامَها.

نَظَرتُ إِلى يَدَيَّ وَكَأَنَّني أَبحَثُ عَنِ الكَلِماتِ المُناسِبَةِ.

"إِلِينور... حُبُّنا لَم يَكُن عاديًّا أَبَدًا. أَعتَقِدُ أَنَّني أَحبَبتُهُ مُنذُ اللَّحظَةِ الأُولى، وَلَكِنَّ مَشاعِرَهُ كانَت دائِمًا لُغزًا بالنِّسبَةِ لي."

رَفَعَت رَأسَها بِدَهشَةٍ وَسَأَلَت:

"ماذا تَقصِدين؟ أَلَيسَ مِنَ الواضِحِ أَنَّهُ يُعشَقُكِ؟ أَنتُما تَبدُوانِ كَطائِرَينِ مُنغَمِسَينِ فِي الحُبِّ."

ابتَسَمتُ بِخُفوتٍ وَهَزَزتُ رَأسِي.

"رُبَّما يَبدُو ذَلِكَ مِنَ الخَارِجِ. وَأَنَا لا أَشكُّ أَنَّه يَهتَمُّ بِي بِطَريقَتِهِ الخَاصَّةِ، وَلَكِنَّ الحَقيقَةَ أَنَّ البِدايَةَ كانَت مُختَلِفَةً. كاسيان أَرادَ الزَّواجَ بِي لِأَنَّنِي كُنتُ المَرأَةَ المُثاليَّةَ فِي نَظَرِهِ، وَلِأَنَّ والدَتَهُ أَرادَت أَن أَكونَ شَريكَةَ حَياتِهِ."

إِلينورُ اتَّكَأَت عَلى الطَّاوِلَةِ، تَنظُرُ إِلَيَّ بِتَمَعُّنٍ.

"وَلَكِنَّكِ وافَقتِ... لِماذا؟ أَلَم يُزعِجكِ أَنَّهُ رُبَّما لَم يَكُن حُبًّا مِن طَرَفِهِ كَما هُوَ مِن طَرَفِكِ؟"

أَجَبتُها، وَصَوتِي يَفيضُ بِمَزيجٍ مِنَ الحِيرَةِ وَالتَّقَبُّلِ:

"لَم أَكُن مُتَأَكِّدَةً تَمامًا، إِلِينور. كُنتُ أَرى فِيهِ شَيئًا أَكثَرَ مِن مُجرَّدِ زَوجٍ. كانَ هُناكَ دِفءٌ فِي حَديثِهِ، فِي طَريقَتِهِ الَّتِي يُجَعِّلُنِي أَشعُرُ بِها وَكَأَنَّنِي أَهَمُّ شَخصٍ فِي حَياتِهِ. وَرُبَّما... كُنتُ آَمُلُ أَن يَأتيَ الحُبُّ الحَقيقِيُّ بِمُرورِ الوَقتِ."

صَمتُّ لِلحَظَةٍ، ثُمَّ أَضَفتُ:

"وَلَكِن هُناكَ أَوقَاتٌ، وَأَنَا أَنظُرُ إِلى عَينَيهِ، أَشعُرُ أَنَّ هُناكَ شَيئًا لَم يَقُلهُ بَعدُ، شُعُورًا لَم يُعبِّرْهُ بِالكامِلِ. قَد يَكونُ ذَلِكَ خَوفي، أَو رُبَّما هُوَ يَنتَظِرُ الوَقتَ المُناسِبَ لِيَكشِفَ عَن نَفسِهِ."

إِلِينورُ نَظَرت إِلَيَّ بِحَنانٍ وَقالَت:

"إِيزيل، أَحيَانًا الحُبُّ لا يَظهَرُ بِالكَلِماتِ، بَل فِي التَّفاصيلِ الصَّغيرَةِ. إِذا كُنتِ تَشعُرينَ بِذَلِكَ الارتِباطِ الخَاصِّ مَعَهُ، فَهَذا قَد يَكونُ أَعمَقَ مِن أَيِّ شَيءٍ آخَرَ."

ابتَسَمتُ وَأَجَبتُها:

"رُبَّما تَكونينَ عَلى حَقٍّ، إِلِينور. فِي النِّهايَةِ، لَيسَ كُلُّ حُبٍّ يَبدَأُ بِالنَّارِ، أَحيَانًا يَنمُو مِثلَ الزُّهورِ، بِهُدوءٍ وَصَبرٍ، حَتَّى يُزهِرَ فِي اللَّحظَةِ المُناسِبَةِ."

بَينَما كُنتُ أَتَحَدَّثُ مَعَ إِلِينور، قاطَعَنا صَوتُ خُطُواتٍ مَألوفٍ عَلى أَرضِيَّةِ الوَرشةِ.

رَفَعتُ رَأسي لِأَجِدَ كاسيان يَقِفُ عِندَ البَابِ، يَبتَسِمُ بِخِفَّةٍ وَهُوَ يَضَعُ يَدَيهِ فِي جَيبَي مِعطَفِهِ الدَّاكِنِ.

نَظَراتُهُ العَسَلِيَّةُ التَقَت بِعَينَيَّ، وَكَأَنَّهُ كانَ يَبحَثُ عَن شَيءٍ لِيَقُولَهُ.

"إِيزيل، فَكَرتُ أَن نَأخُذَ استِراحَةً صَغيرَةً وَنَذهَبَ إِلَى الحَدِيقَةِ كَما وَعَدتُكِ صَباحًا. ما رَأيكِ؟"

قالَ بِنَبرَةٍ هَادِئَةٍ وَلَكِنَّها تَحمِلُ إِصرارًا لا يُمكِنُ رَفضُهُ.

ابتَسَمتُ لَهُ وَوَضَعتُ المِقصَّ جَانِبًا.

"الحَدِيقَةُ؟ الآنَ؟ أَلَيسَ لَدَيكَ عَمَلٌ، كاسيان؟"

اقتَرَبَ خُطوَةً وَقالَ بِابتِسامَةٍ ماكِرَةٍ:

"دَعِينِي أُقَرِّرُ أَنَا جَدولَ أَعمَالِي، وَأَنتِ فَقَط استَمتِعِي بِالوَقتِ."

نَظَرتُ إِلَى إِلِينور بِابتِسامَةِ اعتِذارٍ.

"يَبدُو أَنَّنِي سَأَترُكُكِ لِبَعضِ الوَقتِ. هَل سَتَبقِينَ هُنا؟"

إِلِينورُ هَزَّت رَأسَهَا بِابتِسامَةٍ دَافِئَةٍ.

"بِالطَّبعِ. خُذِي وَقتَكِ. الوَرشةُ بِأَيدٍ أَمِينَةٍ."

أَخرَجتُ المَفَاتِيحَ مِن جَيبي وَسَلَّمتُها لَها.

"إِلِينور، أَترُكُ لَكِ الوَرشةَ، وَأَثِقُ أَنَّكِ سَتُدِيرِينَ الأُمُورَ كَمَا لَو كَانَت مِلكَكِ. أَرجُو أَن تُعيدِيها لِي غَدًا، فَأَنتِ أَكثَرُ شَخصٍ أَثِقُ بِهِ."

أَخَذَتِ المَفَاتِيحَ بِابتِسامَةٍ، وَقالَت:

"لا تَقلَقِي، إِيزيل. سَأَهتَمُّ بِكُلِّ شَيءٍ هُنا."

وَقَفتُ بِجانِبِ كاسيان، الَّذِي مَدَّ يَدَهُ لِيَأخُذَ يَدِي بَينَ أَصابِعِهِ. نَظَرتُ إِلَيهِ وَقُلتُ بِابتِسامَةٍ:

"حَسَنًا، لِنَرَى ما الَّذِي خَطَّطتَ لَهُ اليَومَ."

كَانَ نَسِيمُ الخَرِيفِ يُمَشِّطُ زُهورَ الأُقْحُوَانِ بِأَصَابِعِهِ الرَّقِيقَةِ، وَيَحْمِلُ عِطْرَهَا فِي الهَوَاءِ كَأَنَّهُ رِسَالَةٌ سِرِّيَّةٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ لِمَنْ يَفْهَمُ لُغَتَهَا.

أَمَّا أَنَا، فَكُنتُ جَالِسَةً عَلَى المِقْعَدِ الخَشَبِيِّ، أَرْفَعُ رِجْلًا فَوقَ الأُخْرَى، أُرَاقِبُ زُهورَ الأُقْحُوَانِ كَأَنَّهَا تَتَآمَرُ ضِدِّي.

كَاسِيَانُ، ذَاكَ الرَّجُلُ الَّذِي يَحْمِلُ عَاصِفَةً مُقَنَّعَةً بِهُدُوءٍ خَادِعٍ، كَانَ جَالِسًا بِجِوَارِي، يَحْمِلُ بَيْنَ أَنْامِلِهِ وَرْدَةً نَزَعَهَا قَبْلَ قَلِيلٍ مِنَ الأَغْصَانِ، وَيُدِيرُهَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَمَنْ يُقَلِّبُ قَضِيَّةً فِي رَأسِهِ.

قَالَ، وَنَظَرُهُ مُثَقَّلٌ بِالتَّأَمُّلِ:

ـ«مَا رَأْيُكِ فِي الأُقْحُوَانِ؟»

رَفَعْتُ حَاجِبًا بِاِزْدِرَاءٍ مُقَنَّعٍ بِاِسْتِغْرَابٍ:

ـ«زُهُورٌ تَصِرُّ عَلَى الحَيَاةِ حَتَّى فِي بُرُودَةِ الخَرِيفِ. جُرْأَتُهَا تُرْهِقُنِي.»

اِبْتَسَمَ كَاسِيَانُ، تِلْكَ الاِبْتِسَامَةُ الَّتِي تَجْعَلُكِ تَشُكِّينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَاهَا، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتِهِ الَّذِي يَحْمِلُ نَغْمَةَ المُحَقِّقِ المُتَفَرِّسِ:

«إِذَنْ، أَنْتِ تَحْسِدِينَ الأُقْحُوَانَ؟»

ضَحِكْتُ، وَهَزَزْتُ رَأْسِي وَقُلْتُ بِمُبَالَغَةٍ مَسْرَحِيَّةٍ:

«بِالطَّبْعِ، كَيْفَ لَا؟ زُهُورٌ صَغِيرَةٌ وَعَابِثَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ تَصْمُدُ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ.»

أَمَّا هُوَ، فَقَلَّبَ الوَرْدَةَ فِي يَدِهِ، وَقَالَ بِهُدُوءٍ يَكْمُنُ فِيهِ مَعْنًى أَعْمَقُ:

«أَلَا يُشْبِهُ هَذَا شَخْصًا مَا؟»

نَظَرْتُ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ نِصْفَ مُغْمَضَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَوَّهْتُ وَقُلْتُ بِاِسْتِيَاءِ مَصْطَنَعٍ:

«إِنْ كُنتَ تُحَاوِلُ مَدْحِي، فَاخْتَرْ زَهْرَةً أَكْثَرَ فَخَامَةً، رَجَاءً.»

ضَحِكَ بِصَمْتٍ، ثُمَّ قَطَعَ فِكْرَتَهُ الجَدِّيَّةَ وَقَالَ بِاِعْتِدَالٍ مُفَاجِئٍ:

«لِنَعُدْ إِلَى المَوْضُوعِ المُهِمِّ… لُنْدُن.»

شَدَدْتُ قَبْضَتِي عَلَى المِقْعَدِ الخَشَبِيِّ، وَأَحْنَيْتُ رَأْسِي بِطَرِيقَةٍ كَافِيَةٍ لِكَي يَفْهَمَ أَنَّهُ يَخُوضُ فِي أَرَاضٍ وَعِرَةٍ.

قُلْتُ وَكَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنِّي هِيَ سَيفٌ مُسَلَّطٌ عَلَى الحِوَارِ:

«مَا بِهَا لُنْدُنُ؟ أَلَا تَكْفِي مَانْشِسْتَرُ لِكُلَيْنَا؟»

أَطْلَقَ كَاسِيَانُ زَفِيرًا هَادِئًا وَقَالَ، وَهُوَ يُمَشِّطُ شَعْرَهُ بِأَصَابِعِهِ بِطَرِيقَةٍ تُشِي بِشُعُورِهِ بِالاِحْرَاجِ:

«اِشْتَقْتُ إِلَى أُمِّي… لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَذْهَبَ وَحْدِي، سَيَكُونُ ذَلِكَ غَرِيبًا.»

قَلَّبْتُ عَيْنَيَّ وَتَحَدَّثْتُ بِنَغْمَةٍ مُتَمَهِّلَةٍ، مُتَعَمِّدَةٍ:

«إِذَنْ، سَتَكُونُ زِيَارَةً مَحْكُومَةً بِالرَّحْمَةِ الإِلْزَامِيَّةِ، وَأَنَا… مَجْبُورَةٌ عَلَى مُرَافَقَتِكَ، حَتَّى لَا تَشْعُرَ بِالإِحْرَاجِ؟»

قَالَ بِاِبْتِسَامَةٍ مُتَوَتِّرَةٍ وَهُوَ يُمِيلُ رَأْسَهُ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى وَشْكِ خَسَارَةِ الجَوْلَةِ:

«مِنْ مَنْظُورٍ مَا… نَعَم.»

رَفَعْتُ إِصْبَعِي، قَاطِعَةً كُلَّ حُجَجِهِ، وَقُلْتُ وَأَنَا أُصْغِي إِلَى صَوْتِ نَفْسِي بِمُتْعَةٍ:

«رَفَضْتُ.»

صَمَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ وَقَفَ، وَنَظَرَ إِلَيَّ بِتَفْكِيرٍ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ وَهُوَ يُمِيلُ رَأْسَهُ بِخُبْثٍ:

«لَا تُغَادِرِي مَكَانَكِ.»

تَرَكَنِي دَقَائِقَ، ثُمَّ عَادَ وَفِي يَدِهِ كُوبُ مِثْلَجَاتٍ… وَقَبْلَ أَنْ أَتَحَدَّثَ، وَضَعَهُ فِي يَدِي وَهُوَ يَقُولُ بِجَادِيَّةٍ مَزِيفَةٍ:

«رَشْوَةٌ.»

لَمْ أُجِبْ، بَلْ أَخَذْتُ لُقْمَةً مِنْهَا بِرَاحَةٍ… لَكِنَّ صَوْتَ رَنِينِ هَاتِفِهِ قَطَعَ اللَّحْظَةَ. نَظَرَ إِلَيَّ، ثُمَّ لِلهَاتِفِ، ثُمَّ قَالَ بِحُزْمٍ وَهُوَ يَقُفُ:

«جَرِيمَةُ قَتْلٍ فِي دَارِ البَلَدِيَّةِ… عَلَيَّ الذِّهَابُ.»

وَهَكَذَا، تَرَكَنِي وَحِيدَةً مَعَ الأُقْحُوَانِ وَالرَّشْوَةِ المُثْلَجَةِ.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلال الداتورا

المؤلف Ben Ahmed Ryma Douni
2026/07/15 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة